يسأل أسئلة مجنونة من يكتب كتابات مجنونة
عدد مرات المشاهدة :3511 - 23/ 10/ 2007
منير العبيدي
تندرج الحالة ضمن حالات انحدار متعاقبة، تتبعها تداعيات. لعبة دومينو، سقوط وإسقاط، إنها آلية بقدر ما هي عفوية. اليوم، مثلا، حاولت المستحيل ، لكن الآراء بقيت متشبثة بمواقعها، رفضت الزحزحة أو التحرك إلى مواقع أخرى، تطرقُ علّي باب ذهني بإلحاح المداهمات الأولى، مما أشعرني بالإحباط ، ولكنني لم أيأس ، مع أن أية محاولة للحوار باتت غير مجدية ، ومثيرة للأعصاب. غادرت هدى البيت، بعد أن رأت إنني لا أطاق، وان على عمل شيء، لا أعرف ما هو، وهي الأخرى لا تعرف، ولكن ينبغي وضع اللوم، في كل الأحوال، على أحد ما،أو شيء ما، هذه المهمة العمياء الملحة، والتي لا تقبل التأجيل، أكثر أهمية من العدالة.
يجلس هادي، الذي بيضت أعوامُه التسعون، أو ما ينوف على ذلك، ما تبقى من شعره، على كرسيه الأثير، ولا يغادره الا لماما، كما لو كان عرشا، وقد عَلَت جسدَه المتقادمَ طحالبٌ وأشنات بسبب طول مكوثه الذي لا تحيط به الذاكرة، عمره المشار إليه مجرد تقدير قائمٍ على الذهنية التي ترفض ادعاءات خلوده، ذلك الذي تؤكده الكثيرُ من الدلائل القاطعة. خشيتُه من فقدان الكرسي قائمٌ على خوفِه المزمن من أن العمّة (سارة) " إذا ما جلست على الكرسي فإنها لن تغادره أبدا ". هذا الأمر جعله متوترا على الدوام، بالرغم من أن العمة مقعدة ولا تستطيع البتة مغادرة مكانها إلا بواسطة كرسيّها المدولب وبذا فإنها غير معنية بكرسيه.
خوفُه،(الذي لا بد أن يكون مرضياً)، يُشيع في الغرفة التي يسكنها كثافة لزجة، أجد أنها، كلما زرته، تعلق بملابسي، مما يوهمني، إذا ما غادرته، إن الجميع ينظرون إليّ. كانت اللوحة المعلقة قبالته، والتي لا يعرف أحدٌ على وجه التحديد من أين جاءت، تثير الرعب. فحين تهبط على البيت عتمة ما قبل الغروب، والتي تخصّهُ بنصيب يفوق الدورَ المجاورة، (حتى أن القادم من بعيد يرى كرة معتمة من الظلام تطوق البيت، في الوقت الذي تكون فيه الشمس لم تغرب بعدُ، وتضاء في البيت، بسبب ذلك، المصابيح الكهربائية الخابية، في الوقت الذي تكون فيه الدور المجاورة مغمورة بأشعة الشمس) أرى أن شخوصها تتحرك، وتتألق فيها إلتماعاتٌ، وحين رفعتها من مكانها في واحدة من غياباته القليلة (حين يترك مكانة، تبقى عالقةً بكرسيه، أجزاءٌ من جسده المتآكل بفعل التقادم)، وقمت بوضعها في الزاوية ووجهُها إلى الحائط، رأيت أن صورتها توهّجت، وكادت تحترق، وانعكست على الجدار ما مكنني من رؤيتها، وقد أصيبت شخصياتها بفزع، جعلها تصرخ وتتشنج، مما دفعني إلى الإسراع، بارتباك ظاهر، إلى إعادتها إلى مكانها، وفي تلك الليلة نمت نوما كابوسيا كانت فيه شخوص اللوحة وهادي يطاردونني.
كان كل شيء قديماً في غرفته، وأرى أحيانا من الشباك الذي يؤدي إليها، انه حين كان يحاور أشياءَهُ، تلك تصدر عنها أصوات نحاسية مكتومة، والتي هي من القدم بحيث إن جدتي تقول إن عمر هذه الأشياء هو بضعة آلاف من السنين وأن هذه الأصوات قادمة من الدهور الماضية هي للموتى الذين حلت أرواحهم في الأشياء ! ترن الأصوات، كأنها قادمة من البئر القديمة، التي أرتعب كلما نظرت إلى قعرها، كلما مررت بالطاحونة التي تتزود منها بالماء، طاحونة القرية، أرتعب من دوائر الطابوق القديم التي تنكفئ نحو القاع القصي بدوائر متعاقبة، متصاغرةً متصاغرة، حاملة طحالبَها الأزلية، تمر الأصوات بالبئر القديمة، وتدخل البيت من الأبواب أو الشبابيك المشرعة، وتخترق الجدران إذا كانت تلك موصدةً، تشوه الصور في المرايا، وتشيع رجفة في الأواني، وتحرك الملابس العتيقة المعلقة على الأوتاد، كهبوب الريح العاوية في السراديب، كنت ارتعب ولكنني لا أستطيع مقاومة الرغبة بالنظر إلى سطح الماء الأخضر الساكن. وترى جدتي أن هادي الذي لا يمت لنا بأية قرابة والذي لا نعرف كيف ولماذا سكن في بيتنا، قد عمّر هو الآخر، ليس تسعين سنة، بل آلافا من السنين، وترى إنه منذ أجدادنا الأوائل كان مقبولا، وينبغي أن يبقى كذلك.
* * * *
تراود الأفكارُ الذهنَ وتحيط به على شكل غيمة بنفسجية شفافة، حافاتها ذاتُ لون وردي مخفف وأنيق بشكل يثير الجنون، كان والده يقول حين زرته إنّ طرف ردائه من الأسفل كان معلقا فيه منائرُ من نحاسٍ تصدر قعقعةً حين تمسّ بعضها، ولكنه مع ذلك كان قد حذرنا من أن لدية شيزوفرينيا، كانت دار الابن فيما بعد أحدثَ قد صارت ، غلف مدخلها بالسيراميك في الأطراف، أتذكرها وأتذكره، كلما سمعت أخبارا عن المدينة المنكوبة بحماقاتها، وأتساءل ماذا عن مصيره الآن ومصير أحمد والآخر الذي لا أتذكر اسمه. أين محمد تاج الدين؟ لاشك انه قد توفي الآن، بعد أن اشبع الكثيرين بالرجات الكهربائية، ناظرا الى الزبد الخارج من الفم، أية مهنة هذه؟، في راس القرية كان يمارس إرعاب الآخرين، ويأمر كملك.
لم يكن منظر الأمهات الحاملات الأبناء بمقدوره أن يكون أكثر حزنا، وما كان له أن يبعث قدرا أقل من الشفقة والأسى في العشيات الممطرة، التي تشيع دائما الشعور بالحاجة إلى حب مفقود تطلقه في الهواء ابنة الجيران العابثة التي كنت أظن أنها لا تعرف الحزن، إذ تنقله فقط للآخرين، والتي تعيش حياة بيولوجية صافية. العشيات والصباحات الممطرة التي تشعرني بالضياع ، والتي كما لو تكون قد خلقت لدعم أجواء القصيدة السيابية، حيث يكون دائما في الشارع اللزج، بركةٌ من طين وقش مصنوعة لأجل أن تُفرش بعد أن تتخمر على السطوح، كان هناك من يفوته الأوان دائما حين يسبقه المطر.
