رماد الموت موسيقى الحياة
وسيم بنيان
"الوعي واللاوعي في حلقات الدخان"
يهدف هذا العرض والتحليل أساسا للتعريف بمجموعة شعرية أهداها أليّ الصديق الشاعر محسن السراج, وهو لم ينشر منها سوى قصيدتين أو ثلاث. ولما طالعتها وجدت فيها ما أبحث عنه دائما وأنا أقرا المجاميع الشعرية. حيث احتوت على لغة شعرية وأدبية عالية, وليست مجرد لغة قاموسية بليدة لا مشوبة بالقلق ولا مشحونة بالأفكار. فهي تختزل عددا من الإشارات المقفلة الباحثة عمن يفتحها ومشحونة بأفكار تستحث على التفكير لا تقرره. فدفعتني هذه الخصال من جهة, ومعرفتي بناظمها من جهة أخرى. إلى كتابة هذه الدراسة التحليلية المتواضعة عنها على الرغم من كوني لست من أهل الاختصاص في مجال النقد الشعري ولا الهواة أيضا. ألا إنني وجدت فيها ما يستحق الاهتمام والمتابعة, وعلى هذا الأساس سأسعى في عرضها وتحليلها بحسب ما يخطر لي ويدركه جهدي محاولا اصطياد فلتات اللاوعي في لغة الشاعر العالية, وأحيانا أشير إلا الوعي والقصدية فيها. ولابد لي أولا من الإشارة إلى العنوان الرئيسي للمجموعة التي وسمها الشاعر: (حلقات الدخان) ولأبحر الآن خائضا في أمواج طوفانها:
يفتتح الشاعر مجموعته بالقصيدة الأولى التي تحمل عنوان المجموعة نفسه:
(بإزميل تنحت الشاهدة/ تنفثُ حلقات الدخان/
أسراب طير/مستدلا بها على التلاشي/صاح ِ/
أنت موسيقا الرماد/في مساء الصناديق/)
تتلاشى ذات الشاعر منذ البداية, لتحل محلها ذات "الصاحِ". والتي تتلاشى هي الأخرى إلى طاقة سمعية (موسيقى الرماد). وكم كان الشاعر موفقا في اختيار عنوان مجموعته الشعرية. على الرغم من احتواءها على عناوين اجمل من العنوان الرئيسي, لكن العناوين الأخرى لا تحتوي على نفس دلالات (حلقات الدخان) كما سنرى. فالدخان مادة خفيفة لا تتضمن مواد جرمية. لكنه على رغم خفته ولطافته يختزل صور وانطباعات هائلة. ولعل أهم ما فيه استحضاره جدلية الموت والحياة بأقوى صورة. وهو يستعرض تصارعات وتناقضات هذه الجدلية بقوة فنية فريدة. إذ انه المنبئ عن وقوع الكوارث الطبيعية, أو الممهد لوقوعها. وغير الطبيعية - أي الصناعية- كما في بعض حوادث العطب الصناعي, الذي يمهد للكارثة بنفث الدخان الكثيف. وفي الحالتين يعد الدخان قائدا إلى مصير التلاشي. ورغم انه يمثل تلازما لا ينفك في اغلب الأحيان لرعب الكوارث -السالفة الذكر- المؤدية إلى الموت والعدم. إلى انه يؤشر من جهة أخرى إلا ميلاد حياة جديدة, فليس بعد الدخان إلى (رماد الموسيقى). التي يعزفها لنا نحن المنكوبين بحرائق الحياة (أكورديون) الأمل, من اجل إصلاح الخراب وضمه في (صناديق المساء) لتستمر بعدها الحياة. وهكذا يؤصل الشاعر هذا التوظيف فيعكس السطر الأخير من النص السابق ويصيره كالتالي:
(صاح ِ/ أنت رماد الموسيقا / في صناديق المساء/)
ويشير مطلع القصيدة إلى قوة الانبثاق والتشكل التي يحظى بها الدخان. إذ اختار له الشاعر تشكلا ذا دلالة مزدوجة (أسراب طير), فهو من جهة يختار حيوان له وظيفة الطيران كما الدخان المتشكل منه. ومن جهة أخرى يشير الشاعر بمواربة ذكية إلى أن صاحبه الذي أنبئ عن موت نفسه وتلاشيها بنفثه حلقات دخان على هيئة أسراب طير, كان في صدد إنجاز منحوتته الفنية الأخيرة (بأزميل تنحت) التي ربما قرر الرسام مع نفسه أن تكون منحوتته (اللوحة) شاهدة قبره(..الشاهدة) . ولا ندري هل أمهله الموت أن يكملها أم كما توقع هو نفسه, بأن الموت لن يمهله لإنجازها فقرر أخيرا نحتها/رسمها بالدخان...
نعود في القصيدة السابعة إلى متابعة الدخان بشكل اكثر كثافة, وهذا يعني اكثر غموض. فحيثما تكاثر الدخان قل الوضوح. ويطل علينا عنوان القصيدة المكون من كلمة واحدة. لكنها ذات كثافة دخانية هائلة. فهي اسما لآلة بسيطة تعد إحدى مصادر الدخان ف(تنور) هو عنوان القصيدة التي تجعل دلالات الدخان تتقافز في وعينا. وتبدأ القصيدة بعبارة تصر على تكاثف هذه الدلالات إذ تأتى في جملتها الأولى:
(تنور مختنق بالدُخان/)
نلاحظ هنا أن اسم آلة الدخان يتكرر بعد العنوان ويصبح نافثا للدخان ومختنقا به. وتستمر القصيدة:
(رغيف منسي بأصابع الريح/ لستُ ملاكا ولا أنت ِ مريم /
هذا ما يُنشدُ في المزامير/ جذع نخلة صار قنطرة/
سملت عينيه أقدام العابرين/)
ماذا نجد في تنور مختنق بالدخان غير صراعات وصور وأشكال يمنعنا من متابعة إرهاصاتها اللهب من فوهة التنور صارخا لا يوجد رغيف , إذ انه منسي بأصابع الريح . ولا يفوتنا هنا ملاحظة التدرج في اتساع الفوهة من جهة, وتكثف الدخان من جهة أخرى. حيث (الصاح ِ) كان ينفث دخانه من فوهة السيجار صغير الفوهة, بينما التنور ذا فوهة أوسع كثيرا. كما أن الفرق واضح بين لطافة دخان السيجار وكثافة دخان التنور. وقد هيأنا الشاعر لملاحظة هذا الفرق, عبر استحضاره المباغت لعنوان (التنور) في مطلع قصيدته قبل أن يبدأ بالنص مكررا المفردة.
(لست ملاكا ولا أنتِ مريم/)
لكي نتمكن من خلق مسيح ينتشل الرغيف من أصابع الريح ويكسره لأجل إطعام الجياع كمقدمة لتكسر جسده. ولكن رغم ذلك, يجب أن نجد أنا وأنت بديلا للصلب لكي يتم الفداء وتستمر التضحية. يجب أن نخوض اللعبة منذ البداية, ليستمر الموت من اجل الحياة. هذه فلسفة الدخان, تعالي يا(لا مريم) لنعيد خلق الأجواء. وليكن بطل المكان الأول الذي جاء بالمسيح (جذع النخلة) هو نفسه باعث الحياة, وهذا يعني جعله هو الضحية والقربان. شقي إليك جذع النخلة ضعي النصف بالتنور لكي يختنق في الدخان, وسيتشكل على شكل ملاك. فأنتِ تعرفين بأن الدخان قابل للتشكل بكثير من الصور. والنصف الآخر سيحمله (روح القدس) الدخاني ويجعله قنطرة ليصبح ضحية تسَمَل عينيه أقدام العابرين. بدلا من مسيح الرب وستكسر أصابع الريح فوقه رغيف الخبز:
(جذع نخلة صار قنطرة / سَمَلت عينيه أقدام العابرين / ...هذا ما ينشد في المزامير)
ثم نعود إلى هذه التضحية الفردية المسقطة على (جذع النخلة) مسيح الرب الشعري. لنجدها تصبح تضحية عامة - الشاعر يدفع بها نحو العمومية بعبارة أدق- فنطالع على الفور في القصيدة الثامنة الموسومة ب:(تغريدة البجعة), ولازلنا نستذكر أسراب الطيور الدخانية وكأن (الصاحِ) تحدى الموت الذي أراد أن يحول دون نحتها فنجح في خلق طيرا واحدا من السرب (بجعة). تبدأ تغريدها:
(الشمس تهمس / انتم الشجرة / التي وهبت نفسها نايا للريح / )
نجد هنا أن الشجرة واحدة لكنها اختزلت في وحدتها انتم, أنها الجماعة في عين الوحدة. كل من قدم نفسه للتضحية فهو مسيح الرب. وتوجد هنا إشارة أخرى تستدعي الانتباه, وهي أن الجذع تحول بعد التضحية قام بعد الفداء إذ(سَمَلت عينيه أقدام العابرين). وعاد يمارس دوره من جديد, بعد أن آمن به تلامذة جدد, واصبح له حواريين كثر. ولأن نصفه احترق وتحول إلى دخان, فقد تعلم هو من هذا التحول واصبح قابلا لاحتواء الصور, والأشكال وضمها معه, لتتماها به ويتماها بها. لذلك أشرك اتباعه معه, فقد أصبحت الآن التضحية عامة واستعد لها كثير من المضحون. فأصبح لزاماً على الجذع - المسيح الشعري-, أن ينهض بهم إلى أداء المسؤولية. التي تقتضيها متطلبات الموقف الجديد وهذا الموقف الجديد, يستدعي مرحلة جديدة تختلف عن التضحية السابقة, وتتطلب تغايرا شاملاً. فلا داعي لأن تبقى الشجرة, التي أصبحت تختزل مجموعة(أمساح) قنطرة لأقدام العابرين. بل عليها أن تهب نفسها للريح :(انتم الشجرة التي وهبت نفسها نايا للريح)
فالريح في التضحية السابقة, كسرت الرغيف المنسي بأصابعها, فوق جثة الجذع /القربان/القنطرة. والآن عاد إصبعها فارغا, فليهب المسيح الجديد واتباعه نفسه نايا لها. لعلها تعزف أنغاماً تستهوي أسماع الجرذان والفئران, وتخلص الناس من بلاء الطاعون. ثم تكمل القصيدة تخاطب اللذين يريدون الانطواء تحت لواء المسيح, واتباعه بعد أن رأوا بعيونهم المعاجز والتضحيات :
(خضبوا أيديكم بالحناء/ اغمسوها في المستحيل/ )
التغير في المرحلة, يستدعي التغير في الطقوس السابقة, انه التعميد الجديد. بدل أن تغمسوا أيديكم في الماء, واقع الحياة ينادي أن تغمسوها في المستحيل. لتحولوه إلى ممكن, أو ألا بديهي. نحن في زمن التغيير, والتطور فلنحاول إصلاح كل شيء. لن ينتهي الصراع ولن يتوقف التطور, هذا ما يقوله الدخان المقدس. وتعود القصيدة إلى المتابعة :
(المِئذنة خطوة متعثرة إزاء السماء/ من يجرؤ على الصراخ؟/)
لم يعد التعميد الكلاسيكي لوحده غير مجدي ويقتضي التغير. فالمئذنة هذه الاسطوانة التي يفترض أن تقود إلى السماء, وتدل على حب الرب ورضاه من خلال حب عباده. أصبحت هي الأخرى بحاجة إلا الإصلاح, والتغيير. لأنها صارت خطوة متعثرة تبعد عن الله بدل أن تقرب منه. من خلال ما يمارس تحتها, أو تحت عنوانها من إرهاب وقمع ف:(من يجرؤ على الصراخ؟/ ). وما الذي يحدث بسبب هذا القمع والإرهاب. تكمل البجعة مغردة:
(سنابل القمح ِ بلا قمح / الثعلب كسر قيثارتي وسرق بيتي /)
بعد أن ذبت في المجموع, وأصبحت ذات نافعة مستعدة للتضحية. وبعد أن استمر المسيح وحواريه وذبت معهم, وأصبحت الريح تحملنا. ونحن نتكاثر حتى نجحنا من تخطي طور الناي, إلى طور القيثارة, جاء الثعلب. فأمام كل مسيح دجال, وأمام كل حسين يزيد, وأمام كل آدم شيطان. فهو أيضا تعلم التشكل بأشكال مختلفة من الدخان. (كسر قيثارتي ), و(سرق بيتي). فلا بد من تصادم وتضاد ليحدث الصراع, وتهيج جدلية الموت والحياة. ولابد أذن من الحرب, لابد أن يرتفع الدخان. فتغرد البجعة على هذا المنوال:
(ال ح رب/ اقصدُ الذئب /)
فكل محارب مغوار لابد أن يدخل في حساباته الاستعداد للحرب ضد الذئاب , الذين هم طورا دجالي أعتى من فصيلة دجالي الثعالب. وتغرد البجعة من جديد:
(شب المجاز في مملكة الخيال/)
أنها الحرب قد وقعت والثعالب, والذئاب وغيرها من التشكلات, تتكاثف تكاثف الدخان. والمسيح وأعوانه, وحواريه, صابرين جلدين. من ينظم إليهم الآن عن عقيدة واقتناع, ويجسد قناعته على ارض الواقع. ويثبت صدق انتمائه, والحرب قائمة, والثعالب والذئاب تعيث فسادا في الأرض. ونداءات المسيح وحواريه, أصبحت عميقة قوية تهز أوتار الضمير, وتزلزل الوجدان والشعور. وهي لا تريد الانتماءات الزائفة, والعقائد المضطربة, فالمهمة ثقيلة والنداءات تطالب بأشياء عظيمة. ولنسمع البجعة تغرد بماهية هذه النداءات:
(من ينقذ براءة الصبي؟/ من يغرف الماء؟/
من يُصغي لأجراس المطر؟/ من يُربت على الصنم الغريق؟/
من يُلملم الطُحلب في قلبي الأرمل؟)
هذا ما يستفهم عنه المسيح وأنصاره, وتنهي البجعة تغريدها بهذه الاستفهامات الخمسة. لتبدأ (محنة الطائر), وهو عنوان القصيدة التالية. لكي لا ننسى الطائر الدخاني الذي نحته (الصاحِ) بتلاشيه. ولا زال هذا الطائر غير واضح الملامح عندنا, فلا تتوضح الرؤية الدخانية بسهولة. ولنتابع محنته ولندعه يعبر عنها على لسان الشاعر وفي مطلع القصيدة تحديدا:
(لست هلالا ً متحجرا في مسلة السيد حمورابى/)
مسلة "حمورابى" ذلك الرقم الطيني التاريخي الأثرى المشهور, وهو يحتوي على نحت مسطح "لحمور آبي" وهو يمسك بجريدة تحوي قوانين شريعته. وفي المسلة أيضا هناك شمس ,والسؤال الآن لما اختار الشاعر الهلال دون رموز المسلة الأخرى. إن القمر هذا المخلوق الساحر استهوى الإنسان منذ أول يوم أبصرت عيناه الطبيعة, وتنسم فيها الحياة. كان القمر هو حارسه الليلي الباهر والسر الكوني العجيب والغريب. فراح الإنسان منذ القدم يراقب هذا المخلوق الذي يمثل دورة الحياة, إذ ينبثق هلالا نحيفا مقوسا ثم يتصاعد بالنمو والظهور, حتى يصير بدرا أخيرا. ويعود من ثم إلى التناقص والتضاؤل, لينمحي ثم يعود هلال من جديد. في دورة عنيدة لا تعرف الكلل أو الشكوى. انبهر الإنسان بهذا الكائن العجيب الذي ارتبط بأسرار الحياة ولخص فلسفتها الكونية, انه يشرح جدلية الموت والحياة, النقص والكمال, التغير الأزلي الذي يلف كل الموجودات, ويستعرض اختلافها. ولذلك كانت علاقة الإنسان بالقمر تختلف عن أي علاقة بأي ظاهرة أخرى, ليس للقمر ما يماثله في وعي الإنسان. وحتى الشمس الظاهرة الكونية الأخرى, لا ترتقي إلى القمر. فهي ثابتة تشرق في وقت معلوم, وتغرب في وقت معلوم أيضا. لا تترك أي انطباع كما انطباعات القمر الجميلة. الشاعر في وعيه أو لا وعيه ملتفتا لأسرار هذه العلاقة بين الإنسان والقمر , ورغم انه يحب هذه الدورة وقد شغلت في وعيه حيزا كبيرا, إذ فرضت عليه أسئلة وجودية لا مفر منها. رغم ذلك هو لا يريد أن يكون متسمرا ومتحجرا, مثل هذه الدورة القمرية. فرغم حريتها وتحركها إلى أنها في النهاية محكومة بقدر لا مفر منه, أنها تسير بخطوات متنوعة لكنها تتراوح في النهاية بين الظهور والأفول. يرفض الشاعر هذه القدرية بشكل قاطع. انه يقول بملء فيه: آيها الناس آيها الكون أنا فنان شاعر,نحات ,رسام, كاتب, تصطرع العوالم في أحشاء فكري ومخيلتي ووعيي, كما حلقات الدخان. لا تفرضوا علي قانون يحاول تحجيري في مسلة, لا أتحجر في مسلة حمور آبى ولا غيره. أنا ضد التحجر ضد القيود لا تخنقوني ب(تابواتكم ). تدرون لماذا؟ يصرخ الطائر:
(شهوة الفراشة في دمي / لست سكة لا تعرف الخطأ/
الكائنُ صاعقتي / صيرته حصانا ناطقا/
أغويته بالمرايا/ فتدلى ناقوساً فضيا/ في بئر كآبتي/
إذ رأس اللحظة مترع باللذة والجنون/)
نلاحظ هنا التوحد مع الدخان بأجلى صوره , فالعبارات السابقة لا تحتوي على ألفاظ رنانة. أو فبركات لغوية مزركشة, أنها كلمات عادية قيلت بشكل غير عادي. ف(الكائن صاعقتي) ما الذي يستدعيه هذا الصعق, انه يستدعي مني كشاعر كفنان أن اخلق أن أبدع أن انفث بكل إرهاصات قلق الصعقة لأحول الكائن واصيره (حصانا ناطقا). فأنا متماها مع الدخان إذن بإمكاني أن أتحلى بخصائصه , تمرد الحصان قليلا فهو يأبى أن ينصاع لأرادتي, إذن لأرشيه لأقدم له الإغواء.(أغويته بالمرايا), جعلته يرى نفسه من كل الجهات والجوانب, صار يرى نفسه وجودا متكاثرا بأشكال تشبهه هي ربما تعني له أفراد فصيلته. عندها لن يتحول إلى حصان ناطق فقط, لقد اصبح طوع أمري بالكامل. سلمني كل وجوده وفوق حصانيته (تدلى ناقوسا فضي في بئر كآبتي وهل راس اللحظة عند الفنان والأديب مترع بغير اللذة والجنون ؟. ما الذي دفع الطائر لان يزفر بهذا الإبداع؟ ما هو الجو المقلق الذي أمطر سماء قريحته, وادار اسطوانة قلمه؟ يخبرنا الطائر عن محنته التي تمخضت بهذا الإبداع. ويختم القصيدة قائلا :
(حشدُ ببغاوات/ أدار اسطوانة سوداء في حنجرتي/
فأجهشت أبواقي النحاسية بالعويل/ )
لا أظن أن هذين البيتين بحاجة إلى أي تحليل لكي ندرك منهما حجم المأساة والمحنة, التي دفعت الطائر إلى الشكوى. ثم يعود الطائر الدخاني أو المنحوت - من يدري- ليكمل بيان محنته. ويقرر هذه المرة أن يؤلف (أغنية للغريب), وهو العنوان الذي اختاره الشاعر لقصيدته العاشرة. ويستهل هذه الأغنية بالمقطع التالي:
(أيها الغريب أنت حصاة/ في غير موضعها /
وريقة في ذاكرة مثقوبة/ قلق يضيع في التفاصيل/
سيد معُطل كقدح نظيف/ يتآ لفُ مع سماء مسرفة في زرقتها/)
إن هذه المقاطع ذات روعة شعرية ساحرة ,فالغريب ليس سوى حصاة في غير موضعها. فهو أن كان شخص مناسبا فليس هو في المكان المناسب, فما باله أن كان شخصا غير مناسب أصلا؟ ولذلك هو سيد معطل, وهذا شأن اكثر الأشياء عندما تكون في غير موضعها. ولنلاحظ التشبيه بين السيد المعطل والقدح النظيف, فالقدح إذا كان ضمن الوظيفة والخدمة, يكون دائما مصبوغا بشراب ما يلون زجاجه ويدبق بطنه وحوافه, فإذا كان نظيف دل ذلك على كونه خارج نطاق الخدمة. مركونا على رف أو مائدة ما. ثم انه يتألف مع سماء مسرفة في زرقتها فهذه الأخرى عندما تكون بهذه الهيأة فهي بالتأكيد لا تعني للفنان, والشاعر, والأديب سوى شيئا معطلا. فما شأن هؤلاء وسماء غير ممطرة غير عاصفة, أو ملبدة بالغيوم على اقل تقدير. وإذا يحصل لهم وهم يتأملون في سماء مسرفة في زرقتها وصفاتها بعض القلق بعض الإلهام, فانه بكل تأكيد قلق يضيع في التفاصيل, وبالتالي لن يثمر الإبداع أبدا. وتستمر القصيدة تغني للغريب:
(قمر في بطن حوت/ سيخرج مبتهجا كاللؤلؤ من المحار/)
هذا الدخول في بطن الحوت بلا أي فائدة ولا أي شعور واحساس, بل أن القمر لن يمارس إبداعه ووظيفته في ظلام ذلك الحوت المظلم. لن يحاول أن ينير بعض ظلمته, أو يفك بعض رموزه. بل هو يشعر بالخوف والرعب, ويشعر بأن حياته معطلة بالكامل. ولن يمتلك حس البوم لكي يؤول الظلام كما يقول الشاعر في قصيدة أخرى من قصائد المجموعة. لذلك سيخرج مبتهجا كاللؤلؤ من المحار. وتعود الأغنية صادحة:
(ولأنك مرآة الليل/اقترح عليك غيمه معتقة/
لا تهرب عبر السنين/ وعزلة لا تحاصرها الفوضى/
كدهشة السجين بلهب شمعة/)
تقول الأغنية المتقنة للغريب في خاتمتها: أيها السيد المعطل لأنك مرآة الليل , إن الغريب اصبح هنا مرآة نفسه لا يعكس في مرآته إلى ليله وظلام ليله لم يمارس على الليل أي تغير لم يعكس وجهته أو يغير ظلمته بل اكتفى أن اصبح مرآة له , لو كان هذا الغريب يمتلك حس الفنان والشاعر لأغوى الليل أو ليله على الأقل بالمرايا كي يصيره في طوع أمره ويحوله ألا ما يريد ناقوسا فضي أو حتى خشبي, لكنه لا يملك حس الغواية إذ انه لا يفهم فلسفة الدخان ولا يعرف تغير التشكلات ولا صراع الذوات , لذلك يقترح عليه المغني: (غيمه معتقة) بنفس التفاصيل نفس المكان والزمان. لا تهرب عبر السنين , ومعها عزلة ولكنها عزلة بائسة إذ لا تحاصرها الفوضى فلا تشحن في أجوائها إشعاعات القلق.
وفي القصيدة التالية الموسومة (الطريد) نجد صورة مغايرة للغريب (السيد المعطل), على الرغم من تشابه وجوه الغربة. فالغريب هنا في مكانه انه أيضا(غيمه معتقة), لكنها تهرب عبر السنين وتحاصر عزلتها الفوضى وتنتقل في فوضتها في كل مكان إذ يقول الطريد:
(قبالة المرآة وقفت/ رأيت على وجهي غبار الأسفار/
بيد أني لم أغادر عتبة بابي/).
ولنرجع الآن إلى ثان قصيدة من المجموعة, فبعد أن هيأنا عنوانها إلى استقبال (حلقات الدخان) واستحضار بعض دلالات الدخان. تطل علينا القصيدة الثانية (برزخ) وهو عنوان اقرب ما يكون إلى ذائقة العرفاء والمتصوفة. لكي نتجول في دخان ابخرتهم التي تملأ التكايا والحجرات. إذ دخان الأبخرة يصاحب طقوس التعاويذ, وما يدور في فلكها. ولنتخيل دخان الأبخرة منسابا في التكايا بهدوء يهيأ الأجواء لحلقات الذكر الصوفية. ولنقرأ مستهل القصيدة:
(صمت رن على الصُدغين/ هو لوح في دوحة الضوء/)
(الضوء) يختلف عن النور, وهو يصاحب الدخان في اكثر الأحيان. في فوهة السيجار يوجد ضوء ينفث حلقات دخان, وفي فوهة التنور يوجد ضياء اكثر من النار المستعرة فينفث ضوئها دخان اكثر كثافة. وبين الضوء والدخان يوجد شيء يلتهب يستعر يحترق, بين دخان السيجار وضوئها يوجد تبغ يغلفه ورق, وبين ضوء التنور ودخانه يوجد لوح حطب, وفي النهاية يستحيل الداخل بين الضوء والدخان - الضوء المتأتي من النار خصوصا- إلى رماد. لكنه قبل ذلك وخلال توسطه ملتهبا بين الضوء والدخان لا يمكن وصف وجوده وحالته انه باختصار (برزخ). وهذه حالة الصمت الذي رن على الصدغين فأي صمت هذا يا ترى ؟وما الذي رن به؟ لنقرأ القصيدة:
( مُذ ران الوحلُ في الدنيا/ دفتُ الصخرة بدمي/)
ران الوحل في دنيا الذئاب والثعالب, فكان لزاماً الاستعداد للتضحية. هنا إشارة لا واعية ومقتضبة وبسيطة عن الفداء الذي تحدثنا عنه. وجذع النخلة يؤسس له برفق, انه هنا في أول الأمر مجرد لوح لن يصير جذعا بعد. والتضحية الآن في مرحلتها الابتدائية أنها تخص التضحية التي لم تعم منافعها بعد, ولن تتعدى لتشمل الغير. إنها مجرد (دفت الصخرة بدمي). فلعل هذا المنظر يلفت أنظار الرائيين ويأخذون بالتساؤل عن الدم الذي لطخ الصخرة. لماذا انداف ؟ولماذا سفح؟ وبداية السؤال تجر إلى أسئلة, وهذا يعني حراك في المكان والزمان انتقاله في الوعي. وبعد أن تكاثر الحراك إذ كل قليل لابد من أن يتكاثر بالضرورة, بعد اختلاف في الزمان والمكان. لذلك رأينا الصخرة تبدل وتتحول إلى تنور في مكان آخر. والناس توافدت بكثرة إلى التنور فلا يزال سبب الدم المسفوح غامضا, والتضحية غير واضحة المعالم. خصوصا وان الدخان يتكاثف, والتنور مختنقاً, والرؤيا الواضحة تحتاج إلى بصيرة قوية لكي تدرك المغزى. فتحتم على التضحية هناك في قصيدة التنور أن تأتي بشيء اكثر من مجرد سفح الدم على صخرة. يجب أن يكون الدم الآن متعديا إلى الآخرين فاصبح اللوح هناك جذع نخلة, وانحدر تحت أقدام العابرين. وهنا في قصيدة برزخ كان لابد من تكاثف الأسئلة حول الدم المسفوح, وبدأت الألسن تخوض في الأسباب التي دفعت صاحب الدم أن يدوف الصخرة بدمه. وجاءت أول الاحتمالات المهمة على لسان القصيدة بعد البيت السابق مباشرة:
(هكذا ينتحر البغل/إذ يُحمل بما لا يُطيق/)
شخص ذكي يستثير عقول الحاضرين يخبرهم بأن البغل, وهو حيوان وظيفته تحمل الأثقال والمشاق. لكنه رغم ذلك إذا حمل شيء فوق طاقته, ومورس عليه الظلم, تمرد واعلن رفضه للاستسلام واعلن تمرده بالانتحار. فلماذا لا تفهمون أيها الحاضرون حكمة انتحار البغل, أولم يئن لكم أن تتمردوا مثله وتستعدوا للتضحية. فيعم اللغط وتبرز النفوس الضعيفة من الثابتة القوية, وتبرز الحوارات الجانبية لتشتيت الموضوع. إذ قائلا أخر يقول حسب تعبير القصيدة:
(هكذا ينتحر البُلبُل/ إذ يُلاث ريشه بالزيت/
ربما تقضم الديدان/ نصيبها من عصب الرؤيا/
ربما الطبل لسان الهدهد/)
أقوال مختلفة بعيدة عن واقع الدم الذي لطخ الصخرة. تأتى إشارة تنبئية مباغتة لتشترك مع الربمات:
(ربُما الناي صدى الغصن/)
نعم فلولا غصن الشجرة تلك الشجرة التي وهبت نفسها نايا للريح, لما حصلت التضحية الجماعية. التي اجترت كل فئران وجرذان الطاعون بفضل تضحية الشجرة المسيح وحواريه, أنها ربما استشفت المستقبل وقرأته بعين المخيلة. وتستمر القصيدة:
(ربُما احتسي خمر الوقت/)
شاهدنا المسيح الشعري- جذع النخلة- وقد ضحى وكان طرف التضحية ناقص لعنصر هام, فهناك لم تكسر الريح سوى رغيف الخبز,الذي كان مقدمة لتضحية وفداء المسيح. ولكننا لم نرى الخمر الذي يشرب بالنيابة عن دمه, وها نحن نرى أول حواري المسيح المستترين. الذي علم بأن سيده ضحى بدمه وداف الصخرة بدمه ليقوم لاحقا ثم يبدأ تضحية جديدة. فكل مسيح لا يتوقف عن التضحية والقيامة عن الموت والحياة, نستطيع أن نفهم هذا من حلقات الدخان المتتابعة. لذلك قال المخلص لمسيحه (ربما احتسي خمر الوقت). فهو يريد أن يحمل في جوفه نصف شروط التضحية حيث هو على يقين بأن سيده سيقوم بتضحية اكبر. فليحمل الخمر في أحشائه قبل أن يدركه الوقت فيجد الخبز وتكون أحشائه حيينها خالية من الخمر, لهذا يريد تخزينه ريثما يحين الوقت المتسارع لإيجاد عنصر التضحية الآخر رغيف الخبز. فقال بعد أن احتسى الخمر مباشرة بلسان سيده:
(أنني راحل/اعرف أن في التأني فضائعا/)
حيث لا مجال للتباطؤ والإهمال حينما تكون سبقة الزمن مهلكة قاتلة. ف(الوقت سيف أن لم تقطعه قطعك) كما يقول العارفون والمتصوفة. وهم اكثر الناس تحسسا وشعورا بالزمن, فهم لهم تقسيماتهم الخاصة للزمن. ففي كل لحظة ودقيقة وساعة ويوم..لهم مقامات وأذكار وأوراد وخدمة خاصة, ولكل يوم عندهم مرتبة وقدسية تختلف باختلاف الأيام. حتى انهم يجعلون أحد الأيام سيدا على باقي الأيام الأخرى واحد الشهور مقدس اكثر من الأحد عشر شهرا الباقية. ولنتابع صيرورة المتصوف بعد رحيله رافضا التأني. تختم القصيدة السابقة:
(دلفت برزخ العالم/فأعتذر لي/الصفصاف والزنبق/)
دلفت في عالم البرزخ ,أصبحت بين الضوء والنار والدخان, وجودا غير واضح الملامح ومعقد التركيب قابل لاكثر التشكلات ومتماها مع النار والدخان من جهة ومتصارع ورافض من جهة أخرى فأنا أمثل في هذه الحالة الشعرة الفاصلة بين الموت والحياة .., وقبل أن ننتقل لموضوع أخر لابد لنا أن نستعرض هنا القصيدة الثانية عشر والموسومة (تناسخ) وهو من اختصاص المتصوفة والروحانيين أيضا وهو مقام شامخ عندهم ثري بالخيال والمفاهيم النفسية المجردة ,ولعل الشاعر تعمد أن يجعل ترتيب هذه القصيدة الثاني عشر عن وعي وقصد , فهذا الرقم يعني الكثير للمتصوفة والعارفين ,ولنستعرض بعض فقرات تناسخ:
(كعُشبه في جدار/تسلقت قوس الزمان/
إلى فنار الأبدية/)
طبعا التناسخ في الأرواح قد يكون (أنساني) أي من إنسان إلى إنسان آخر. وقد يكون (طوطمي) بأن تختار الروح التي تناسخت طوطما من الحيوان أو النبات فتحل في قالبه. وهنا اختار الشاعر التناسخ الطوطمي (كعشبه في جدار) ليست عشبه على التحديد, و إنما على التشبيه. حيث انه دخل في القصيدة السابقة إلى عالم البرزخ, وقلنا هناك أن حقائق وملامح عالم البرزخ غير واضحة, ولا يمكن تصويرها بسهولة. فهي أشبه بجسم مادي يفوق بتجرده كل المتجردات. وعلى أي حال اختار الشاعر الوالج بين الضوء والدخان ذلك التشبيه كتقريب. ثم يقول(تسلقت قوس الزمان), ولابد لنا هنا من وقفة وتساؤل فماذا يعني (قوس الزمان)؟ طبعا نحن لا نسأل على هذه المفردة أو التركيب بالنسبة لمعناها اللغوي, فهو شيء واضح في الذهن لكل شخص حتى وان كان لا يقر بأن للزمان قوس. و إنما نسأل عن معناه الاصطلاحي أن كان له معنى أو لا. والحقيقة أن هذا التركيب (قوس الزمان), في غير هذا المورد وخارج هذا النص لا توجد له أي دلالة اصطلاحية, بل هو مجرد تركيب حاله حال الكثير من التراكيب والعبارات. لكنه هنا في هذه القصيدة التي تتحدث بلغة المتصوفة والعرفاء, وعنوانها (تناسخ) وقبلها قرأنا (برزخ) فلا بد أن لها مغزى عميقا ً. ولا يصعب علينا كشف هذا المغزى, فالمتصوفة والعارفون - خصوصا الشيعة- يمثلون دورة الحياة من المطلق إلى الأرض - المحدودة- ثم العودة إلى المطلق بدائرة. قوسها الأول من المطلق إلى الأرض يصطلحون عليه(قوس النزول) وقوس العودة من الأرض تجاه المطلق يصطلحون عليه(قوس الصعود), وهذه الأقواس هي زمانية ذهنية. فلا وجود مكاني أو فعلي لها لكنهم يقولون بأنها تشرح مقولة(أنا للاه وأنا أليه راجعون). فإذاً يؤصل الشاعر بوعي, ويوظف هذه الثقافة الصوفية العرفانية الأصيلة. فبعد أن تناسخ إلى شيء يشبه العُشبة(كعُشبة في جدار), وربما كان قد تناسخ قبل ذلك ألا الكثير من الأشياء البشرية والطوطمية. وهو يريد أن يخبرنا عن نهاية أو غاية مطافات التناسخات المتنوعة والى أين يريد أن يذهب بها. يخبرنا انه تسلق قوس الزمان, واضح انه قوس الصعود فلو كان يريد قوس النزول لقال (تدليت). وعلى أي حال إلى أين تسلق هذا المتناسخ, انه يقول (إلى فنار الأبدية). وهو المطاف الأخير لرحلة الصوفي والعارف انه تجاوز الغثيان, وقهر المحدودية. حيث التحقق من الخواص الدخانية , يستطيع المتناسخ بعدها أن يتماها مع كل الكون وبكل أشكال الحياة ولندع المتناسخ يخبرنا بما آل أليه :
(إخترقتني الوحشة/فهمتُ بزرقةِ البحر/)
قبل أن يصل, أو في أول وصوله إلى (مقام الأبدية), كان لابد له أن يشعر ببعض الوحشة. وهذا شأن كل تحول من عالم إلى عالم, ومن مقام إلى آخر. ففي أول لحظات قوس النزول الزماني, يولد الطفل فتخترقه الوحشة في عالمه الجديد فيشرع فورا بالبكاء. وهنا أخيرا يصل الطفل إلى ذروة قوس الزمان الصعودي فتخترقه الوحشة. وهنا عليه أن يختار شكلا وتحولا يكسر طوق وحشته. فما الذي اختاره العارف المتناسخ في وحشته تلك؟ :
( ولمدن ٍ نائمة/
صرتُ قمراً ونافذة/)
انه يهيم في زرقة البحر يتحول إلى ذبذبات أو إشعاعات خفيفة, تنماث مع زرقة الماء. ثم يرى المدن النائمة فيختار أن يمنحها شيئا أن يسعد نومها, وعندها يتحول إلى موجود مزدوج حيث المحدودية أزمة الغثيان قد كسرت. ففي عالم الأبدية لاوجود للمتزاحمات والمنغصات, لذلك صار الشاعر بسهولة(قمراً ونافذةً) في نفس الآن ثم يكمل:
(لم يكن الليلُ غراباً/ ولا النهارُ حمامةً/)
لاوجود للانزعاج أو المغايرة من الألوان وغيرها. كل شيء جميل وجيد لا الليل الذي ينغص على الشاعر ويؤرقه كأنه غراب شؤم ونذير, ولا النهار الذي كان يثقل عليه بالغثيان . لم يعد لهما أي سلطان عليه انهما متوحدان لا فرق بينهما:
(لم اكن بحاجة إلى مظلة/ أو كأس ماء/
لم أكن بحاجة إلى امرأة/ أو أصدقاء/)
وكما تساوي الليل والنهار, فكذلك لم يعد يشعر باختلاف الفصول فلا شتاء ليحتاج إلى مظلة تقيه المطر, ولا صيف ليحتاج إلى كأس ماء بارد. وتبعا لتلاغي الأزمنة لابد أن تتلاغى الأجناس. فهو ليس بحاجة ألا امرأة أو أصدقاء, حيث هو الآن ناعما ب(مقام العنقاء) كما يسميه العرفاء والمتصوفة...
(تمثال رو دان) هو عنوان القصيدة الثالثة ولنطالع ما حل به:
(على قبضته يتكأ/ يفكرُ أن الأسوأ سيحدث/
في حديقة المغني/ باغته اللصوص/
بتروا ذراعيه وساقيه/
من اجل البيع/في سوق الخردة/
اللصوص سعداء/ التمثال ماحل/
وقلبه مُسهد/)
من الواضح أن الشاعر يشير لأحداث السلب والتخريب أبان الاحتلال الأمريكي للعراق, وقد تحدث الكثيرون عن هذه المأساة التي منها ما مورس بشكل عفوي من الجمهور الحانق من الحرمان والعوز ومنها ما حدث بشكل مقصود ومدبر. ونتذكر هنا الحملة الإعلامية الاهبة التي أظهرت الشعب العراقي المنكوب, وكأنه شعب متخلف لا يعرف عن الثقافة والحضارة أي شيء, وقد أُطلق العنوان المهيأ منذ فترة طويلة, إذ اخذ وصف (علي بابا) يدور عبر الألسن العربية والعالمية. واتذكر أن أول من تصدى لهذه التهمة السخيفة من داخل العراق, المطرب(حسن بر يسم) الذي شارك في حفل غنائي بأغنية عراقية من تأليف الشاعر الشعبي(حمزة الحلفي) تقول كلماتها (مو علي بابا العراقي موعلي بابا/ سو مري هو ومن اصل راقي/ العلم الناس الكتابة/ مو علي بابا/..) وعلى أي حال, يتناول الشاعر هنا بعض اوجه تلك الإرهاصات المريرة من وجه مختلف. إذ هو لا يتحدث عن الهجمات المدبرة والمقصودة للسرقات الأثرية والحضارية لتخريب البنية العراقية. بل يتوجه إلى أحد الضحايا الفنية, وهو هنا أحد التماثيل النحاسية التي كانت منتشرة في بغداد. فسرقها بعض الناس (من اجل البيع في سوق الخردة) هذه غايتهم الأساسية , أن كانوا لا يحملون أي نوايا أخرى. فيتوحد الشاعر مع التمثال موضوع الحدث, انه يتكأ على قبضته لكن هيأته تدل على انه يفكر بشيء مريب (يفكر بأن الأسوأ سيحدث) وقد اثبت الواقع صحة مخاوفه. فأخيرا (باغته اللصوص / بتروا ذراعيه وساقيه) وبعد ذلك هم سعداء بما حصلوا عليه من ثمن بخس, الا انه (ماحل وقلبه مسهد) , فمن يعيد ألا التمثال فرحته ومن يداوي قلبه, ويعيده متكئا على قبضته لكن بهيئة مستبشرة تدل على أن الأفضل سيحدث. ولننتقل إلى القصيدة السابعة والعشرون الموسومة(فن) ونطالع عودة جديدة للتمثال. لكنه بعد أن قطعت يداه ورجلاه وكل ملامحه ,وتم صهره لاستخلاص النحاس تناسخ فنيا ليعود بتكوين خشبي هذه المرة, وكأنه انزعج كثيرا من الصهر. ولأنه اصبح على حذر من اللصوص حمل بندقية لكي يحرس نفسه ,لكن الشاعر يقول انه:(في لحظة الهام ألقى بندقيته ورفع وردة للمطر) استغنى عن الحراسة حيث انه الهم وآمن بأن الشر سينتهي. يجب أن لا تتوقف الحياة ينبغي أن يحيا الفنان حياته ولا ينشغل بحراستها. ولعل لحظة الإلهام التي راودت وعي التمثال هي نصيحة الشاعر التي تحمل عنوان (لص) جاء فيها عن اللص بأنه:(..صار برميل نفط/ يمشي على قدمين/ إياك أن تمنحه عود ثقاب) ,آيها التمثال ,الفنان,اللص اصبح مشحون الغايات وممتلئ بالنوايا الخبيثة, تحول إلى برميل نفطي . فدعه لأحقاده ونفطه وإياك أن تمنحه عود ثقاب أو رصاصة , فيدمر كل شيء باحتراقه ويشوه كل الأشياء الجميلة, ثم انه قد يتعدى ليحرق برميل آخر من اللصوص فتعم الفوضى, هل هذه يا ترى هي الحكمة التي ألهمت التمثال أن يلقي بندقيته ويرفع وردة ,لا مظلة ,وردة للمطر, انه يحتفي بالحياة ولا يأبه ببراميل النفط . نفس القضية في (الإنسان الطائر) وهي القصيدة الثالثة والثلاثون يقول الشاعر :
(لا تنشغل بالأقنعة/ أو مجزرة الآلهة والايقونات/لا تنشغل بالضريبة والسكن/
لا تخف دع عقلك طليقا/ستمشي فوق الماء /وستطير من بناية إلى بناية/)
يذكرني هذا العنوان وهذه العبارات بمقولة لأحد العرفاء يخاطب الإنسان قائلا :(هل رأيت تحليق الطير , انسلخ من الأغلال لترى تحليق الإنسان).
ولكي لا ينسى الشاعر, ولا يهمل الوجوه والجوانب المشرقة في حملات التخريب والهيجان الفوضوي تلك . التي أغفل جوانبها المضيئة صناع الإعلام بنوايا أو غير نوايا. يختزل حادثة حقيقية وواقعية حدثت في تلك الفترة المغبرة, والدخانية التفاصيل. إذ اشتبكت فيها الكثير من الصور وتخللتها عشرات الدوافع والأسباب. يطلعنا الشاعر في قصيدته الثانية والعشرون بعنوان له ماله, إذ لدلالة الضوء بعدا فنيا ونفسي وفكري وحتى عرفاني. وكلما كان الظلام كثيفا ومنتشرا على كل الأصعدة كان الضوء يمثل إزاحة قوية وراسخة مهما كان ضئيلا (فانوس) هو عنوان القصيدة تلك ,وهو آلة مزدوجة أيضا للضوء والدخان تبدأ القصيدة:
(بابلية نثرت الياسمين/ في ارض السواد/
أعادت المصوغات الذهبية/إلى المتحف البغدادي/
القمر يعدو/ والليل ينكمش/شاهدا على غناء الريح/)
بابلية أول كلمة تذكر المتلقي بقوة بالمحافظة العراقية التاريخية, بأول حضارة على وجه الأرض. بابلية من أحفاد (نبوخذ نصر) ومن سلالة (حمور آبى) صاحب أول مسلة وضعت قانونا لبني البشر. بابلية من ارض السواد, أول ارض كتبت الحرف ومن الحرف تتشكل الكلمة (في البدا كانت الكلمة) والكلمة صارت كلمات فعلت وتفعل سحرها على كل المعارف والثقافات. أن للكلمات سحر الدخان وتشكلاته. فبالكلمة يقع الموت, وبها تنبعث الحياة. ما الذي فعلته هذه البابلية:(أعادت المصوغات الذهبية..) في زمن القحط, وفي عصر لاهب ولاهث, عم فيه الخراب والفوضى,واختلط الحابل بالنابل. لم تغريها المغريات ولم تثني عزمها لمعانات الذهب, وهي امرأة يحنو قلبها لبريقه. لكنها أعادت الذهب إلى بغداد عاصمة بلادها التي كانت أم الثقافات, واحتوت كل أصحاب العقول والفنون, ألا تستحق هذه النبيلة أن تخلد أن تنشد لها الأشعار والأغاني. أولا يعكس موقفها النبيل شيئا يستحق أن يذكره ويكتب عنه النافخون في الأبواق. ولكن حتى وان لم يكتبوا , حتى وان لم يذكروا سوى الشنائع والفظائع فهذا هو ديدن المغفلين. فل يظلوا في غفلتهم, حيث أن المرأة بضوئها-الشاعر واعي لدلالة الضوء هنا بشدة- جعلت:(القمر يعدو/ والليل ينكمش). رغم أنوفهم بددت ظلام الجهل والدمار, جعلت ليلهم المرعب أضحوكة. نعم فالليل الجميل اصبح: (شاهدا على غناء الريح) وها نحن نعود إلى الريح من جديد ونسمع غناءها مجددا أيضا وهي تعزف على أوتار القيثارة البابلية. فقد أصلحتها البابلية من خراب الثعلب, وأرجعتها لتطرب أوتارها الفضاء. يركز الشاعر على دلالة الضوء في تلك الأجواء الدامسة, ويوظف قوته الخارقة جيدا. انه ضوء فانوس لكنه وكما يصفه:(آه الفانوس/ هزم الدياجير/) بكل جبروتهم وسطوتهم وظلمتهم .
(والحلم / عرش على الشبابيك/ أيتها الحمامة/ دليني على نهر/
اغسل فيه روحي/دليني على ترياق / يبطل هذا السم/
دليني على حكمة / لا تنفخ في البوق/)
كان الصوفي الذي وصل إلى فنار الأبدية قد تساوت عنده الحمامة والغراب, والليل والنهار, فهام بزرقة البحر. وهنا يعود في قوس النزول إلى الشعور بهذه الأغلال والأثقال, وتعود الفوارق بين الحمامة والغراب ماثلة أمام وعيه. وهو الآن عائد في طور الغثيان اللازم, ولذلك هو يخاطب الحمامة: (دليني على نهر) لأنه يريد أن يهيم بزرقته كما هام في مقام الأبدية. لكنه يعرف انه الآن في قوس النزول, لا يملك التشكل اللامتناهي ولا يستطيع أن يصير( قمرا ونافذة) كما هي ذروة الدخان. ولذلك يطلب طلبا ممكنا ضمن عالم الممكنات , عالم قوس الزمان النزولي. فيطلب من الحمامة أن تدله على نهر ليغسل فيه روحه, ثم يطلب منها أن تدله على ترياق من تر ياقات المتصوفة التي تبطل السحر وتخرج السم. ويريد منها أن تدله على حكمة الحكماء والمتصوفة, الذين يملكون حكمة:(لا تنفخ في البوق) كما يفعله المتغافلون ..
وما دمنا قد وصلنا إلى البابلية وهي وجه مشرق من وجوه المرأة النبيلة, صار لزاما علينا أن نرى باقي صور المرأة في مجمل قصائد المجموعة. ولنعود إلى أول ظهور لهذه المرأة أي من القصيدة الرابعة والموسومة ب:(مصب الذهب) وتستهل القصيدة :
(قالت أمي وهي تحتضر:لا تبكِ موتي تاج ذهبي/)
جميل جدا أن يكون هذا الظهور مزدوجا, إذ الأم ذلك الكائن الرائع تستبطن صورتين مزدوجتين بأجمل حلة, صورة الأم والمرأة معا. والأم عنوان عام حيث كل أم امرأة ولا يصح العكس. ويطالعنا الشاعر فورا على صفات هذه الأم - أمه- في مشهد مختزل مشحون بالدلالات. حيث يعرفنا بمجمل صفاتها وشخصيتها بعبارة مكثفة تمسرح قوة عزمها وصلابتها. وهو ينطلق من أجواء الاحتضار ,حالة الإنسان قبل ولوجه عالم الموت. تتهاوى عنده القوة وتنهار فيه العزائم وترتجف الأجساد والألسنة, ولا يثبت في ذلك الحال الرهيب بشجاعة سوى القلائل من الأفراد الأبطال لا كلهم. والحال يصبح اشد خطورة ومأساة مع المرأة عند الاحتضار, فالمرأة كائن حساس ذا عاطفة جياشة. يجتمع عليها في ذلك الموقف لكونها امرأة, أحاسيسها المرهفة الرقيقة كامرأة من جهة, وقوة تعلقها بأولادها أن كانت أم من جهة أخرى . ولنا أن نتخيل حال أم في وسط أولادها وهي تحتضر, ما الذي سنتخيله عن إرهاصات تلك اللحظة. ألا نعذر تلك المرأة ,تلك الأم على أي قولا تقوله وأي نحيب وضعف تظهره. وهي تودع حياتها وابناءها. لكن هذه الأم تفاجئنا إذ يصف الشاعر لنا موقفها قائلا(قالت) لم يقل هذت أو خولطت, ومسها الهذيان. أنها قالت بملأ فمها وكامل وعيها, دون أن ترتجف شفاهها. تقول لبنها الذي يجلس إلى جانبها باكيا حزينا, إذ سيفارق أمه. فتخبره الأم المحتضرة: (لا تبك/ موتي تاج ذهبي/) إنها فرحة بالموت غير مبالية, فهي قد أدت دورها تجاه نفسها وتجاه أبنائها على احسن ما يكون. لذلك هي ترى الآن بأن موتها تاج ذهبي فوق هامة الحياة. يقول الشاعر بعد هذا البيت:(البومة تأول الظلام/) هل تيُسر لنا القوة تحويل الأشياء, تحويل الموت إلى تاج كما هذه الأم. التي تعلمت كما البومة أن تأول الظلام, ولا تنشغل بالولولة من سواده ..
أدخلنا الشاعر إلى حياة أمه من خلال مشهد موتها, انه يلج الموت بالحياة والحياة بالموت - لعبة الدخان الأثيرة- كما يأخذنا الدخان من الدمار إلى الأعمار. ولنبحر في حياة هذه المرأة ألام لنرى ماذا كانت تفاصيل حياتها. يبدأ الشاعر سيرتها من القصيدة الرابعة والثلاثين المعنونة :(بيت القصب) :
(نحن نعيش مع 150نوعا من الطيور/
جوا ميسنا تنقذ الجاموسة الضعيفة من براثن الوحوش/)
عنوان القصيدة مرتبط ارتباطا وثيقا بمتنها, فالشاعر بصدد التحدث عن أمه. والأم أول مفردات قاموسها هو البيت. وما دام البيت موجود لابد أن تكون كلمة(نحن) أي الأفراد الذين نشغله. وبما أن البيت من قصب فلا بد أن ندرك على الفور انتمائه إلى جغرافية الأهوار. التي يرسم الشاعر فورا تفاصيلها: (نحن نعيش مع 150 نوعا من الطيور)هذه الطيور البرية والنهرية التي تملأ سماء ومياه الأهوار. بكل ما تمثله من سلالات جميلة ومتنوعة, تملأ الأجواء تغريدا وغناء, وتملأ البطون لحما شهيا طازجا. وما بين دفيفها ورفيفها هبوطها وتحليقها, تنصب الفخاخ لها على الأرض وفي النهر. وتعلو رائحة البارود من طلقات الصيد منتشرة في الفضاء, تحمر الأرض بالدماء وتملأ الصرر بالريش لتتهاوى فوقها الهامات المتعبة. ومع الطيور هنالك فصائل الجواميس هذه الحيوانات التي تعد نبض الأهوار الثاني وضرورة بقائه. يحدثنا الشاعر عن ثقافتها وعاداتها, بأن القوية فيهن تنقذ الضعيفة من براثن الوحوش. ويكمل الشاعر قصيدته بعد أن هيأ الأجواء الجغرافية التي كانت أمه تحيى في ربوعها. وهيأنا مقدما لأدراك حجم القوة التي يتحتم على الأم أن تحظى بها, لتحيى في تلك البيئة الصعبة. لابد لها من التسلح بقوة فائقة لتحمل تلك الصعوبات. ولنتابع الآن ما الذي كانت تفعله هناك, وهل سنحتمل ضعفها انكسارها ضجرها من تلك المصاعب؟ أم أننا صرنا مهيئين بعد أن عرفنا الشاعر قوة تحملها عند الاحتضار إلى توقع العكس. لنتابع القصيدة:
(أمي / كلما غطستُ في الهور التقطتني/ وألقتني في زورق/)
يكشف هذا المقطع عن انغماس المرأة بين عملها, وواجباتها من جهة , وقوة الانتباه لديها. إذ أنها ورغم كل مشاغلها لم تغفل من مراقبة ولدها,الذي تراقبه بحذر تتركه يلعب فوق الأرض ويتماها مع طبيعته. تسمح له أن يقترب من النهر تريده أن يتنفس كل بيئته , يلعب بملأ حريته لا تفرض عليه القيود. ووراء ذلك تراقبه بعينين كعيني النسر ,فهو لازال صغير وقد ينزلق مدفوعا ببراءة الصبي نحو الهور. وما أن ينزلق تلتقطه وتلقيه في زورق. ويكمل الشاعر :
(أمي تنحتُ جرارا كالثعالب /تملأها سمسما/
تنحتُ جرارا كالأبقار/ تملأها حليبا/
تنحتُ جرارا كالثيران / تملأها ملحا/)
هذا هو حجم القوة الحقيقية التي تتمتع بها تلك الأم ,بالإضافة لواجبات بيت القصب. الذي يستدعي جهدا مضاعفا على جهد البيوت المبنية بطابوق البناء أو غيرها من وسائل البناء الشائعة. حيث انه معرض دائما لدخول الغبار بكثافة, وهو لا يصمد كثيرا أمام زوبعة العواصف. فيتحتم بالتالي على ربة البيت أن تستمر في رعايته وتنظيفه. لنا أن نتخيل الأم ربة البيت هنا كقطب الرحى لا تكف عن الدوران داخل المنزل وخارجه. ولنرى هذه الفنانة الريفية كيف تنحت أناملها طراوة الطين (الحر) وتحوله إلى جرار. يصفها الشاعر بأنها كالثعالب, لعلها هي الجرار المفخورة التي تستخدم لشرب الماء. وهي بأحجام كبيرة وصغيرة حسب الحاجة. مثل ما يعرف ب(البستوكة) وهي جرة صغيرة ومنها كبيرة تسمى(الحب) وهي جرة فخارية مثقوبة من الأسفل تستخدم للارتواء العام, وهو ما يعرف بالسبيل . وهي أيضا (تنحت جرار كالأبقار تملأها حليبا) وهذه هي (الشكوة) التي تصنع من جلد الشاة أو الأبقار. يوضع الحليب داخلها وترج لمرات عدة لاستخلاص مشتقات الحليب اللذيذة من "القيمر" و"القشطة" والزبد وما أليه. يشبهها الشاعر بالأبقار لأنها تشبهها شكلا. أما مسألة نحتها فهي استعارة, إذ أنها تشبه العمل النحتي نوعا ما. لكنها جلدية لا فخارية. ويكمل الشاعر(أمي ابتكرت جمالا من ليف) وهذه هي (ليفة)الاستحمام التي تنسجها بعض الأيادي النسوية في الأهوار والجنوب عموما. شبهها الشاعر بالجمال لاحتوائها على (سنامتين) من كلا طرفيها ثم تكمل القصيدة :
(أمي ميسان/ أمي ماء القمر/)
يشبه الشاعر أمه بميسان المحافظة العراقية المعروفة, ذات الأهوار العامرة وتمثل رقعة (انطنولوجية) لكل حياة الريف والأهوار. وسمى أمه باسم تلك البيئة لتوحد أمه في طبيعتها وانمياثها في كل تفاصيلها. فأصبحت جزا لا ينفك من تلك البقعة, فحيثما رأى أمه رأى ميسان واهوارها وحيث ما رأى ميسان تذكر أمه وجرارها, وزورقها, ومغزلها. وتكمل القصيدة التي توغل في عمق الذاكرة التاريخية لتضاريس وجغرافية ميسان, فيعود بنا إلى حقبة طويلة من تاريخ تلك المدينة. إذ يقول مستمرا في القصيدة السابقة:
(في تلك البقاع ولدت شيرين/ وماني بشر بالنور/
انشأ المندائيون / مراصدا للكواكب والنجوم/
في الجنوب /رفعنا راية بيضاء للرب/ توضأ يا أخي بماء زلال/
اغسل قلبك قبل جسدك / ها هي البطة تنسابُ بسلام/)
تختم (بيت القصب) بهذه المقاطع, ولا اعتقد أنها تستدعي تحليلا فلأسماء الواردة غنية عن التعريف وزمنها التاريخي يستبطن ارض العراق بكل حضارته وثقافته. فالكل يعرف (شيرين), والكل يعرف (ماني), والمندائيون أحفاد الحضارة البابلية, كأجدادهم انشئوا مراصدا للكواكب والنجوم. وعن الجنوب بشكل عام يقول الشاعر هناك:(رفعنا راية بيضاء للرب) إشارة إلى الكلمة الشائعة جدا في جنوب العراق واهواره(راية الله بيضة). ويضيف: (توضأ يا أخي بماء زلال / اغسل قلبك قبل جسدك / ها هي البطة تنساب بسلام). وكم نحن بحاجة إلى تعلم الانسياب بسلام كتلك البطة. وكم نحن بحاجة إلى أن نغسل قلوبنا ونتوضأ بماء زلال من كل الادران والأحقاد التي خلفها ركام الأحداث الطاحنة. ولنستعرض باقي الصور التي(يذكر) بها الشاعر في القصيدة التالية بكل أجواء الأهوار وفصولها وتفاصيلها وهو يطرق دفتي الذاكرة الهامدة بأحد عشر مطرقة, تطرق بشكل قوي (تذكر). في القصيدة الموسومة (صور) يقول الشاعر:
(تذكر/الديكين والشفق/
تذكر/الطائرة الورقية والقنطرة/
تذكر/ البيادر والغجر/
تذكر/البدو وفوانيسهم المعطوبة/
تذكر/الرباب وخرير المزاريب/
تذكر/بساتين القثاء والنخيل/
تذكر/حماماتك الأربعة وكلبك الذي مات من الحب/
تذكر/مدرسة الألباب وعُلبة الألوان/
تذكر/أختك وهي تطحن الدارسين والهال /
تذكر/جدتك وهي تعلق عصابتها على حبل الغسيل/
تذكر / الطريق ورائحة التفاح/)
هذه الصور في غاية الروعة , ومن الواضح أن الشاعر يتحرش هنا (ويدغدغ) ذاكرة الطفولة المرطبة, ويستعيد رائحتها الطينية اللاذعة بكل قوة. ورغم إنها سلسلة صورية لمتحف الذاكرة آلا فوتوغرافي , والمختص بفصول الشاعر الطفولية والشبابية. إلا أن هذه الصور تنطوي على جانب كبير من العمومية, ويمكن أن تستفز أي ذاكرة عاشت في أجواء الجنوب والأرياف أو ما يقاربها. ومنها ما يخص الهور فقط ,ومنها ما يعمه بالإضافة إلى الجنوب ,ومنها ما يعم حتى المدن . ولا يفوتنا هنا تلمس السبب لاستعادة هذه الصور كلها دفعة واحدة. زفر الشاعر عبرها بسيرته شبه الكاملة بعد أن فصل لنا موجز عن سيرة أمه. أن الشاعر هنا ومن منطلق وعيه, أو لا وعيه, يمشرع ثيمة الأرشفة بشكل دقيق. انه يصر على أن يستعرض في حلقات دخانه, تاريخ حضارة عتيدة من القدم عرفت اقدم الحضارات, واستمرت إلى يومنا تتبع منهج تلك الحضارة الإنسانية الأولى. ولازال ناسها يحافظون على كل ثقافات أجد ادهم القديمة, ويتواصلون بها ثقافيا عبر كل عاداتهم وتقاليدهم وحتى طرائق حياتهم. ففي الأهوار الميسانية ذاتها كان السومريين يعيشون وبنفس بيوت القصب وبنفس الأجواء تقريبا. إن الشاعر مدفوعا بغريزة لها ما يبررها على هذه الأرشفة. انه استعرض سيرة أمه أولا لأنها من حيث التاريخ اقرب منه اتصالا بأسلافها, بماني, شيرين, بابل, سومر. هي لازالت تحمل نفس العيون الحادة التي اكتسبها الأسلاف من مراقبة الكواكب والأفلاك. لازالت هذه ألام تمثل امتدادا لتلك العين, ولا زال المندائيون يقيمون معها كدليل قاطع على استحالة التحريف التاريخي مهما كابر وحرف وعاند المعاندون. ولأن أمه فارقت الهور وارتحلت إلى عالم الأرواح صار لزاما على الشاعر أن يكمل المشوار ويواصل التوثيق والأرشفة. فابتدأ يسجل صوره الآن وصور أخته والهال والدارسين وباقي التفاصيل. إنها صورا ذات أبعاد تاريخية وفنية وإنسانية عامة أن هذه البيئة التي حاولت الدكتاتورية الصدامية تدميرها, بعد أن جففت مياهها وقتلت فيها الجواميس والطيور وشردت أهلها تحت تسميات الخونة والهنود وغيرها. على الرغم من كونهم أحفاد اقدم حضارة على ارض العراق. ولا تزال هذه البقعة التاريخية على نفس الإهمال في زمن العراق الأمريكي. فأرشف الشاعر هنا تفاصيل غاية في الدقة بدءا من بيت القصب, ومرورا بهذه القصيدة صور. كما لا يفوتنا هنا تلمس هذا الاحتفاء الشاعري والعذب في لغة الشاعر, أنه ينطلق من وعي أو لاوعي أيضا ليرد على مزاعم بعض المرضى من المتثقفين والمتحدثين الذين ينعتون أهل الجنوب بمسميات (شروك) و(معدان) و(متخلفين) إلى غيرها من المسميات. التي يحاولون بها الإساءة لناس الأهوار والجنوب بشكل عام. حتى صاروا يعممون هذه المسميات على كل من يختلف معهم بالرأي ولا يفهم تنطعاتهم وحذلقتهم ب(معيدي) (شروكي)إلى غيرها من المسميات المريضة. وهذا هو ديدن الجهال, والسطحين ومبدأهم. ولأن هؤلاء بلا أي رصيد معرفي أو ثقافي بل مجرد حشد ببغاوات تنفخ في أبواق الضجيج, لا يعرفون تاريخ تلك البقاع ولا العظماء الذين عاشوا وتربو في ربوعها منذ القدم وحتى الآن. لذلك أصر الشاعر على أن يوجه سهام النقد إلى عيونهم وأفكارهم غير مبال صارخا بملأ فيه: (أنا معيدي ومن أهل الهور والجنوب وافتخر بهذا الانتماء الذي يمثل مرحلة ضاربة القدم من مراحل تاريخ العراق الثقافي الذي لا يجارى ولا ينافس ,وهو يغطي بكل مفردة من مفردات انتماءاته كل جهلكم ).وما دمنا بدأنا بالمرأة الأم لنتحول مباشرة إلى متابعة صورة المرأة في باقي قصائد المجموعة. لنرى كيف يرسم الشاعر لنا انطباعاته وتصوراته عنها. لننتقل فورا إلى القصيدة الواحدة والعشرين, التي تثير فينا نشوة الرقص والاهتزاز. إذ يطالعنا عنوانها بكلمة واحدة (إيقاعات) فل نستمع إلى إيقاعها:
(عندما مررتِ بحقل الأزهار / اشتهت الوردة أن تكون امرأة/
حين لامستها يداكِ المضيئتان/استحت الستارة الحريرية/
استيقظت أقداحُ الشاي /
ومن ثقب بابي /حلمت بأمي/كيف تسكب الدفيء /على برد الليالي/
رمانة طفل قلبي/جسر خشبي عتيق جسدي/)
يخاطب الشاعر المرأة هنا - امرأة بعينها- قائلا أن الوردة اشتهت أن تكون امرأة حين لامستها يداك المضيئتان- لنا قريبا وقفة مع هذان اليدان-, واستحت الستارة الحريرية من نعومتك ورقتك. واستيقظت أقداح الشاي راقصة على ضربات إيقاعاتك . ولنتأمل الآن بهدوء إقحام هذه العبارة هنا:
(ومن ثقب بابي/ حلمت بأمي/
كيف تسكب الدفيء / على برد الليالي/).
أي باب في ذات الشاعر نظر من ثقبه؟ ولماذا حلم بأمه على التحديد؟ . هل يريد أن يصف لنا حجم الجمال الذي كان يراه في أمه ؟, هل يريد أن يكمل لنا مجمل صفاتها وهيأتها ؟, بعد أن وصف لنا بالدقة نشاطها العملي وقوتها ؟, وهل تذكر بحنين فياض حيث قلبه (رمانة طفل) أمه بطلتها حينما رأى تلك المرأة وهي تمر بحقل الأزهار ؟, أم هل تراه يا ترى نظر من ثقب باب الذاكرة الخاصة بشكل العلاقة بين أمه وأبيه , فتذكر كيف أن أبوه كان يرى جمال زوجته بشكل فني خاص ويكن لها كل التعظيم, ويرى أن كل ما في بيت القصب وما في خارجه يستيقظ ويرقص على إيقاعات تحركاتها ؟. أكاد اجزم بان هذا الثقب الواسع في باب تلك الذكريات هو الذي نظر منه الشاعر واستعاده غضا طريا حينما رأى تلك المرأة تمر بحقل الأزهار..
ولننتقل الآن إلى قصيدة أخرى من قصائد المجموعة, تدور ثيمتها حول المرأة أيضا لكي نعرف رؤيا الشاعر وانطباعاته المتبقية عنها . القصيدة الخامسة عشر حملت عنوان(امرأة لكل الفصول) ولنتابعها:
(على لحن مزمارك /)
المرأة عند الشاعر في هذه المجموعة, مرتبطة بالآلات الموسيقية بقوة. فمرة يعنون قصيدتها (إيقاعات) وهنا يقول:( على لحن مزمارك) وفي بيت القصب قرأنا:( أمي ابتكرت صفارات من طين مشوي) وفي هذه القصيدة سيقول لاحقا: ( قيثارتك خشب الجوز/) ثم يكمل :
( على لحن مزمارك انتشى النهر/) كما كان ينتشي الهور بكل تفاصيله بحركات الأم . في بيت القصب :( فامتلأت السلال) إذ كانت الأم في الأهوار تملأ الجرار. وهنا تعود عملية الإملاء مع امرأة كل الفصول إلى السلال , ولا يفوتنا هنا هذا التقابل الدقيق والعميق . إذ أن اكثر تفاصيل بيئة الأهوار تناسبها عملية إملاء الجرار , بالحليب واللبن والدهن الحر إلى غيرها من تفاصيل تلك البيئة. أما مع مفردة الفصول فأن السلال هي الأكثر دقة واكثر جاذبية وشعرية. فلكل فصل قطوفه وثماره , فثمار الصيف وقطوفه تختلف عن محصول الشتاء وهكذا. وتكمل القصيدة:
( تحت بوابتك ابتهجت المائدة/ )
كما ابتهجت واستيقظت أقداح الشاي على إيقاعاتك.
(يا مليكة الغواية /)
ولا ننسى أن الشاعر يقول عن الفنان بأنه يستخدم الغواية(أغويته بالمرايا) فنفهم هنا انه يصف امرأة كل الفصول بكونها فنانة وأديبة من الطراز الأول, حتى أن لم يكن الفن والأدب اختصاصها . وهي عند الشاعر لا تجيد الغواية فقط بل أنها مليكة الغواية. وبالتالي قدرتها على إغواء الأشكال لا حصر لها كحلقات الدخان سواء بسواء . وبما أن غوايتها فائقة فكذلك تشكيلاتها تختلف عن تشكيلات الشاعر نفسه بالتأكيد . فهو أغوى الحصان بالمرايا (فتدلى ناقوسا فضي) أما مليكة الغواية لن تغوي الحصان بالمرايا بل ( بقيثارة من خشب الجوز) وبالتالي جعلت من ذيله فقط (منجل حصاد) وهذا يظهر مقدرة بارعة أسقطها وعي, أو لاوعي الشاعر على مليكة الغواية. إذ انه تصرف بمجمل جسد الحصان وحوله بالكامل إلى ناقوس فضي, أما امرأة كل الفصول - مليكة الغواية- تصرفت في جزء صغير منه, وهذا يظهر قدرة اكبر واعظم . فالسؤال المطروح هنا انه أن كانت حولت الذيل فقط إلى منجل حصاد, فما هي قدرتها على تحويل مجمل الجسد؟. ويستمر الشاعر يصف هذه الفنانة الشاعرة:
( عشتار نائمة في أعماقك/)
يتوضح هنا سر القوة الذاتية لمليكة الغواية . حيث استقرت ربة الخصب والحياة البابلية في أحشائها. فمن يستطيع احتمال ما ستبدعه وتنجزه مليكة الغواية هذه. ويبوح الشاعر بشمة من تأثير عشقها :
( غنيت لكِ أغنية حب حزينة/)
لعل الشاعر غنى وقرء على مسامع هذه الفنانة بعض أشعاره, وقصائده ليعرف رأيها فيها.
( قلبي غصن/ ويدُك حمامة /)
يشبه الشاعر قلبه بالغصن ويدا مليكة الغواية بالحمامة . والغصن تقف عليه الطيور بمختلف أنواعها من عصافير وحمائم وغيرها, وبما انه يرى يدها حمامة فهو يريد يدها/ الحمامة , أن تقف على الغصن (قلبه) لك تهزه وتوتره وتحرك كل سكونه . إذ ليديها الحماميتان قوة السحر . ونحن لن ننسى (اشتهت الوردة أن تكون امرأة حين لامستها يداك المضيئتان/) الشاعر في أمس الحاجة لهاتين اليدان المضيئتان, يريدهما أن تدخلان قلبه وتمنحانه الضياء والسحر. ويكمل بعدها:
( أنت سماء بعيدة لا يمكن الوصول أليها/)
إلى بحلقات الدخان طبعا, فالدخان يصل إلى ابعد الأشياء. وإلا كيف قرا الشاعر لها (أغنية حب حزينة).
نعود هنا إلى المتابعة من القصيدة الخامسة لا أحد:
( النوارس تلعب مع الريح / في الربيع وأنا حزين / في الصيف وأنا حزين/
في الخريف وأنا حزين/ في الشتاء وأنا حزين/
لا أحد/
قصيدة تندبُ بها النائحات/
كمنجة منسية في تابوت/)
ترتيب هذه القصيدة في المجموعة يأتي بعد قصيدة (مصب الذهب) , فنستعيد فورا مشهد احتضار الأم ونستطيع تلمس حجم الكارثة هنا . حيث ماتت الأم:(كمنجة منسية في تابوت). يعود الشاعر لإصراره على أن يقرن المرأة بالآلات الموسيقية . وهذه المرة تصبح(كمنجة ) وبموتها توقف العزف . فأمه نسخة ثانية لسيدة (الإيقاعات) . ألم ينظر من ثقب بابه حينما مرت تلك المرأة بحقول الأزهار , فحلم بأمه , فموت أمه معناه بالضرورة الذهنية اللاواعية موت تلك . فيؤشر الوعي هنا موت الأم , واللاوعي يؤشر موت تلك التي اشتهت الوردة أن تكون امرأة حينما لامستها يداها المضيئتان . ولا يعود الشاعر يستمع لأي إيقاع لقد عادت أقداح الشاي ألا نومها من جديد , كما جفت الاهوار واندثرت ميسان, وتوقفت تبعا لها عملية إملاء السلال . إذ غابت امرأة كل الفصول أيضا من دنيا الشاعر كما غابت أمه سواء بسواء. فظل وحيدا حزينا خلال كل الفصول الأربعة ليصرخ بألم:
(لا أحد قصيدة تندب بها النائحات/)
بعد موت أمه موت ميسان وبعد كسوف امرأة كل الفصول . أليست هذه هي دورة الدخان؟ ونهاية الذروة من شوائك فلسفته؟.
في القصيدة التالية وبما أن الشاعر توشح بالسواد وحمل من دورة الدخان (رماد الموسيقا ) لموت الأم وامرأة كل الفصول (كمنجية منسية في تابوت). أضيف في لاوعي الشاعر إلى ( رماد الموسيقا) في صناديق المساء , حينما مات أل(صاح) كما في القصيدة الأولى. ولثقل وعمق هذا اللاوعي في منظومة الشاعر الذهنية والمخيالية. تأثر وعي الشاعر فيه بقوة مكثفة وصار من الأمور الطبيعية , أن يظل الشاعر مستعدا لان يحمل رمادات موسيقية جديدة ليصفها مع الكمنجات المنسية في الخارج والظاهر, لكنها محفوظة في تابوت أحشاء الشاعر. وهاهو الآن يستعد لاستقبال رمادا موسيقيا جديد , يعصره وكما تعود أن يعتصر الألم ويحيله إلى ناقوس فضي أو ذهبي من خلال إتقانه لفلسفة الدخان . وما دام الكمنجة المنسية في تابوت, تأرشفت في لا وعيه وأخذت تبرز بسهولة في ومضات وعيه. استعد أذن ليرصف معها تابوت جديد, كان من نصيب الشاعر والأديب الراحل (سركون بولص) والذي عنون به تلك القصيدة الطويلة ولنطالع بعض مقاطعها:
( بقراطيسك تسردُ على الملائكة حكاية / توقدُ شمعة طفلة/ ماتت في الحرب/
لتُنطق الصمت/
الآلهةُ تخترع أبجدية الموت / أواه قصيدتي تلهث / ايش قلبك سركون؟/
حين شحذ الموت سكاكينه/
الآن أنت ليس في جسدك / بل/ تجوب في القصيدة/
لن تطردك مالكةُ نُزل الورد/
لن تختض من البرد/ في الثالثة صباحا/
وعاهرة المهرجان/ تنامُ في غرفة الفندق العالية/
أيها الشاعر/ الساحة, الحانة, الطريق/ حزانى لأجلك/
في هذه الليلة / في هذا الخريف الجميل/
ابكي كأنني شجرة / انغرست في جذعها فأس/
زمن الشيخوخة ولى/ بدأ زمن الحُلم/
اليوم أمل/ وغدا أمر خطير/
لم تكن ثور ساقية/ ولا مسماراً في باب/)
قبل التعليق والتحليل على هذه القصيدة , ننتقل مباشرة إلى تابوت آخر صفه الشاعر في القصيدة السابعة والثلاثين وهو يحمل شاهدة الراحل (كمال سبتي):
(اقف والشمعة / نتلو على قبرك ترنيمة/
أي صمت / أطبق على صخبك العالي/
تُصبحُ على خير / يا صديقي / بضربة زناد/
بضربة فأس/ طار رأس المتنبي/
يمكن تحطيم الجسد والرخام/
لكن القصيدة تعبر الحُقب/
بيد أن الخفاش والخلد اتفقا /
ان العالم ليس سوى نفق/
خنافس بأغماد جارحة/ تتمثل الأوهام / بيقين النُساك/
يا الهي من يوقف النزف؟ / )
مرثيتين خصهما الشاعر لروحي شاعرين عراقيين كبيرين . في كل مرثية منهما تعظيم واجلال لائق بالمرثي . ليس فيهما عويل ولا صراخ ولا ضجيج. انهما يعزيان بكل تحظر , ويحزنان دون يأس إذ(زمن الشيخوخة ولى..اليوم أمل) . (وبدا زمن الحلم ) رغم الأحزان والأوجاع . ما الذي جعل الشاعر يرثي الفقيدين دون غيرهما ؟. هل لمس فيهما ثورة الشاعر وتمرده على كل القيود والتعسف؟ لنحاول استيضاح ذلك:
(لن تطردك مالكة نزل الورد/ لن تختض من البرد في الثالثة صباحا/
وعاهرة المهرجان / تنام في غرفة الفندق العالية/)
يقول الشاعر عن الفقيد (سركون بولص) انه كان يطرد من الفندق ويختض من البرد. بينما عاهرة المهرجان, تنام في غرفة دافئة عالية لتستمتع حينما تستيقظ صباحا, وتنظر من نافذتها العالية إلى انحدار المباني تحت ناظرها. ومثلما توجد عاهرة مهرجان, فمؤكد أن هنالك نخاس مهرجان أيضا. واقتران اسم مؤنث(عاهرة) بالمهرجان لا يعني هنا بالضرورة بائعة الجسد. كما لا يعني انه خاص بالنساء فهناك أيضا نخاسي وقوادي مهرجان وهو أيضا لا يعني العمل في الدعارة تحديدا بالنسبة للرجل . بل اللفظ يستبطن اللواتي والذين باعوا أقلامهم ومبادئهم وألسنتهم لسلطة المهرجانات . يدورون في فلكهم ويرددون تفاهاتهم , لذلك يحظى اولائك ومنهم عاهرة المهرجان بغرف وفيرة عالية ومدفئة. بينما قبل الشاعر الفقيد أن يختض من البرد ولا يبيع ذاته ولا قلمه بأي ثمن.
(لم تكن ثور ساقية/ ولا مسمارا في باب/)
وشاعرا متعففا مثل هذا لن يحزن لأجله العاهرين والعاهرات . بل وبكل فخر بكته:
(الساحة,الحانة, الطريق/)
كلها حزانى لأجله , وكل واحدة من هذه الأماكن تمثل للشاعر شيئا خاصا لا يضاهيه شيئا آخر . ولا تقاس به أروقة المهرجانات الفارغة ولا أضواءها الزائفة في اغلبها. ثم ما الذي حل أو سيحل بأولئك العاهرين وتلك العاهرات؟ أكيد لاشيء سوى النسيان والتعفن والتفسخ. حيث انهم لم يكتبوا أو يبدعوا شيء يستحق الذكر . أما أنت أيها الشاعر يا من اختضضت من البرد وطردتك مالكة النزل لفقرك أين أصبحت الآن ؟ معلوما انك:
( أنت ليس في جسدك بل تجوب في القصيدة/ )
خلال كل ما كتبته وابدعته. وأنت رغم الموت لن تتوقف عن مواصلة مشوارك . فلا زلت :
( بقراطيسك تسرد على الملائكة حكاية/)
وهذا ما دفع الراثي ورغم حزن البعد ولوعة الفراق يقول:
( في هذه الليلة / في هذا الخريف الجميل/)
يرى الراثي الخريف جميلا , حيث أن المرثي ارتاح أخيرا من غربته ومعاناته وآلامه. وهو في مثواه في تلك العوالم التي تلي هذا العالم البشع. بعيدا عن مآسي وفضائح المهرجانات. نفس الحال يتكرر تقريبا مع المرثي الآخر (كمال سبتي) فلن تقف على قبره الحشود والجموع . بل مات وحيدا غريبا في ارض غربته ومن يقف مع الراثي لرثائه:
( اقف والشمعة نتلو على قبرك ترنيمة/ أي صمت أطبق على صخبك العالي/)
ويواسي الراثي صديقه المرثي , ويهنئه رغم كل الوحدة السطحية الظاهرة والمؤسفة :
( يمكن تحطيم الجسد والرخام / لكن القصيدة تعبر الحقب/)
وهذا هو المهم , وهذا هو الوجه الآخر ل:
(أنت ليس في جسدك / بل تجوب في القصيدة/).
وبعد كل ذلك لابد أن تنفلت الغصة والحرقة عنوة عند الراثي , الذي يستدرك بعد أن يهنئ الفقيدين على إنجازاتهما وصبرهما :
( بيد أن/ الخفاش والخلد/ اتفقا أن العالم ليس سوى نفق/
خنافس بإغماد جارحة/ تتمثل الأوهام / بيقين النساك/ )
ليختم الراثي مرثيته الثانية:
( يا ألهي من يوقف هذا النزف؟).
استفهام مرير ومؤلم , لا يعرف أحدنا حقا متى سيتوقف أو ينتهي. نزفا مرير ودامي , لا تعالجه أو تلخصه مقولة:( نحن أمة لا تحترم مبدعيها إلا بعد موتهم) المتداولة على بعض الألسن . لان الحقيقة أن ذلك لا يحدث حتى بعد موتهم. ولا يحصلون منا إلا على مجلس رثاء ومهرجان في الأحوال النادرة, تقرا فيه القصائد بالعشرات , ويحضر كل المغيبين والمجهولين جنبا إلى جنب مع المشاهير. وكأنهم كانوا ينتظرون فرصة موت المبدع , كما ينتظر الدفان الجثة ليواريها التراب ويقبض أجرته.
واغلب الذين يحضرون هذه المحافل لا يعرفون أي شيء عن الفقيد الذي نظم المهرجان من اجله. سوى اسمه وبعض أسماء كتبه. وبعد نهاية المحفل تطوى كل الصفحات . وقد تظهر لنا لاحقا مقالة أو دراسة تصف الفقيد- إذا كان من الأسماء المشهورة جدا- وكأنه فيلسوف العصر وأعجوبة الزمان. ولا يوجد اعتراض على ذلك قطعا, فكم من العظماء من الشعراء والأدباء والفنانين وغيرهم, يستحقون الكثير من التحليل والتتبع لبيان وإيضاح ما خفي من ثقافتهم. لكن الاعتراض أن اغلب المقالات والدراسات تنجز بلا أي ضوابط ولا أي قياسات. بل تبدوا وكأنها مدفوعة بهوس المشاهير.فعند البعض أنه مادم الشخص مشهورا ومعروف , لابد أذن من الإشادة به . وجعله منزه من أي عيب أو نقيصة, ومن جهة أخرى قد تظهر كتابات على العكس من ذلك, أي إنها تنصب على إظهار الفقيد وكأنه في غاية السطحية وانه لم يأتي بأي جديد. ولا يستحق أيما ضجة إعلامية أو محافل أدبية. وفي كلا الحالتين المتلقي والنقد البناء هما المغيبين.لأن :
( الخفاش والخلد/ اتفقا أن العالم ليس سوى نفق/)
ومن هذا الخفاش والخلد, إلا سلطانات وطغاة المهرجانات والمستنفذين في إدارة شؤون الفن والأدب بغالبيتهم قطعا ولا يمكن التعميم بأي حال من الأحوال. ولهذا الواقع المزري يصرخ الشاعر في نهاية المرثية:
(يا ألهي من يوقف هذا النزف/)
فهو حقا نزفا مؤلم , شاعر كبير يختض من البرد واخر يموت وحيدا. وحتى اغلب أبناء جلدتهم لا يعرفون شيئا عن مجمل أعمالهم وإنجازاتهم. ويظلون في ضمير بعض قصائدهم ليس إلا. فمن يوقف هذا النزف أما آن لنا احترام مبد عيينا وشعرائنا وأدبائنا أحياء واموات . أما آن لنا وضع حد (للكليشات ) الجاهزة فلان عظيم وعلان خطير . بدون أي رؤية نقدية أو براهين عقلية. إلى متى تحكمنا العلاقات والمحسوبات على حساب أسمائهم أو على حساب علاقتنا بهم.
نعود للمتابعة من القصيدة الرابعة عشر ذات العنوان الشجي . فما زال الشاعر يتحسس ويستشعر المآسي . ولا زالت أحزان المأتم تران على قلبه , وهو يستعد لان يسكن مع نفسه وحيدا في مراسيم خاصة . حملت عنوان( الفراغ ومراسيمه):
( يا قمر لماذا أد لجت خلف السُطوح في قلبي/
ظلمات شاسعة/)
بعد أن غابت اليدين المضيئتين عن قلب الشاعر . اصبح يستشعر ظلمات شاسعة . ثم يصف حاله مع هذه الظلمات :
( أنا متعب كالعجلة / مهجور كالمصطبة/
موحش كالغابة/ حزينا كالليل/)
ثاني( أنا) مباشرة وصريحة تطل علينا بعد القصيدة الخامسة , التي رأينا فيها مأساة وحدة الشاعر. وتعود الأنا في هذه القصيدة محملة بنفس الأجواء والمأساة وكأنها من نفس هموم تلك الأجواء:
( أنا متعب كالعجلة) بعد كل الآلام والأحزان وركام الذكريات . وأي تعب يضاهي تعب العجلة التي لا تكف عن الدوران؟ ..( مهجورا كالمصطبة) دليل قاسي عن الوحشة . قد تهجر اكثر الأشياء دون أن تدل على توحد رهيب. لكن المصطبة التي يحتاجها حتى الشخص الواحد أن كان في أي مكان . إذا هجرت فأن هذا يعني ليس هناك حتى شخصا واحد . كما في تلك القصيدة( في الشتاء وأنا حزين..لا أحد) . (حزيناً كالليل) , لا يوجد اشد حزنا من الليل أن كان المرء وحيدا . ونتابع:
( اشربُ الغسق كوريقة / تلتفُ حول جسدها/
قبل أن تلمس التراب/)
هذا هو خريف الوحدة والحزن فكما تتهاوى الوريقة هابطة من شجرتها , وتلتف على نفسها قبل أن تنطرح أخيرا متكورة على التراب هكذا اشعر بالأسى:
( خلعت أردية البطاركة/
في الظاهر منفى /
في الباطن منفى/
دعني اسكن الحان/)
لنتوقف قليلا عند هذه المقاطع . التي تفوح منها رائحة التذمر من التابوات والمنافي. نلاحظ أن الشاعر في اكثر قصائد مجموعته يرفض ( التابوات) ويستنكر أي قيد ويتمرد على أي حاجز أو مانع ضد حريته. لكنه رغم هذه القوة التي لا تنطفئ في داخله , وهو يتحدى كل التابوات والقيود . بالرغم من كونه( متعب كالعجلة) يرى بشاعة هذه التابوات وانتشارها . لذلك يزفر شكاوي مرة تستنكر ولا تستجدي. فهنا يصرخ:( في الظاهر منفى) و(في الباطن منفى) , يرى المنافي في كلا الطرفين . فما الذي يفعله إزاء ذلك ؟ يقول:
(دعني اسكن الحان)
فالحانة وحدها عند الشاعر متنفسا لا يحتوي التابوات والمنافي , إلا في أحيان نادرة. فالجميع مسترخ في الحان , والحواس منثالة بالكؤوس . هرب الجميع من تابواتهم ومنافيهم . وهم يبحثون عن الاسترخاء. لذلك يصر الشاعر على أن يسكن الحان . ففي غيره يجب أن يشحذ سكاكينه , ويستعد لمنازلة أي منفى أو تابوا. وبما انه ( متعب كالعجلة) بعد كل مدة . فهوا يحتاج إلى الراحة حتما. واكثر الأماكن التي تناسب استجمامه هي الحان. حيث لا يضطر إلى منازلة المنافي والتابوات. التي تنعدم تقريبا هناك. ولهذا خاطب ذلك الشاعر الراحل:(الحانة..حزانى لأجلك) كما مر سابقا. حيث أصحاب الحانة بلا تابوات , بلا منافي , لا يجدون حرجا أو مانعا من السؤال عن الشاعر وتفقد أحوله. ولا يمنعهم مانعا ما من تابوا ومنفى يتعلق بالشهرة والألقاب يمنعهم من الحزن وإظهار الجزع عليه. إذ يستشعرون خلال نشوتهم الخمرية بحزن خفي لفقد الشاعر المبدع الذي كان قد أنشدهم وأطربهم في قصائده الجميلة . ويستمر الشاعر في اكثر قصائد المجموعة رافضا التابوات والمنافي من جهة . وشاكيا من تكاثرها من جهة أخرى . ولنتابع ما يقوله في أحد قصائده:
( أمامك قراصنة/ وخلفك كهنة/)
أين يتجه المحاصر بهذين الخطرين ؟ . ويختم الشاعر قصيدته مستفهما:
( ماذا تختار/ جلبة اليابسة/ أم دوامة البحر؟)
في كلا المكانين تابوا ومنفى في اليابسة جلبة وضجيج وفي البحر دوامة ودوار , لكن الشاعر مع هذا يؤصل رفضه في نفس القصيدة إذ يقول:
(الفراشة تحتضر / لكنها تضرب بجناحها خشب النافذة/)
لا يزال مصراً على المقاومة حتى وان بلغ مرحلة الاحتضار. يتعلم من الفراشة التي تحتضر بأن تضرب بعد ارتطامها بالنافذة بجناحيها من اجل المقاومة حتى وان كان موتها محتما. وفي قصيدة أخرى من قصائد المجموعة تحمل عنوان ( الميتات الألف في مدن الغفلة) , وهي نص مكثف ومشحون بعشرات الأسئلة , وأنا سأتجاوز عرضها وتحليلها فهي بحاجة إلى أن تفرد وحدها كي تستوفي حقها من البحث والتحليل . وسأكتفي هنا ببعض الإشارات منها. من اجل توسيع ثيمة (التابو) في مساحة المجموعة ككل. تستهل هذه القصيدة:
( سلام على عبيد الوقت / أقفال الفزع الأكبر/)
طبعا يوجد في (سلام ) معنيين . الأول سلام محبة واحترام , والثاني لمجانبة الجهال والسفهاء. وهذا الأخير هو المقصود هنا. وذينك السؤالين أولهما لعبيد الوقت بكل تابواتهم ومنافيهم وإفزاعهم. وهم عبيد الوقت, لامتصاصهم كل التابوت وتحرقهم بنارها. يحاولون أن يزفروها على غيرهم , فتقول لهم سلام الثانية بأنهم: (أقفال الفزع الأكبر). حيث انهم يصورون أنفسهم وهم في مراكزهم وقوة سطوتهم . وكأنهم أمان أبواب الفزع الأكبر . فمتى ما غضبوا من أحد المعارضين يهددونه بمفاتيح اقفالهم ليرعبوه بباب الفزع المقفلين عليه. وتستمر القصيدة بعد بضعة سلامات ومقاطع إلى أن تصل إلى المقطع التالي:
( أوقفت رمي المجانين/ بمجانيق المملكة/)
يقول الشاعر أن ثمة مجانين يرمى بهم بالمجانيق - آلة الحرب البدائية المعروفة- ويقرن هذه المجانيق بالمملكة . ولعله يقصد المملكة التي يعيش فيها (هولندا) وحتى أن كان المقطع غير واضح المعالم . ألا انه واضح في كونه تابوا بشعا وقد استطاع الشاعر بطريقة أو بأخرى أن يوقفه بكلمة أو بفعل أو بسلوك واحساس ما . وتتابع القصيدة:
( الظلام بعرباته يحتل التكايا/ يحتل النوافذ/ يحتل القباب/)
مآسي وكوارث يتحدث عنها الشاعر. ما هو هذا الظلام يا ترى؟ , أليس هو في جزأه الأكبر التابوات واحكام النفي التي سيطرت على مجمل الأشياء والأماكن . ويستفهم الشاعر بعدها:
(هل هذا أوان الشجن ؟)
ليجيب بطريقه الإحالة ولفت النظر:
( انظر الإوز في النهر لم يخش العدم /
انظر القمر كيف يشق بنوره المقبرة/
بادر ونل ليذهب الغل وكل ما لا تحبذه النفس من الرزايا/
سماؤك زرقاء/ وأنثاك دافئة/ عالمك ينق كالضفادع/)
إحالات الشاعر تشبه الحكم البوذية والتعاليم الشرقية عامة . وهذا بعدا آخر يتوضح بقوة عند الشاعر في مجمل قصائد المجموعة . وعلى أي حال انه يلفت هنا إلى الطبيعة, وقوتها وجمالها وسحرها . فالإوز في النهر لا يخشى العدم , والقمر بنوره يشق المقبرة ذلك المكان الموحش المخيف . ثم يقول :بادر ونل ليذهب الغل وكل ما لاتحبذه النفس من الرزايا , بادر ونل آيها المريد من هذه الطبيعة تعلم من الإوز أن لا تخشى العدم , تحلى بقوة القمر ,وشق مقابر التابوات واصحاب المنافي لا تخشى وتتقوقع, أنت كائن نابض بالحياة سماءك صافية بلا قيود بلا حواجز أنثاك دافئة , وعالمك بكل ما فيه ينق يتنفس كالضفادع لا تجعل أي وساوس وقيود وتابوات تفرض عليك التحجر - لست هلال متحجر في مسلة السيد حموار آبي- هذا ما قاله الشاعر في إحدى القصائد. ولنتابع باقي مقاطع القصيدة:
يا أديم الأرض/ ماذا أعددت لمنفاك/
يا عابراً يريد أن يثقب صخرة بإبرة/ وحيداً تفض بكارة السماء/
هابطاً في ممرات العزلة/ قطب يقودك إلى مقام الفقد/
يتلوا عليك أوراداً / ضد المعرفة المحبوكة سلفاً / ضد تبعثر الكلام على الكلام/
أنت نائم واللذة تحت قدميك/ فقير وجنائن معلقة في عروقك/
قرفت ...من ملإ منضبط كأنه مصاب بالطاعون/
كرنتينة/كرنتينة / قرفت.. من حشد ذميم كأنه مصاب بالجذام/
ثكنة/ ثكنة..)
زفرات وشكاوي واضحة ولنلاحظ :( يتلوا عليك أورادا...) إلى آخر الفقرة من المقطع السابق . أليست الكلمات السابقة ذروة القرف من التابوات والعائمين في منافيها وحواجزها (كرنتينة) بيت المجانين الذين خبلتهم عفونة التابوا وكم هي كثيرة هذه الكرنتينات واصبحت تملأ العالم الذي تحول إلى( ثكنة..ثكنة..) موقع الجندي ونقطة واجبه التي لا يجوز له مغادرتها, نص تابوي هائل. الملأ مصاب بالجذام والطاعون . لذلك يحل في الشاعر:
( حل في خلاياي الجدب/ وبلوتُ يدي بالرعشة/) واخيرا يختم القصيدة برمز يمثل للشاعر المتحرر الوحيد الذي يحاول أن يظل متحررا قدر المستطاع :
( أنت بئر بلا قعر/ أنت توق يدور حول نواة المعنى/
ليس لك هوية أو أصل/)
لا عنوان ضخم ولا أسم مشهور لكنك من دون كل العناوين المظللة والأسامي المفبركة:
( أنت الذي اغمض عينيه فرأى ما لا يرى)
اكتفي بالنقل من هذه القصيدة التي تعتبر استثناء فريدا من كل قصائد المجموعة. على رغم كون المجموعة بمجملها ذات لغة شعرية عالية, ومشحونة بإشارات ودلالات متناثرة ومتراوحة بين الوعي واللاوعي. واهم شيء فيها أنها مشحونة بغزارة الأفكار والخلفيات الثقافية الواضحة . ومع هذا تظل (الميتات الألف في مدن الغفلة) استثناء خاص ولا يمكن أن تحلل بهكذا عجالة, فالقصيدة بحاجة إلى مزيد من التقصي والتاني . قد يفوق بحجمه نصف الأوراق التي أنجزت فيها مجمل المجموعة. ولذلك اكتفي بهذه الإشارة على أمل أن تأخذ القصيدة فرصتها النقدية من كاتب أو شاعر أو باحث يفرغ نفسه لعرضها وتحليلها . والمهم انتهى غرضي هنا في بيان العقدة التابوية التي تزلزل كيان الشاعر وتمطره بالتحديات والشكاوي الحادة ولا يسعني المقام بالاستفاضة في ذكر أمثلة اكثر . فأي قارئ يستطيع تلمس الرفض اللاذع للتابوات والقيود بكل الأشكال والصور فهي كثيرة في قصائد المجموعة ..
من القصيدة السادسة عشر تبدأ أربع قصائد قصيرة كل واحدة حملت عنوان طائر بالتتابع : فراشة, كركي, بلبل , سنونو. نقلت من قصيدة فراشة بعض المقاطع فيما سبق , وسأختار من هذه القصائد (كركي):
( تحت قمر ابكم/ الكراكي تندب حارسا/ حالمة بغزل جماعي/
الكركي يقف على ساق واحدة/ يقبض طينة/
يسقطها في البركة /
فيوقظ السرب/ قبل اقتراب الصياد/)
درسا آخر يسطره الشاعر من دروس الطبيعة , وكائناتها. فطيور الكركي تنصب حارسا من أفراد سربها حينما تخلد للنوم وعند الغزل الجماعي. يقف الكركي الحارس على قدما واحدة ويعلق الأخرى التي امسك فيها قطعة من الطين أو الحصاة الصغيرة. فإذا رأى اقتراب الصياد فك قبضة قدمه لتسقط الحصاة في الماء فيستيقظ السرب ويلوذ بالفرار.
في القصيدة الثالثة والعشرون والتي تحمل عنوان :(النافذة مشط الريح) , نحاول أن نشير أليها ببعض الإشارات:
(أفيقي يا ساقية الحانة / اختلسي اللحظة/
اليأس والسأم عُشبتان سامتان/
اسقينا صهباء صافية كالعقيق/
ماذا جنت بابل بعد خرابها / غير صمت ثقيل/
طيور ميتة / نهار محاصر بين ليلين/
غير شرفة / شراع / ظل باهت/ سحابتين/
غير علبة تبغ/ زجاجة/ أقداح/ أوراق/
رهان خاسرة شفتين/
غير أم وشمت جسدها باللازورد /
علمتني الغناء الأنين/
كان الدجى جديراً بالقمر/
كان القلب جديراً بالجمر/
كانت النجوم جديرةً بالحرب/
كانت الكستناء جديرةً بالحقل/)
الشاعر جالس في الحان كما هي عادته , وكانت هذه المرة فارغة تماما . حيث أن الساقية بدت ضجرة ولفها السأم . وماذا بعد فراغ الحانة إلا الغثيان - حسب سارتر- . والشاعر هنا يحاول أن يوقظها يحرك إحساسها "أفيقي" ف "اليأس والسأم عُشبتان سامتان" دع عنكِ الضجر والغثيان . ويمهد لهذه الخطوة بأن يطلب مشروب جديد لكي يجعلها تختلس اللحظة وتفيق من ذهولها . عل الأمل يدب في نفسها حينما تصب الكأس وتأخذ بالتحرك والصحوة " اسقينا صهباء صافية كالعقيق" يبدوا الشاعر هنا حزينا لوضع الساقية التي اثر فيها سم العٌشبتان, أحزنه وضعها وأراد أن يخرج بعض السموم من وجودها . إذ هو يستذكر حينما بادر إلى طلب "صهباء صافية" وربما طلب ذلك لمجرد أن يوقظ الساقية ليس إلا. مآسي سموم اليأس والضجر ولا جدواهما وبشاعتهما. لذلك يقول:
( ماذا جنت بابل بعد خرابها/ )
يستذكر الشاعر هنا كل الماسي التي ذكرناها في الأبيات السابقة. وهو يتطلع إلى كآبة الساقية من اليأس والسأم . ويشعر بحنان بضرورة إنقاذها من كمائن الضجر" ماذا جنت بابل غير خرابها". في نهاية المقطع السابق نرى عودة الأم بعد موتها "كمنجة منسية في تابوت", وهذه هي المرة الأولى وربما الأخيرة , التي يفتح فيها الشاعر ذلك التابوت في باقي قصائد المجموعة. ولعل عاطفة الحنان التي هاجت في قلبه وهو يشفق لحال الساقية. أعادت أليه ذكريات حنين أمه . وعاد معها يستذكر بعض تفاصيل حياتها وحياة أبيه وحياته هو. إذ يمهد للرجوع لهذا الماضي المتداخل في كل أجزاء منظومته الفكرية بكانات متعددة حتى يصل إلى الكان التالية:
( كان الجبل شيخاً يتأمل سمكة على غصن زيتونة/)
فلنلاحظ هنا هذه المخيلة المرهفة , ولنتخيل هذه الصورة إذ الجبل يلف عمامة بيضاء على قمة رأسه كما المشايخ وهو يتأمل سمكة - جميل أن يتأمل الجبل من شاهق علوه سمكة- خارج مكانها وبيتها ووطنها فهي ليست في الماء بل انها على غصن زيتونة . أليس الجبل حكيماً؟ أليس واضحا بأنه يبحث في حكمة التناقضات والأضداد؟ فلماذا السمكة خارج الماء؟ وما الذي جعلها فوق غصن الشجرة؟ ولماذا يا ترى شجرة الزيتون بالذات؟ هل توجد فلسفة اعمق من فلسفة التناقض والتضاد الوجه الآخر لفلسفة الدخان؟. من يعرف سر الدخان يعرف عمق هذه المسالة وما الذي عصف بقمة رأس الشيخ الجبلي . وكم من أسئلة خطيرة تنفتح من التأمل في هكذا مشهد غرائبي حتى وان كان على نحو الافتراض. يكمل الشاعر قصيدته :
( كانت الدبابات ترعب نساءنا / والطائرات تعجن جسومنا بأضلع الجسور/
كنت أقرأ "أزاهير الشر" على ضوء الفوانيس/)
مشهد رهيب يتذكره كل من كان في العراق في تلك الفترة الرهيبة التي بدأت من حرب الخليج واستمرت إلى ما بعد أحداث الانتفاضة الشعبية في العراق. كان الشاعر يقرأ "أزاهير الشر" , مجموعة شعرية للفرنسي (بود لير). على ضوء الفوانيس. كما كان بعض العراقيين يقرؤون كذلك مجبرين , حيث أن التيار الكهربائي تضامن ضد الشعب العراقي مع الجهل والظلم ليصبح نهار العراقيين منذ ذلك التاريخ وقبله أيضا ( نهار محاصر بظلمتين). ويختم الشاعر قصيدته بالمقاطع التالية:
( يا للأسى / نافذتي مشط الريح/
كلما غرزت دبوساً في عنقي لأكتب قصيدة/ حبراً صار دمي/
وجسدي سلماً ينحتون فوقه الصخرة نصالاً لقلبي/)
لنتأمل في هذه الخاتمة الرهيبة ونتصور ونتخيل ما هي الأجواء المقلقة والمتشنجة التي تصطرع وتتصارع في خلايا لاوعي الشاعر ومخيلته حينما يريد أن يكتب قصيدة ما . يصف الشاعر تلك الإرهاصات الخطيرة وكأنها اخطر من استعداد الفدائي للتضحية بجسده, أو اندفاع المحارب نحو لمعانات السيوف ( كلما غرزت دبوسا في عنقي لأكتب قصيدة..) انه مليئا بالطاقة الكثيفة للحزن والألم والقلق. اصبح انفجاره مهيئا وقريبا . ففجره من عنقه بالذات بعد أن غرز في انتفاخه دبوسا وانفجر الدم وبعدها( حبراً صار دمي..) هذا الدم نفسه يتحول إلى حبر والدبوس الذي فجره صار قلم يبدأ فيه كتابة القصيدة. إما جسد الشاعر فصار( سلما ينحتون فوقه الصخرة نصالا ً لقلبي) يحتاجون جسدي كسلم ليبدءوا النحت من أعلى الصخرة . ولنتخيل حجم الصخرة التي يحتاجون للوصول إلى قمتها سلماً لكي تنحت نصالا- سيفا- لقلبي. حيث قلبي وأنا اكتب قصيدة يتحول إلى غمد للسيوف يمتص كل آلامها وينفثها دماء حارقة خلال الكلمات . وتنتهي القصيدة بهذه الأبيات الجميلة .
نتابع الآن من القصيدة الخامسة والعشرون المعنونة:(مراثي الأمهات) فلنقرأها بأكملها:
(الشعلة المضيئة لمن؟ /
النبات الزاحفُ في الخفاء لمن؟ /
القحط ُ والوباء لمن؟ /
الرأسُ المقطوع لمن؟ /
التابوتُ ودودة الخشب لمن؟ /
الفأسُ واللحم النيئ لمن؟ /
الأمهاتُ الحزانى والقناصة لمن؟ /
الجندي الذي تعفن في قوقعةٍ لمن؟ /
العصا المدببةُ في فكي التمساح لمن؟/
حبل سرة الفتى المعقود بحبل سرة الفتاة لمن؟ /
الأسنان المدفونة تحت الثرى لمن؟ /
الخرقةُ في فم الأفعى لمن؟/
الجثةُ المعلقةُ على فرع شجرةٍ لمن؟ /
الصنم البالي لمن؟ /
الشاعر مات وحيدا لمن؟/
الأشواك في الطريق لمن؟ /
نثار الزجاج لمن؟ /
هذا الخراب لمن؟ /
الورم في الضمير لمن؟ /
الرقصة المجنونة للساعات لمن؟ /
مراثي الأمهات لمن؟ /
التمثال الشمعي الملقى في النار لمن؟/)
اثنان وعشرون أداة تستفهم (لمن) . بعد أن ختم الشاعر (تغريدة البجعة) بستة استفهامات (من) يعود هنا إلى مضاعفة العدد والحروف لتصبح ال(من) الستة (22لمن) . كل (لمن) من هذه المنات تستدعي وقفة وتأمل وتستجر الذكريات والآلام . فثمة نبات زاحف في الخفاء ينشر القحط والوباء بقطع الرؤوس بالفؤوس . ليترك الجثث ممزقة بلحمها النيئ ,أو يعلقها على فروع الأشجار. أو يدعها تتعفن بالرصاص كالجنود في داخل قوقعة قمامية لا قبر. وثمة دفن جماعي لأطفال ورضع صفت أجسادهم بشكل بشع حتى أن حبل سرة طفلة ما, انعقد وأشتبك مع حبل سرة صبي. بينما دفنت ضحية كانت باسمة ضاحكة تحت التراب ولازال بياض أسنانها متلامعا من تحت القبر. وثمة شاعر يموت وحيدا كأي متسكع وخمار لا استفهام ولا سؤال, لا جزاء ولا شكورا . وهناك تابوت يغلف جثة شخصا معروف وضع في التابوت لذر الرماد في العيون ,وإظهار الاحترام لمنصبه.إلا انه ويال الغرابة تتوبت* مع دودة تأكل الخشب من اجل نخر التابوت سريعا. وتوجد أمهات حزانى أضنتهن المراثي واطفئت بهجتهن ألبسة السواد الدائمة . وفي كل مكان فكي تمساح متهيئتان كالمصيدة الكامنة وضعت بينهما عصا مدببة لسهولة سحبها عند اقتراب الفريسة . فالتماسيح لم تعد في المستنقعات فقط . وهناك خرق بالية في فم الأفاعي ,إذ انها صارت تطعم بشرا أحياء وبكامل ملابسهم. الأشواك تملا الطرق, ونثار الزجاج في كل الشوارع . أي ورما بالضمير ينتج هذا الخراب . رقصة الساعات أصبحت مجنونة لا يمكن ضبط تواريخ الحوادث من خلالها ولا تستطيع أن تحدد زمان الموت بدقة. الشعلة المضيئة لا لكي تنير ولكن لتذيب التمثال الشمعي والتحف والآثار. لمن ومن كان وراء إشعالها.
(22) لمن ترسم خريطة الخراب العراقي بشكل دقيق وبكامل التفاصيل , دون أن تنسى شيئا وهل يحتاج هذا الرسم الدقيق لمزيد بيان؟.
(لا تكن) عنوان القصيدة التالية التي ضمت بعد العنوان أربع أوامر ناهية بنفس العنوان:
( لا تكن كومة قش/ لا تكن عملة زائفة/
لا تكن رمحا/ لا تكن ساطورا/
دع من بكت عليك في مضمارها/
لكل زورق مرساه/ لكل شراع صارية/
كن باسما النار تمضي/ والرماد يتخلف في الموقد/)
لا تكن كومة قش...الخ, من اجل أن لا تتسبب في الخراب الذي قرأناه في القصيدة السابقة. لكي لا يتورم ضميرك,امضي بدربك شامخا. اختر مرساك واختر صارية شراعك بحكمة. كن باسما لا متجهما وحاقدا ومعاديا. وعلم أن النار تمضي, يأخذها الدخان يذيبها في عوالمه ولا يتخلف غير رماد الأحداث والأشياء في الموقد. أختار أنت رماد موقدك احرص على أن يكون( رماد موسيقى في صناديق المساء) ..
القصيدة الثلاثينية حملت عنوان "موجة" لنستمع إلى هديرها:
( في النهر الموجة لا تنام/
اخبرني قمرا غريق/)
صورة شعرية جميلة, ويمكن أن نقول عنها أيضا قصة قصيرة جدا. القمر يتنزل من عليائه هابطا ليسبح في النهر. الذي كان يظنه الناظر غافيا, ولما غرق القمر فيه. عرف بأن الموجة لا تنام.
القصيدة التالية حملت عنوان الرسام الهولندي( فان خوخ) اختار منها بعض المقاطع أيضا لأنها قصيدة طويلة :
( لوحتك تضجُ برائحة الغابات والمطر/
اسمع رنين اللون / أشمُ صوت العاصفة والقوارب/
لا خط يفصل بين الذات والعالم/ ثمة ما هو أسوأ من الموت:
(إلى أين تمضي الحياة بي)/
عالم اللوحة لا يشيخ/
آه لا زوجة تصنعُ لي مظلة تقيني مطر الوحشة/
أتأمل الجرادة/ فمها منشار يجرحُ الحلفاء/
إبريق الشاي يستجلب الإلفة/
الكرسي غموض في الليل/ وضوح في النهار/
أنا أتألق/ ليقف عند حده/ من يريد أن يطفئني/
طعم الرماد في فمي/)
في الأبيات السابقة الشاعر في مقام أيراد انطباعاته وملاحظاته عن هامة من هامات الإبداع الفني العالمي. ولابد لمن يتصدى لذلك بأن يكون ملما تماما بأعمال هكذا فنان خطيرمثل(فان خوخ).وان يكون على حذر من التعليق بلا دراية ولا معرفة ولا إلمام ولو بشكل مختصر بمجمل أعمال الفنان. فالمزالق هنا خطيرة والهفوة لا تمر بسلام . وأنا شخصيا غير ملم بأعمال (فان خوخ) , ولدي بعض الانطباعات على لوحة أو لوحتين من لوحاته. لا أريد أن أقول أن تلك الانطباعات تتفق أو تختلف مع انطباعات الشاعر عنها. كما واني لا أستطيع أن أخوض في انطباعات الشاعر وهل هي موفقة وتتماشى مع لوحات الفنان الكبير. أم هي انطباعات سطحية وبتراء عن مجمل منجز الفنان الإبداعي. لأني لست ملما بالموضوع كما قلت سابقا . وبالتالي لا يحق لي أن أدلي برأيي في هذا المجال أو أن أقيم خطأه من صوابه . فهذا شيء يقتضي تركه للملمين بالموضوع . وعلى هذا ما يعنيني هنا التعليق عن الصور والانطباعات التي أوردها الشاعر عن الفنان, بغض النظر من كونها مطابقة للمنتج الإبداعي عند الفنان أو لا. فأنا معنيا أساسا باللغة الشعرية والخيال الوصفي, وقوة التعبير. وسأبدأ من هذا المنطلق. يقول الشاعر:
( لوحتك تضج برائحة الغابات والمطر/ اسمع رنين اللون/
أشم صوت العاصفة والقوارب/ لا خط يفصل بين الذات والعالم/)
لافترض كوني لا امتلك حتى مجرد معرفة بسم الفنان الذي تتحدث عنه هذه الأبيات. ولم أرى ولا لوحة واحدة من لوحاته. واريد أن التقط عظمة إبداعه الفني . لو قرأت الأبيات السابقة وهي في صدد بيان عظمته. ما الصورة التي سأكونها عن (فان خوخ)؟ لنرى :
(لوحتك تضج برائحة الغابات والمطر). إن البيت الشعري هذا لا يقول لوحتك تضج بألوان أو أشكال ليصبح الأمر شيئا عاديا .انه يقول برائحة الغابات والمطر, فأي فن هذا الذي يبرز مقدرته على أن ينفث برائحة الطبيعة . وبأي فرشاة ولون يمكن أن تبرز هذه الرائحة. التي لابد وانها تضرب على الأنف السليم بقوة سحرية تجعله يشمها بقوة. ما هو سحر هذا الفنان الذي استحضر رائحة الغابة والمطر في لوحته . وكأنهما منماثتان في جو الهواء. ثم يقول الشاعر (اسمع رنين اللون) لا رنين الفرشاة, رنين اللون بحد ذاته. فما هي خلطة الألوان التي صبغ بها خوخ لوحاته, ليجعلها ترن بألوانها؟.
ويضيف الشاعر (أشم صوت العاصفة والقوارب..) ما الذي سيتخيله أي شخص عن هذا الوصف؟ وأي عظمة سيجلها عن الفنان الموصوف هكذا؟. إن الرسام جعل الشاعر يشم في لوحته رائحة الغابة والمطر , ويسمع رنين اللون , ويشم صوت العاصفة والقوارب. أن الشاعر هنا مسحور بسحر خطير وقوي المفعول. لم يؤثر فقط على تحفز حواسه , بل خدعها وقلب وظائفها . إذ اصبح الشاعر مسحورا بالكامل. سمع صوت العاصفة والقوارب بأنفه,صار يشم في مقام السمع. فما عظمة ذلك الفنان الذي فعل ذلك؟. اترك التعليق للقارئ , اما بالنسبة ألي فقد كونت صورة عن الرسام جعلتني أتمثله واتصور عظمته كما لو أني عرفت ورأيت كل لوحاته.
يتابع الشاعر في نفس القصيدة( لا خط يفصل بين الذات والعالم) . تستطيع الذات أن تتنفس وتختزل العالم ,كما يختزل ويتنفس العالم بالذوات . الذات تستطيع الخروج من قيود الحواس , عندما يسحرها الإبداع فتتغير وظائف حواسها, والعالم يخرج من قيد قوانينه إذ يضج برائحة غاباته وأمطاره خارج الأشجار وخارج قطرات المطر, على لوح القماش وفي ألوان الفرشاة.
( ثمة ما هو أسوأ من الموت " إلى أين تمضي الحياة بي؟") ليس الموت هو المشكلة ولا القضية, رغم سوأه , فما هو أهم واخطر إلى أين تمضي الحياة بي بعد الموت. الشاعر يرى الحياة متواصلة بوابة مشرعة لن تغلق إلى لحظة واحدة يحصل خلالها الموت لتفتح من جديد على وجهة أخرى . لا ادري أين تمضي بي ؟ فقد لا تمضي دائما بالتناسخ في إنسان أو طوطم ما (كعشبة في جدار) مثلا . وقد لا أتسلق قوس الزمان الصعودي لأصل إلى فنار الأبدية كما حلمت باني أهيم في بحره قمرا ونافذة ,فثمة مرفأ للموت ومرفأ للحياة. وحلقات الدخان لا متناهية التشكل ولا متضحة المعالم. أين تمضي بي الحياة بوحشتي وتعبي وحزني والمي , بحبي ومشاعري . هذا ما يأرق الشاعر , فلأجواء داخنة وجدلية الموت والحياة مستمرة استمرار الدخان , فمتى تتضح الرؤيا الدخانية ومتى اغمض عيني بسلام لأرى ما لا يرى. وتتابع القصيدة:
( عالم اللوحة لا يشيخ) لماذا؟ لأنه إبداع وفن , وهما لا يشيخان اللوحة لا تشيخ كما القصيدة التي اخبر الشاعر عنها ذلك الشاعر الفقيد بأنها:(تعبر الحقب) ولا يمكن تحطمها .فكذلك اللوحة وكذلك الأدب والفن. ويتابع:
( الكرسي غموضا في الليل / وضوح في النهار/)
عالم الشاعر والفنان هو عالم الغوامض والأسرار والرموز . عالم الأجواء الداخنة لا عالم الصفو والهدوء والقرار. لذلك ما يهم الشاعر بالأساس هو الكرسي في الليل لأنه غامض وهنا تكمن جماليته وتكمن روعته. ولذلك بدأ الشاعر باسمه عرفه أولا ,ثم دفع به في بؤرة الغموض . انه فرحا بالكرسي يستحضر اسمه ودلالاته في البدأ , ليتسلح ببعض مفرداته وألغازه وينطلق في عمق غموضه ليستكشف ماهيته . لكن الكرسي في النهار لا يعني شيئا حيث هو في منتهى الوضوح , قطعة جامدة يابسة لا تتحرك في الزمان ولا تنتقل في المكان. انه شيء يابس باهت كما اكثر الأشياء المعطلة. لذلك يلغيه الشاعر ويسلب الاسم عنه , لأنه هنا مجرد وضوحا خالصا- كما اكثر الأشياء الواضحة في النهار- فلا داعي إذا لتخصيصه وتحديده بلفظ يدل عليه بالذات. ويختم الشاعر قصيدته :
( أنا أتألق / ليقف عند حده / من يريد أن يطفئني/
طعم الرماد في فمي/)
عودة قوية لتحدي التابوات والقيود والأغلال (أنا) صريحة واضحة بلا أي مواربة (أتألق) الشاعر واثق بنفسه ومقدرته وإبداعه .لاتهمه عناوين المهرجانات الجاهزة ولا الألقاب الطنانة التي توزع بلا حساب . لا يهمه حتى النشر ومآسيه ومعاناته ما يهمه أساسا هو أن يكتب ويبدع ويتطور كل يوم. لذلك هو يعرف مقدار تألقه عبر تواصله واستمراره بالكتابة . ويلمس العوالم تتفتح أمامه بعد كل قصيدة وكتاب. ( ليقف عند حده) أيا كان في أي منصب أو شهرة , ليقف عند حده من نفخت في أذنه الأبواق فتصور نفسه إمبراطور الأدب والفن. ورصيده الإنتاجي والإبداعي لا يتجاوز عدد الأصابع. فليقف عند حجمه ومقدرته الذاتية من يريد أن يطفئني , أو يظنني كما هو منفوخا بضجيج الأبواق. لأني اعرف كيف انفث حلقات الدخان المتصارعة والمتلاحمة لأن ( طعم الرماد في فمي) واستطيع في أي لحظة أن أعاود إحراق الرماد واحيائه.
( قوس الظلام) عنوان القصيدة التالية ولنتابعها من المستهل:
( الموسيقا تفتح نافذة في روحي/)
عدنا إلى الموسيقى من جديد. وما دامت الموسيقى وآلاتها ترتبط بوعي أو لاوعي الشاعر بالمرأة كما سبق,إذن عدنا إلى المرأة بالتقابل . والمرأة/الموسيقا هنا تفتح نافذة للشاعر. فبعد أن فتحت في بداية المجموعة ثقبا في باب ذاكرته لأنها كانت في مرحلة ابتدائية من مراحل دراسته في ثقافة المرأة. كان ذلك حينما لم يكن يعرف سوى الأم , وسيدة الإيقاعات, اما الآن بعد أن تكاملت وتطورت درجات السلم الموسيقي في وعيه, ونظمت صاحبة القيثارة "امرأة كل الفصول" ونساء أخريات بكمنجاتهن ونايا تهن , ومزاميرهن. أصبحت المرأة إذا تفتح نافذة في ذاته وذاكرته لا مجرد ثقب في باب.
ويتم الشاعر هذا الانفتاح في نهاية القصيدة قائلا:
( آه ما أوحش القصيدة/)
لماذا؟ لأنها أصبحت تختزل الشاعر:( أنت لست في جسدك بل تجوب في القصيدة). هذا ما قاله الشاعر في مكان سابق راثيا شاعره الفقيد. فما دام الشاعر يجوب في القصيدة , فهي متوحدة ومتماهية مع خصائصه وصفاته. فما دامه موحش يقول عن القصيدة انها موحشة . ولعل الشاعر لا يفصل ولا يفكك بين الشاعر وقصيدته إذ هي عنده علاقة متوحدة ومترابطة .
في قصيدة أخرى من المجموعة تحمل إلا عنوان حيث أن اسمها:( بدون عنوان) تقول هذه القصيدة إلا معنونة:
( لا تقيس الحذاء قبل القدم / ضع رأسك في كتاب/
أو ضع كتاباً في رأسك/ )
دائما وأبدا يصر الشاعر أن يضع رأسه في كتاب, فأن لم يستطع ذلك وضع كتابا في رأسه وشرع يكتب. (التهافت هو أن ينحبس اللسان في العبارة/) هذا هو بيت القصيد وهذه هي اللغة التي تتجاوز العبارات الجاهزة التي ينحبس اللسان في ألفاظها , ولا يتحرر مغردا خارج حدودها . وهذا هو التهافت بعينه عند الشاعر.
في قصيدة أخرى اسمها "شاعر" يتحدث فيها عن مقولة لأحد الشعراء تقول:
( قال شاعر/ قبل ألف عام/
"عيناك في الجنة وقلبك في الجحيم"/
كأنه يشير ألي بالذات/)
ولا اعتقد أن هذه القصيدة تحتاج إلى تعليق بعد ما مر. فلنتحول إلى القصيدة التي تليها وهي بعنوان(إصغاء):
( الشجرة تقوس ظهرها /
وهي تصغي للغرباء/)
درس جديد من دروس الطبيعة في ثقافة الإصغاء. لابد للإنسان أن يتواضع ويحترم ويتوازن فكما يتكلم لابد له من أن يصغي. ولينظر إلى الشجرة ذات القامة الشامخة التي ضحت في استقامة ظهرها لكي تصغي.
"شبكة " عنوان جديد في خارطة المجموعة تقول:
( الوجود شبكة عنكبوت/
إذا اهتز الجزء اهتز الكل/)
حقيقة صوفية , ونظرية علمية وفيزيائية تكاد تكون ثابتة.
وما دمنا اقتربنا من نهاية العرض والتحليل المختصر للمجموعة الشعرية الجميلة. فلنحاول أن نغطي بعض الجوانب التي أجلناها سابقا من اجل أن تستوفي نصيبها في الخاتمة. لنستكمل إذا متابعة باقي محاور المجموعة , ومن خيوط الشبكة الوجودية . ننطلق لنبين كيف أن الشاعر وظف كل ما في الوجود من طبيعة وأزمنة وامكنة وحيوانات وجمادات ..الخ من باقي التفاصيل. ونشير هنا إلى صفة عامة تستبطن كل فصول المجموعة , وهي الاحتفاء بالحياة بكل أشكالها وفصولها ومجمل ملامحها. بأفراحها واتراحها , موتها حياتها, ليلها نهارها, وكل ما يتخلل جوانبها البارزة بقوة في المجموعة. التي تحتفي بالحياة بالأمل, فحتى ساعات الحزن ومآسي الألم يحولها الشاعر خيميائيا إلى أمل واستئناف المسير بعبر وتجارب جديدة.من خلال ما يفتحه في بؤرة الحزن من نوافذ أمل وفوانيس أحلام وأماني ليست بعيدة عن الواقعية. وهذا الشيء سيدركه كل من قرأ المجموعة بتأني وهدوء. فأنا شخصيا , لمست ذلك بشكل واضح من البداية . لكنه لم يكن وضوحا بالعمق الذي صرت أقرأ فيه المجموعة بعد ذلك. وفي الحقيقة أن ما دفعني إلى الإلحاح في إعادة القراءة لمرات عدة, بعد اللغة الشعرية الكثيفة التي استفزتني منذ البدأ . هو الإهداء الذي كتبه لي صاحب المجموعة مشكورا إذ كتب لي :
(...الكلمة تأتي بكل التصور والخيال وهي متعددة المعاني , وتحتاج إلى تعمق وتأمل . هذه روحي وقد قطرتها في كلمات من اجل أن تخرج من الأسى والألم . البحر لا يعرف سوى طعم الملح .14/6/2008, محسن السراج)
وحينما كنت اقرأ المجموعة لم اكن استغرق فيها كثيرا . حتى لفت انتباهي الإهداء الذي كتبه الشاعر. فرحت أتسائل ما الذي أراده الشاعر بكلماته تلك يا ترى؟ فقررت أن أعيد القراءة بتأني وتمهل وعندها تذوقت اللغة الشعرية فيها بشكل مختلف , واعدت قراءتها مرات ومرات وفي كل مرة أتلمس بعدا جيد وامسك شاردة بعيدة. حتى تحصلت لي هذه القراءة التحليلية المختصرة. فشرعت في تحليلها بتاريخ( 17/10/2008) أي بعد أربعة اشهر وثلاث أيام . كانت النتيجة منها حصيلة الاستغراق والتأمل والإعادة لقراءة المجموعة. فأن تلمس قصائد جميلة وقلقة ومشحونة بلغة شعرية مكثفة , في أول قراءة شيء, وان تلمس ذلك من خلال التعمق في القراءة شيئا آخر. وعلى أي حال أني اشعر بسعادة غامرة لأني فرغت نفسي لتحليل هذه المجموعة الشعرية , وحسب قناعتي قد وفقت بعض الشيء في تصيد إشاراتها من الوعي أو اللاوعي في اغلب الوجوه. وارجوا أن يجد القارئ الكريم ما وجدت فيها من لذة ومتعة وقوة شعرية وأحاسيس فياضة. ومن لم يجد فيها شيئا من ذلك فلا اقل من انه تعرف على نصا شعري من نتاجات الشعر , وتعرف على أسلوب شاعر من الشعراء. فيدفعه ذلك إلى النقد والتعليق , فالحركة دائما تثمر الصراع وهو بوابة التطور . وسأبدأ هنا من استيفاء بعض الأمور المؤجلة سابقا:
سأدخل وأنا على مشارف الخاتمة إلى العنونة التي مهرت كل قصائد المجموعة. كلنا يعرف أهمية العنوان والاسم في العمل الشعري والأدبي والفني عموما. ولنستعرض هنا عناوين المجموعة ذات الواحد واربعين عنوان , لكي يتسنى لنا معرفة إذا ما كان الشاعر موفقا في العناوين . أم انه لم يوفق في اغلبها , وسأسلك للاستعراض العنواني حسب مسلك الشاعر وترتيبه في مجموعته:
" حلقات الدخان / برزخ / تمثال رودان / مصب الذهب / لا أحد / سركون بولص / تنور / تغريدة البجعة / محنة الطائر / أغنية للغريب / الطريد / تناسخ / قيثارة / الفراغ ومراسيمه / امرأة لكل الفصول / فراشة / كركي / بلبل / سنونو / الميتات الألف في مدن الغفلة / إيقاعات / فانوس / النافذة مشط الريح / حرية / مراثي الأمهات / لا تكن / فن / قصيدة جميلة جدا / لص / موجة / فان خوخ / قوس الظلام / الإنسان الطائر / بيت القصب / صور / بدون عنوان / كمال سبتي / شاعر / إصغاء / شبكة/ "
يجب التنويه بداية بأن استحضار العناوين متسلسلة له ما يبرره, وليس هو بطرا فكريا أو إزجاء للوقت. فنحن بصدد نقد العمل من بعض الوجوه نقدا محايدا وموضوعي . ونريد البدأ من العناوين التي هي مفاتيح النصوص وأيقونات جمالياتها . كما واني استخدمت في عرض وتحليل المجموعة أسلوب القفز حسب ما ينقدح في ذهني من ملاحقة فلتات وعي أو لاوعي الشاعر. لا حسب التسلسل في النصوص كما هو واضح. فرأيت انه من المناسب أن أورد العناوين- لا اقل- بشكل متسلسل حسب اختيار الشاعر في مجموعته , لكي نرقبها عن قرب. وسأحاول ومنذ البداية تقليص ما يمكن تقليصه من مساحة العناوين , قبل أن ألج لخلاصة العرض النقدي. ومن أول وهلة , لابد لي من إخراج العناوين الواردة باسم علم بعينه. فتخرج العناوين التالية:
( سركون بولص / كمال سبتي / فان خوخ/) فهذه العناوين الثلاث من استحضار الشاعر لمسمياتها بعينها , لا من قريحته الشعرية ولا من بنات أفكاره. وبقي أن نشير فقط انه فعل حسن بتثبيته الاسم الأول والثاني , دون أن يختار اسمين رمزيين . فأن أيراد اسمي الفقيدين إحياء لهما وذكرى تستحضر مجمل تفاصيل حياتهما في الذهن. وهذا افضل من أن يختار اسمين من عندياته , حتى ولو كان هناك ثمة عناوين بديلة اجمل. كما علينا أيضا أن نخرج العناوين التي تبدوا من الوهلة الأولى عادية ومستهلكة مثل:
( لا أحد / تنور / الطريد / قيثارة / فراشة / كركي / بلبل / سنونو / فانوس / حرية / لا تكن / فن / قصيدة جميلة جدا / لص / موجة / صور / بدون عنوان / شاعر/ إصغاء / شبكة / إيقاعات/ أغنية للغريب/ ) أخرجنا "22"عنوان من اصل "41" أي فوق النصف بواحد. ولنا من باب الطرافة أن نستحضر ال(22) لمن الواردة في قصيدة "مراثي الأمهات" لنضع كل لمن أمام واحد من هذه العناوين ونوجهها للشاعر.
في الحقيقة يبدوا العدد ليس قليلا , وهو يثير الأسف بهذا الكم الكبير من العادية والاستهلاك. في مجمل عناوين المجموعة الشعرية الجميلة. ولكي نكون منصفين علينا أن نبحث عن إمكانية تخولنا أن نقلص من مساحة العدد العنواني السابق , فأن استطعنا ذلك فبها ونعمت وإلا ستبقى العناوين على كثرتها ممهورة بالعادية والابتذال. وفي الحقيقة لا يصعب علينا الإمساك بهذه الإمكانية ولننطلق منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثقافة العنونة. تخرج بعض العناوين من عاديتها الظاهرة إذ نظر اليها من خلال النص وارتباطها به لا من خارجه. فيدخل في هذا المنحى العناوين التالية:
( لا أ حد / تنور / الطريد / فانوس / حرية / لا تكن / فن / موجة / صور / بدون عنوان / شاعر / إصغاء / شبكة / إيقاعات/ أغنية للغريب/ )
أخرجنا هذه العناوين ال (خمسة عشر) من مجمل العدد , حيث انها تشكل استهلاكا في بنية النص وطاقة مشعة بخصائصه. فلا أحد قصيدة لا يليق بها إلا هذا العنوان لان الوحدة الموحشة هي الصورة التي يختزلها العنوان بدقة لإعطاء ذروة صورها واحزان فصولها وندب نائحاتها . والعنوان السابق هيكل مقدس ومتحف دقيق لعرض( كمنجاتها المنسية في تابوت) .
و(تنور) يخرجه من عاديته واستهلاكه كونه يمثل بوعي أو لاوعي الشاعر فوهة شعبية صناعية قديمة الباع في نفث الدخان . ولاحظنا خلال استعراضنا القصيدة في لحمة المجموعة, ما الذي يمثله الدخان في وعي ولاوعي الشاعر في اكثر قصائد مجموعته. وقلنا هناك أيضا بأنه استحضار مباغت ومكثف لتكاثف دلالات الدخان في ذهن المتلقي. وما أن يطالعنا في المجموعة العنوان (تنور) حتى نكون مهيأين ذهنيا لمعرفة انه تنور مستعر مباشرة ولا نتصوره منطفئ بأي حال لماذا؟ لأن الشاعر مهد منذ البدء لمجموعته بالدخان وحلقاته. وغرز منذ البدء دبوس دخاني في ساحة لا وعينا . وظل هذا الدبوس يغور في عمق لا وعينا خلال الفترة التي استغرقناها ونحن نقرأ ستة قصائد بعد دبوس الدخان الذي انغرز من أول عنوان القصيدة قبل أن تطل علينا القصيدة السابعة , التي رجت الدبوس الذي ظل يجري في لا وعينا برفق وهدوء منسابا بدلالة الدخان . وما دام دبوس الدخان منغرز فهو يشع دخانا بديهيا وغريزيا , ينبعث بسهول من اللاوعي إلى الوعي . فبالضرورة الذهنية نتخيل التنور مستعرا من أول وهلة نقرأ فيها العنوان . ولأن الشاعر ملتفت بوعيه أو لا وعيه لهذه الملازمة التي ستكون طبيعية لأنه مهد لتحققها بغرز الدبوس الدخاني , لذلك قال في الكلمة الأولى بعد العنوان السابق( تنورا مختنق بالدخان). ولنلاحظ بدقة ما يلي: كم سيكون الوضع سطحيا وتافها ومتهافتا لو ان الشاعر قال ( تنورا مشتعل) ثم قال بعدها ( ومختنقا بالدخان) ما الذي سنعلق به على ذلك إلا ان نقول بأنه متشاعر لا شاعر , وبأنه لا يملك حسا قلقا ولا مخيلة تصطرع في مساحات اللاوعي كالدخان . واعتبرنا حتما بأن مفردة ( تنور مشتعل) كلمة زائدة ودخيلة على بنية النص , حيث هي بلا داعي من جهة ولن تخولنا ان نغفر للشاعر غفلته عنها من جهة أخرى. إذ سنشعر ولابد بكونه يستغفلنا , فما معنى ان تقول لشخص يقف على مسافة قريبة منك , وقد رأى وشم حلقات الدخان وتقدم نحوك وهو لازال داخل الطقس المتداخن وابتدأت الرؤية الواضحة تتضبب عنده وتبدأ أولى برازخ التغامض , وحينما يصل إليك تقول له مباشرة ( التنور مشتعل) وكأنك تتحدث مع شخصا بليد وجاهل لا يملك أي درجة من الفهم والوعي, لتنبهه بأن التنور مشتعل. لكنك ان كنت ملتفتا لذلك التهافت في العبارة السابقة والتي لا يصح إيرادها على أي شخص عاقل, وعندها ان كنت متفهما ومستشعرا اختناقه الضئيل , وتلاحظ قطرات عيونه اللامعة بدأت تنساب من الدخان وهو يتقدم نحوك وعند وصوله تقول له مباشرة(تنور). أي انك تقول له بأن هذا الذي حصل معه من اختناق قليل وانحدار دمعي ضئيل طبيعي. إذ ان ذلك الذي ادمع عينه وغومض رؤيته (تنور) وظيفته كما هو معلوم نفث الدخان . لكن رغم ذلك يجب عليك ان تحذره بعد ان جعلته يزداد معرفة بأن الدخان الذي اختنق فيه متكاثف لأنه خارج من تنور. فأعدت له كل ما في التنور من حطب ونار ودخان متصاعد ولكي تلفت انتباهه اكثر عليك أخباره بأن الأمر سيزداد سوأ وسوف تتسارع الدموع اكثر وتتغومض الرؤيا أضعافا ويعلوا السعال حادا إذ ان التنور( مختنقا بالدخان) وبالتالي يتراجع المنبه إلى الوراء قليلا ويظل يتابع الدخان وما يجري . ..
أطلت في هذا الوصف لكي انهي عن متابعة باقي العناوين فقد رأينا ان العنوان الأول (لا أحد) كان مناسبا بل شارحا وواصفا لجسد النص . والعنوان الثاني كان فيه ما فيه من دلالات خصوصا مع بنية النص, وعلى ذلك وغيره يستطيع القارئ ان يقيس باقي العناوين الثلاثة عشر التي استثنينها قبل قليل من اسر العادية والاستهلاك على هذا . فتخرج بهذا الاعتبار من دائرة العادية والاستهلاك وهي ضمن نصوصها الموضوعة لها .
يبقى بحوزتنا سبعة عناوين بعد ان أخرجنا العناوين السابقة , لا تزال في دائرة الاستهلاك والعادية. ولنرى من جديد هل بالإمكان إخراج العدد بكامله من الاستهلاك أو أننا نستطيع التقليص من حجمه على اقل تقدير. ولا بأس من استحضار العناوين السبعة الباقية:
( قيثارة/ فراشة/ كركي/ بلبل/ سنونو/ قصيدة جميلة جدا/ لص/ )
القصيدة الأولى غير مستغرقة بالنص ولا شارحة له ولا فيها أي دلالات من دلالات العناوين الخمسة عشر السابقة , حتى وان نظرنا اليها مع بنية النص الموضوعة لأجله. والعناوين الرباعية الطائرة تحتاج إلى قليلا من التعيلق , إذ فيها ما يدخل من وجه مع العناوين المستثناة لاستغراقها في النص. لكنها من جهة أخرى تؤشر على نقص آخر لا يخرجها عن الاستثناء. ولنبدأ تراجعيا من آخر قصيدة من العناوين الطائرة وهي بعنوان(سنونو) وجميل جدا ان نستعرض القصيدة هنا إذ ان عرضها يحقق غرضين مزدوجين . أولهما ان تستوفي القصيدة حقها من العرض, فلم انقل منها أي سطر في تحليل المجموعة. وثانيهما من اجل تسجيل بعض النقاط النقدية عنها في هذا المكان. تقول القصيدة:
(في سقف بيتنا الخشبي عش سنونو/ قلدته حلقة من النمنم / أختي/
في كل ربيع يأتي / ليرقص فوق أصص أزهارها /
رقصة العارف/)
فهذا العنوان يدخل من وجه في كونه مرتبط بموضوع القصيدة القصيرة, فنستطيع ان نستثنيه من هذه الجهة. لكن ما يمنعنا عن ذلك هو ان العنوان وان كان يتحدث عن شيء مهم من مفردات نص القصيدة لكنه لا يشبه العناوين المستثناة والتي تبين لنا خلال تحليلها بأنه من غير الممكن أو الجيد تبديلها فهي مستغرقة في نصوص قصائدها بالكامل. أما هنا فلأمر مختلف لان القصيدة (سنونو ) نفسها تثبت ان فيها عنوان آخر يشمل العنوان السابق من خلال إشارته أليه, وفوق ذلك فيه دلالة شعرية أعلى وسمة عنوانية اجمل واكثر حسية. والعنوان مكتوب في خاتمة القصيدة السابقة (..رقصة العارف) فكم كان جميلا لو ان الشاعر اختار هذا البيت عنوانا للقصيدة. ولذلك يبقى العنوان السابق (سنونو) محتفظا بعاديته واستهلاكه ولا يمكن لنا استثنائه, بل انه حرم النص من عنوان اشمل منه معنى وأرقى منه دلالة. والقصيدة الثانية(بلبل) ننقلها هنا لنفس الغرضين السابقين:
( لا تلم البلبل على ترنمه/ هو يحلم بفضاءات لا متناهية/
قبل ان يرحل مع الغمام/)
القصيدة قصيرة جدا والموضوع مبني على ثيمة البلبل أساسا ,لكننا نستطيع ان نستقطع من جثة النص جارحتين تشكلان عنوان أرقى إذ نستطيع ان نسميها ( ترنيمة الحالم).
والقصيدة القصيرة التي تسبق هذا العنوان بالتسلسل (كركي) والتي عرضت سابقا بكاملها في التحليل الأساسي للمجموعة فلا داعي لأعادتها. ونسجل عليها كونها مستغرقة اكثر من القصيدتين السابقتين في النص ولكنها لم تستثنى أيضا إذ من الممكن ان تكون بعنوان افضل . وفي هذه المرة لا داعي إلى تبديل عنوانها بالكامل, بل مجرد تعديل وإضافة ليصبح العنوان اكثر تأثيرا وجاذبية. بأن يصبح العنوان( الكركي يوقظ السرب) فيخرج من ربقة العادية . واخر قصيدة بعنوان طائر هي (فراشة) وهي تؤشر أيضا على التصاقها بالنص فتشترك مع القصيدة التي سبقتها بكونها بحاجة إلى تعديل لا تبديل فتكون مثلا( حكمة الفراسة) . القصيدة التالية وهي أيضا خرجت من الاستثناء لأنها صفة أطلقها الشاعر على قصيدته وهي غير لصيقة بالنص وهي وان كانت جميلة لكن يبدوا ان الشاعر لم يوفق في إضفاء صفة المبالغة عليها وكان من المناسب ان يكون عنوانها( قصيدة جميلة) بلا (جدا) وان كان العنوان في الحالتين مغرق في العادية والاستهلاك. العنوان الأخير (لص) وهو عنوان مستغرق في نصه إلا انه كان بالإمكان تعديله بأن يصبح( لص وعود ثقاب) أو (اللص والثقاب) وفي نهاية هذا العرض العنواني يتضح لنا ان العناوين الاثنان وعشرون , كان فيها ما يبرر عاديته ويخرجه من الاستهلاك . وبلغ عدد هذه العناوين حسب الملاحظة السريعة خمسة عشر عنوانا فتبقى لدينا سبعة عناوين لم نلحظ فيها الاستغراق الواضح كما شرحنا منه عنوانين هما (لاأحد) و(تنور) فكان لزاما ان نسعى للنظر في العناوين السباعية المتبقية فسجلنا هناك ملاحظاتنا على ستة عناوين تبين لنا ان بالإمكان تعديل أربعة منها لتصبح اقل عادية واستهلاكا. كما وأنها تحتفظ بعد التعديل على ملاصقتها لنصوصها. وقد استفدنا التعديل من الاستغراق في نصوصها نفسها. ولم يتبقى لدينا سوى العنوان الثالث على عاديته واستهلاكه رغم التعديل ويبقى تعديله أو تغيره تابعا لوجدان الشاعر نفسه. كما بدلنا عنوانين بالكامل وهما(بلبل) و(سنونو) واستفدنا من إرشادات النص أيضا في تبديلهما فأصبح الأول( ترنيمة الحالم) والثاني( رقصة العارف) كما مر. وقد خرجا من ربقة العادية والاستهلاك بشكل واضح ولا يحتاج إلى تعليق. ولم يتبقى لنا سوى العنوان الأول من اصل العناوين السبعة وهو(قيثارة) والذي أجلنا الكلام عنه حتى هذه اللحظة من اجل عرض القصيدة التي لم نعرضها في السابق هنا وممارسة النقد العنواني عليها تقول ال (قيثارة):
(الريح والمطر/ يغمزان قلب الحانة/
أنت برج تميلُ ولاتصل/
تحملُ ريشة وحجر/ المسلكُ كدح وكمد/
في الباحة /عاينت طبيبة الأعشاب /
قدم الطباخ الصيني/ فأغمي عليها/
قال الراهب: النبيذ في الجسد/
والحكمة في الكأس/
تذكر عازف الأكورديون شقيقه/
فأشعل لفافة تبغ/
وضع قدما في الأمس/ وقدما في الغد/
كأبي الهول/
ولج الصمت وحيدا/)
نصا آخر فعالا ومتحرك من نصوص المجموعة. التي اختزلت الكثير من الصور والانطباعات كما قلنا سابقا. ولنتأمل صورة هذا الذي وضع قدما في الأمس وقدما في الغد بينما أشعل لفافة تبغ. لنلاحظ الروعة هنا وثراء مخيلة ولاوعي الشاعر الذي تتصارع فيه الأفكار والأحاسيس كالأمواج الصاخبة.ولندقق في "أشعل لفافة تبغ" حتى يعود الدخان ماثلا وداخنا اكثر كلما اهتز الدبوس الدخاني الذي غرزه الشاعر في لا وعينا بقوة. الشاعر دائما يصر على اهتزاز الدبوس لتنتفض منه حلقات وعينا بصورة داخنة باستمرار.انه يفعل ذلك اكثر الأحيان ليلفت وعينا إلى فلسفة الدخان, ونتماهى مع صوره وأشكاله وتناقضاته , لأن الدخان هو الموت في الماضي والحياة في المستقبل . وعازف "الأكورديون" يتذكر شقيقه ولعله"الصاح"نفسه النحات. والعازف ليس شقيقا نسبيا له بالضرورة بل من الممكن ان يكون سببيا , فهو قد يكون صديقا عزيزا له من جهة. وفنان مثله (نحات) من جهة أخرى. ولأن العازف لا يزال يتذكر حلقات دخان "الصاح" التي استدل بها على تلاشيه , لكنه نحت في هوة ذلك التلاشي "أسراب طير" استحالت حينما تلاشى الدخان إلى (موسيقا رماد) في "صناديق المساء" . حتى جاءت لحظة تكاثف الطاقة الصوتية التي نسجت من خلايا رماد تلك الطيور "بجعة تغرد" وتنثر "رماد الموسيقى" انها دائرة من دوائر الحلقات الدخانية تستبطن قوسي الزمان الكونيان قوس الصعود وقوس النزول . والدخان مظهرا لهما منماثا معهما بكل صراعاته واضداده وصوره المتناقضة , التي تلتحم أخيرا في شكل واحد وصوتا واحد حسب إرادة الدخان في لعبته الأثيرة وجدليته الخطيرة المستبطنة لمجمل جدلية الموت والحياة. ولذلك نرى عازف"الأكورديون" يدرك هذه الحقيقة ويعرف علاقة الدخان اللصيقة بهذه الجدلية. فهو يتذكر "الصاح" ويتوحد معه في نفث حلقات الدخان. ويصر على ان يضع قدما في الأمس تلتصق مع قدم "الصاح" فتصبح قدمه الثانية في الماضي. وقدما في الغد ستكون ولابد قدم"الصاح" الأخرى معها في المستقبل. ويبقى الحاضر في ضمير العازف وحده كما كان في ضمير"الصاح" قبل ذلك حينما كان ينفث الدخان. وكأبي الهول يلج الصمت وحيدا ليستمر الصراع..
كم كان جميلا ان تؤجل هذه القصيدة إلى الخاتمة حيث أوشكنا على نهاية المجموعة التي بدأنا معها بحلقات الدخان وها نحن نعود في النهاية أليه . وبقي ان أعود لعنوان هذه القصيدة (قيثارة) الذي يبدوا مستغرقا في النص ويشير إلى فلسفة الدخان التي ترتبط بوعي أو لاوعي الشاعر - من أحد الوجوه- بعزف القيثارة وهذه ترتبط كما مر سابقا بالمرأة التي رأينا الشاعر يربطها بوعي آو لاوعي بالآلات الموسيقية ومنها "القيثارة" وبالتالي يحيلنا هذا العنوان إلى المرأة/ الموسيقى بقوة . على اعتبارها من إحدى دلالات الدخان الكثيفة. ومن هذه الناحية للعنوان ما يبرره من خلال ارتباطه الخفيف الظل بلا وعي الشاعر بلحمة النص. لكنه من ناحية أخرى يبدوا غير واضح الارتباط بالنص المكثف بحلقات الدخان" اللفافة التبغية" وواضح ان "عازف الأكورديون" اكثر التصاقا بالعنوان. إلا ان الشاعر لم يختره لأنه ذكر آخر "صاح" ثاني فلا يريد الشاعر ان يجعل دورة الحلقات الدخانية ذكورية أحادية الصراع . لذلك كما يبدوا اختار عنوان ال"قيثارة" لكي لا ننسى"امرأة كل الفصول" ولا "إيقاعاتها" وملئها الجرار التي تنحتها وتنحت صافرة طينية معها. إذا نستعيد هذه الصور المختلفة للمرأة من خلال "قيثارة" وهي المعادل الموضوعي في لاوعي الشاعر لتلك المرأة . فبالضرورة هنا يؤكد العنوان على المرأة مثلما يؤكد لفظ المرأة على آلة الموسيقى "قيثارة" . وبهذا يشير العنوان إلى مغزى مهم ومؤثر ومناسب لكتمال دورة الدخان المقدسة . وهو بذلك يستحق ان يضحي الشاعر باستهلاكيته البادية ظاهرا من اجل مغزاه العميق. وبهذا ينتهي البحث في مجمل عناوين المجموعة واقتربنا بذلك من النهاية . وقبل إسدال الستار لابد من الإشارة لنقطة أخيرة على خشب المسرح . فحينما أهداني الشاعر أوراق مجموعته رقمها بشكل سريع فجاءت بأربعين عنوان وختمها بمقطعين بمثابة الخاتمة كتبها بدون عنوان وحمل تسلسلها الرقم (41) وهو الرقم الأخير حسب تسلسل الشاعر. لكني بعد قراءتها وجدت قصيدة قصيرة انفلتت من قلم الترقيم , وكان يفترض ان يكون رقمها هو الثالث والعشرين. حيث توسطت بين قصيدة"فانوس" وقصيدة"النافذة مشط الريح" ولأن الشاعر نسي ترقيمها آثرت ان استعرضها قبل مقطعي القصيدة القصيرين. إذ وجدت في أمر نسيانها من الترقيم طرفة لطيفة. لان القصيدة ليست شيئا أو مادة شاخصة دوما بجسدها, أو وجودها في المكان, والزمان. بل هي سراب يظهر فجأة ويختفي فجأة وكأنها مستبطنة تلاشي الدخان لتعود متى شاءت في حلقاته بصور مختلفة وتناسخات متعددة. وهذه القصيدة وسمت (غزالة):
( سألت الغزالة : من أين يأتي هذا الذبح؟ /
قالت: أوقظ حكمة الشجرة /
لا تفكر بالانتقام / لا تحشي جلد الوقت بالأباطيل /
ثم تحولت إلى سراب /)
لا نعرف متى يظهر مجددا ولا إلى أي هيئة يتشكل كما هي صور الدخان المتنوعة والمتكاثفة ولنسجل بعض الكلمات عن القصيدة:
يسأل الشاعر الغزالة - أو روح الطوطم- التي تسكنها من أين يأتي هذا الذبح ؟ فتجيبه :( أوقظ حكمة الشجرة) هل تشير الغزالة أو روحها المتناسخة إلى الحكمة في قصيدة "إصغاء" ( الشجرة تقوس ظهرها وهي تصغي للغرباء) أنا أظن ذلك بشدة. وذلك إحالة على تعليل الذبح المتواصل , الجسدي والنفسي العام . فمن أين يأتي هذا البغض والتطاحن, هذه الحروب والصراعات الاجتماعية الخطيرة المتطاحنة . انها حسب رأي الغزالة ناتجة من عدم التنبه لحكمة الشجرة . لا أحد يصغي مثل تلك الشجرة الكل يقول يجب ان أتحدث وان يسمعني الجميع (أنا ربكم الأعلى) لا تناقشوا لا تعترضوا وإلا( سأصلبكم واقطع أيديكم من خلاف) يجب عليكم ان تقولوا لي دائما :( ستجدنا صابرون ولا نعصي لك أمرا) انها كوارث ومآسي , ان يلغي الإنسان (حكمة الشجرة) ثقافة الإصغاء من فكره وعقيدته وبالتالي من الطبيعي ان لا يجد غير الذبح والانتقام .لذلك تنصح الغزالة السرابية من يريد ان يتجنب هذا الدمار على كل الأصعدة بأن يوقظ حكمة الشجرة في قلبه وعقله , ان يتعلم الإصغاء مثلما يتعلم ان يتكلم ويكتب. تقول الغزالة مؤكدة خطورة تجاوز الإصغاء( لا تفكر بالانتقام). ما دمت لا تصغي لمن قد يختلف معك ومع بعض آرائك . فأنت بالتأكيد ستكون صورة مشوهة ومغلوطة من تسرعك في تحليل كلام الغير المختلف معك. ثم تؤسس تبعا لتصورك واعتقادك, الذي لم تؤسسه على أساس الإصغاء الذي يستبطن الاستيعاب والتفهم والدراية, ولأنك تركت الإصغاء الذي يحتوي كل تلك المفاهيم, فأنت بالضرورة لا تستطيع ان تستوعب وتتفهم من يعارضك وحتما سيدفعك عدم الاستيعاب إلى الانتقام.
ويختم الشاعر أخيرا مجموعته بهذه العبارتين:
( اُؤل نفسي/ ولا أفسرها/)
فهو كالدخان لا يمنع الصور والأشكال من ان تتمثله وتتخيله وتفسره كما تشاء . ضار , مفيد, مميتا , محييا ...الخ. فهو ليس من شأنه ولا من حقه ان يمنع التفسير وأراء المفسرين . لكن الدخان يعرف تأويل نفسه وحقيقتها وهو لذلك يؤول نفسه وفق رؤيته حيث هذا شأنه وذاك لا.
-انتهت-
تنويه: بالنسبة لترتيب الأبيات في القصائد المنقولة , لم التزم بالترتيب كما جاء في اصل المجموعة, بل سرت فيها بأسلوب القفز والانتقاء كما مع تحليل القصائد بشكل عام,لهذا اقتضى التنويه.
* تتوبت:دخل التابوت مع..


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (4 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك