توظيف التراث في المسرح الامازيغي بالريف
جمال الدين الخضيري
توطئة
من الصعب جدا ونحن نتناول المسرح الأمازيغي بالريف أن نلم به دون أن نستحضر بعض الضوابط المنهجية والتسييجات اللازمة التي تمكننا من حصره ومقاربته مقاربة موضوعية، ومن ثم الوصول إلى بعض النتائج دون تعسف أو ليّ لأعناق المصادر/ الحقائق المتوافرة لدينا. وتبعا لهذا فإننا نحدد هذه الظوابط فيما يلي:
ضابط أجناسي
يتعلق بجنس المسرح نفسه. والحقيقة أننا عندما ندرس هذا المسرح نضطر للتعامل مع العروض المسرحية دون النصوص. لأننا لا نتوفر عليها. ونسجل هنا بحرقة ونحن نعيش في الألفية الثالثة، وثورة المعلومات، والأدب الرقمي، والنص المترابط في مقابل النص الورقي، غياب الوثيقة المكتوبة في أبسط مقوماتها التي تحفظ هذا المسرح.
إذاً فالمسرح الامازيغي- ويحز في نفوسنا أن نقول ذلك- يعيش بلا ذاكرة مادمنا لا نتوفر على ربرتوار مسرحي مكتوب. صحيح أن المسرح فن يمشي، فن يتحرك، فن مركب مفتوح على باقي الفنون، وما النص إلا مكون من مكوناته العديدة، ولكن لا بد من تخليده وحفظه عن طريق نشره وتداوله. وما يؤرق مضجع كثير من الباحثين المهتمين بهذا الفن المتجذر في تربتنا أن تضيع كثير من الأعمال المسرحية وتقبر إلى الأبد بمجرد عرضها مرات معدودة. والعرض المسرحي كما هو معلوم فن عابر بامتياز، وحتى وإن قيض لبعض العروض أن تكون (محفوظة) بواسطة الفيديو فإنها تظل حبيسة في مكتبات خاصة ولدى أشخاص معينين. لتبقى الوثيقة المكتوبة من أهم الوثائق التي تعطي سمة الخلود للنص المسرحي. فما الذي تبقى من أسلافنا المسرحيين غير كتاباتهم. وهو ما تنبه إليه مؤخرا المسرحي المغربي الطيب الصديقي بحيث سعى إلى توثيق وتخليد أعماله المسرحية رغم أنها صعبة التوثيق إذ تعتبر أعمالا منبثقة من فرجات مغربية شفهية يصعب تجسدها من الناحية الكرافية، والحسم في شرعيتها النصية أو الأدبية.
ضابط زمني
في الحقيقة هذا الضابط ضابط شائك، لأننا مجبرون أن نتعامل مع المسرح الأمازيغي في الريف في فترة حديثة جدا. وبالتحديد مع بداية سنوات التسعين من القرن الماضي. إذ إن أول العروض الناضجة الواعية بأساليب الكتابة الركحية وبمكونات العرض المسرحي، التي وصلتنا تعود إلى تلك الفترة. ليبقى المسرح قبل هذا التاريخ غير مرصود ولا نعرف عنه الشيء الكثير. وان كانت بعض الدراسات تشير إلى أن أول العروض التي عرضت بمنطقة الريف تعود إلى سنة 1978 "إرحاكد أميثناغ" وصل ابننا، ومسرحية " يهواد أكنباوي غ ثندينت أثييسي باسابورتي" سنة 1979، إلا أنها كانت بسيطة جدا، واقرب منها إلى السكيتش والمسرحية البسيطة. فمن الطبيعي أن هذه المرحلة ،( من بداية سنوات التسعين إلى يومنا هذا) هي التي ستؤخذ بعين الاعتبار والدراسة. وهكذا فان المسرح الأمازيغي بالريف راكم طيلة هذين العقدين من الزمن أكثر من خمسين عرضا مسرحيا.