* * * *
تؤثث موسيقى الغرفة، والتي هي الترجمة الأسوأ لـ (chamber music)، بغموضٍ، الحنينَ إلى شيء ما ، مسترجعٍ من الطفولة التي لم تكن سعيدة إلا في الذكريات. يصرخ هادي برعب كلما صاح الأطفال : (قبرص) لإغاظته، (تسبب الأصوات والتي تأخذ بخبث شكل كلمات من أجل التسلل إلى الجسم البشري، عبر الأذن، والتي تأخذ شكل سائل أزرق، والتي يجتمع فيها القاف والصاد ، إرباكا في المخ قريبا من الجنون، ربما تطلق كمية كبيرة من الأدرنالين، أو تربك منظومة الكهرباء فيه) و كانت حينذاك تتواتر، لسوء الحظ، كثيرٌ من الأخبار، أما الأسقف مكاريوس فأن ورود اسمه ملازما، لا يثيره. كان الراديو يوضع على رف من خشب مصنوعٌ له خصيصا وتحته شرشف مطرز، كان هذا الموقع المميز الذي يشغله، كأحد ضيوف الشرف، مربوطا في الأعلى بهوائي، وفي الأسفل بأرضي لتفريغ الصواعق، يسقيه أبي، بين الحين والآخر بقليل من الماء، أو بفضلةٍ بقيت من كاسِ عرق، إلى حين قام التلفزيون، كما يرى أبي، بإزاحته عن العرش ـ تذكرت الآن توا عرش هادي ـ في عملية لا أخلاقية تفتقر إلى الأدنى من الوفاء للأشياء التي خدمتنا والتي تكتسب بمرور الوقت شعورا وتفكيرا ناتجا عن طول المعاشرة، فحين تخرج من المعمل تكون جديدة تماما، مكرورة تماما وغبية تماما، تكون عديمةَ الشخصية وربما تكون بدون مشاعر، ولكنها تكتسب بالاستعمال والمعاشرة ملامِحَها الشخصية ( ألوانُ بعضِ أجزائها تبهتُ، وأُخرى تستبدل، بسبب الاستهلاك، بقطع ربما من جهاز آخر، ثلمة أو كسر هنا وهناك، وحين تقترب من موتها تكون أليفة وعزيزة) وشعورا وعاطفة، وبذا فإنه ما أنفك حزينا شاعرا بالإهمال حتى وفاته، مع إني كنت أدير بين الحين والآخر زرّ التشغيل لكي استمعَ إلى شيء منه، من اجل المواساة لا غير، المواساة التي أرى نفسي ملزما بها أبدا تجاه الأشياء، والتي أرهقتني كثيرا، (أرهقتني كثيرا) قالها إبراهيم مخاطبا السماء في قصيدة، مهداة الى(بان سامي رامز)، ولكنه قال في الحقيقة رهّفتِك كثيرا، ولكنه قال أيضا أن الأرض أثقلته كثيرا، لأنه لا يستطيع الطيران. يضحك مصطفى كثيرا، لأن عمو إبراهيم لا يستطيع الطيران.
(لنترك الروح حرة في اختيار الكلمات)، فالأفكار التي تلبسُ، فيما ما لا مفرّ منه، رداءَ الكلمات، لكي تكون مرئيةً، لم يستطع احدٌ أن يعرّيها، ولاهي بمقدورها أن تكون عارية، ولكن، يا الهي، لو استطاعت ذلك ! عندها للأسف ستكون غير مرئية، شفافة تشبه العدم، حتى نجد حلا.. اقرأ لكِ ما كتبتُ؟ أم انكِ لم تضعي نظارتك الطبية، مثل كل الصباحات، على عينيك بعدُ؟ وماذا افعل بنظارتي من اجل الاستماع؟ " انه ليسأل أسئلةً مجنونة، من يكتب كتاباتٍ مجنونة !! " قالت زوجتي..
