أدب فن: (أمسية)* (أمسية)* ================================================================================ علي كامل on 16/ 9/ 2007   دراما الذاكرة         مسرحية في مشهد واحد                                 تأليف: هـــارولد بـنتـر ترجمة وتعليق: علي كامل    "ليس ثمة فوارق  صارمة بين ماهو واقعي وغير واقعي، ولا بين ماهو صادق وماهو زائف.  ليس مهماً أن يكون الشيء حقيقياً أو وهمياً، لأن بوسعه أن يكون الأثنين معاً.."                                                                      هارولد بنتر                                                                                                                                                                                                                                                   الشخصيات : رجل وإمرأة في عقدهما الرابع .المكان : في باحة المنزل جلس الرجل والمرأة يحتسيان القهوة.الوقت : مساء . الرجل :  إنني أتحدث عن تلك  المرّة حين كنا نقف بالقرب من النهر.المرأة :  أية مرّة؟الرجل :  المرّة الأولى. هناك، فوق الجسر. ألا تتذكرين؟ كل شيء بيننا قد بدأ من هناك.             "وقفة"  المرأة :  لا أستطيع أن أتذكرّ.  الرجل :  كنا نقف فوق الجسر ونتطلع إلى الأسفل نحو النهر. كان الوقت مساء وكانت المصابيح تضيء رصيف النهر، هناك حيث ترسو القوارب. كنا وحيدَين. كنا نرفع أبصارنا إلى أعلى النهر.. وكانت ذراعي تطوّق خصرك النحيل. ألا تتذكرين؟             كنتُ أخبىّء ذراعي تحت معطفك.           "وقفة"  المرأة :  أكان ذلك في  الشتاء؟الرجل :  في الشتاء طبعاً ً. حين إلتقينا أول مرة. لقد كانت تلك هي نزهتنا الأولى.               ينبغي عليك أن تتذكرّي ذلك .المرأة :  أتذكرّ تلك النزهة... أتذكرّ حين تمشيتُ معك.الرجل :  المرة الأولى؟ ... نزهتنا الأولى؟المرأة :  أتذكرّ ذلك بالطبع.           "وقفة"   ثم إنحدرنا في الطريق ودخلنا الحقل عبر قضبان السياج الحديدي. كنا نسير بمحاذاة الحقل، وبعد ذلك توقفنا بالقرب من قضبان السياج الحديدي.  الرجل :  كلا. كنا واقفين فوق الجسر.           "وقفة"   المرأة :  لاأتذكر. ربما كنتَ مع فتاة أخرى.الرجل :  هراء.المرأة :  نعم. كانت فتاة أخرى.الرجل :  كان ذلك منذ زمن طويل. آه، يبدو أن ذاكرتك متعبة.              "وقفة"              مازلت أتذكـّرُ الضوء المنعكس على صفحة المياه.المرأة :  ضممتَ وجهي بين يديك حين وقفنا قرب قضبان السياج الحديدي. كنتَ رقيقاً جداً ً... حذراً ً وقلقاً ً.وكانت عيناك تتفرسان وجهي. تساءلتُ حينها: ترى من أنتْ؟  وبمَ تفكر؟ وما الذي كنت تسعى إليه؟   الرجل :  إذا ً أنت متفقة معي أننا قد تقابلنا في الحفل؟ المرأة :  أي حفل؟      (تلتفت نحو المدخل)الرجل :  ماذا؟ ما بكِ؟المرأة :  أظن أنني سمعت طفلا ً يبكي.الرجل :  أنا لم أسمع أي صوت.المرأة :  ظننته طفلا ً أفاق تواً ً من نومه وراح يبكي.الرجل :  المنزل ساكن.           "وقفة" ..   "يتثاءب ويتطلع نحو ساعته"أوه، الوقت متأخر جداً ً ونحن مازلنا جالسين. علينا أن نذهب لننام.ينبغي أن أصحو مبكراً ً فلديّ أشياء كثيرة يجب عملها في الغد.لماذا تجادلينني؟المرأة :  أنا لم أجادلك. أريد أن أذهب لأنام. عليّ أن أصحو مبكراً فلديّ                        أشياء كثيرة يجب إنجازها في الغد.             "وقفة"  الرجل :  أتذكرين ذلك الرجل الذي أقام ذلك الحفل تلك الليلة. كان إسمه: داوتي. تعرفينه. لقد إلتقيتُ به صدفة . كنت أعرف زوجته. هناك إلتقيتكِ. كنت تقفين قرب النافذة. إبتسمتُ لكِ.   ولشدة إعجابي، بادلتِني أنتِ نفس الأبتسامة. كنتِ معجبة بي. وكنت أنا مندهشا ً. كنتُ يومها فاتنا ً وجذابا ً.. أنتِ قلتِ لي ذلك في ما بعد.نعم... أتذكر أنك كنتِ معجبة بعينيّ .المرأة :  أنت الذي كنت معجباً بعينيّ.             "وقفة"  لمستَ يديّ وسألتني حينها من أنا، وهل أنا حذرة لأنك كنت تلامس يديّ،وكانت أصابعك تلامس أصابعي وتتموج نحو الأعلى والأسفل بين أصابعي.   الرجل :  كلا. كنا نقف فوق الجسر. كنت أقف خلفك واضعاً ً يدي تحت معطفك ممسكاً ًبخصرك.                    كنتِ تحسيّن بيديّ وهي تتحسس جسدك.            "وقفة"  المرأة :  كنّا عائدين من الحفل الذي أقيم في منزل داوتي وزوجته. كنتَ تعرف زوجته. كانت تتطلع إليك بشوق، كما لو أنك حبيبها. كانت تبدو مغرمة بك. أما أنا فلا. لأنني لم أكن قد تعرفت عليك بعد. كان لديهما منزل جميل قرب النهر.  ذهبتُ أنا لأرتداء معطفي، وتركتك في إنتظاري .           لقد أرّدتَ أن تصطحبني معك. أظن أنك كنت لطيف ودمث جدا ً، وكنت تتصرف بظرافة وحذر.             إرتديتُ معطفي على عجل، وتطلعت نحو النافذة، وكنت أعلم أنك تنتظر. تطلعتُ من النافذة إلى النهر، وكان ضوء المصابيح منعكسا ًفوق المياه. بعدها إلتحقت بك وسرنا في الطريق وعبر قضبان السياج الحديدي دخلنا الحقل، وكانت هناك باحة لوقوف العربات. ظللنا نبحث كثيرا ًعن عربتك.. بعدها وفي وقت متأخر عثرنا على العربة، ثم إنطلقنا معاً ً.                   "وقفة"الرجل :  لقد لمستُ نهديك.المرأة :  متى؟ .. أوه.. أعني أين؟ الرجل :  فوق الجسر... لقد تحسستهما.المرأة :  حقاً ً؟الرجل :  وكنتُ ملتصقاً ًبك من الخلف.. المرأة :  نعم.. وتساءلتُ حينها إذا ماكنتَ تريد... تريد أن.. أن..الرجل :  نعم.المرأة :  لقد أدهشتني جرأتك.. أظن أنك كنت تريد.. الرجل :  أدخلتُ يديّ تحت قميصك، وفككت الحّمالة، فتحسست ثدييك.المرأة :  ربما كان ذلك في مساء آخر، مع إمرأة أخرى.الرجل :  ألا تتذكرين ملمس أصابعي وهي تتحسس نهديك؟ المرأة :  وهل كان نهدي  بين يديك؟  بين يديك!؟ الرجل :  وملمس يديّ فوق جسدك، ألا تتذكرينها؟            "وقفة" المرأة :  وكنت تقف ورائي؟الرجل :  نعم.المرأة :  لكني كنت حينها أتكىء على قضبان السياج الحديدي. وكنت أحس بها وهي تلامس ظهري.           كنتَ تتطلع في وجهي وأنا أتطلعّ في عينيك. وكان معطفي مغلقا ً لأن الطقس كان باردا ً.   الرجل :  فككتُ أزرار معطفك.المرأة :  كان الوقت متأخرا ً جدا ً والجو باردا ً.الرجل :  وبعدها غادرنا الجسر، ومشينا على الرصيف المحاذي للنهر، ووصلنا حتى مستودع القمامة.المرأة :  وضممتني إلى صدرك، وهمست لي أنك مغرم بي، وقلت لي  أن صوتي وعينيّ وساقاي ونهديّ لا مثيل لهم أبدا ً. وقلت لي أنك ستظل تعبدني إلى الأبد.الرجل :  نعم قلت لك ذلك. المرأة :  وأنك ستظل تعبدني إلى الأبد.الرجل :  نعم , سأظل أعبدك إلى الأبد .المرأة :  وبعدها أصبح لدينا أطفال، وصرنا نجلس ونتحدث، أنت تتذكر نساءك فوق الجسور وعند أرصفة رسو القوارب وأوعية القمامة.       الرجل :  وأنتِ تتذكرين مؤخرتك المتكئة على قضبان السياج الحديدي، والرجال يمسكون  بذراعيك، وآخرون يتطلعون في عينيك...               المرأة :  ويتحدثون معي برقة.الرجل :  وكان صوتك الدافىء يتحدث معهم بنعومة في المساء.المرأة :  وكانوا جميعاً ًيقولون لي: سنظل نعبدك إلى الأبد.الرجل :  وأنا مازلت أقول نفس الشيء.           أنني ساظل أعبدك إلى الأبد.                                                                                                            (النهاية) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    التعليق: (*) ــــــــــــــــــــــــ إن أوضح تعريف بكاتب ملغز مثل هارولد بنتر نعثر عليه في كلمات ديفيد هير، حيث كتب مرة يقول: "لقد فعل بنتر ماقاله أودن ما على الشاعر أن يفعله. لقد نظّف قنوات اللغة الأنكَليزية من شوائبها، فأصبحت مفرداتها تجري برشاقة وسلاسة.". كتب بنتر أربع مسرحيات ـ تراجيكوميدية ـ تجريبية خلال عام واحد )1969)، إعتمدت الذاكرة بؤرة لتجمّع ضوء الفكرة، والصمت لغة،إيقاعاً ودلالة، أما الزمن فهو زمن دائري يحمل سمات زئبقية، حيث يفتح فيه الحاضر الباب مشرعاً ليدخل الماضي برشاقة ليحل مكانه وبالعكس. ثيمات يتبادل فيها الحقيقي الزائف والواقعي الوهمي مواقعهم بالتناوب، بما يشبه لعبة المرايا أو المخادعة، ويحل الشعر المنثور ضيفاً لدناً في تعاريج الحديث اليومي العادي، والموسيقى نسغاً ينظم مسارات تلك الأحاديث.  إنها ثيمات ذات سمة بيكيتية ـ بروستية، تتحدث بسخرية مبّطنة عن جوهر العلاقة الذكورية ـ الأنثوية. علاقة الرجل والمرأة، الزوج والزوجة، العشيق والعشيقة. أفكار مشوشة مختصرة لعواطف متوترة، جوهرها الجنس والحب الشهواني، الغيرة، الخيانة، الضجر والرتابة، العزلة والكآبة، في تخوم سنوات اليأس، لعلاقات وزيجات أصبحت ذكراها نائية جداً. و هذه المسرحيات هي على التوالي:Night -1 (أمسية) Landscape-2 (منظر طبيعي) Silence -3 (صمت) Old Times -4 (أيام زمان) مسرحية (أمسية) هي القطعة الأقصر حجماً بين هذه القطع الأربعة، وهي تصلح للقراءة والأستماع أكثر من صلاحيتها أن  تتجسد على خشبة المسرح. إنها تخلو تماماً من الحركات الجسدية على الخشبة، حيث الشخصيتان الرئيسيتان، اللذان هما الزوج والزوجة، يستهلان المسرحية ويختتمانها وهما جالسين. تختلف هذه المسرحية عن الثلاثة الباقية، في أنها كوميدية على وجه العموم، وأنها تتضمن قصة تقليدية مألوفة. وعلى خلاف جلّ مسرحيات بنتر الأخرى، فهي تختتم  بنهاية إحتفالية مبهجة.الزوجان اللذان هما في الأربعينات من العمر، لديهما ذكريات متعارضة بشأن لقائهما الأول، ففيما تظن الزوجة أنهما كانا يجلسان بالقرب من السور الحديدي للحقل، يظن الزوج أنهما كانا يقفان فوق الجسر. إلا أنهما يتفقان  كيف إلتقيا، وكيف أن أحدهما كان يحبّ الآخر. على الرغم من أن الزوج  يتذكر أنه كان يقف خلفها، ممسكاً بنهديها، إلا أنها تصّر وبإرباك: "لكنني كنت أتكئ على قضبان السياج الحديدي، وكنت أحس  بها وهي تلامس ظهري. كنتَ تتطلع في وجهي وأنا أتطلع في عينيك.". تفاصيل كهذه ليست مهمة بالطبع، لكنها تكشف عن عذوبة لحظات مزهرة متوهجة ذهبت، فجاءت المخيلة تستعيدها كعملية تعويض لحاضر مقفر مجدب حزين. إنهما يتفقان على أنه كان قد حاز عليها، وقال أنه أحبها وكان يعبدها دائماً. وإتفقا أيضاً أنه مازال يعبدها.إن صفات مثل "رقيق، لطيف" يصعب العثور عليها دائماً في مسرحيات بنتر، إلا  أنهما معاً تتناغمان وتلك الأمسية البهيجة، حيث الماضي يجلب الحنين، لا الفزع  والرهبة. شجارهما ليس حقوداً أو مؤذياً، بل ممتعاً ومّسلياً، لكن مع ذلك، ورغم كل تلك الذكريات العاطفية الحميمة، ورغم كل ذلك الحب الذي إستأنف الرحلة معهما حتى الآن، إلا أن ثمة تعارض خفي يعلن عن نفسه بين حين وآخر، وهو تعارض غير قابل للتوافق أو التغيير، ويكشف عن شرخ تراجيدي عميق في جوهر تلك العلاقة. هذا الصدع  الذي يبدو طفيفاّ من الخارج، يمكنه أن يحفر هاوية تتسع من حين لآخر، لكنهما، مع ذلك ، يتعايشان معه بسكينة وسلام.إن كلمات مثل "أتذكرّ، أو، لا أستطيع أن أتذكرّ" نعثر عليها عبر محطات الحديث، كما لو أنها نوع من تحفيز أو تنشيط  لذاكرة مخرّبة كي تعيد إنتاج ذلك الماضي، لكن، على ضوء اللحظة الراهنة.