ضابط لغوي
إن الإنسان الأمازيغي أبدع الأدب منذ وجوده بعدة لغات: الفينيقية اللاتينية اليونانية ولا يزال يبدع بالعربية والفرنسية والاسبانية والهولاندية... وبالامازيغية طبعا، بحيث كتب بحروف تيفناغ إلا أن مجموعة من الظروف جعلت منه أدبا شفهيا لم يصلنا من المكتوب منه إلا ما كتب بغير الأمازيغية. وهذا يقودنا إلى القول بان المسرح الأمازيغي عريق ويمتد إلى عهود ضاربة في القدم ويكفي أن نذكر ابوليوس او افولاي ومسرحيته المشهورة" الحمار الذهبي" ترنتيوس له كذلك مسرحيات مشهورة. كما أن الملك الامازيغي جوبا الثاني كان يهتم بالمسرح وله كتاب مشهور في ذلك سماه ( تاريخ المسرح) لكن هذا الكتاب ضاع. هذا فضلا عن المسارح التي كانت منتشرة في شتى الربوع الأمازيغية منها المغرب لاسيما ليكسوس ووليلي. على أي، هذا موضوع آخر لا يتسع المقام للخوض فيه الآن. فقط ما أود أن أقوله أننا بالإضافة إلى العروض المسرحية الأمازيغية توجد نصوص مسرحية مكتوبة بالعربية لمؤلفين من المنطقة تتضمن قضايا أمازيغية وتستند على مرجعية تراثية وثقافة محلية، بل إن بعضا منها وظف فقرات مهمة في حواراته باللغة الأمازيغية، وأخص بالذكر هنا مسرحية"إكليدن" للبشير القمري، ومسرحية"نحن أحفاد مسنيسا" لجميل حمداوي، ومسرحية" الموت بالتقسيط" لخالد قدومي.
1- تجليات التراث في المسرح الأمازيغي
يمثل التراث بتنوعه وغناه ذخيرة حية لا تنفذ ولا تتقادم، وسلطة مرجعية مهمة تتكئ عليها الشعوب، وبوصلة تحدد لها معالم الطريق. والأمة التي لا تملك تراثها لا تملك ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فالمسرح الغربي رجع إلى تراثه المتمثل في المسرح اليوناني معيدا مسرحة العديد من النصوص الدرامية الإغريقية. كما أن المسرح العربي رجع إلى تراثه المتمثل في المقامات وألف ليلة وليلة والسير الشعبية... وبما أن التراث الأمازيغي غني وقديم قدم هذا الإنسان نفسه. فإنه من الهجين أن يتم استنساخ تجارب مسرحية لشعوب أخرى، هي وليدة ظروف ومجتمعات لا تشبه المجتمع الامازيغي. وبهذا فإن مسرحنا لجأ إلى تراثه وحاول إعادة قراءته وتمثل اللحظات المشرقة فيه. وهكذا نجد جل العروض المسرحية تناقش قضية الأرض والهوية وتستحضر الشخصيات التاريخية. كما أنها وظفت مجموعة من الأشكال الفطرية أو ما يعرف بالأشكال ما قبل المسرحية من قبيل: (باشيخ ، شارح مجاح، أقلوز، ثاسريث نونزار...) وكذلك الحكاية الشعبية، والأمثال، والأغاني. ولأخذ فكرة واضحة نسلط الضوء على بعض هذه العروض ونبين التجليات التراثية فيها. وقمين بنا أن نشير هنا إلى أن معظم المؤلفين والمخرجين في الريف يعتمدون على توظيف التراث، واستقراء الذاكرة الأمازيغية، واستحضار تاريخ المقاومة. ونكتفي هنا بذكر ثلاثة عناصر وهي كالآتي:
أ- الطقوس والعادات
- مسرحية" أقلوز" للفنانة القديرة لويزة بوسطاش. يطغى على هذه المسرحية الطابع الاحتفالي والاثنوغرافي، حيث رصدت فيه صاحبته المرأة الريفية، مبرزة قيمها الجمالية وأشكال تزينها وملابسها ، وكذلك رقصاتها وأهازيجها من خلال شكل فرجوي فطري، وهو ما يسمى بأقلّوز، الذي كان يمارس في الأعراس. إنها رقصة غرائبية، بحيث تتحزم المرأة الراقصة في خصرها بإناء أو أي شكل دائري مثير للسخرية، وسط تصفيقات المتحلقات بها، مع تريد (أغاني رالا بويا). والحقيقة أننا نلمس في مثل هذه الرقصة اختراقا للطابوهات التي تعتبر ممنوعة وغير مشروعة في الأيام العادية. والملاحظ أن مثل هذه الأهازيج(رالا بويا) والرقصات المصاحبة لها مليئة بالرموز والإيحاءات. حتى إن باحثا مثل دافيد هارت في كتابه" ايث ورياغر، دراسة اثنوغرافية وتاريخية" يرى أنها أكثر من مجرد سمة ثقافية، فهي تقليد اجتماعي يحمل طابعا مؤسسيا، وبالتالي فهي ذات دلالة رمزية كبيرة، وتعطينا صورة واضحة عن طريقة عيش الأمازيغ وآمالهم وطموحاتهم. والشيء نفسه ذهب إليه إمليو بلانكو الذي اعتبر هذه الأهازيج والرقصات بعيدة عن البساطة وان الرقص الذي يرافقها ليس مجرد وسيلة للتسلية ولتمضية الوقت. ويبرز بشكل جلي في هذه المسرحية ما يسمى بتقنية التبئير التي تتوخى الكشف والتوضيح وذلك بالتركيز على المرأة الريفية جسدا وثقافة وتسليط الضوء على عاداتها.
- مسرحية" رماس" الفناء أو الساحة لأحمد زاهد. إذا كانت لويزة بوسطاش قد بأّرت شخصية المرأة الريفية فان زاهد قام بتبئير المكان. إذ يتحدث عن هذا الفضاء الشعبي الذي لا يقل شأنا عن مكان الاحتفال كالسوق أو الساحة العمومية، الذي يلتقي فيه كل الناس بكل الناس. ويمثل هذا المكان صورة مصغرة عن المجتمع الأمازيغي. ويرى دافيد هارت في كتابه السالف الذكر أن مثل هذه الأماكن توفر مادة غنية لإجراء دراسات حول العلاقات الإنسانية في الريف، وهو ما سعت إليه بالفعل هذه المسرحية.
- مسرحية " أنّان إني نزمان" وهي مسرحية من خلال عنوانها يتبين مدى استحضار هذا التراث والاعتماد على حكمة الأجداد والتشبث بالأرض، موظفة بذلك التراث الغنائي الأمازيغي (رقصة إمذيازن) واستعمال الدف.
- مسرحية " ثايوجيت" اليتيمة، لجمعية ثيفاوين للمسرح من مدينة الحسيمة أثارت قضية التشبث بالأرض وبالتاريخ وبالخصوصية الأمازيغية من خلال الدفاع عن كتابة تيفيناغ. ومن ثم تصبح هذه الكتابة اختزالا للهوية الامازيغية، التي تحاول بعض العناصر طمسها والحيلولة دون انتشارها، وهذه العناصر كما تبينها المسرحية متمثلة في السلطة الحاكمة.
ب- استحضار الشخصيات التاريخية
- مسرحية" ثاندبنت ن تارجا" مدينة الأحلام، من تأليف الطاهر الصالحي وإخراج فاروق ازنابط. تتناول المسرحية محاكمة يوغارطة من قبل ماسينيسا بعد أن تم التفريط في الهوية والكتابة الامازيغية
- مسرحية"أرياز ن وارغ" رجل من ذهب، ألفت من قبل أحمد زاهد، وأخرجت مرتين المرة الأولى بواسطة فخر الدين العمراني، والمرة الثانية بواسطة فاروق ازنابط. عرضت سنة 2006 بمسرح محمد الخامس بالرباط. تتحدث هذه المسرحية عن المقاومة الأمازيغية في الريف إبان ثورة ابن عبد الكريم
- مسرحية "ثبرات" الرسالة، من تأليف مصطفى القضاوي وإخراج فاروق ازنابط. استقرأت الذاكرة الامازيغية من خلال استحضار شخصيات تاريخية أمازيغية من مثل ماسينيسا طارق ابن زياد، محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ج- الحكاية الشعبية
- مسرحية " نونجة" أخرجها فاروق ازنابط سنة 1993 . تعتبر هذه المسرحية خير مثال على تجلي الحكاية الشعبية في المسرح الامازيغي التي انحدرت إلينا عن طريق الروايات الشفهية، وهي حكاية شعبية ذات طابع أسطوري مقتبسة من قصيدة شعرية للشاعر أحمد الزياني بنفس العنوان. تجسد المسرحية صراع الرجل مع الغول لتخليص نونجة الواقعة في أسره. وتبرز في هذه المسرحية ثنائية الخير والشر. وتجدر الإشارة إلى أن حكاية نونجة وظفها كثير من المسرحيين المغاربة ونخص بالذكر هنا عبد الكريم برشيد في مسرحيته "سوالف لونجة"
واللافت للنظر أن توظيف التراث في المسرح الامازيغي بالريف نهج سلكه جل الكتاب والمخرجين كخيار لابد منه لأن العودة لهذا التراث هو تأصيل للمسرح. ويحضر التراث كذلك حتى في المسرحيات ذات المنحى التجريبي المنزاحة عن واقعها والمكسرة للوحدات الثلاث الأرسطية. كما هو الشأن مع مسرحية" ثشومعت" الشمعة، بحيث شدت المتلقي في أنفاسها الأولى بأغنية تراثية تغنى للأطفال، وهي أغنية (هلارارو). ونذكر أيضا مسرحية"ثوارث إمضران" باب القبور، من تقديم فرقة "ثيفاوين" بالحسيمة،ومن تأليف عبد العزيز إبراهيمي، وإخراج الثنائي المسرحي محمد بنسعيد ومحمد أجويني. فرغم الانزياح الدلالي الذي يميز هذه المسرحية والغموض الذي يكتنف أحداثها فإنها اتكأت على التراث اتكاء واضحا من خلال توظيف أغنية رلا بويا واستحضار بعض الأشكال الفطرية والرقص الامازيغي.
2- توظيف التراث بين المشروعية والمزالق
من أهم المكاسب التي حققها توظيف التراث في المسرح الامازيغي نذكر:
- تأصيل الحداثة داخل التراث، بحيث لا تعارض بين التراث وقيم الحداثة.
- كشف بعض الجوانب المتنورة والمنسية في التراث
- ضرب الاحتكار التقليدي للتراث الذي أصبح متاحا للجميع والكل له الحق أن يجتهد فيه بما في ذلك المسرح.
- إعادة الاعتبار للتاريخ الأمازيغي وتصحيحه من خلال الثورة على التاريخ الرسمي الذي تقدمه مؤسسات الدولة.
لكن رغم ذلك نسجل بعض المؤاخذات على طريقة توظيف هذا التراث وهي كالآتي:
- جاءت بعض الأعمال مضطربة وغير متناسقة مع الاستعراض التاريخي للأحداث والشخصيات الشيء الذي جعلها تسقط في الخطاب المباشر الناجم عن عدم تحويرا لوقائع والأحداث والشخصيات حتى تصبح فاعلة ومنفعلة مع الواقع.
- التعامل مع التراث كان في غالبه يطغى عليه الجانب التقديسي، بعيدا عن محاولة مراجعته وتحيينه. الشيء الذي أعطى لهذا التراث وظيفة إيديولوجية مباشرة
- التركيز على خصوصية المسرح الامازيغي من ناحية المضمون فقط والمعالجة وتناول الحوادث والشخوص وإملاء الركح إملاء كليا مما يجعله مبتذلا ومستهلكا، بل معيقا وغير وظيفي، وغياب البحث في البنية المسرحية الأمازيغية التقليدية وتطويرها، ومن ثم ابتكار تقنيات جديدة.
خاتمة
لقد تناول المسرح الامازيغي قضايا الناس بوسائل شعبية، وبلغة احتفالية تراثية متميزة ومتعددة شملت الرقص والغناء...الشيء الذي خول له التواصل مع المتفرج من خلال تقديم الذات الامازيغية عبر جمالية المسرح. وبشكل مواز تم توظيف سينوغرافيا تراثية بمختلف أبعادها الإحالية ومكوناتها الجمالية، والاستناد على بعض المستنسخات التناصية التي ترجعنا إلى أجواء الماضي في تقاطعاتها مع الحاضر والمستقبل. كما جسدت الأزياء الامازيغية الموظفة في جل العروض الخصوصية المحلية والتراثية. وجل العلامات السميوطيقية التي يتأثث بها الركح كانت محلية وعلامات دالة من قبيل (ثهذاث) فروة الخروف، (ثسيرث) الطاحونة اليدوية...


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (3 تعليقات سابقة):
وأتمنى أن نلتقي يوما ما
سأتشرف بمعرفتك
سلام
أضف تعليقك