أضع الألوان بدون هدف محدد لكي تعطيَني هي اقتراحاً بلوحةٍ ما، لماذا لا أفعل ذلك مع الكلمات؟؟ كلماتٍ تعطيني سيلا من كلمات، تحاصرها الكتابة وتقلل من جموحِها الفاتن، وتنسيني الكثير، وتبهت أخرياتٌ لأن الطريق للأصابع طويل مرهِق، تفقد فيه الكثيرُ من الكلمات، بسبب التعرق والجهد، الكثيرَ من السوائل والكثير من الحيوية، سيكون من الأحسن لو أن شيئا ما يستطيع أن يكتب كل ما يمر على الذهن، سيكون ذلك، بغياب الزوجات، أمرا رائعا. فهاني يكتب كتابات جنسية، حتى حين لا يكتب شيئا عن النساء، أرى في شعره غواية خفيّة، وحتى حين يكتب أشياءَ في منتهى البراءة، أجد انه فكر ببراءته وسيلةً لغواية النساء أكثر مما فكر بـ (.....) مُشرَع ، يقول (ديغا) البارع : يجب التخطيط لرسم لوحة كما يتم التخطيط لمؤامرة. يقول (كونديرا) المرأة الشاعرة امرأة مضاعفة ! حقاً؟!! وماذا عن الرجال؟... الشعراء كلهم يكتبون لأجل الغواية.
ولماذا تكتب النساء إذن؟ حتى يكُنّ مغوياتٍ ومضاعفات؟!
صمتّ خمساً وخمسين عاما، كانت فيها الكلمات تشق طريقها الى ذهني. ملايين الكلمات، بثلاث لغات، بل بثلاثة ونصف، في طريق وحيد الاتجاه، لماذا لم تكتب من قبل؟ إن نثرك رائع، ولماذا انفجرت هكذا دون سابق إنذار؟ لم أعد أحتمل ! تشظيت في كل الاتجاهات بعد أن قرأت ألوف الكتب وسمعت آلاف المحاضرات، كنت ارسم بالألوان والآن بالكلمات، الرسم كان يجلب لي المال والشهرة، الكلمات كانت تجلب لي المتاعب، بل إنها كادت تقتلني أكثر من مرة، لو كنت موسيقيا ولو لمرة واحدة لخصصت شيئا لفان كوخ، انه يستحق أكثر من نابليون، ما كان لبتهوفن، عندئذ، أن يسحب الكونشرتو الذي خصصه له، ولكن الناس أبقت الكونشرتو على اسمه السابق، " الإمبراطور" والناس بقيت تعرف القصة و تتناقلها ، ليست كل الأشياء قابلة للمسح.
يجلس هادي، الذي بيضت أعوامُه التسعون، أو ما ينوف على ذلك، ما تبقى من شعره، على كرسيه الأثير، ولا يغادره الا لماما، كما لو كان عرشا، وقد عَلَت جسدَه المتقادمَ طحالبٌ وأشنات بسبب طول مكوثه الذي لا تحيط به الذاكرة، عمره المشار إليه مجرد تقدير قائمٍ على الذهنية التي ترفض ادعاءات خلوده، ذلك الذي تؤكده الكثيرُ من الدلائل القاطعة. خشيتُه من فقدان الكرسي قائمٌ على خوفِه المزمن من أن العمّة (سارة) " إذا ما جلست على الكرسي فإنها لن تغادره أبدا ". هذا الأمر جعله متوترا على الدوام، بالرغم من أن العمة مقعدة ولا تستطيع البتة مغادرة مكانها إلا بواسطة كرسيّها المدولب وبذا فإنها غير معنية بكرسيه.
