أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
حياة ما باركر
عدد مرات المشاهدة :1585 - December 13, 2007
ابتسام يوسف الطاهر
* كاترين مانسفيلد
ترجمة: ابتسام يوسف الطاهر
ترجمة: ابتسام يوسف الطاهر
حين فتح السيد الأديب الباب للسيدة ما باركر، العجوز التي تنظف بيته كل يوم ثلاثاء، سألها وهي تدخل عن حفيدها المريض. وقفت ساكنة على باحة المدخل الصغير المظلم ومدت يدها لتساعده على غلق الباب قبل أن تجيب "دفناه بالأمس...سيدي". قالت بهدوء.
"اوه...يا الهي..أنا آسف لذلك" أجابها بنبرة مفجوعة. ووقف حائرا ، كان يرتدي جلبابا رثا، يحمل الجريدة بيد واحدة، شعر بالارتباك، لم يعد قادرا على العودة لفطوره الصباحي في تلك الغرفة الدافئة، من دون أن يقول شيئا، شيئا ما اضافي "لأن الناس يولون أهمية كبيرة للمآتم" فقال بلطف "آمل ان مراسيم الدفن كانت على ما يرام".
"عفوا.. سيدي" تساءلت العجوز بشرود بصوت أجش مبحوح. مسكين ذلك الطائر العجوز، كانت مهدودة حقا.
"أرجو أن انتهى المأتم بنجاح" قال . لكنها لم تحر جوابا، أحنت رأسها وتهادت نحو المطبخ شاردة الفكر، تحمل سلتها الحاوية على أدوات التنظيف ومأزر وحذاء تلبسه في البيت.
رفع السيد الاديب حاجبيه، وعاود تناول فطوره متمتما بصوت مسموع وهو يتناول بعض المربى "مسكينة، مقهورة على ما أظن".
سحبت ما باركر المشبك من قبعتها وعلقتها مع المعطف المهترئ خلف الباب ولبست المأزر وجلست لتخلع جزمتها التي بات خلعها او لبسها معضلة بالنسبة لها، لكنها اعتادت الألم، بل صارت غضون وجهها متحفزة للوجع والتقطيب في أي لحظة. أسندت ظهرها وسرحت بعيدا وهي تربت على ركبتيها بهدوء.
"اوه...يا الهي..أنا آسف لذلك" أجابها بنبرة مفجوعة. ووقف حائرا ، كان يرتدي جلبابا رثا، يحمل الجريدة بيد واحدة، شعر بالارتباك، لم يعد قادرا على العودة لفطوره الصباحي في تلك الغرفة الدافئة، من دون أن يقول شيئا، شيئا ما اضافي "لأن الناس يولون أهمية كبيرة للمآتم" فقال بلطف "آمل ان مراسيم الدفن كانت على ما يرام".
"عفوا.. سيدي" تساءلت العجوز بشرود بصوت أجش مبحوح. مسكين ذلك الطائر العجوز، كانت مهدودة حقا.
"أرجو أن انتهى المأتم بنجاح" قال . لكنها لم تحر جوابا، أحنت رأسها وتهادت نحو المطبخ شاردة الفكر، تحمل سلتها الحاوية على أدوات التنظيف ومأزر وحذاء تلبسه في البيت.
رفع السيد الاديب حاجبيه، وعاود تناول فطوره متمتما بصوت مسموع وهو يتناول بعض المربى "مسكينة، مقهورة على ما أظن".
سحبت ما باركر المشبك من قبعتها وعلقتها مع المعطف المهترئ خلف الباب ولبست المأزر وجلست لتخلع جزمتها التي بات خلعها او لبسها معضلة بالنسبة لها، لكنها اعتادت الألم، بل صارت غضون وجهها متحفزة للوجع والتقطيب في أي لحظة. أسندت ظهرها وسرحت بعيدا وهي تربت على ركبتيها بهدوء.
"جدتي..جدتي" أتاها صوت حفيدها الصغير وهو يقفز لحضنها وقد أتى توا من اللعب في الشارع.
"انظر ماذا فعلت بثوب جدتك .. أيها الشقي" لكنه طوقها بذراعيه الصغيرتين معانقا، ساندا خده على وجهها.
"جدتي ..أعطني بنسا" قال بتوسل.
"أذهب عني ..ليس لدى جدتك نقودا".
بلى عندك..اعطني واحدا"
"كلا لا أملك"
"بلى عندك.. واحد فقط".
كانت قد مدت يدها لمحفظتها مسبقا فبسطت كفها بالنقود باسمة "ماذا ستعطي جدتك؟".
عانقها وهو يضحك، شعرت بأهدابه تداعب خدها "ليس لدي شئ" قال متمتما بإحراج.
"انظر ماذا فعلت بثوب جدتك .. أيها الشقي" لكنه طوقها بذراعيه الصغيرتين معانقا، ساندا خده على وجهها.
"جدتي ..أعطني بنسا" قال بتوسل.
"أذهب عني ..ليس لدى جدتك نقودا".
بلى عندك..اعطني واحدا"
"كلا لا أملك"
"بلى عندك.. واحد فقط".
كانت قد مدت يدها لمحفظتها مسبقا فبسطت كفها بالنقود باسمة "ماذا ستعطي جدتك؟".
عانقها وهو يضحك، شعرت بأهدابه تداعب خدها "ليس لدي شئ" قال متمتما بإحراج.
نهضت فجأة، وأخذت الأبريق الحديدي من على الموقد لتملأه بالماء..صوت الماء الجاري خفف من انفعالها وحزنها على ما يبدو، ملأت باقي الأواني والسطل. كان المطبخ بحالة يصعب وصفها، بحاجة لكتاب لوصفه، فقد بدا وكأنه كومة نفايات ضخمة، الأرض مغطاة ببقايا الطعام والأوراق وأعقاب السجائر! فالسيد الأديب اتخذ نظاما يتباهى به أمام أقرانه، فهو يستغرب شكوى البعض من عمل البيت "ببساطة استعمل كل شئ، وكل ما عندك وسخه ومرة واحدة بالاسبوع آت بـ(حيزبون) تنظف كل شيئ". فهو يفرغ بثل الشاي المستعمل بعلبة المربى، واذا لم يكن لديه شوكة نظيفة يمسح واحدة أو اثنين بالمنشفة ليستعملها مرة أخرى وهكذا.
مع ذلك لم تتذمر يوما ولم تضايقه بشكوى، بل كانت ترثي لحاله "حيث لم يكن هناك من يرعاه".
في الخارج ومن خلال شباك المطبخ الصغير الاظلم، بدت السماء على امتدادها الواسع معتمة وحزينة، والغيوم بدت ممزقة هرمة.
خلال تسخين الماء أخذت تنظف الأرض بالمكنسة. "نعم" همست وهي تضرب المكنسة بحدة "لقد عشت حياة مرّة" بلى حتى الجيران قالوا عنها ذلك. كانت تسمعهم يتهامسون وهي عائدة للبيت أو وهي تنتظر في احد الأركان.. لم يكن في حياتها ما تفخر به. فقد عاشت في ذلك القبو حياة قاسية. في السادسة عشر من عمرها تركت ستراتفورد وجاءت لندن كطاهية، بلى لقد وُلدَت في (ستراتفورد اون آفون) حيث ولد شكسبير.
"شكسبير؟..لا يا سيدي" هكذا تجيب من يسألها عنه، فهي لم تسمع باسمه من قبل، حتى رأته على المسرح.
لم يبق من ستراتفورد سوى ذلك المكان القريب من الموقد حيث ترعى النجوم من خلال فتحة النافذة كل مساء، واللحم المقدد الذي تحتفظ به أمها معلقا بالسقف، وسور الياس في المدخل ذو الرائحة العطرة. كل ذلك صار مجرد ذكريات شاحبة.
المكان الذي اشتغلت فيه لأول مرة كان بائسا الى حد كبير، لم يسمح لها بالخروج أبدا، حتى الطابق العلوي لم تقصده إلا للصلاة فقط. المسئولة عن المطبخ كانت امرأة قاسية حتى الرسائل التي تُبعث لها من الأهل، كانت تخفيها عنها بل ترميهم "لأن تلك الرسائل تجعلها حالمة" كانت تبرر فعلتها.
ثم انتقلت تلك العائلة فذهبت لبيت احد الاطباء كمساعدة، وبعد عامين من الجري المتواصل، تزوجت الخباز.
"خباز؟" يتساءل السيد الاديب بعض الاحيان وهو يضع كتابه جانبا ليصغي لها، لما يدعى حياة "لاشك انه أمر جيد زواجك من الخباز..أنها تجارة نظيفة" كان يقول، لكن ما باركر لم تقتنع.
"اما كنت تحبين تقديم الخبز الحار للزبائن؟".
"الحقيقة.. يا سيدي" تابعت ما باركر "لم أتواجد بالمخبز بكثرة فقد كان لدينا ثلاثة عشر طفلا، دفنا منهم سبعة، بالامكان القول أنه اذا لم اكن بالمستشفى ففي المركز الصحي".
"انت قوية حقا " قال السيد مرتعدا. ثم أخذ قلمه وعاد لكتبه.
مع ذلك لم تتذمر يوما ولم تضايقه بشكوى، بل كانت ترثي لحاله "حيث لم يكن هناك من يرعاه".
في الخارج ومن خلال شباك المطبخ الصغير الاظلم، بدت السماء على امتدادها الواسع معتمة وحزينة، والغيوم بدت ممزقة هرمة.
خلال تسخين الماء أخذت تنظف الأرض بالمكنسة. "نعم" همست وهي تضرب المكنسة بحدة "لقد عشت حياة مرّة" بلى حتى الجيران قالوا عنها ذلك. كانت تسمعهم يتهامسون وهي عائدة للبيت أو وهي تنتظر في احد الأركان.. لم يكن في حياتها ما تفخر به. فقد عاشت في ذلك القبو حياة قاسية. في السادسة عشر من عمرها تركت ستراتفورد وجاءت لندن كطاهية، بلى لقد وُلدَت في (ستراتفورد اون آفون) حيث ولد شكسبير.
"شكسبير؟..لا يا سيدي" هكذا تجيب من يسألها عنه، فهي لم تسمع باسمه من قبل، حتى رأته على المسرح.
لم يبق من ستراتفورد سوى ذلك المكان القريب من الموقد حيث ترعى النجوم من خلال فتحة النافذة كل مساء، واللحم المقدد الذي تحتفظ به أمها معلقا بالسقف، وسور الياس في المدخل ذو الرائحة العطرة. كل ذلك صار مجرد ذكريات شاحبة.
المكان الذي اشتغلت فيه لأول مرة كان بائسا الى حد كبير، لم يسمح لها بالخروج أبدا، حتى الطابق العلوي لم تقصده إلا للصلاة فقط. المسئولة عن المطبخ كانت امرأة قاسية حتى الرسائل التي تُبعث لها من الأهل، كانت تخفيها عنها بل ترميهم "لأن تلك الرسائل تجعلها حالمة" كانت تبرر فعلتها.
ثم انتقلت تلك العائلة فذهبت لبيت احد الاطباء كمساعدة، وبعد عامين من الجري المتواصل، تزوجت الخباز.
"خباز؟" يتساءل السيد الاديب بعض الاحيان وهو يضع كتابه جانبا ليصغي لها، لما يدعى حياة "لاشك انه أمر جيد زواجك من الخباز..أنها تجارة نظيفة" كان يقول، لكن ما باركر لم تقتنع.
"اما كنت تحبين تقديم الخبز الحار للزبائن؟".
"الحقيقة.. يا سيدي" تابعت ما باركر "لم أتواجد بالمخبز بكثرة فقد كان لدينا ثلاثة عشر طفلا، دفنا منهم سبعة، بالامكان القول أنه اذا لم اكن بالمستشفى ففي المركز الصحي".
"انت قوية حقا " قال السيد مرتعدا. ثم أخذ قلمه وعاد لكتبه.
نعم سبعة رحلوا بينما الباقون كانوا صغارا حين مرض الاب بـ(السل) فقد اخبرها الطبيب بأن رئتيه ملأى بالدقيق قال ذلك وهو يرسم دائرة على ظهره اثناء الفحص "لو فتحنا من هنا لوجدنا قالب طباشير في رئتيه". ثم بدا ورما يشبه الخيال كأنها رأت غبارا ابيض يخرج من بين شفتي زوجها المسكين.
لقد عانت بتربية صغارها وهي تكتم ما بنفسها لنفسها. عمتهم لم تأت للمساعدة حتى بلوغهم سن الدراسة ولكن لم تمض معهم سوى شهرين. فقد سقطت من على السلم وكسر عمودها الفقري.
ابنتها الكبرى (مودي) مشت بدرب الخطيئة وجرّت اختها آليس معها. اثنان من أبناءها هاجرا، وابنها الاصغر (جيم) رحل مع العسكر للهند. لم تبق معها غير ابنتها الصغرى (آتيل) التي تزوجت من نادل مطعم، وتوفي هو الآخر بالقرحة بعد عام من مولد الصغير (ليني).
"والآن صغيري الحبيب.. حفيدي"..
كان تل الصحون قد غسل وجفف والسكاكين نظفت بقطعة البطاطا ثم نظفتها بقطعة من الفلين لإزالة الحبر الاسود.
"لم يكن من الأطفال الأصحاء، ابدا، كان عليلا منذ البداية، رقيقا ناعما، حتى الكل يعتقده بنتا بشعره الفضي الأجعد وعينيه الزرقاوين وحبات النمش على جانبي انفه".
لم توفر محاولة لا هي ولا ابنتها لتحسين وضعه الصحي، لقد جربتا كل شئ، حتى انها لم تتردد من أخذه للمقبرة أو ركوب الحافلة لعل اهتزازها يغير له لون!. لكن كل المحاولات لم تفلح بتغيير لونه الشاحب.
كان ابن جدته منذ البداية "ابن من انت؟". يأتيها صوته قريبا دافئا كأنه ينبع من صدرها "انا ابن جدتي".
"لماذا كان عليه ان يعاني بذلك الشكل؟". من صدره الصغير كان يُسمع صوتا كأنه الغليان، وحين يسعل تنتفخ عيناه ويغرق في العرق والأسوأ من ذلك حين ينقطع السعال، حيث يدفن رأسه بالوسادة لا يكلم أحدا ولا يجيب على سؤال. حين تربت على شعره المعروق ينتحي بجسده النحيل رافضا. "ليست جدتك من فعل ذلك يا حبيبي". تخاطبه وهي تبعد خصلة شعره خلف اذنه. يلتفت لها ينظر بريبة كأنه غير مصدق ما تقول.
لقد عانت بتربية صغارها وهي تكتم ما بنفسها لنفسها. عمتهم لم تأت للمساعدة حتى بلوغهم سن الدراسة ولكن لم تمض معهم سوى شهرين. فقد سقطت من على السلم وكسر عمودها الفقري.
ابنتها الكبرى (مودي) مشت بدرب الخطيئة وجرّت اختها آليس معها. اثنان من أبناءها هاجرا، وابنها الاصغر (جيم) رحل مع العسكر للهند. لم تبق معها غير ابنتها الصغرى (آتيل) التي تزوجت من نادل مطعم، وتوفي هو الآخر بالقرحة بعد عام من مولد الصغير (ليني).
"والآن صغيري الحبيب.. حفيدي"..
كان تل الصحون قد غسل وجفف والسكاكين نظفت بقطعة البطاطا ثم نظفتها بقطعة من الفلين لإزالة الحبر الاسود.
"لم يكن من الأطفال الأصحاء، ابدا، كان عليلا منذ البداية، رقيقا ناعما، حتى الكل يعتقده بنتا بشعره الفضي الأجعد وعينيه الزرقاوين وحبات النمش على جانبي انفه".
لم توفر محاولة لا هي ولا ابنتها لتحسين وضعه الصحي، لقد جربتا كل شئ، حتى انها لم تتردد من أخذه للمقبرة أو ركوب الحافلة لعل اهتزازها يغير له لون!. لكن كل المحاولات لم تفلح بتغيير لونه الشاحب.
كان ابن جدته منذ البداية "ابن من انت؟". يأتيها صوته قريبا دافئا كأنه ينبع من صدرها "انا ابن جدتي".
"لماذا كان عليه ان يعاني بذلك الشكل؟". من صدره الصغير كان يُسمع صوتا كأنه الغليان، وحين يسعل تنتفخ عيناه ويغرق في العرق والأسوأ من ذلك حين ينقطع السعال، حيث يدفن رأسه بالوسادة لا يكلم أحدا ولا يجيب على سؤال. حين تربت على شعره المعروق ينتحي بجسده النحيل رافضا. "ليست جدتك من فعل ذلك يا حبيبي". تخاطبه وهي تبعد خصلة شعره خلف اذنه. يلتفت لها ينظر بريبة كأنه غير مصدق ما تقول.
رمت اللحاف على السرير.. لا.. ذلك كثير، لا يحتمل، فوق طاقتها. لقد عانت واحتملت ما لا يحتمله البشر، مع ذلك استطاعت أن تصمد، أن تحتفظ ما بنفسها لنفسها. لم يرها أحدا تبكي، لم تضعف حتى أمام أولادها، احتفظت بذلك الوجه الصارم وتلك الكبرياء. لكن الآن، برحيل ليني، حفيدها، ماذا تبقى لها؟ لا شئ، فقد كان هو كل شئ، كل ما جنته من حياتها.. ها هو الآخر ينتزع من أحضانها "لماذا يحصل كل ذلك، لي؟" تساءلت "ما الذي فعلته لأستحق كل ذلك العذاب؟" خاطبت نفسها.
شعرت بوهن شديد لم تعد قادرة على الاحتمال. أسقطت المكنسة من يدها، ثم وجدت نفسها بالمطبخ وضعت قبعتها على رأسها ولبست معطفها المهترئ ومضت خارجة كمن يسير بنومه.
كان السيد الأديب قد خرج منذ لحظات بعد ان نبه عليها أن لا ترم شئ قبل أن ترجع له. وترك لها أجرتها.
خرجت ذاهلة لم تع ما كانت تفعله سارت كمن أصابه الدوار أثر رؤية مشهد مريع، سارت بلا هدف دون وجهة معينة المهم أن تبتعد، أن تهرب.
كان الجو باردا والريح قاسية كالثلج، الناس يفرون مسرعين، الرجال يسيرون كالمقصات والنساء يخطرن كالقطط. لا أحد يعرف ليس هناك من يهتم، حتى لو ضعفت وبكت بعد كل هذه السنين ستجد نفسها معزولة أو كأنها غير موجودة. الرغبة بالبكاء ملأت جوانحها وكأن حفيدها الصغير وثب توا لذراعيها، احتظنته .. آه .. هذا ماتريده جدتك، الحمامة الكسيرة، انها تريد البكاء، لو تبكي بلا انقطاع، تبكي كل شئ، البداية منذ رحيلها عن الأهل، تبكي وحشة المكان الأول.. وفاة زوجها وصغارها السبعة الذين اختطفهم القدر.. ثم اطفالها الذين غيبتهم الحياة الواحد تلو الاخر.. تبكي سنين الشقاء التي قادت لموت (ليني) الصغير. لكي تبك لا بد لها من زمن طويل، حان الوقت الآن. ما باركر عاشت حياة صعبة، نعم صعبة، قاسية حقا. أخذ فكها الاسفل بالأ|رتعاش،لا بد من البكاء الآن فما عاد هناك مبرر للتأجيل، لم تعد تحتمل اكثر، لا تقوى على الانتظار.. لكن أين؟ أين؟.
أين تذهب؟ لا تقدر أن تعود للبيت وهي بهذه الحالة، سترعب ابنتها آتيل بمنظرها ذاك. في الشارع لا يمكنها الجلوس في أي مكان، ستثير فضول الناس وربما الشرطة أيضا!
لا تفكر بالعودة لشقة السيد الاديب، فليس من حقها البكاء في بيوت الأغراب.
..آه .. ألا يوجد مكان تخفي نفسها فيه، تبقى فيه ما تشاء وتبكي كما تشاء .. دون أن تعكر صفو أحد، ولا أحد يضايقها؟ تطلق صرختها أخيرا.
وقفت تنظر أعلى للسماء، ثم للأسفل. الريح الثلجية نفخت ثوبها، وبدأ المطر بالهطول.. ليس هناك مكان.
...............
* نبذة عن الكاتبة كاترين مانسفيلد 1
ولدت في القرن التاسع عشر عام 1888 في مدينة ويلغتون في نيوزيلاند. اسمها الحقيقي (كاتلين مانسفيلد بيتشامب). تغير اسمها عدة مرات حسب رحلاتها ، فقد شعرت وهي في مقتبل العمر انها كي تصبح كاتبة لا بد لها من الهروب والابتعاد عن بيئتها. فرحلت لانكلترا حيث اطلقت على نفسها اسماء مستعارة عديدة مثل، كاس، كاتي مانسفيلد، كاتيوشا..الخ. ولكنها اشتهرت باسمها الاخير (كاترين مانسفيلد) كأديبة وكاتبة.
تعتبر كاترين مانسفيلد من الكتاب المحدثين الذين فكوا بعض القيود وقوانين القصة القصيرة باللغة الانكليزية وتركوا بصماتهم في تغيير منهاج ذلك النوع من الأدب، ذلك بالرغم من صغر سنها وقلة إنتاجها بسبب رحيلها المبكر حيث توفت عام 1923 عن عمر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين.
بالرغم من ابتعاد ك. مانسفيلد عن موطنها وأهلها، لكن اجمل ما كتبته كان بتأثير بيئتها واجواء عائلتها، الذي كان تاثيرها واضحا على أغلب قصصها خاصة (حفل الحديقة)the Garden Party.
اشتهرت ايضا بكتابة المقالات النقدية، المذكرات والقصص التراجيدية المعبرة عن الواقع.
أول كتاب طبع لها كان عام 1911، اما كتابها الثاني وهو مجموعة قصصية بعنوان الجنة Bliss، فلم يطبع حتى عام 1921. ثم ظهر كتابها الثالث (حفل الحديقة) عام 1923 أي العام الذي توفيت فيه. ثم قام زوجها جون ميوري بنشر قصص اخرى لها بعنوان (عش الحمام) اضافة الى نشر رسائلها وبعض مقالاتها.
شعرت بوهن شديد لم تعد قادرة على الاحتمال. أسقطت المكنسة من يدها، ثم وجدت نفسها بالمطبخ وضعت قبعتها على رأسها ولبست معطفها المهترئ ومضت خارجة كمن يسير بنومه.
كان السيد الأديب قد خرج منذ لحظات بعد ان نبه عليها أن لا ترم شئ قبل أن ترجع له. وترك لها أجرتها.
خرجت ذاهلة لم تع ما كانت تفعله سارت كمن أصابه الدوار أثر رؤية مشهد مريع، سارت بلا هدف دون وجهة معينة المهم أن تبتعد، أن تهرب.
كان الجو باردا والريح قاسية كالثلج، الناس يفرون مسرعين، الرجال يسيرون كالمقصات والنساء يخطرن كالقطط. لا أحد يعرف ليس هناك من يهتم، حتى لو ضعفت وبكت بعد كل هذه السنين ستجد نفسها معزولة أو كأنها غير موجودة. الرغبة بالبكاء ملأت جوانحها وكأن حفيدها الصغير وثب توا لذراعيها، احتظنته .. آه .. هذا ماتريده جدتك، الحمامة الكسيرة، انها تريد البكاء، لو تبكي بلا انقطاع، تبكي كل شئ، البداية منذ رحيلها عن الأهل، تبكي وحشة المكان الأول.. وفاة زوجها وصغارها السبعة الذين اختطفهم القدر.. ثم اطفالها الذين غيبتهم الحياة الواحد تلو الاخر.. تبكي سنين الشقاء التي قادت لموت (ليني) الصغير. لكي تبك لا بد لها من زمن طويل، حان الوقت الآن. ما باركر عاشت حياة صعبة، نعم صعبة، قاسية حقا. أخذ فكها الاسفل بالأ|رتعاش،لا بد من البكاء الآن فما عاد هناك مبرر للتأجيل، لم تعد تحتمل اكثر، لا تقوى على الانتظار.. لكن أين؟ أين؟.
أين تذهب؟ لا تقدر أن تعود للبيت وهي بهذه الحالة، سترعب ابنتها آتيل بمنظرها ذاك. في الشارع لا يمكنها الجلوس في أي مكان، ستثير فضول الناس وربما الشرطة أيضا!
لا تفكر بالعودة لشقة السيد الاديب، فليس من حقها البكاء في بيوت الأغراب.
..آه .. ألا يوجد مكان تخفي نفسها فيه، تبقى فيه ما تشاء وتبكي كما تشاء .. دون أن تعكر صفو أحد، ولا أحد يضايقها؟ تطلق صرختها أخيرا.
وقفت تنظر أعلى للسماء، ثم للأسفل. الريح الثلجية نفخت ثوبها، وبدأ المطر بالهطول.. ليس هناك مكان.
...............
* نبذة عن الكاتبة كاترين مانسفيلد 1
ولدت في القرن التاسع عشر عام 1888 في مدينة ويلغتون في نيوزيلاند. اسمها الحقيقي (كاتلين مانسفيلد بيتشامب). تغير اسمها عدة مرات حسب رحلاتها ، فقد شعرت وهي في مقتبل العمر انها كي تصبح كاتبة لا بد لها من الهروب والابتعاد عن بيئتها. فرحلت لانكلترا حيث اطلقت على نفسها اسماء مستعارة عديدة مثل، كاس، كاتي مانسفيلد، كاتيوشا..الخ. ولكنها اشتهرت باسمها الاخير (كاترين مانسفيلد) كأديبة وكاتبة.
تعتبر كاترين مانسفيلد من الكتاب المحدثين الذين فكوا بعض القيود وقوانين القصة القصيرة باللغة الانكليزية وتركوا بصماتهم في تغيير منهاج ذلك النوع من الأدب، ذلك بالرغم من صغر سنها وقلة إنتاجها بسبب رحيلها المبكر حيث توفت عام 1923 عن عمر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين.
بالرغم من ابتعاد ك. مانسفيلد عن موطنها وأهلها، لكن اجمل ما كتبته كان بتأثير بيئتها واجواء عائلتها، الذي كان تاثيرها واضحا على أغلب قصصها خاصة (حفل الحديقة)the Garden Party.
اشتهرت ايضا بكتابة المقالات النقدية، المذكرات والقصص التراجيدية المعبرة عن الواقع.
أول كتاب طبع لها كان عام 1911، اما كتابها الثاني وهو مجموعة قصصية بعنوان الجنة Bliss، فلم يطبع حتى عام 1921. ثم ظهر كتابها الثالث (حفل الحديقة) عام 1923 أي العام الذي توفيت فيه. ثم قام زوجها جون ميوري بنشر قصص اخرى لها بعنوان (عش الحمام) اضافة الى نشر رسائلها وبعض مقالاتها.
1عن كتاب الحياة السرية لكاترين مانسفيلد للكاتب كلير توماس
المؤلف: ابتسام يوسف الطاهر
قيم هذا المقال
صديقي طارق
اتمني لك التوفيق ، فانت شاعر بالفطرة ، منذو نعومة اظافرك عرفت الشعر والادب وهو احبك
،عشقت الشعر لاجل قصائدك، علمتني الادمان وعشق قصائدك منذو ...
لا اعرف من اين امسك هذه القصيدة الرائعة اخي وعزيزي مهدي النفري ايها الشاعر الكبير انك هنا تنزف بلوراً يشع بكل ما يملك الشعر من ...
أيها القروي الجميل تحية مدادها عصارة روح ارهقها الشوق الى الجلوس على شاطي نهر فيضك العذب... لا شيء يداوي العذابات غير التعبير عنها بمرح ...
ما زلتُ أراهنُ
مُنتَظِراً
ثَقْبَ الإبْرَةِ
والجَمَل َالهاربَ
في صَحراءِ القَتَلَة
:::::::::::::::::::::::::
اخي الشاعر صالح
لك كل المحبه والتقدير
وشكرا لجمال حرفك
دمت بالف خير وسلام
اناأيضا, قصيدتي في الأنطولوجا. أحمد هاشم
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
قراءة في كتاب" ظاهرة الشعر الحديث" للدكتور أحمد المعداوي


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك