المسرح العراقي بين الماضي والمستقبل
ياسر اللامي
عندما كانت الدكتاتوريه في العراق تكشف عن انيابها الوحشيه في كل المجالات الحياتيه كان معظم الفنانين العراقيين يفكرون بطريقة جديده ليحافظوا على ما تبقى من شكل المسرح العراقي الذي اتجه ضمن دائرة المؤسسه الحكوميه وخطاب السلطه الديكتاتوريه، وبالتالي فكانت مرحلة حرجه للجميع من حيث العمل مع النظام او الوقوف ضد النظام او او ... وبالتالي فقد خرج العديد من الفنانين خارج العراق وقسم اخر وقع ضمن اجراءات الملاحقة والمطارده والقمع لانهم لم يدخلوا ضمن دائرة السلطة وقسم اخر اضطر الى الاختفاء والابتعاد عن عيون السلطه ..علما كانت بعض من هذه المجموعات الفنيه من الفنانين تقدم عروض مسرحيه مهمه وخطره وفي اصعب الظروف، وتستقطب العديد من الجمهور المسرحي الذي كان يرتاد الصالات المسرحيه لقيمة العروض الفنيه التي تقدم ...
وحين استبشرنا خيرا بسقوط النظام كنا على امل ان تطوى هذه السنين المره التي تركت لنا ذكريات ليست بجميله وكنا نامل خيرا بالحكومات القادمه، وان يكون هناك اهتماما في الحياة العامه وفي بنية المسرح العراقي بشكل خاص، ابتداءا من توفير اماكن العرض الى توفير الامان الى دعم الفنان ماديا واعادة حقوقه التي صودرت من قبل نظام الدكتاتور السابق اليه.. ولكن ليس كل ما يشتهي المرء يدركه انما جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن !!!!
اليوم وبعد سنوات معدودات من سقوط النظام البائس ارى المشهد المسرحي الراهن ينهض على انقاض مشهد مسرحي ثقافي ملتبس خلفته الينا تلك الدكتاتوريه اللعينه التي تعاقبت على حكم العراق .. لذا يمكن ان اقول اننا امام عملية تاسيس جديده .. بمعنى علينا ان نؤسس لمشهد مسرحي جديد حر فني اكاديمي بعيد عن اشارة او تدخل هذا او ذاك والذين ليسوا لهم- لاناقه ولاجمل في قضية المسرح- بل كنا نريد ونطمح الى مسرح متطور بديل ..يحمل الجديد...الا ان مقومات تشكل هذا المشهد اصدمت بعواقب عديده اقتصاديه وسياسيه وامنيه مما جعلته ان يراوح في مكانه وما زال في طور التكوين ....
اليوم ونحن نشاهد مخاضات عديده داخل الحركة المسرحية العراقيه لكنها لم تكتمل بعد ولم نجد اللغه او الطريقة الابداعية البديله التي كنا نتوقع انبثاقها ..وظل المسرح يتقدم بطريقة بطيئه غير اكاديميه لاسباب كثيره اهمها (((احتكار المسارح لمجموعة معروفة في دائرة السينما والمسرح )))حتى وصلت الى منع الشباب الجدد المفعمين بالحيوية والابداعات الفنيه من تقديم كل ماهو يلامس التجديد عبر تجارب مسرحيه جديده !!!!
اليوم ونحن نشاهد ايضا المشهد السياسي المترهل والصراعات القائمه على الكرسي من دون ان يكون هناك اهتمام للفنان العراقي وهذا مايدعو للقلق و الى اطلاق صرخه قويه لصوت الفنانين من اجل الاهتمام بهم و الذين يعانون من هذه الحالة المزريه .. بالاضافة الى المشهد الامني المرعب والمخيف والذي ادى بقتل العديد من الفنانين من دون سبب ومن دون الكشف عن من هم وراء ذلك .. وايضا عدم وجود ارضية امنيه يعتمد عليها الفنان الانسان لتحميه من الاذى اليوم ..وحقيقة الامر ان المشهد الامني المنفلت يسمح لاي من عناصر القوى الظلاميه من ان تنال من الفنانين تحت غطاءات متعدده ...اضيف الى ذلك المشهد الاقتصادي الفقير ونحن بلد الخيرات الطبيعيه ولا اريد ان اعددها هنا . لانملك مسارح ولاقاعات ولا صالات للعرض.. من هذا كله لابد وان اقول ان هناك حركة خاصه نحو الهجرة ..هجرة الفنانين الشباب المسرحي الى خارج العراق بمعنى اخر - خارج موطن المسرح العراقي الحقيقي- حيث الغربة والمستقبل المجهول ان وجد هناك مستقبلا !!!!!
واليوم وانا حزين جدا ..اجد نفسي منفردا بين زملاء لي كانو قد رافقوني في حياتي الدراسيه الفنيه ايام معهد الفنون الجميله في بغداد حينما كنا نعمل سوية في العديد من الاعمال المسرحيه واذكر منهم الفنان مخلد راسم الجميلي والفنان دريد عباس والفنان مهند رشيد والفنانه اسراء البصام والفنان يوسف عباس والفنان باسم الطيب والفنان حيدر حلو والفنان انمار طه والفنان احمد خالد والفنان حسن خيون وغيرهم لامجال لذكر اسماؤهم في هذا المقال ...اذن مجموعة من الشباب الواعد تبخرت من المسرح العراقي وكانت هي الامل لتطوير الحياة المسرحيه في العراق , لكن كما هو معروف بان الظروف التي تحدثت عنها سابقا جعلتهم ان يتركون العراق ويصلون الى المنافي الاوربيه البارده طلبا للحماية والامان على حياتهم كبشر وكفنانين ...علما هناك اصدقاء وزملاء من الفنانين مازال مصيرهم مجهول نتيجة الغربة وعدم اتصالهم بالمسرح وربما لاسباب خارجة عن اراداتهم واعتقد ان هؤلاء هم من يستطيعون تغيير مسار حركة المسرح في العراق وتطويره نحو الامام ...
ماذا نحتاج اليوم ؟؟؟
فما نحتاج اليه اليوم وغدا ليس ردود الافعال السريعه انما وقبل كل شئ نحتاج الى - الولاده الابداعية الاصيله - لاشكال وانماط مسرحيه جديده تستلهم معانات الشعب العراقي في تشكيلته المختلفه والمتلونه والمتعدده الاطياف ومراعاة ذلك حسب االاحتياج , وايضا على ضوء رؤيا مستقبليه تؤثر في قوانين الظروف الدراماتيكيه التي يعيشها المجتمع من تحولات سريعه في الاوضاع (الاجتماعية.. والاقتصاديه.. والسياسيه) مما تؤثر على مسارها الفني نحو بناء جديد .
وبعد هذا العد التنازلي من الخسارات اتمنى ان يكون هناك انتباه الى جيل المسرح العراقي الشباب خاصه والذين يعملون في داخل العراق وحمايتهم من القتل والتهديد والتشرد وتقديم يد العون لهم من خلال الدعم المادي والمعنوي من اجل تقديم المنجز الفني الانساني الكبير الذي هو غاية الطموح لكل فنان على اعتبار ان الفنان حامل راية سلام ورساله مقدسه كبيرة في المجتمع.. وكما هو معلوم فان المجتمعات المتطوره يقاس تطورها من خلال بوصلة الثقافه والاداب والفنون بكل انواعها والموسيقى والرقص الى اخره .. والمسرح هو الجامع لهذه الفنون على اعتباره - المسرح ابو الفنون - نتمنى ان يكون هناك مستقبلا واضحا ليس فيه اي لبس من حيث مفاهيم الفن الانساني وهي بذلك دعوه الى كل قوى الخير والتقدم التي تؤمن بالانسان وتحرره من العبودية صوب التنوير والفكر الحر ضد قوى الظلام ...


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (4 تعليقات سابقة):
محبتي
نعم ياصديقي ..لقد تخلدت الشعوب من خلال المنجز الأبداعي للفن..والدليل هاهو اسم كلكامش قد سافر الى كل مدارس الفن الحديثة..ومالذي خلد الأغريق غير اسخيلوس و سوفوكلس ويوربيدس ويورفانتس..وفلاسفته العظام..ايها الصديق ان وجودك مع يوسف عباس ودريد عباس ومخلد راسم ومهند رشيد واسراء البصام ..وغيرهم من المبدعين الحقيقين والمخلصين لفنهم هو خير دليل على كونك مبدعاً..واملي أن نراك في المستقبل القريب كتلة من النشاط والتوقد
أضف تعليقك