خوفُه،(الذي لا بد أن يكون مرضياً)، يُشيع في الغرفة التي يسكنها كثافة لزجة، أجد أنها، كلما زرته، تعلق بملابسي، مما يوهمني، إذا ما غادرته، إن الجميع ينظرون إليّ. كانت اللوحة المعلقة قبالته، والتي لا يعرف أحدٌ على وجه التحديد من أين جاءت، تثير الرعب. فحين تهبط على البيت عتمة ما قبل الغروب، والتي تخصّهُ بنصيب يفوق الدورَ المجاورة، (حتى أن القادم من بعيد يرى كرة معتمة من الظلام تطوق البيت، في الوقت الذي تكون فيه الشمس لم تغرب بعدُ، وتضاء في البيت، بسبب ذلك، المصابيح الكهربائية الخابية، في الوقت الذي تكون فيه الدور المجاورة مغمورة بأشعة الشمس) أرى أن شخوصها تتحرك، وتتألق فيها إلتماعاتٌ، وحين رفعتها من مكانها في واحدة من غياباته القليلة (حين يترك مكانة، تبقى عالقةً بكرسيه، أجزاءٌ من جسده المتآكل بفعل التقادم)، وقمت بوضعها في الزاوية ووجهُها إلى الحائط، رأيت أن صورتها توهّجت، وكادت تحترق، وانعكست على الجدار ما مكنني من رؤيتها، وقد أصيبت شخصياتها بفزع، جعلها تصرخ وتتشنج، مما دفعني إلى الإسراع، بارتباك ظاهر، إلى إعادتها إلى مكانها، وفي تلك الليلة نمت نوما كابوسيا كانت فيه شخوص اللوحة وهادي يطاردونني.
كان كل شيء قديماً في غرفته، وأرى أحيانا من الشباك الذي يؤدي إليها، انه حين كان يحاور أشياءَهُ، تلك تصدر عنها أصوات نحاسية مكتومة، والتي هي من القدم بحيث إن جدتي تقول إن عمر هذه الأشياء هو بضعة آلاف من السنين وأن هذه الأصوات قادمة من الدهور الماضية هي للموتى الذين حلت أرواحهم في الأشياء ! ترن الأصوات، كأنها قادمة من البئر القديمة، التي أرتعب كلما نظرت إلى قعرها، كلما مررت بالطاحونة التي تتزود منها بالماء، طاحونة القرية، أرتعب من دوائر الطابوق القديم التي تنكفئ نحو القاع القصي بدوائر متعاقبة، متصاغرةً متصاغرة، حاملة طحالبَها الأزلية، تمر الأصوات بالبئر القديمة، وتدخل البيت من الأبواب أو الشبابيك المشرعة، وتخترق الجدران إذا كانت تلك موصدةً، تشوه الصور في المرايا، وتشيع رجفة في الأواني، وتحرك الملابس العتيقة المعلقة على الأوتاد، كهبوب الريح العاوية في السراديب، كنت ارتعب ولكنني لا أستطيع مقاومة الرغبة بالنظر إلى سطح الماء الأخضر الساكن. وترى جدتي أن هادي الذي لا يمت لنا بأية قرابة والذي لا نعرف كيف ولماذا سكن في بيتنا، قد عمّر هو الآخر، ليس تسعين سنة، بل آلافا من السنين، وترى إنه منذ أجدادنا الأوائل كان مقبولا، وينبغي أن يبقى كذلك.* * * *
تراود الأفكارُ الذهنَ وتحيط به على شكل غيمة بنفسجية شفافة، حافاتها ذاتُ لون وردي مخفف وأنيق بشكل يثير الجنون، كان والده يقول حين زرته إنّ طرف ردائه من الأسفل كان معلقا فيه منائرُ من نحاسٍ تصدر قعقعةً حين تمسّ بعضها، ولكنه مع ذلك كان قد حذرنا من أن لدية شيزوفرينيا، كانت دار الابن فيما بعد أحدثَ قد صارت ، غلف مدخلها بالسيراميك في الأطراف، أتذكرها وأتذكره، كلما سمعت أخبارا عن المدينة المنكوبة بحماقاتها، وأتساءل ماذا عن مصيره الآن ومصير أحمد والآخر الذي لا أتذكر اسمه. أين محمد تاج الدين؟ لاشك انه قد توفي الآن، بعد أن اشبع الكثيرين بالرجات الكهربائية، ناظرا الى الزبد الخارج من الفم، أية مهنة هذه؟، في راس القرية كان يمارس إرعاب الآخرين، ويأمر كملك.
