الرئيسية »  المـسـرح»  على سطحنا طائر غريب

على سطحنا طائر غريب

عدد مرات المشاهدة :2951 - 01/ 8/ 2006

عبد الرزاق الربيعي

على سطحنا طائر غريب

عبد الرزاق الربيعي 

المشهد الاول


(يقسم المسرح الى قسمين سفلي وعلوي ... السفلي  يشغل ثلثي مساحة فضاء المسرح بينما الثلث المتبقي وهو العلوي يمثل السطح الذي يظهر به قفص حمام مفتوح الباب..حيث يتناثر الريش ..في بداية المسرحية تضاء الخشبة على جنود يفتشون البيت ويبعثرون أثاثه..عدد منهم يصعد على السطح.. يفتشونه جيدا ..يطلقون الحمام في الفضاء ..ويسحقون ببساطيلهم العسكرية طعام الحمام وأعشاشه..ثم يتركون جنديا  يأخذ من بيت الحمام مأوى له ..ثم يغادرون  تسلط الإضاءة على الجزء السفلي من المسرح تظهر امرأة مسنة في السبعين من العمر وابنتها ( رشا ) التي تبلغ الثلاثين..يبدو عليهما لارتباك)
الأم: هل خرجوا كلهم؟
رشا: لا , تركوا أحدهم فوق السطح
الأم: لماذا تركوه ؟ماذا يريدون منا ؟ ماذا يريدون ؟ خربوا البيت ...خربوا كل شيء ...خربوا الحديقة .. لم يجدوا شيئا... لكنهم يصرون على إخراج زياد ..هل زياد ورقة طويناها وخبأناها في شق الجدار
رشا: زياد واحد من أهدافهم...هناك أهداف اخرى كثيرة
الأم: وما ذنبنا نحن ؟ انظري لقد بعثروا كل ما رتبناه منذ سنين
رشا: كل شيء سنعيد ترتيبه ...لكن ذكرياتنا التي بعثرت في رؤوسنا الأم:المنزوعة عن الأكتاف من يعيد ترتيبها ؟ من يعيد ترتيب العاطفة التي تمزقت في صدورنا التي صارت ساحة لزراعة نصالهم ؟
: حتى الحديقة حفروها...وقطعوا أعناق الزهور ..اولااااااااااد الكلب
رشا: اسكتي لئلا يسمعك الجندي الأمريكي
الأم: ليسمعني..وليعرف انه يحتل سطح  بيتنا , حتى صلاته باطلة
رشا: أمي كل شيء في زمن الحرب باطل وهذا الذي فوق باطل الأباطيل ...لقد جاء   من أقصى الأرض طمعا في الدولارات
الأم: الله يلعنه ويلعن  الدورارات
رشا  تصحح لها )  دولارات يا أمي  ذات البريق المشع الذي صار يعمي العيون ...عيون المتهافتين على أطماع الدنيا
الأم: ربما يؤدي الخدمة الإجبارية
رشا: لا توجد في بلاده  خدمة إجبارية ..هذا يؤدي واجبا مقابل ثمن
الأم: ولماذا لا يعمل في بلاده ويقبض ثمنا حلالا في مكان تقبل به صلاته؟
رشا: بلاده فيها بطالة
الأم: بطالة ؟ وجاء ليصير بطلا في بلادنا هاه؟
رشا: البطولة ليست بذلة تشترى من محلات بيع الملابس ويرتديها من تعجبه ...إنها تاج يساهم في صنعه  الجميع بدمائهم ليضعوه على راس واحد يستحقه
الأم: ولو صعدت على السطح وخنقت هذا الجربوع المعلق في سقف بيتنا الا أصبح بطلة؟
رشا  : سيرميك بالرصاص بقلب بارد
الأم : طبعا يرميني بالرصاص فهو  محتل ..وقطعا قطعا ان صلاته لا يقبلها الله ودعواته غير مستجابة وحسناته تطير في الهواء مثل طيور زياد التي طارت ..لا ادري الى اين !!
رشا: لكنها ستعود ..حتما ستعود ويعود زياد
الأم: ولكن لن يعود زياد مادام ذاك الجربوع معلق في سقف منزلنا
رشا: أمي..حتما سيتعب ويمل و يذهب المهم يجب ان نتعامل مع وجوده بواقعية ...هو الآن مفروض علينا ...
الأم: لقد فرضه علينا القتلة والكفرة
رشا: بل فرضه زياد الذي أراد ان يصبح بطلا وهانحن ندفع ثمن طموحاته البطولية بعد ان تركنا وهرب
الأم: وهل تريدين أخاك ان يسلم نفسه للقتلة ؟
رشا: عندما لا يكون في مستوى المواجهة لماذا يواجه ؟ ولماذا يهرب ؟...الهرب من الميدان هروب من بطولة محتملة ..
الأم: هو يعرف انهم لن يمسوننا بشعرة
رشا: وهل ابقوا شعرة لم يمسوها ؟
الأم: ليخساوا ...هل اقتربوا منك؟
رشا: لا ...لكن دخولهم في منتصف الليل دون مراعاة لحرمات البيوت هو انتهاك للمقدس ...فلليل قدسيته وللبيوت قدسيتها ..
الأم:هل تعتقدين ان للأرض التي تحتل حرمة ؟
رشا: لا ... لا يوجد على وجه التراب الذي تدوسه أقدام الغزاة أي شيء مقدس ...لهذا قلت لك  انهم لم يبقوا شعرة لم يمسوها
الأم: إذن لم تبق قيمة لحياتنا...علينا ان نصعد على السطح نخنق الجربوع ونلبس تاج البطولة
رشا: سوف لن يدعونا نهنأ بوضع التاج...سنصلى نارا ذات لهب بمجرد الاقتراب من السطح
الأم: هل هو مسلح تسليحا جيدا ؟
رشا: طبعا ...معه (جي سي ) وبندقية وعتاد كثير ..
الأم: وماذا لو انفجر العتاد ؟
رشا: سنموت كلنا ...ولهذا لن ينفجر العتاد ...الأمريكان ياامي لن يفرطوا بجندي من اجل سحق ذبابتين الأولى كهلة والثانية  عانس
الأم: اخسأي يا ذبابة ...لو لم تكن لي قيمة لما تركوا هذا الجندي يحرسني وبتابع حركاتي وسكناتي
رشا: قلت لك لسنا نحن الهدف انما الهدف هو زياد الذي تركنا وهرب
الأم: لن يتركنا ...بالتأكيد سيعود ...ويقتل الجربوع ..
رشا: لو كان سيعود حقا لما هرب
الأم: اذا كان في الهروب نجاة فهو غنيمة ...لقد هرب رسولنا الكريم من مكة عندما ضيق سادة قريش عليه الخناق
رشا: لم يهرب ...لقد امتثل لأمر الخالق ...وفي ذلك الزمان كانت توجد  قيما  ...فلم يؤذ القرشيون عائلته ...الوضع الآن مختلف ..
الأم: وهل سيمكث طويلا
رشا: طويلا حتى يلقوا القبض على زياد
الأم: وكيف يقضي حاجته ؟
رشا: قالت لي صديقتي ميساء ان دورية أقامت على سطح بيتهم فكان الهمر يأتيهم مرتين في الصباح وفي المساء يسلمونهم بالسلال المعلبات وهم بدورهم يعطونهم أكياسا فيها أوساخهم
الأم: اشعر ان بي رغبة للتقيوء , وكيف يتوضأ ؟
رشا: في الحرب لا يحتاج المرء الى الوضوء بالماء كثيرا..انه يتوضأ بالخوف
الأم:تيمما ؟
رشا: لا , نحن نتيمم بالخوف ونصلي  , أما هم فالخوف يبطل صلاة الحرب  لذا فإنهم لا يصلون
الأم: أعوذ بالله !!! وحتى لو صلوا فان صلاتهم باطلة
رشا: الحرب لا تعرف الصلاة لأن فيها تجري دماء والدماء نجاسة
الأم: منذ سنوات بعيدة ونحن نحارب ونصلي
رشا: دماء الشهادة طاهرة ...بل ان الأرض تتوضأ بها
الأم: نسأل الله الشهادة..مادامت الحرب مستمرة
رشا: يبدو ان الحرب على هذه البقعة من الأرض لا تنتهي ما دامت  تحت  هذه البقعة تجري أنهار الذهب الأسود 
الأم: لا، الحرب لن تنتهي مادمنا إحياء
رشا: قبلنا استشهد الكثيرون ..لكن الحرب ظلت مستمرة
الأم: لو كل واحد منا هجم على الجربوع الذي يتبول في كيس النايلون الآن في اعلى السطح  لما استمرت الحرب... ( تحاول ان تحمل عصا وتهجم )
رشا: أمي سيطري على أعصابك ,  الخوف يجعل الموت مجانيا والرصاص عشوائيا
الأم: سأجعل هذا الجندي الأمريكي  يبول على نفسه قبل ان يضغط على الزناد
رشا: أرجوك ياامي, سيطري على نفسك ..من اجل زياد
الأم: زياد ؟ وأين هو زياد ؟ لقد غاب وسيغيب طويلا ...طويلا هذه المرة ..ما دام هذا الجندي على السطح
رشا: أمي لكل شيء نهاية , هل تظنين ان هذا الجندي يتحمل حر الصيف ؟
الأم: وهل سيمكث الى الصيف ؟ وكيف سننام على السطح في ليالي الصيف وهو  يتبول واقفا  في كيس النايلون؟
رشا: أمي سيرحل لكن يجب ان نتوقع الأسوأ
الأم: الأسوأ هو ان نتحمل حياة كهذا , لا نستطيع ان نصعد على سطح بيتنا ننشر الغسيل لأن احد الجرابيع يهنأ بعد نجوم سمائنا الصافية ليلا , سأجعله يعد نجوم الظهر بعصاي هذه ( تحاول ان تهجم )
رشا:  أمي أرجوك انسي وجوده لنفكر في حياتنا المقبلة
الأم: وهل ظلت لنا حياة ؟ أبعد هذا الذل نسمي صعود النفس ونزوله حياة؟ ( صوت سيارة وجنود يتكلمون بالإنجليزية )
رشا: أمي..أنصتي..هناك (همر)  قادم
الأم: ماذا يريدون ؟ لن اسمح لأي احد منهم ان يدخل البيت ...كفى هذا بيت وليس ( خان جغان )
رشا: تمهلي..لا تنسي ان لديهم صاحب في بيتنا
الأم: مسمار جحا يعني ..جحا الأمريكي
رشا: لننتظر..اهدئي ياامي.. انهم لم يغادروا الهمر ...انظري ان الجندي يدلي بسلته
الأم: سلة برازه أليس كذلك ؟
رشا: لا تجعليني أتقيأ
الأم: هو يتبرز ونحن نتقيأ  أما لهذا المصير  من نهاية ؟
رشا: لكل شيء نهاية ..سارة او حزينة ...مقنعة او ليست كذلك ..سريعة او بطيئة ..المهم إنها نهاية ... نهاية ...فلكل شيء نهاية
الأم: ومتى نرى نهاية هؤلاء الجرابيع ؟
رشا: عندما نتلمس خيط البداية , مشكلتنا إننا لا نعرف كيف نبدأ ؟ إننا نتخبط ..ولهذا هم موجودون
الأم: الم ينته من إنزال برازه؟
الإبنة: انتهى ..هو الآن يتسلم المعلبات والماء بذات السلة
الأم: ذات السلة ؟
رشا: الحرب لا تفرق بين ما يدخل المعدة وما يخرج منها
الأم: لكننا نفرق
رشا: لأننا الطرف الخاسر فيها ..لذا نهنأ بالخسارة..لا يوجد شيء نخاف عليه ...وحدهم المنتصرون يحرسون نصرهم ...غنائمهم.. ونحن من هذه الغنائم
الأم: هل تريدين ان تقولي ان الجربوع يحرسنا؟
رشا: لا ..هو يحرس انتصار أسياده علينا...ونحن خطر عليه ..
الأم: لكننا لسنا سوى أم مسنة وابنة  عانس ( تبكي )
رشا: لا ..يا أمي..لا تبكي..لكي نبقى في نظرهم أقوياء
الأم: لا يا أبنتي نحن أقوياء... دموعنا تعزز قوتنا لأنها تؤكد إننا بشر 
رشا: الدموع في عيون المقتول  ..انتصار للقاتل...( تكررها وتبكي حتى تسقط على الأرض )
انهضي يا حمقاء ...انهضي ... قفي منتصبة..لكي نبقى في نظرهم أقوياء
رشا: لم لا نغادر البيت ؟
الأم: لا ...لن أغادر هذا البيت الا جنازة
رشا: لكن ياأمي حياتنا في خطر...ربما يموت الجندي..
الأم: الى جهنم ويئس المصير
رشا: ياأمي لا تدركين خطورة مااقول
الأم: هل تريدينني ان الطم عليه؟ليفطس ...وهم سينزلونه بسلته
رشا: ياأمي يجب ان تعلمي ان حياتنا مرهونة بحياته
الأم: ماذا تعنين ؟هل صار ولي امرنا؟
رشا: ياأمي افهميني ... نحن مسؤولتان عن سلامته
الأم: كيف ؟
رشا: اذا تعرض لأذى فان الأمريكان لا يبقون في  البيت حجرا على حجر
الأم: وهل بقي في البيت شيء في مكانه؟
رشا: في الأقل نحن مازلنا نعيش ونتنفس ...
الأم : نتنفس هواء الذل والمهانة ....
رشا: ياأمي البلد كله يتنفس هذا الهواء ...
الأم: هل تريدين أن تغادري البلد؟
رشا: هذا هو الحل المتاح لنا..فزياد هرب ..وبيتنا استبيح...لم يبق لنا سوى أن ندير ظهورنا للبلد ...
الأم: من يدير ظهره لبلده فان ظهر الحياة يدار له
والعالم تركناهنا لا نموت ولا نحيا .. والعالم  تركنا نتقاسم الخوف والوحشة مع ذلك الجربوع
الأم : بقاؤنا في البيت أكبر تحد للجربوع
رشا: لكنه جربوووووووووع
الأم: جربوع يمتلك بندقية ورصاص ..وسلة براز...
(رشا  تضحك وتحضن أمها ..إظلام)


المشهد الثاني


( ثلاثة شبان ملثمون يتحركون في شارع مظلم  )
الاول: هل كل شيء جاهز؟
الثاني : كل شيء جاهز
الثالث : زرعنا العبوة الناسفة في طريق الهمر الأمريكي الذي اعتاد أن ينقل المؤونة الى الجندي الأمريكي المزروع في بيت زياد
الاول : لكنه تأخر ..
الثاني : سيأتي عاجلا أم آجلا ...وسننسفه ...
الثالث : لننتظر فالتأخير وارد ..على المجاهد ان يتحلى بالصبر..
الاول : لقد نفد صبري ..
الثالث  : يبدو ان الهمر غير طريقه ...
الاول  : لا انه مجرد تأخير...ثم لماذا هذا القلق ؟ ان العبوة ستنفجر في كل الأحوال..
الثالث : لكنها قد تقتل أناسا عابرين
الاول   : في كل الأحوال نكسب الجولة...المهم لا ندع الأمريكان يهناون ولا الناس تهنأ بوجود الأمريكان
الثاني : الأمريكان جالسون على صدور الناس والناس يئنون
الاول  : إذن الأفضل لهم ان يموتوا ..
الثالث  : ليموتوا لكن ليس على أيدينا فسنصبح قتلة
الاول  : لا تقل قتلة..نحن مجاهدون
الثالث  : بل قتلة ...
الثاني : كفاكما هذرا ..أرى سيارة مدنية تقترب
الاول للثالث  : انت تتطاول كثيرا علي أيها الجبان
الثالث  : سنعرف من الجبان
الاول  : متخاذل
الثالث  : اخرس يا مجرم
 (الاول يصفعه .. يشتبكان  ...يحاول الثاني ان يفض الاشتباك ... صوت انفجار من بعيد...إظلام)


المشهد الثالث


( المنظر الأول نفسه ..الأم تصغي لنشرة الاخبارعبر راديو ترانسستر صغير )
المذيع : انفجرت أمس عبوة ناسفة وضعت في الطريق العام مستهدفة دورية أمريكية لكن العبوة انفجرت قبل وصولها بدقائق عند مرور سيارة تقل عائلة مكونة من خمسة أفراد لقوا مصرعهم في الحال ولاذ المسلحون بالفرار )
رشا: هذا هو إذن خبر  صوت الانفجار الذي سمعناه مساء أمس
الأم: ظننت ان الهمر الأمريكي المسائي قد استهدف
رشا: الأمريكان حذرون لذا ينجون من هذه الهجمات ويذهب ضحيتها الأبرياء
الأم: "ولا تدري نفس بأي أرض تموت"  صدق الله العظيم
رشا:   لقد أصبحت أرضنا خصبة لبذور الموت
الأم: البذور أنبتت وصارت أشجارا وارفة الظلال
رشا: صارت أرضنا غابة موت ( تسمعان صوت تفكيك أجزاء سلاح )
الأم: ماذا يحصل في الأعلى؟
رشا: يبدو ان الجندي ينظف سلاحه
الأم: لينظف نفسه أولا
رشا: الماء الذي يعطونه له لا يكفي لشرابه
الأم : هل هو صغير السن ؟
رشا: ربما فانا لم ادقق بوجهه
الأم: اذا كان صغير السن لماذا تركته امه يأتي الينا قاطعا كل تلك المسافات ؟
رشا: المسالة بالنسبة له عمل يتقاضى عليه أجرا كما قلت لك..
( صوت من الخارج ) أم زياد ...أم زياد
الأم : من ؟ أم حيدر ؟ هل هناك شيء ؟
الجارة ( مرتبكة وفي عجلة من أمرها ) :مرحبا أم زياد
الأم : أهلا وسهلا  كيف الحال؟ تفضلي ...عذرا لفوضى البيت فمنذ ان فتشه الأمريكان في تلك الليلة السوداء وكل شيء في البيت مبعثر
الجارة : أم زياد كل شيء بالبلد مبعثر ..
الأم: اجلسي قليلا واستردي أنفاسك...رشا اعدي الشاي لام حيدر
الجارة : لا والله أتيتك في أمر عاجل .شكرا. ..نشرب الشاي في الأفراح ان شاء الله
الأم (مع نفسها )  وهل ظلت لنا أفراح ؟ماالامر ؟ خير ان شاء الله
الجارة : نحتاج مساعدة من ست  رشا
الأم: مساعدة ؟ ما نوع هذه المساعدة التي تستطيع ان تقدمها رشا  ؟هل تريدينها ان تدرِس (حيدر ) اللغة الإنجليزية؟تحت أمرك رشا وأم رشا
الجارة : تسلمين شكرا , لا والله درجات حيدر جيدة بالإنجليزي بفضل ست رشا لكنني أتيت لأمر آخر
الأم: أمر آخر ؟ ما هو ؟
الجارة : والله لولا حاجة الجميع لها لما طرقت الباب ..
الأم : هل الجميع بحاجة الى رشا ؟ قولي ولا تترددي
الجارة : والله لا اعرف ماذا أقول لك ؟ ..لقد جاءت لجنة من الهلال الأحمر لتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين وماان رأى الناس صناديق اللحوم حتى هجموا على مقر اللجنة  وكسروا  الأبواب وحاصروا اللجنة داخل المبنى وبدأوا يقفزون  الأسوار ولما لم تتمكن الشرطة من إيقاف الفوضى استدعت الأمريكان لكن لم نجد من يستطيع ان يتفاهم معهم بلغتهم لذا نريد رشا ان تاتي و....
رشا ( بانفعال ) : لكنني قلت لكم ألف مرة , لا تقولوا إنني أجيد الإنجليزية...لاأريد ان اكون وسيطة بين القاتل والمقتول
الجارة : الوضع في الخارج منفلت ...والفوضى عارمة...وسيأكل الناس بعضهم بعضا ...ولا يوجد مترجم...أرجوك...
الأم : والله أم حيدر طلبك لا يرد ,ولكنك تعرفين الأوضاع في الخارج وتعرفين ان رشا لا تريد أن يعرف الأمريكان إنها تتكلم لغتهم ..فيستعينون بها في الصغيرة والكبيرة
الجارة : لكن جميع أبناء المنطقة يعرفون إنها معلمة إنجليزي
الأم : يعرفون إنها معلمة تؤدي واجبها وتعود للبيت .. أنت تعرفين ماذا يعني الاقتراب من الأمريكان , ان واحدهم كنافخ الكير شراره يؤذي ورائحته عفنة ..الرائحة الطيبة لا تاتي من أناس يحملون السلاح بوجه العزل , رائحة السلاح ملطخة بالدم
الجارة : أعرف هذا , ولكن نحن بحاجة إليها وهي في حماية الجميع
رشا : لن احتاج الى حماية احد ..لكن المسالة مسألة مبدأ ..
الجارة : كلنا نعرفك ..ولكن " الضرورات تبيح المحضورات" كما يقولون, لقد قلت قولي ..وأترك لكما الأمر وأنا أستأذن
الأم: انتظري لحظة ...( تنفرد برشا لحظات) رشا ماذا أقول لك ؟ أنا محرجة جدا
رشا: ياأمي انت تعرفين كيف يتغامز  الناس عندما يرون مترجمة 
الأم: لكنهم الآن هم أرسوا بطلبك
رشا: وهل أنا رهن اشارتهم ؟
الأم: نحن كلنا رهن إشارة حاجة الناس الينا ...اذهبي ولا تتأخري...انهي مهمتك وعودي سريعا
رشا ( تصمت )
الجارة : لقد تأخرت كثيرا ..لا بد أن نتدبر أمرنا..
الأم: تمهلي أم حيدر (تعود مع رشا  ) ياأم حيدر لا نستطيع أن نرد لك طلبا ستذهب رشا معك لكن لاأريد لها ان تتأخر ..الوضع ليس به أمان ...   ...حاولي أن تنجزي المطلوب منك ثم عودي سريعا ..عودي ولاتتاخري
الأم: لكن يا ابنتي احذري المفخخات وأصحاب الأحزمة الناسفة
رشا: لا تخشي ياأمي ...سأكون حذرة وأتجنب الزحام والله هو الحافظ
الأم: في أمان الله يا ابنتي... لا تغيبي كثيرا..( تفكر مع نفسها ) لا تغيبي مثلما غاب زياد الذي خرج واعدا إياي بعودة سريعة عندما جاءه احد الأصدقاء ليلا..قال لي: سأعود بعد نصف ساعة..مرت الساعة والساعتان..والساعات...ويوم ويومان ولكنه لم يعد  .....صار الغياب متواصلا...لقد ولدنا  ليلتهم أبناءنا  الغياب....  يا ترى اين هو زياد الآن ؟ قلبي يقول انه بأمان في وقت لا يوجد به أمان ...ربما يكون قد غادر البلد...لا لا..ولدي لا يفعلها...ولدي لا يطيق الغربة...ولدي ...( تبكي وتنشد دللول يالولد يا ابني دللول ...) وماذا عن طيورك ؟ هل عادت الى قفصها ؟ أم تراها لم تطق الطائر الغريب الذي حط جوارها ؟ ففرت ..ربما عادت ..وهي بحاجة الى الطعام  والماء...كيف يرضى قلبي ان اترك طيور زياد تموت من الظمأ والجوع والضياع  والغربة ؟ هذا لا يجوز أبدا...لا بد أن اصعد لأرى الطيور  ...وماذا لو منعني الجندي  القابع في الأعلى ؟  لا يمكن له ان يمنعني ؟ انه في بيتي ...أنا سيدة هذا المكان ..أنا سيدة الطيور.. وكيف اصعد ؟ منذ زمن لم افعل هذا ... لكن لأجل طيور زياد سأفعل...لابد أن افعل .. ( تتحرك بصعوبة نحو السلم وتتمتم ) لا بد ان اعرف هل قلوب أمهات الأمريكان من حجر ؟ كيف ؟ لا بد ان اعرف ...سأعرف...حتما سأعرف ...آه...أنا متعبة ...(الجندي يشعر بحركة في الأسفل ...يأخذ وضع الانبطاح ...يسحب الأقسام ...يسدد بندقيته باتجاه مصدر الحركة ...يطبق الفرضة والشعيرة ...يضع إصبعه  على الزناد ... يصرخ : stop
تصاب بالذعر...حين يرى وجهها متصلبا من الخوف ...ينكسر من الداخل .. يلقي سلاحه....يصمت للحظات ينظر الى وجهها ثانية  ...يرى الذعر بعينيها يحاول تهدئتها ...تظل خائفة ...يقبل أصابعها معتذرا ...يرى  الدموع تنزل من عينيها ...يحضنها ويبكي )
الأم ( بعد حوار صامت طويل ):  هل كنت تريد قتلي ؟ لماذا ؟ أهكذا علموك في الجيش أن تسدد الرصاص على قلوب الأمهات ؟ الا توجد لك أم ...الم تفكر بك ؟  كيف ؟ لماذا أساله وهو لا يفهم لغتي وأنا لا افهم لغته ؟ لو كان يفهم لسألته كيف تطيق الأمهات عندهم ابتعاد الأبناء ؟ كيف ؟  لقد قال احد الشعراء " ان الحروب عندما تندلع فإنها  لا تندلع في ساحات القتال بل في قلوب الأمهات "افتح قلبي برشاشتك ستجد قلبا مليئا بالثقوب...لقد ثقبته الحروب لقد خسرت ولدا في حرب الخليج الأولى كان قمرا مثلك ...ذهب الى الميدان ...وعاد ملفوفا بعلم ونشيد وطني ...ووسام بطولة ...ههههههه لكنه لم تعد ضحكته التي كانت تملا علينا البيت ...ما جدوى الوسام ؟ وما جدوى البطولة ؟ ثم فقدت ابني الثاني في حرب الخليج الثانية ...استشهد في غارة أمريكية...كان جسده ممزقا ...مزقته القنبلة التي صنعوها في بلادك ...وزياد غاب عنا ...عندما دخلتم قال هذا احتلال ...وحمل السلاح وغاب ...ولم نعد نسمع عنه شيئا ...وهاأنت تريد أن تقتلني ...اقتلني ...ياولدي ..اقتلني وخذ وساما اهديه لأمك ... أمك التي تنتظر عودتك مثلما نتظر عودة زياد .. انت صغير...وجميل ...كيف تطيق امك ابتعادك عنها ؟ ( الجندي يخلع نظارته السوداء وخوذته التي يضعها جانبا ..يبكي صامتا ..مرددا .. I am soory  في هذه الاثناء تحط  حمامة  بالقرب من الخوذة ...تنتبه الام ترمي لها الطعام ..يحط سرب حمام .. ...ترمي له  الطعام ..يساعدها الجندي الذي يفرغ قنينة ماء ويضعها في اناء ..تبتسم الام بمرارة   ) ياللحمام المسكين لم يعد لك ماوى ...نامت الاسلحة في بيتك ايها الحمام ...ابحث في الخوذ عن اعشاش ..
بعد انتهائها من عملها  تقول  : هذا يكفي ..الان علي أن أنزل ...ولكن كيف يمكن لعجوز مسنة مثلي ان تنزل ...ساحاول ( تنهض بصعوبة ...حين تنظر في الاسفل ترتعب...يحاول الجندي مساعدتها ...ترفض ..تتحرك ..تعثر ..تكاد أن تسقط على وجهها لكن الجندي يمسكها بقوة ..ويساعدها على النزول برفق  حين يصلا يرى الفوضى التي خلفها هو ورفاقه ..يتطلع اليها بخجل وعيناه تفيضان بالاعتذار
تفهم  الام نظراته  وتضغط على كفه مطمئنة اياه
الام : لاتهتم , سنرتب كل شيء ...( تغير الموضوع ) شكرا لك  ...شكرا ياولدي ..
( الجندي يبتسم ..يحاول ان يصعد لكن الام ترفض )
الام : اغسل وجهك من الدموع  قبل ان تصعد...اغسله جدا واشرب ماء من الثلاجة...( كأنها تكلم نفسها لانه لا يفهم العربية لكنها تحاول أن تفهمه الحوار المتبقي بلغة الاشارات ) اعذرنا الماء ليس باردا كفاية ...الكهرباء مقطوعة منذ ساعات ...والمولدة عاطلة اذ نفد الوقود ولم نستطع أن نقف في طوابير البترول الطويلة .. كما ترى فنحن امرأتان  ..
( يرفض , تلح في الطلب , تحاول النزول ...يمسك يدها ويساعدها على النزول ...يشرب الماء وعندما يهم بالمغادرة .. تدخل رشا...تصعق عند رؤيتها هذا المشهد وتصاب بالذعر )
رشا: ماهذه الفوضى  ؟ ماذا فعلت ؟ من الذي أنزله  الى هنا؟
الام : أنا ياابنتي , لقد صعدت الى السطح لأستطلع أمر طيور زياد ..ولم أستطع النزول فمد الي هذا الجندي يد المساعدة
رشا: علينا أن نقلده اذن وسام البطولة أليس كذلك؟
الام : انه انسان وله أم تبكي دما  لفراقه الان ...
الجندي : ( يضع النظارة السوداء على عينيه ويمسك السلاح بيده جيدا ) آسف ..لأني دخلت بيتكم بدون اذن .. أنا هنا لحمايتكم...
رشا: دعونا واذهبوا ونحن نحمي أنفسنا ..ثم اننا لم نطلب المساعدة منكم
الجندي : لقد طلبها منا قادتكم ..
رشا: بل قادتكم الذين يفكرون في شيء واحد ..كيف يضعون النفط في خزاناتهم ؟ كيف يسلبون منا كل شيء ؟لنظل نتخبط في الفقر والكساح الحضاري ؟
الجندي :  يبدو ان الحوار بيننا مقطوع ( يهم بالمغادرة )
الام : انتظر لحظة ..ساذهب لأعد الشاي وأنت تحدثي معه فانت تفهمين لغته ( تواصل كلامها مستدركة ) اطلبي منه فيما بعد  أن يغادرنا بهدوء فنحن وحيدتان.. وزياد ليس  في المنزل 
رشا: لا يوجد حوار بين الطلقة والغصن...
الجندي : أنا لست طلقة انا جدار ...وهذا السلاح احافظ به على حياتي وحياتكم
رشا: دع حياتنا لنا فنحن نعرف كيف ندافع عنها .. كان بامكاننا أن نكون اصدقاء لولا هذا السلاح الذي جئتم تحملونه؟
الجندي ( يركن سلاحه جانبا): لكني لا أرفع سلاحي بوجهك؟..لاحظي اني اتحدث معك..ولا اخافك؟
رشا: أنا جزء من وطن عثتم فيه خرابا؟ رفاقك في هذه اللحظة يرفعون السلاح بوجه الف عراقي وهؤلاء  الالف هم أهلي..وأصدقائي ..وأخوتي؟
الجندي : جئنا لكم بالديمقراطية و لنحرركم من الديكتاتورية
رشا: لقد استثمرت  مصلحتكم  ظرفا تاريخيا  حرجا  مررنا به  , فجئتم بدباباتكم لاخراجنا من ذلك الظرف الحرج , لكن لماذا بقيتم ؟لماذا سمحتم للفوضى أن  تنهش جسد البلا


شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: