السينوغرافيا ذات متحركة في العرض المسرحي
حيدر جبر الأسدي
السينوغرافيا تعني الخط البياني للمنظر المسرحي حرفيا ضمن التعبير المسرحي . اما الفلسفي فيعني علم المنظر الذي يبحث في ماهية كل ماعلى خشبة المسرح وما يرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على ابراز العرض المسرحي جميلا , كاملا , متناسقا ومبهرا امام الجماهير. (د . كمال عيد).
رغم ان مصطلح السينوغرافيا حديث العهد الا ان منشأه من حيث الوجود قديم قدم نشوء المسرح . ولسنا الان بمعرض الحديث عن الادوار التعاقبيه لهذا المفصل المهم في العملية المسرحية , ولكننا نشير الى حقيقة مفادها : بما ان تاريخ المسرح يتناول بداية الدراما ونشؤها وبالتالي تطورها عبر الاجيال المتعاقبة , كذا الحال بالنسبة للسينوغرافيا . فان الباحث فيها يؤكد على تطورها عبر تلك الادوار لانها تمثل شكل او قالب الدراما , فانها اي - السينوغرافيا - قد تطورت بتطور الدراما من جهة , واقترنت بالتطور التقني الذي شهده العالم من جهة اخرى .. وما نريد ان نؤكده هنا هو الاجابة على بعض الاسئلة السينوغرافية سواء في تصميمها الاول في الخيال او في تمضهراتها على الخشبة , ككيان متحرك مستل من رؤية بعدية تبحث عن الابهار والتأثير وفتح الحوار مابين الرؤيتين (المؤلف , المخرج ) ليتمخض عنهما حاضنة جمالية مزدوجة لا تجبل على السكون بل على الحركة المستمرة , او جدلية العلاقة التي يحاول المصمم تعزيز حضورها بين المفردة المتموضعة عبر تشكلاتها المتناسقة وبين رؤية المتلقي لها وما تحدثه المفردة من انزياح الى عوالم خاصة .. فالتشكيلي او المهندس المعماري الذي ياخذ على عاتقه هذه المهمة , يجد قبل كل شئ الوعاء المناسب لطبيعة العمل المطروح , فاذا اخذنا مثلا تصميم السينوغرافيا في المسرح الدرامي (الارسطي ) والمسرح الملحمي ( البرشتي ) لوجدنا ان العملية مختلفة اذ يسعى المصمم في المسرح الدرامي الى ايجاد مفردة تحاول ان تكشف ركائز هذا النوع من المسرح ومعطياته , ومنها ( اثارة )العواطف نقل التجارب والخبرات اغراق المتلقي بالحدث وبالتالي تقديم الحياة كما هي دون البحث في التفسير ) بمعنى ان يملأ الفضاء بكل ما من شأنه اثارة تلك الخواص من ديكور واضاءة وازياء واكسسوارات , اي تحقيق الصورة المعلنة ظاهريا , وينطبق هذا ايضا على المصمم في المسرح الملحمي ( اذ يحاول ايجاد تلك المفردة التي توقظ المتلقي , وتشد من عزيمته , وتفتح امامه افق المساجلة المنطقية , وان تنقل له الحياة كما ينبغي ان تكون اي في المتخيل) وعلى هذا فان المصمم يكون على نوعين : احدهما يبحث في الشكل لغرض ( التطهير ) والاخر يبحث من خلال الشكل الى ان يلج الى ذات المتلقي , اي ان ثمة خطابا وصفيا غير معلن يحاول المصمم من خلاله ان يتسق به مع ذهن المتلقي ليشكلا نسقا متجانسا يستطيع قارئ العرض ان يتسلم تلك التحولات في تأثيث المشهد بكل جزيئاته . والعملية ليست بسيرة , اذ انها تحتاج الى تشكيلي متمرس صاحب خيال خلاق , بالاضافة الى مقدرته الحرفيه , ولهذا نجد اكثر التصاميم السينوغرافيه تقتصر على رؤية المخرج والاخر هو اداة تنفيذية ليس الا , ما عدا بعض الاستثناءات المتمثلة بالفنانين (نجم حيدر وكاظم حيدر) على الصعيد المحلي , اما التجارب العالمية فان الحال يختلف تماما (اذا قدمت العديد من البحوث في هذا الشأن لغرض تطوير الظاهرة منها (تنويع المساحة المسرحية, ونماذج من الخشبة الامامية, كذلك تجهيز المنظرية بسعر اقل والحفاظ على الديكور في حالته الاولى, بالاضافة الى تنظيف الباروكات) , اقول ان هذه البحوث وغيرها من الدراسات ساهمت مساهمة فاعلة في تحديث الرؤية السينوغرافية سواء على مستوى الفنان نفسه او على مستوى المفردة فبدا واضح الاثر ما خلفته تلك التجارب من نضوج قنوات الاتصال في المسرح بحيث اعطي المجال للمخرج ليفتح افاق مخيلته للبحث عن ماهو كائن في الذات ليتحقق على الخشبة , كذلك اصبح ثمة تخصص سينوغرافي مستقل له الحق في ان يحدد صورة الخطاب المراد توصيله الى المتلقي وطبيعة التحكم في تلك الصورة .. فهي ذات متحركة في عالم المصمم , لذلك نجد تمثلاتها - اذا كانت بهذا المستوى - خارقة وتقودونا الى ماوراء الصورة المجسدة نحو شكل ثان للمضمون .. فلو اخذنا سينوغرافيا القرن العشرين مثالا لما نريد ايصاله من القيم والمفاهيم الخاصة بهذا الشأن لوجدنا ان التقنية الحديثة التي دخلت للمسرح بالاضافة الى تنوع تيارات المدارس التشكيلية كالتعبيرية والتاثيرية والتكعيبية والطبيعية والتنقيطية والسريالية والتجريدية وغيرها قد افرزت تحولا كبيرا في البنية السينوغرافية للعرض المسرحي .. فقد قدم ( ماكس رينهاردت عام 1905 حلم منتصف ليلة صيف) لشكسبير على مسرح دوار وكانت حالة متقدمة في تاريخ السينوغرافيا اما في امريكا فقد حظيت السينوغرافيا باهتمام واسع من قبل نخبة من المهندسين والسينوغرافيين امثال (دافيد بيلاسكو وروبرت ادموند) وغيرهم حيث خلفوا بحوثا تمتلئ بالجمالية وفلسفة التفسير السينوغرافي على خشبة المسرح كما يشير (د . كمال عيد), اذ صب الاهتمام في ملئ خشبة المسرح في المساحات التي تحاكي المتلقي نحو الاشراك الحسي والوجداني , اما في ايطاليا فقد تم الاشتغال خارج المسارح اي في الحدائق العامة وابرز من برع في ذلك ( ماريو سيروني ) , وكذا الحال في المسرح الروسي الذي يعد ثورة سينوغرافية في القرن العشرين متمثلة بالسوفيتي (الكسندر سلر ) . اعتقد ان هذا الحراك التجريبي الجاد في اللعبة السينوغرافية التي شهدها العالم عبر البحوث والدراسات قد اصل هذا المفهوم وبالتالي دفعه باتجاه تنويع مساحات الرؤية التعبيرية عبر التماهي بين المرسل والمستلم واحداث المتعة بكل انواعها ومن المؤسف جدا ان نرى نكوصا واضحا في صورة المشهد المسرحي العراقي بسبب غياب هذا التخصص الهام رغم امكانات المخرجين العراقيين وقدراتهم الانتاجية واعني هنا (المخيلة والمعرفة معا ) ولذلك اجدها دعوة الى المعنيين بهذا الوجه الحضاري واعني المسرح بان يصبوا اهتمامهم في ايجاد هكذا تخصص عبر الدراسات الاكاديمية . كما اشير الى ان من الضروري فتح الافاق امام الباحثين ليثروا بعطاءاتهم هذا الجانب المهمل في حركتنا المسرحية والتي نامل ان تظهر من جديد .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك