الرئيسية »  المـسـرح»  مسرحية (فراديس)

مسرحية (فراديس)

عدد مرات المشاهدة :480 - 22/ 9/ 2010

قاسم فنجان

مسرحية (فراديس)

مسرحية من فصل واحد

الزمان: مفتوح في ذاكرة المشاهد .
المكان: مغلق في ذاكرة الممثل .
الشخوص: الأول ، الثاني ، الثالث ، شبح الأم .
المشهد: ثلاثة على منصة من رخام يتحركون بشكل موضعي عندما تبدأ موسيقى تتخللها أصوات لديكة قريبة .

النص

الأول : "متثائباً" أين نحن ؟
الثاني : هنا .
الثالث : أو هناك .
الأول : لافرق مادامت الأماكن واحدة .
الثاني : هل سنبدأ ؟
الأول : بالتأكيد ولكن بمن ْ ؟
الثاني : بيَّ طبعاً .
الثالث : لا بل بي ْ .
الثاني : بيَّ أولاً .
الثالث : قلت بي .
الأول : إخرسا لافرق بينكما فأنتما وجهان لعملة واحدة .
الثاني : قل ماذا تريد أن افعل لأختلف عنه .
الأول : إملئ فضائك الفسيح أولاً .
الثاني : بماذا و لاشئ عندي إلا الذكريات .
الأول : وأنت هل ستفعل لأبدأً معك أولاً ..
الثالث : سأفعل ماتريد لأختلف عنه .
الأول : حسناً إملئ داخلك الخاوي .
الثالث : بماذا و لاشئ هنا سوى الهواء .
الأول : اذن لنرجأ البدء الى يوم آخر .
الثاني : ها قد بدأت تراوغ من جديد .
الثالث : أجل إنك تراوغ معنا ، سنوات و نحن نتوسلك و كلما يتأجج ألمنا تعيد جملتك الرتيبة الى يوم آخر .
الأول : إهدءا ان الامور على مايرام .
الثالث : بل على غير مايرام ، ألم تسمع ؟
الأول : ماذا ؟
الثالث : لقد أكله القمل .
الأول : القمل يأكل إنسان ، ماهذا الهراء .
الثالث : كما أقول لك ، لقد أكله القمل .
الأول : صحح ماتقول انك في موضع لايقبل العبث .
الثالث :أصابه القملً بالجرب أولاً.
الأول : وما علاقة الجرب بالقتل .
الثالث : إمتص دمه .
الثاني : " بخوف " عزلوه ؟
الثالث : لا بل حمموه بماء فاتر ثم جمعوا الفائض من مائه و أجبرونا على شربه لسبعة أيام متتالية .
الثاني : " يتجشأ " آ ه ..
الثالث : " للثاني " لنهرب .
الثاني : لا،لاأريد أن أموت .لن أهرب .
الثالث : لن تموت يا أحمق ما دمت ترنو للخلاص ، ها أنت ترى الفضاء ملغوماً بالفوضى ، لنحاول و عسى أن تسعفنا السماء بأنكسار يمهد لنا سبيل الفرار .
الثاني : كيف سنتمكن من اجتياز الأسلاك المكهربة .
الثالث : أعددت خطة اتعطيل الكهرباء و ستعرفها لاحقاً .
الثاني : والأبراج التي تنظر صوبنا مثل عيون ذئبية .
الثالث : سأفجرها بعد تأجيج تمرد كاذب .
الثاني : والحراس الذين ينتصبون على رؤوسنا كالمصائر ليلاً و نهاراً .
الثالث : سنقتلهم إن لزم الأمر .
الثاني : اذن لابد من القتل .
الثالث : بالتأكيد حتى تتحقق النجاة .
الثاني : لن أوافق انني بأمان هنا .
الثالث : أي امان تراه في الزنازين المرعبة و المحاجر المظلمة و القلاع الرهيبة .
الثاني : أمان فحسب افضل من الفناء الذي تدفعانني إليه .
الثالث : لِمَ تطع سجانيك وهم لايضمنون لك حياتك من القتل .
الثاني : إنك تصر على فنائي .
الأول : هذا لأنه لايريد لك المشاركة أبداً .
الثالث : على العكس انني اريد له الخلاص .
الثاني : وخلاصي معهم ، لقد قالوا ستعود .
الثالث : على نقالة يا أرعن سوف تعود .
الثاني : مالذي يجعلك متأكداً من هذا ؟
الثالث : لأني شاهدت ما لم تشاهداه أبداً .
الأول : قل ماذا شاهدت ؟
الثالث : ذات ليلة و أنا أتقلب على فراشي ، أخذت أرسم طريق الفرار الأخير و أحصي في ذهني الساعات التي تلزمني للخلاص ، إنتبهت على صرير مرعب خلته باب الزنزانة ، نهضت ، كان الباب أخرساً ، قلت في سري صرصار .
الثاني : صرصار !
الثالث : أجل صرصار ، لكنه لم يكن كذلك ، تحركت بحذر على ضوء القمر الخافت فرأيت حشرة غريبة ناتئة من إحدى قوائم السرير ، دنوت منها و قررت أن أسحقها .
الأول : وسحقتها ؟
الثالث : ليتني لم أفعل ، لقد إنفجرت مثل قنبرة دموية ملطخة هواء الزنزانة بالعطن ، رفعت القنديل و رايت شواظها المخيفة تتشرنق على نفسها و تتناسل في لطخات الدم لتتكاثر وتتكاثر وتتكاثر بعد ان تمتص الدم من كل شئ .
الأول : لماذا لم تطلب المساعدة من ادارة السجن .
الثالث : كيف أفعل وحال خروجهم حدثت الكارثة .
الثاني : هل جلبوا المبيدات لتطهيركم .
الثالث : بل عزلونا مع الحشرات الغريبة مبررين فعلتهم بأن الحالة اصبحت خارج نطاق السيطرة .
الأول : مات الجميع .
الثالث : إلا أنا صرت الشاهد الوحيد على الموت في زنزانة الحشرات .
الثاني : ماشاهدته لايعنينا قط .
الثالث : كيف و أنتما معرضان لنفس المصير .
الثاني : إنه مصيرك فقط ، أما أنا فمصيري معه .
الثالث : إذن سأ تدبر الفراربمفردي " يتحرك "
الأول : "يعترضه " و إن أردت البدء معك .
الثالث : ها ، سأعدل عن قراري و أبقى .
الأول : هيا الى المنصة " يتحرك للمنصة فيعترضه الثاني "
الثاني : اياك أن تصعد ، سوف يستحث آلامك السابتة هنا ك لتزداد وحشة هنا
الثالث : ليكن فأنا مولود للشقاء .
الثاني : سوف ترى الفناء بعينه .
الثالث : لاأمانع مادمت سأنفلت من آفة هذا الفضاء الأسود .
الثاني : سترى كل ماتتمناه وتندم ..
الثالث : لاشوق عندي الى إي شئ بعد أن استبدلوا أحلامي بالرصاص .
الثاني : قد تصحى بين يديه و لن تنامً .
الثالث : افضل من نومٍ مغشوش
الأول : " يتدخل " لماذا لاتريد له المشاركة .
الثاني : لأنه لن ينام بسهولة ، انني أعرفه جيداً .
الأول : " للثالث " لنرجأ العمل إذن .
الثالث : لا .. لقد تفسخت هنا و ينبغني أن تعيدني الى ما كنت عليه .
الأول : بهذه السهولة لاأستطيع لا سيما و أنت تشبهه الى حد كبير .
الثالث : أشبه من ؟
الأول " يشير للثاني " شبيهك هذا ،
الثالث : قل ماذا تريد أن أفعل لأختلف عنه .
الأول : كما قلت لك سابقاً ، عليك أن تملأ داخلك الخاوي .
الثالث : بماذا و لاشئ هنا سوى الهواء .
الأول : بالهواء، تشممه و سأبدأ معك حينما يطرأ عليك التغير المطلوب . هيا .
الثالث : " يقعي ككلب على ركبتيه ويبدأبتشمم الهواء بقوة " لو أني أتمكن من إستنشاق كل شئ لفعلت .
الأول : " يضحك " لك هذا الفضاء الفسيح تشممه حتى تمتلئ .
الثالث : ها أنذا أشم و أشم و أشم .
الأول : بشدةٍ حتى التخمة ، هيا .
الثالث : لقد تشممت الفضاء بأسره ، لقد إمتلأت ، إمتلأت !
الأول : ليس بعد ، واصل التشمم ، هيا ، واصل .
الثالث : لقد إحتويت الفراغ بداخلي ، لأتوقف ، لأ ..توقف .
الأول : إياك أن تتوقف ، إنك توشك على التغيّر ، حاول .
الثالث : لاأستطيع لقد تعبت ، تعبت .
الأول : بل تستطيع ، حاول و لاتيأس ، حاول .
الثالث : انني أختنق ، أختنق .
الثاني : " يتدخل " سوف يغشى عليه ، لأساعده .
الأول : " يعترضه " لاتفعل ، إن شكله مازال واحداً .
الثالث : " كمن يحتضر " أختنق ، أختنق .
الثاني : انه يختنق .
الأول : دعه يختنق ويموت إن هذا لك افضل
الثالث : اني أخ .. تنق ، أخت..نق . " يتهادى على الأرض "
الثاني : اراد أن يرمم أمنياته ولم يفلح .
الأول : قد يفلح في المرة القادمة .
الثاني : هل لديه أمنية غير الحرية ؟
الأول : أجل لديه ، كان يقول لي ، عندما أفرمن هنا سوف أضيف أمنيات جديدة ، مجنون .
الثاني : لماذا تنعته بالجنون .
الأول : لأنه لايدرك حجم من يصارعه هنا .
الثاني : كيف تقول هذا عنه و أنت شاهده الوحيد .
الأول : هل مازلت تذكرها ؟
الثاني : كيف أنسى هروعنا سويةًً على دويّ الأطلاقات التي قادتنا لرؤية سجينين يسبحان في بركة من الدم وعلى مقربة منهما كان هنالك سجان يضحك ببرود .
الأول : التزم آنذاك الجميع الصمت .
الثاني : "يشير للمتهادي" ماعداه ، تقدم صوب السجان كالمجنون وقال : لِم َقتلتهم ؟
الأول : أجاب السجان بالرصاص .
الثاني : بل آثر الصمت فردد صاحبنا إنهم أبرياء .
الأول : إبتلع السجان الأهانة من غير كلام .
الثاني : لا ، بل ردَّ بصوت قاتل ، أغرب عن وجهي .
الأول : لم يبتعد فأضطر لقتله حتماً .
الثاني : بل إبتعد ولكن صوب الجدران ، خلع عنها الشعارات و مزقها وهو يصرخ .. آه .. فتحركت العاطفة في الزنازين و المحاجر و ساحت على البلاط نداءات تحث الكرامة على المثول لتستقيم ثورة يصبح فيها للموت طعم كالحياة ، الحياة التي كنت أراها تتشظى لتوشم الهواء بالدم .
الأول : هل مات الجميع ؟
الثاني : لا ، هنالك جرحى تمَ إرسالهم الى مستشفيات لاتعيد جرحاها أبداً .
الأول : والأحياء ؟
الثاني : الى محاجر تحت الأرض .
الأول : وأنت ؟
الثاني : جاهدت من أجل المحافظة على حياتي من أجلهم .
الأول : لكنهم لن يجيؤا الى هنا إنهم نائمون هناك .
الثاني : سأفر نحوهم و سيساعدني هذا " يوقظه " هيْ ، سأهرب معك ،
الثالث : " ينهض " هل ستهرب ؟
الثاني : سأهرب .
الثالث : ستهرب معي .
الثاني : سأهرب معك .
الثالث : لن أهرب مادمت ستهرب .
الثاني : لماذا ؟
الثالث :لأنهم سيأتون .
الثاني : لاطائل من إنتظاري الطويل لهم ، لن يأتو ا .
الأول : منذ متى و أنت تنتظر عودتهم .
الثاني : ها .. منذ لاأعلم .
الثالث : لا أعلم إنه زمن طويل .
الأول : لِمَ لاتحاول الوصول إليهم .
الثاني : كيف ؟
الأول : بالكتابة .
الثاني : أكتٌبْ !
الثالث : أجل مازال في الوقت متسع لذلك .
الأول : هيا خذ القلم و أكتب .
الثاني : " يتردد " .......................
الأول : هل تخاف الكتابة و أنت كاتب كبير .
الثاني : أكثر من خوفي من الجلاد .
الثالث : لكنك يجب أن تكتب .
الثاني : لقد تحجرت أناملي و لاأستطيع الأمساك بالقلم .
الأول : سنساعدك هيا .
الثاني : " يدوران حوله " لماذا تدوران حولي هكذا .
الأول : شئ ما يدور في داخلنا يجعلنا ندور هكذا .
الثاني : توقفا انني أكره الدوران .
الثالث : لانستطيع فنحن لاندور بمحض إرادتنا .
الثاني : توقفا ، سأكتب ، سأكتب .
الأول : هل وصلت رسالة منهم ؟
الثاني : اجل كانت رسالة واحدة .
الأول : متى كان هذا .
الثاني : كان قد إنقضى على أعتقالي .. لااعلم .
الثالث : لايعلم إنه زمن طويل .
الأول : كيف سمعت بنبأها .
الثاني : من الآخرين و حاول استلامها لي أحدهم لكنهم لم يسمحوا له بذلك ، اتحهت نحو الضابط الذي كان في قاطع آخر ووجدته قد أنهى التوزيع ، كلمته : ياسبدي إن لي رسالة من أهلي ، تجاهلني لكنني تبعته : ماذا لو استلمتها الآن إنني هنا منذ لاأعلم .
الأول : هل اعطاك الرسالة ؟
الثاني : بل إستدار بغضب وقال : عٌد الى زنزانتك .
الثالث : لم تنم تلك الليلة .
الثاني : و لا الليلة التي تلتها ، كنت مشغولاً بالسجناء اللذين أستقبلوني بالتهاني و الأطراء " يقلدهم " لو كنت مكانك ، إنك محظوظ ، ما أسعدك ، و أخيراً !
الأول : وصلت الرسالة .
الثاني : اجل ولكنها لآخر غيري .
الثالث : ماذا تعني .
الثاني : اني غير مقيد ضمن قوائم الخانعين لذا فأني غير مشمول بالرسائل .
الأول : لم تكترث كعادتك و آثرت الصمت .
الثاني : بل قررت أن أثأر منهم .
الأول : هل حرقت الرسائل .
الثاني : بل سرقتها ، سرقت الرسائل الواردة و بذلك تداخلت الأخبار مع بعضها و قضت إدارة السجن سنوات لتفك إلتباس الأخبار ببعضها .
الأول : ألم يكتشفوها ؟
الثاني : لقد خبأتها في مكان سري .
الأول : أين ؟
الثاني : " ببلادة يشير الى رأسه " هنا .
الثالث : هل حشوت بها رأسك يا أحمق .
الثاني : اجل حشوت بها رأسي و رسمت فيها فراشات و نساء جميلات القوام ، كٌنَّ يتراقصن ببهجة وسرور في رأسي حتى أخذت مساحة الذاكرة تتسع لتصير حلماً تتقافز فيه أشباح الأهل .
الأول : أهلك ! لماذا جئت بهم الى هنا .
الثاني : كانوا جاثمين معي كما لوكنت معهم ،أطفالي في خزانة قلبي يمرغون أكفهم بأوجاعي، و أمي الحزينة تتضرع بالدمع و الدعاء من أجلي ،و أبي بصوته الدافئ الحنون يصرخ : طأطأ ياولدي رأسك ، إقتل ياولدي كي لاتٌقتل .
الثالث : و قتلت ؟
الثاني : حاولت و لم أقوَ ، جاهدت و لم افلح ، غضبوا مني فغرسوا نطفة الأنخذال في جوفي فأنسحقت ، لذلك يجب أن تطهرني من حشو خرابهم و ترفع عني عار خطاياهم و تزرعني بيَّ من جديد لأعود.
الأول : إهدا ان الأمور على مايرام .
الثاني : بل على غير مايرام ، ينبغي أن تعيدني الى ما كنت عليه .
الأول : بهذه السهولة لاأستطيع .
الثاني : قل ماذا تريد أن أفعل و سأفعل .
الأول : عليك أن تملأ فضائك الفسيح .
الثاني : بماذا ولاشئ هنا سوى الذكريات .
الأول : بالذكريات .
الثاني : هل أتشممها ؟
الأول : بل تلفظَّها وتحرر منها حتى تعود .
الثاني : هل سأعود وأصل .
الأول : بالتأكيد ، هيا إن وقتك يمر سريعاً كالبرق .
الثاني : " يجثو على ركبتيه ويبدأ الحبو على الأرض " ها أنذا أراني أحبو في جسد و أزوغ بروحي التي ترنو للحياة .
الأول : هذا صحيح ،اني أراك الآن تتلألأ في جسد ضئيل ، مزقه وابزغ لتكون كما تريد .
الثاني : ها انذا أتمخض بوجع و أسفح على بلاط الحياة طفلاً اظنه أنا .
الأول : إنه أنت ، أنت الذي تنمو الآن بسلام وتمضي ، هيا إمضِ ، إمض ِ الى الأمامِ .
الثاني : انني أمضي و تتقدم سنواتي راكضة أمامي ، إنها تكللني بالحب و أكللها بالأحلام .
الأول : ها قد بدأت تعود، هيا استمر في السعادة و إياك أن تركن للحزن .
الثاني : ثمة من تتابعني ، اني أراها شاهرة الخراب على حياتي .
الأول : إنها حرب فلا تأبه بها .
الثاني : انها تمزق ذكرياتي بقسوة وتشوه أيامي بعنف . لأعود من حيث إبتدأت .
الأول : لاتستطيع بعد أن خطوت .
الثاني : ان الحرب تتناسل الى حروب تحاصرني بوحشية ، ماذا أفعل لأنجو .
الأول : أهرب .
الثاني : الى أين و العالم باسره يحاربني .
الأول : اليها ، الى رحمها البعيد ، تحصَّن بظلامه الرحيم .
الثاني : كيف أنفد إليها و السجن المرير يجثم على روحي كالجيثوم .
الأول : تحرر منه و إلا ستموت .
الثاني : لاأقو إن ظلامه الثقيل يتكاثف في روحي و يطبق على جسدي .
الأول : لاتركن ياهذا للياس ، حاول و ستعود .
الثاني : لاأقوَ انني أختنق .. أختنق .
الثالث : " يتدخل " لأساعده سوف يغشى عليه .
الأول : لاتفعل فمازال داخله يمور بالكثير .
الثالث : إنه يختنق .
الأول : دعه يختنق ، إن هذا لك أفضل .
الثاني : اني اخت..نق ، أخ..تنق " يتهادى على الأرض " .
الأول : : اراد أن يرمم أمنياته ولم يفلح .
الثالث : قد يفلح في المرة القادمة ، هل لديه أمنية اخرى غير العودة .
الأول : اجل الفراشات .
الثالث : الفراشات !
الأول : وهبها له رجل لانعرفه .
الثالث : كيف عرفت ذلك ؟
الأول : من إعترافه في التحقيق .
الثالث : آلموه ؟
الأول : كان يعود كما لو كان كائناً آخر بعد كل إستجواب .
الثالث : ماذا كانت جريمته بالتحديد ؟
الأول : ضبطوه و هو يزرع الفراشات في جلود السجناء .
الثالث : هل كان يشبهني .
الأول : ها .. الى حد ما .
الثالث : وفراشاته ؟
الأول : صادروها .
الثالث : تكذب ! لقد طارت بعيداً عنهم .
الأول : كيف نجزم بهذا و أنت لم تكن معه .
الثالث : أما قلت إنه يشبهني .
الأول : قلت ُ و لا أنكر هذا .
الثالث : إنك تتكلم عني .
الأول : هذا غير صحيح .
الثالث : بل صحيح فأنت تحاول إستلابي له .
الأول : إنها أمنيته فلاتحاول أن تصادرها لك َ .
الثالث : بل أمنيتي و تريد إستلابها مني .
الأول : بل أمنيته .
الثالث : بل أمنيتي أنظر" يمزق بعنف قميص الثاني فيستيقظ ويظهر نصفه العاري " إنه عار ٍ ، عارٍ تماماً ، أما أنا مملوء ، مملوء ، مملوء " يمزق قميصه فيظهر صدره الموشوم بأكمله بالفراشات "
الأول : ياآلهي ما كل هذه الفراشات .
الثالث : إنها وسيلتي الأخيرة للخلاص ، هل تساعداني ؟
الثاني : بالتأكيد ، إنك الأشد حلماً بيننا .
الأول : هيا أعتلِ المنصة بسرعة ، يجب أن تصل بحلمك الى هناك .
الثالث : " يتحرك صوب المنصة " ها أنذا أعتلي المنصة لأصل الى هناك .
الأول : والآن إغمض عينيك لترى .
الثالث : " يغمض عينيه " اني انظر لكنني لاأرى .
الأول : إغمضهما بشدة و سترى فراشات تعبر بأسراب منتظمة .
الثالث : إني أغمضهما و أرى فراشات ملونة تتجه للأعالي .
الأول : حاول أن تلتحق بها .
الثالث : " يتلوى " لاأستطيع ان الأقفاص تمسك بجسدي بقوة .
الأول : هشمها ، هشم الأقفاص و حلق عالياً .
الثالث : " يتلوى أكثر " لاأستطيع ، لاأستطيع .
الأول : حاول ، حاول بروحك .
الثالث : " يتحرر قليلاً " ها أنذا أحاول والفراشات تبتعد .
الأول : حاول اللحاق بها .
الثالث : لاأقوِ إنها تسمو عالياِ .
الأول : إلحقها إنها خيارك الأخير، إلحقها إنها من ستقّلكَ الى هناك .
الثالث : ها أنذا احاول و لااستطيع ، ساعدني أرجوك .
الأول : " بفرح " لقد نجحت ، نجحت ، ها قد بدأت اسمع إصطفاق أجنحتك الرقيقة ، إنك تطير ، تطير .
الثالث : أجل أنا أطيروأطير، ها أنذا أحلقُ أخيراً في الفضاء الجميل .
الأول : إسمُ بلهفة للأعالي البعيدة .
الثالث : ها أنذا اسمو و أسمو عالياً .
الأول : واصل الطيران ، واصل إنك تقترب من السرب ، إنضم اليه و حلقْ معه عالياًً .
الثالث : ها أنذا انضم الى السرب و احلق معه نشواناً ، هانحن و نطير و نصل الى سماء رائعة .
الأول : إنها سماؤك يامنهوك ، سماء أهلك البعيدين .
الثالث : آه .. يا للسعادة ، انني تحت سماء أشياؤها تتراقص معي ، آه .. ياللبهجة إن سمائي تنث رذاذها البارد في وجهي ، " ينكمش " آه .. لقد إشتد البرد ، " يرتجف " إشتد البرد ، إشتد .
الأول : حاذر البرد ، حاذر !
الثالث : "بألم " لقد إشتد البرد و تحول الرذاذ الى وفرغزير .
الأول : إصفق جناحيك بقوة ، إصمد وقاوم البرد .
الثالث : لاأقوَ لقد إشتد البرد وتحول الوفر الى ثلج و تجمدت الفراشات .
الأول : حلق صوب سماء أخرى .
الثالث : لااستطيع ، فأنا الآن تحت سمائي .
الأول : هشم الثلج و عدْ ، سوف تموت .
الثالث : لأمتْ ، فأنا الآن تحت سماء أشياؤها تتراقص ، تتراقص ، تتراقص ْ " يتحجر على المنصة "
الثاني : مات ؟
الأول : بعد أن أعياه حلمه بالرجوع ، و أنت ؟
الثاني : أريد ذلك أيضاً .
الأول : هيا أعتلِ المنصة لترى .
الثاني : " يتحرك الى المنصة " ها أنذا أعتلي المنصة لأرى .
الأول : إفتح عينيك بقوة ومّدَ يديك ، مدهنَّ بقوة و ستمسك بما تراه .
الثاني : اني أمدهُنَّ وأرى ثكنات مؤطرة بزهور .
الأول : وأسلاك شائكة .
الثاني : تلتف حولها الحقول .
الأول : المملؤة بالألغام .
الثاني : بل بالألوان ، ألوان تفضحها شمس الصباحات الندية .
الأول : الصباحات ، هذا جيد تواصل .
الثاني : رذاذها الرطب ينثال على رؤوسه الحاسرة و الوانها الذهبية تمتصه مقلهم الساهمة .
الأول : من هم؟
الثاني : لاأعلم ، إن أشكالهم تتقافز في ذهني ، إنها تحضر وتغيب .
الأول : صِفهم لي ؟
الثاني : أطولهم تتماوج و كذلك ملامحهم .
الأول : لاحقهم و حاول أن تمسك بهم .
الثاني : انهم يهربون ، يهربون مني حميعاً ، إلاواحدة تخترق ضباب الرحيل و ترتد نحوي .
الأول : هل تراها الآن .
الثاني : اجل اني أراها ، إنها قريبة جداً .
الأول : هل تعرفها ؟
الثاني : إنها إبنتي ، إبنتي " يظهر شبح المرأة " لقد كبرتِ ، كبرتِ كثيراً .
الأم : كيف وسنوات سجنك تزحف على عمري ياولدي .
الثاني : أماه ! لقد خانتني الرؤى والصحب و الزمان ، ها أنت ترين شيب روحي " يشير لشعره " إنه شمعاتك التي أوقدها كلما يخبو الحنين إليك 0
الأم : آه ياولدي الغريب ،كم مضى على حزني عليك،هاهو عمري يمضي بي لأمضي معه نحومرفأك القصي،لقد جلبت لك ماتحب وماتهوى فقل ياحضرة الغياب ماذا تريد ؟
الثاني : ماذا أريد ماذا 00 اريد 00 اريد !
الأم : اني أعرف ماتريد ، تعال ياولدي الصغير لأضمك الى صدري ، تعال 0
الثاني : ضميني لشذى رائحتك الطاهرة ياأمي و حرريني أيتها القديسة من إلحاد شوقي إليكِ لقد فاض بيَّ الحزن هنا ولم أعد أرى سوى الضباب والدموع 0
الأم : " تحضنه " ها أنت الآن من جديد بحضني الرحيم ياولدي .
الثاني : أماه ضميني بقوةٍ إليكِ ، إن العمر يحاصرني و الموت مخيف 0
الأم : لاتخف ، عما قريب سيزول الخوف و الموت معاً ، أنظر ؟
الثاني : " يرفع رأسه " .....................
الأم : هاهي شمسنا تقترب من الزوال 0
الثاني : هل سيحل المساءً 0
الأم : أجل ياولدي لقد حلَّ مساء حياتنا الأخير وحان معه أوان نومنا الأبدي 0
الثاني : سأنام أخيراً 0
الأم : ستنام ياولدي 0
الثاني : سأنام 0
الأم : ستنام .
الثاني : سأنام .
الأم : نَمْ .. ياولدي .. نَمْ .. نَمْ ...نَمْ ......" بتحجر في نومته ويغيب شبح الأم ويبقى الأول وحيداً " هل هذا ما أردتماه ، أن تناما مثل حجرٍ في ذاكرة التراب " يتحرك نحو المنصة" أنت " للثالث " ها أنذا أمزق قميصي مثلك فلماذا لايخترقني بردك لأتحجر ، و أنت " للثاني " يامنْ اعدتك جنيناً لرحمها الرحيم ، لِمَ أنت ساكن كالموت ،لماذا لاتتكلم ؟ لِمَ لاتتكلمان ، ها أنتم ترون أشجار حياتي السوداء ، لقد رسمتكما حتى سال من نسغها دمي ، دمي الذي أرقته على بلاط عمريكما المرتعش بي ، من أجلكم صرخت في الأقفاص يامكللان بتيجان قبلتَّها أكف الملائكة أنتم بثور حصبتي وطفولتي الملونة ،عودوا بي فلكل كائن مصير أما انا بلا مصير، مصيري مثل مساء حزين و صباحاتي شمعت آذانها بنشيج العدم " للجمهور " تعالوا هذي زهوري تنتظرلمسة من أناملكم لتعلن الربيع ،تعالوا إن دمي فراديس مملوؤة بالحنين تعالوا ليس في متسعنا زمناً آخر للغياب ،تعالوا إن الجميع يحاصرني هنا ،اني أسألكم ماذا أفعل اجيبوا ؟
" بتحجر الأول و يعود النصب الى شكله السابق في بداية المسرحية ، ثم تبدأ موسيقى تتخللها أصوات لديكةٍ بعيدة .
سِتارْ ...    


.................
عرضت المسرحية في مهرجان منتدى المسرح العراقي عام 2000 و حازت على جائزة أفضل عرض و أفضل نص ، قام بتمثيلها الفنانون ياوز فائق و رائدحازم و درخشان رحيم و الراحل الكبير جعفر موسى و قام بإخراجها الفنان رزاق محمد عزيز




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل