أدب فن: التأثيرات الدرامية للضوء واللون في العرض المسرحي التأثيرات الدرامية للضوء واللون في العرض المسرحي ================================================================================ د. حسين التكمه جي on 28/ 5/ 2009 يشكل الضوء واللون مجمل خبرتنا الإدراكية للعالم المرئي , إذ تستحيل رؤية الألوان بمعزل عن الضوء , وبهذا يرتبط اللون بالضوء ارتباطا وثيقاً, كما أن للون خاصية في التذوق الجمالي أو التفضيل اللوني عند الأفراد, عندما يشكل حاجاتنا الماسة في الاختيار , فلو تصورنا فقط بأن الحياة التي نحياها في المنزل أو الدائرة أو الشارع بلون واحد وليكن لوناً محايداً كالرمادي فماذا سيحصل عندئذ؟ مجرد تساؤل قد تبدو الحياة كئيبة تبعث على الملل ,وقد يشعر الأفراد بالضيق وربما تتأثر دوافعنا السيكولوجية ,لدرجة التنافر التام مع أنفسنا . لذات السبب وغيره من الأسباب أمسى اللون في العرض المسرحي ذو أهمية بالغة في التأثير والتأثر , ولعل أدراك المصمم للعناصر الضوئية واللونية , ينبغي أن ترافقه معرفة عامة بردود الأفعال عنــد المتلقــي أو ما يسمــى ( سيكولوجية الإدراك الحسي ) وأن الإضاءة المسرحية تصمم لخدمة الممثل والفعل العام بوصفها احد عناصر التعزيز لأغراض الاستجابة العاطفية والفكرية والجمالية ,كما أن الوظيفة الأساسية للضوء واللون تعمل على النقل الواعي و المقنع للطبيعة الدرامية في العرض ,ذلك أن العين ضمن خصيصة الإدراك البصري تعمل على تحويل صفات الضوء واللون معاً إلى المحفزات الحسية ومنها إلى الدماغ ليقوم بدوره بعمليتي التحليل والتركيب الآنية , عندها تتضح الصورة ويبرز المعنى .إذ أن (وظائف الإضاءة هي مقياس قيمتها على المسرح وهي مرد دوافعنا وأفعالنا التعاطفية والسيكولوجية , أننا نعمل على تحديد درجة الاستفادة منها ) .كما يرى ذلك (فردريك بين ثان). ثمة تأثيرات عدة للضوء واللون ينبغي إدراك خاصية كل منهما بوصفها تستنفر كوامن اللاشعور في الحس لتحفيزه , فالعين تتأثر بالصورة والجو العام الذي تخلقه العناصر البصرية , كونها تستثير مرجعيات مستقرة منذ أمد في مخزن الذاكرة طويلة الأمد , والمتلقي في هذه الحالة سوف لن يتردد في قول كلمات مثل ( مثير ,غريب ,مدهش ) عندما تتحرك مشاعره الحسية وذائقته الجمالية. وأن عملية الخلق والإبداع التي استثارت وحفزت المتلقي , لن تأتي من رسم ما ينبغي على الورق حسب , بل تتأتى من وجود صورة متخيلة في الذهن عن الكيفية التي سيبدو فيها المشهد المضاء على الخشبة , كما لابد من أجراء بعض التصحيحات لكي تكتمل ألصوره ويبرز المعنى . ذلك مادفع الدراسات السيميائية إلى سميأة اللون والضوء بوصفة علامة يحتمل التحول والتوالد الدلالي على الدوام , فضلاً عن اكتنازهما بالرمز .كما ينبغي إدراك خاصية الإضاءة الملونة الساقطة من المصابيح على المنظر المسرحي المطلي سلفاُ بالأصباغ الكيميائية , وتبرز هنا مشاكل عديدة يفرضها الضوء الملون بوصفه ( فيزياء ) ذلك أن ألوان المنظر المسرحي تتغير ولا ريب عند سقوط الضوء الملون عليها ( فصبغة الأحمر على المنظر تتحول إلى أخضر عند سقوط اللون الأصفر من المصباح ) وكم ستتغير الأشكال وأزياء الممثلين ووجوههم تحت رحمة الضوء , لذات السبب بات بناء الصورة البصرية وإسباغ الفضاء المسرحي باللون يشكل قلقاً عند المصمم .فالتكوين الضوئي واللوني لابد أن ينحو نحو الاكتمال الجمالي ويؤثر فينا كما يؤثر فينا وغز الإبر. ولعل المخرج ( ألكسي بوبوف ) يربط ذلك بجو المسرحية الانفعالي(حيث أن الجو المسرحي الذي يخلقه المخرج من السرعة الإيقاعية للفعل الدرامي , ومختلف المؤثرات الضوئية واللونية والصوتية , يؤثر في سايكوفيسيولوجية الممثل ويولد تكيفات وألوان غير متوقعة ) من كون هذه التكيفات تتحقق بعدوى الإيحاء بالجو العام الذي يساهم الضوء واللون مساهمة فاعلة في نقل الانطباع الفني , ويؤكد ( ناثان نوبلر ) بهذا الصدد ( أن للفن تأثيرات عدة على الذين لا يمارسونه , منها متعة الفرد الحسية , وإثارة خياله إلى عالم من الصفاء أو عالم من أحلام اليقظة , تمنح المتلقي فرصة التمتع بالتجربة التي تضيف إلى ثراء الحياة ثراءً جديداً , وبطريقة لا يمكن أن ينال مثيلاً لها بالوسائل الأخرى ). لقد أظهرت الكثير من الدراسات من أن تعرض الأشخاص لفترة طويلة للون قد يؤثر على مجمل أفعالهم الداخلية التي تنعكس على سلوكياتهم الخارجية , بوصفها ردود أفعال لا إرادية, فقد شكت عاملات أحدى المصانع من برودة الجو في إحدى الحجرات المطلية باللون الأزرق , وحين أعيد طلائها باللون الوردي المحمر , بطلت الشكوى . على الرغم من أن درجة حرارة التكيف في جميع المصنع واحدة . ألا يعني ذلك بأن اللون كان سبباً في الإحساس بالبرودة والدفيء, كما تعرض عدد من فاقدي البصر لتجارب مماثلة عندما وضعوا في غرف مضاءة باللون الأحمر , فقد برزت على سلوكياتهم مشاعر الحيوية والنشاط وسرعة التخاطب , ثم أعيدت التجربة في غرف مضاءة باللون الأزرق ( وهو من الألوان الباردة ) فتغير المزاج متسماً بنوع من الهدوء والاستقرار والرغبة بالحلمية . مما يؤكد بأن اللون له خاصية التأثير على (الجلد )بحيث تتأثر الحالة النفسية للأفراد بوصفها ردود أفعال .ومن الجدير بالذكر أن المصابين بمرض الحصبة من الأطفال(في العراق) يرتدون أزياء ذات لون أحمر , لغرض الإسراع في خروج المرض من الجسم بسرعة ,ولقد دلت التجارب أخيراً بنجاح هذا المسعى في الولايات المتحدة عندما تم تعريض المصابين بالحصبة في غرف مضاءة باللون الحمر . ووفقاً للموقف الاستنباطي يمكن أن نتصور الكيفية التي يبدو عليها اقتران اللون والضوء في العرض المسرحي مع الحالة الدرامية ,إن له خاصية التلاعب بمشاعرنا مولداً أكثر من استجابة تعاطفية , بالرغم من أن للأفراد أمزجة مختلفة في اختياراتهم وتفضيلا تهم الجمالية للون . فالموقف الدرامي من شأنه أن لا يمنع من تأثيرات انفعالية, خاصة والمتلقي في الصالة مجبر على تلقيها من الخشبة . أن تحقق التأثير الدرامي للعرض المسرحي لكفيل في تحقيق الفكرة الفلسفية أو (الثيمة ) ومعرفة الطابع الذي يميز الموضوع لكي يتم أبراز المعنى بيسر. وعلى وفق ما تقدم ستتم بالضرورة الدقة في اختيار اللون وكثافة الضوء ليصار إلى تنفيذ التصميم العام للتكوين , فالألوان الحارة تصعد التوتر الدرامي للمشاهد ذات الإثارة العالية, في حين تخضع المشاهد ذات النمط الفكري إلى الألوان الباردة لتمنح المتلقي فرصة الاسترخاء لتسلم المعلومة , كما لا بد من دراسة المشاهد السابقة واللاحقة لونياً وضوئياً, لاستنهاض خلق حالات التفرد التي تخضع بين كفتي ميزان وفقاً للأفعال الدرامية لكل مشهد والتي تتناوب بين تأمل وإثارة , ترقب وجمال ,استرخاء واندهاش . ذلك أن اللون يفرض نفسه على الصورة البصرية لكل مشهد , وأن قدرة المصمم الإبداعية تكمن في تحرير الصورة وفق ما تمليه عليه جمالية العرض وزمكانيته ودلالاته مستنداً على التوزيع والانتشار والحركة اللونية والتي بدورها تخلق الإيقاع اللوني بوصفه روح العرض , ولعدم رؤية اللون إلا في الضوء , فان عملية الرؤيا تفرض قانون الاتحاد الأبدي بين اللون والضوء , ( أن الرؤيا المحيطية تكون ناتجة عن أبصارٍ خام غير حاد , وعليه فأن العين تنجذب إلى الشيء الأكثر بريقاً في حقل الرؤيا ) كما يرى ذلك ريتشارد بل باروه صاحب كتاب الإضاءة المسرحية .ولعل التشكيل البصري يخضع إلى القيمة الضوئية المتباينة بين الضوء والظل والظلال كونها تمنح الكتل والحجوم وظيفة أو غرض أو تعبير أوأحساس ضوئي ولوني مرتبط بمضمون علامي , إن المنجز البصري يكفل تحقق الاستجابة بكل تصانيفها عندما يكتمل البناء الأسلوبي والجمالي والفكري للعرض المسرحي , فيما لو وضعت وفق الأسس العلمية والفنية الصحيحة في أطار الإبداع . أن التأثيرات التي يقوم بها الضوء واللون في العرض متأتية من خواصهما المتمثلة بالإظهار الانتقائي وخلق المزاج والتجسيم وبناء الشكل والتكوين فضلاً عن الإيهام بالطبيعة , ولعل هذه الخصوصية هي التي تؤسس للتغيرات الحاصلة في الجو العام المتغير على الدوام من سيء إلى جو مفعم بالانحسار إلى أخر ممتلئ بالسعادة, وتنقلنا ذات مرة في الليل وأخرى في النهار , أن لهذه المتغيرات والمستجدات والتوليفات مساهماتها الآنية والفعالة في تغير أمزجتنا وشمولنا بالموقف الدرامي وكأننا نعيش في رحمه, وتحت رحمته