لم يكن منظر الأمهات الحاملات الأبناء بمقدوره أن يكون أكثر حزنا، وما كان له أن يبعث قدرا أقل من الشفقة والأسى في العشيات الممطرة، التي تشيع دائما الشعور بالحاجة إلى حب مفقود تطلقه في الهواء ابنة الجيران العابثة التي كنت أظن أنها لا تعرف الحزن، إذ تنقله فقط للآخرين، والتي تعيش حياة بيولوجية صافية. العشيات والصباحات الممطرة التي تشعرني بالضياع ، والتي كما لو تكون قد خلقت لدعم أجواء القصيدة السيابية، حيث يكون دائما في الشارع اللزج، بركةٌ من طين وقش مصنوعة لأجل أن تُفرش بعد أن تتخمر على السطوح، كان هناك من يفوته الأوان دائما حين يسبقه المطر.
* * * *
تؤثث موسيقى الغرفة، والتي هي الترجمة الأسوأ لـ (chamber music)، بغموضٍ، الحنينَ إلى شيء ما ، مسترجعٍ من الطفولة التي لم تكن سعيدة إلا في الذكريات. يصرخ هادي برعب كلما صاح الأطفال : (قبرص) لإغاظته، (تسبب الأصوات والتي تأخذ بخبث شكل كلمات من أجل التسلل إلى الجسم البشري، عبر الأذن، والتي تأخذ شكل سائل أزرق، والتي يجتمع فيها القاف والصاد ، إرباكا في المخ قريبا من الجنون، ربما تطلق كمية كبيرة من الأدرنالين، أو تربك منظومة الكهرباء فيه) و كانت حينذاك تتواتر، لسوء الحظ، كثيرٌ من الأخبار، أما الأسقف مكاريوس فأن ورود اسمه ملازما، لا يثيره. كان الراديو يوضع على رف من خشب مصنوعٌ له خصيصا وتحته شرشف مطرز، كان هذا الموقع المميز الذي يشغله، كأحد ضيوف الشرف، مربوطا في الأعلى بهوائي، وفي الأسفل بأرضي لتفريغ الصواعق، يسقيه أبي، بين الحين والآخر بقليل من الماء، أو بفضلةٍ بقيت من كاسِ عرق، إلى حين قام التلفزيون، كما يرى أبي، بإزاحته عن العرش ـ تذكرت الآن توا عرش هادي ـ في عملية لا أخلاقية تفتقر إلى الأدنى من الوفاء للأشياء التي خدمتنا والتي تكتسب بمرور الوقت شعورا وتفكيرا ناتجا عن طول المعاشرة، فحين تخرج من المعمل تكون جديدة تماما، مكرورة تماما وغبية تماما، تكون عديمةَ الشخصية وربما تكون بدون مشاعر، ولكنها تكتسب بالاستعمال والمعاشرة ملامِحَها الشخصية ( ألوانُ بعضِ أجزائها تبهتُ، وأُخرى تستبدل، بسبب الاستهلاك، بقطع ربما من جهاز آخر، ثلمة أو كسر هنا وهناك، وحين تقترب من موتها تكون أليفة وعزيزة) وشعورا وعاطفة، وبذا فإنه ما أنفك حزينا شاعرا بالإهمال حتى وفاته، مع إني كنت أدير بين الحين والآخر زرّ التشغيل لكي استمعَ إلى شيء منه، من اجل المواساة لا غير، المواساة التي أرى نفسي ملزما بها أبدا تجاه الأشياء، والتي أرهقتني كثيرا، (أرهقتني كثيرا) قالها إبراهيم مخاطبا السماء في قصيدة، مهداة الى(بان سامي رامز)، ولكنه قال في الحقيقة رهّفتِك كثيرا، ولكنه قال أيضا أن الأرض أثقلته كثيرا، لأنه لا يستطيع الطيران. يضحك مصطفى كثيرا، لأن عمو إبراهيم لا يستطيع الطيران.
(لنترك الروح حرة في اختيار الكلمات)، فالأفكار التي تلبسُ، فيما ما لا مفرّ منه، رداءَ الكلمات، لكي تكون مرئيةً، لم يستطع احدٌ أن يعرّيها، ولاهي بمقدورها أن تكون عارية، ولكن، يا الهي، لو استطاعت ذلك ! عندها للأسف ستكون غير مرئية، شفافة تشبه العدم، حتى نجد حلا.. اقرأ لكِ ما كتبتُ؟ أم انكِ لم تضعي نظارتك الطبية، مثل كل الصباحات، على عينيك بعدُ؟ وماذا افعل بنظارتي من اجل الاستماع؟ " انه ليسأل أسئلةً مجنونة، من يكتب كتاباتٍ مجنونة !! " قالت زوجتي..
أضع الألوان بدون هدف محدد لكي تعطيَني هي اقتراحاً بلوحةٍ ما، لماذا لا أفعل ذلك مع الكلمات؟؟ كلماتٍ تعطيني سيلا من كلمات، تحاصرها الكتابة وتقلل من جموحِها الفاتن، وتنسيني الكثير، وتبهت أخرياتٌ لأن الطريق للأصابع طويل مرهِق، تفقد فيه الكثيرُ من الكلمات، بسبب التعرق والجهد، الكثيرَ من السوائل والكثير من الحيوية، سيكون من الأحسن لو أن شيئا ما يستطيع أن يكتب كل ما يمر على الذهن، سيكون ذلك، بغياب الزوجات، أمرا رائعا. فهاني يكتب كتابات جنسية، حتى حين لا يكتب شيئا عن النساء، أرى في شعره غواية خفيّة، وحتى حين يكتب أشياءَ في منتهى البراءة، أجد انه فكر ببراءته وسيلةً لغواية النساء أكثر مما فكر بـ (.....) مُشرَع ، يقول (ديغا) البارع : يجب التخطيط لرسم لوحة كما يتم التخطيط لمؤامرة. يقول (كونديرا) المرأة الشاعرة امرأة مضاعفة ! حقاً؟!! وماذا عن الرجال؟... الشعراء كلهم يكتبون لأجل الغواية.
ولماذا تكتب النساء إذن؟ حتى يكُنّ مغوياتٍ ومضاعفات؟!
صمتّ خمساً وخمسين عاما، كانت فيها الكلمات تشق طريقها الى ذهني. ملايين الكلمات، بثلاث لغات، بل بثلاثة ونصف، في طريق وحيد الاتجاه، لماذا لم تكتب من قبل؟ إن نثرك رائع، ولماذا انفجرت هكذا دون سابق إنذار؟ لم أعد أحتمل ! تشظيت في كل الاتجاهات بعد أن قرأت ألوف الكتب وسمعت آلاف المحاضرات، كنت ارسم بالألوان والآن بالكلمات، الرسم كان يجلب لي المال والشهرة، الكلمات كانت تجلب لي المتاعب، بل إنها كادت تقتلني أكثر من مرة، لو كنت موسيقيا ولو لمرة واحدة لخصصت شيئا لفان كوخ، انه يستحق أكثر من نابليون، ما كان لبتهوفن، عندئذ، أن يسحب الكونشرتو الذي خصصه له، ولكن الناس أبقت الكونشرتو على اسمه السابق، " الإمبراطور" والناس بقيت تعرف القصة و تتناقلها ، ليست كل الأشياء قابلة للمسح.
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لمنير العبيدي
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك