قصص قصيرة جدا
عدد مرات المشاهدة :4419 - 21/ 10/ 2007
فؤاد مرزا
عودة
مضى ينهب رصيف المحطة التي دخلها قبل ساعتين ذهابا وإياباً وكانت باردة برودة الموتى جلس على حقيبته لكي يستريح, أو ينفخ بين كفيه ليدفئ أصابعه.
ولكثرة مروره بالواجهات الزجاجية المغلقة حفظ تفاصيل معروضاتها الكابية الألوان والمغطاة بالغبار والتي أثقلته بالكآبة, وكان بعد كل عشر دورات يرفع رأسه, ويحدق في عقارب ساعة البرج المقابل فيلفاها لا زالت متوقفة في نفس مكانها لحظة دخوله المحطة. وربما بسبب عدم معرفته للوقت أو بسبب مكوثه الطويل وذاكرته الحزينه بدت له معالم المحطة بكل تفاصيلها: (القاطرات الصامتة ,السكك الموحشة, الأبنية الصفراء, الأدغال الكثة, الرصيف الساكن, غرفة الناظر الخالية, خزان الماء, كشك الهدايا, غرفة الانتظار وباب المرافق العامة) وكأنها قد حفرت في عقله بشكل لا يمكن التخلص منه أو تحريك الحياة فيه أبدا.
كانت ترى من واجهة كشك الهدايا الزجاجية المغلق, دمى صغيرة واقفة بملابس فلكلورية إيطالية تتميز بينها واحدة لها وجه مصبوغ باللون الأسود. وتذكر أنه سلخ الأسبوعين الماضيين وهو ينتزع الحصران الطويلة التي تظلل أرض مخيم ( خليج الجنوب) ويؤدي أعمالا شاقة وسط تقلب الطقس وبرودته مع حفنة من الشغيلة الأجانب من أجل تهيئة المخيم لفصل الشتاء.. كان أحد العمال الزنوج لامس عامودا كهربائيا مبتلا بالمطر. بقى جسم الزنجي المتفحم نصف نهار وسط بركة الماء ويده موصولة بعمود الكهرباء حتى غطت جسمه النفايات واوراق الأشجار المتطايرة المبلولة. حينما فتشوه لم يعثروا بين أسماله وحاجياته على أوراق أو عناوين تدلهم على اهله. وبعد حوار طويل بين مدير المخيم وموظفي البلدية رخصوا اوراق الدفن. ولقد تم دفنه فعلا في مقبرة صغيرة بمحاذاة جبل يطل مباشرة على البحر تحت شاهدة خشبية كتب عليها ( هنا مات زنجي غريب يوم 18/8/1984) و سمحوا للعمال بالتوقف عن العمل نصف نهار لمرافقة الجثمان غير أن عددا منهم تلكأ ليستغل الوقت للراحة بدل حضور المراسيم.. وعند سفح الجبل كانت الأمواج صاخبة على الرغم من ان الطقس كان هادءاً تماما, وخيل للعمال وهم يحدقون بعيدا عبر البحر, رؤية الشاطئ الأفريقي خلف بركان (سترونبلي). وقال أحدهم: (ستنتظره حبيبته أو أمه على ذلك الساحل لأعوام طويلة قبل أن تيئسا من عودته). وشوهدت الأمواج تطوق القبر وتضرب وجوه المشيعين برذاذ مالح.
موت الزنجي كان مثاراً لسخط العمال فتململوا و توجسوا سوء الطالع أما هو فلم يصبه الاستياء بقدر ما عصر قلبه الحزن واجتاحته رغبة عارمة للكف عن العمل والهروب الى مكان ما اليف إلى نفسه. ولكي يحقق ذلك تعلل بفقدانه لنظاراته الطبيه لكي يعجل بأمر تسريحه من العمل.
من خلف الأبنية المقابلة سمع صوت عامل أجش الصوت يتحدث الى طفلة صغيرة ثم سمع الطفلة تجهش ببكاء متقطع. بعد ذلك ظهر عمال المحطة من البيوت المحجوبة واجتازوا حاجز الأعشاب البرية الطويلة وتوقفوا قرب الرصيف يهيئون بعض المعدات لقدوم القطار الذي تصاعدت نفثات بعيدة من بخاره فوق صفوف الأشجار القاتمة. وأخيراً وصل القطار ومضت نوافذه المضاءة الخالية من المسافرين تمرق حتى توقف بعربته الأخيرة أمامه. تسربت الى اصابعه من المقاعد والقضبان قشعريرة فسارع الى اغلاق النوافذ في الممر وداخل الكابينة. رفع حقيبته الى الرف فوق المقعد المقابل لمقعده ثم جلس غاطسأ بعنقه بين جناحي ياقه معطفه وهو يسمع جلبة وضوضاء عالية لسلاسل تسحب و مفاصل ترفع، وخمن ان عمال السكك الذين كانت تصله اصواتهم بوضوح بدأوا يهمَون بربط القاطرات أو فصل اسياخ السكك الحديدية عن بعضها البعض. سمع ضحكة قصيرة ثم لمح وجهاً ذئبيا يمرق لصق زجاج نافذته ويرمقه بنظرة لسعته كالسوط وتركت مذاقاً ثقيلاً مراً في فمه وروحه. حدث ذلك بسرعة خاطفة ولم يعرف هل كان ذلك الشخص أحد العمال, وساورته الأفكار والشكوك. أرتج جسمه بقوة بفعل ارتطام عدة عربات بعربته ثم انطلق القطار خارجاَ من المحطة.
***
حينما فتح جفنيه المجهدين بعد أن نام لبعض الوقت احس بقشعريرة وبرودة داخل الكابينة, خمن أن القطار توقف وكالعادة فتح المسافرون النوافذ لإلقاء نظرة فضولية على الرصيف وعلى المحطة مما جعل البرودة تتسرب الى داخل القطار. كما لو اصيب بالعدوى رفع زجاج النافذه وادار رأسه في كل الاتجاهات لكنه لم ير أيّ ملمح من الملامح المألوفة للمحطات واكتشف بأن عربته كانت منفصلة ومتوقفة لوحدها في ذلك الخلاء. تكثفت الدهشة إلى حلم مشبع بألف سؤال: هل تعمد عمال المحطة فك روابط العربة لكي تنفصل اثناء السير ؟ هل كان يحلم؟ هل هو يقظ؟ أغلق النافذه وعاد الى موضعه متحسسا وجوداً بارداً كالجليد يذوب ويرشح عبر مسامات جلده. خرج وسار بخط مستقيم فلم يعثر على إنسان أو يرى قرية قريبة. وفجأة انزلقت أمامه حية صغيرة بخط متعرج واختفت بين الأشواك,. مشى بخطوات حذرة بين نباتات طويلة متوغلاً كما لو إلى ما لا نهاية. لسعته حشرات طائرة مركبة لم يرَ لأشكالها مثيلاَ من قبل. حلقت فوقه غربان سوداء كانت خفقات أجنحتها تحرك السنابل واغصان نباتات عباد الشمس السامقة التى ارتفعت فوق قامته.... واخيراً تندى الهواء وتحولت الأرض هشة خضراء مغطاة بالجذور وهشيم السيقان الجافة التي كانت توحي بموسم الحصاد.عبر قنطرة فوق جدول رقراق وناعور يجره حصان. ظهرت القرية والجبل والحقول والقنطرة والحصان وكأنما من لا مكان. رؤية الحية الصغيرة وعبور القنطرة فوق الماء الرقراق, ثم رؤية أهله المتجمعين بصف واحد, كل هذا جعله يشك بأن ما يراه حقيقة تحدث في الحاضر. كان أهله قد تجمعوا ليشيعوا ويدفعوا جثمان شخص ما ملفوف بكفن ابيض إلى حفرة معدة مسبقاً. هل عاد في وقت غير مناسب؟ كان مسرورا لرؤية أهله الَّذينَ فارقهم منذ عقود. كان يود أن يقترب منهم ويضمهم بشوق إلى حضنه ولكنهم كانوا مشغولين بدفن الجثمان ولم يعيروه أي اهتمام. اقترب من الحفرة ونظر الى وجه الميت ولشدة دهشته أنه رأى وجه الزنجي المتفحم المحروق قد تمثلت ملامح وجهه هو بأدق التفاصيل. الآن فهم ما كان يدور حوله وما يحدث له.. عرف بأن الجثة المحترقة في المخيم في ذلك المكان البعيد, جنوب ايطاليا بمواجهة البحر كانت جثته وليست جثة الزنجى. أختلج للحظة غير أن الأمان تسرب الى وجوده بسرعة. فتح عينيه ليتطلع الى وجوه أهله فألفاها سوداء محترقة ملفوفة بالأكفان. متى حدث هذا؟ متى مات أهله دفعة واحده. سمع ضحكة ساخرة كتلك التي سمعها داخل القطار, يتردد صداها فتتهشم الأجسام وتتطاير الرفات والخرق وتتحول الى دوامة من غبار وسخام تغطي الأرض على مدى البصر.
***
بعد نصف ساعة .. تحرك القطار خارجاً من المحطة منحرفا الى جهة الشمال و أصبح بإمكانه الآن رؤية الرصيف وغرفة الناظر والبرج والساعة العاطلة وقامات العمال الخمسة بملابسهم البرتقالية السميكة وهي تبتعد وتصغر لتتلاشى خلف اشرطة الأعشاب البرية ونباتات الحلفاء الطويلة. أغمض عينيه وحينما فتحهما كان الدفء قد سخن الكابينة, فعدل من جلسته المتشنجة مادا ساقيه مسترخيا بكامل جسمه على المقعد. من بعيد كانت تلوح بيوت متفرقة لفلاحين وغابة كثيفة خضراء تحولت بسرعة الى حاجز داكن تحت زرقة الغروب. وعلى زجاج نافذة القطار المضببة من الجهة الخارجية انزلقت قطرات ندى بتعرجات مضطربة على انعكاس صورته وصورة الكابينة الداخلية, وتحول العالم مع إطباقة الليل الى نفق داكن يجلجل داخل الأنفاق الكثيرة المفاجئة التي كان القطار يخترقها في سيره الكليل.
1984كلابريا ايطاليا
من مجموعة الطلسم
غير منشورة بكتاب
الغيمة
حينما فتح جفنيه المجهدين بعد أن نام لبعض الوقت احس بقشعريرة وبرودة داخل الكابينة, خمن أن القطار توقف وكالعادة فتح المسافرون النوافذ لإلقاء نظرة فضولية على الرصيف وعلى المحطة مما جعل البرودة تتسرب الى داخل القطار. كما لو اصيب بالعدوى رفع زجاج النافذه وادار رأسه في كل الاتجاهات لكنه لم ير أيّ ملمح من الملامح المألوفة للمحطات واكتشف بأن عربته كانت منفصلة ومتوقفة لوحدها في ذلك الخلاء. تكثفت الدهشة إلى حلم مشبع بألف سؤال: هل تعمد عمال المحطة فك روابط العربة لكي تنفصل اثناء السير ؟ هل كان يحلم؟ هل هو يقظ؟ أغلق النافذه وعاد الى موضعه متحسسا وجوداً بارداً كالجليد يذوب ويرشح عبر مسامات جلده. خرج وسار بخط مستقيم فلم يعثر على إنسان أو يرى قرية قريبة. وفجأة انزلقت أمامه حية صغيرة بخط متعرج واختفت بين الأشواك,. مشى بخطوات حذرة بين نباتات طويلة متوغلاً كما لو إلى ما لا نهاية. لسعته حشرات طائرة مركبة لم يرَ لأشكالها مثيلاَ من قبل. حلقت فوقه غربان سوداء كانت خفقات أجنحتها تحرك السنابل واغصان نباتات عباد الشمس السامقة التى ارتفعت فوق قامته.... واخيراً تندى الهواء وتحولت الأرض هشة خضراء مغطاة بالجذور وهشيم السيقان الجافة التي كانت توحي بموسم الحصاد.عبر قنطرة فوق جدول رقراق وناعور يجره حصان. ظهرت القرية والجبل والحقول والقنطرة والحصان وكأنما من لا مكان. رؤية الحية الصغيرة وعبور القنطرة فوق الماء الرقراق, ثم رؤية أهله المتجمعين بصف واحد, كل هذا جعله يشك بأن ما يراه حقيقة تحدث في الحاضر. كان أهله قد تجمعوا ليشيعوا ويدفعوا جثمان شخص ما ملفوف بكفن ابيض إلى حفرة معدة مسبقاً. هل عاد في وقت غير مناسب؟ كان مسرورا لرؤية أهله الَّذينَ فارقهم منذ عقود. كان يود أن يقترب منهم ويضمهم بشوق إلى حضنه ولكنهم كانوا مشغولين بدفن الجثمان ولم يعيروه أي اهتمام. اقترب من الحفرة ونظر الى وجه الميت ولشدة دهشته أنه رأى وجه الزنجي المتفحم المحروق قد تمثلت ملامح وجهه هو بأدق التفاصيل. الآن فهم ما كان يدور حوله وما يحدث له.. عرف بأن الجثة المحترقة في المخيم في ذلك المكان البعيد, جنوب ايطاليا بمواجهة البحر كانت جثته وليست جثة الزنجى. أختلج للحظة غير أن الأمان تسرب الى وجوده بسرعة. فتح عينيه ليتطلع الى وجوه أهله فألفاها سوداء محترقة ملفوفة بالأكفان. متى حدث هذا؟ متى مات أهله دفعة واحده. سمع ضحكة ساخرة كتلك التي سمعها داخل القطار, يتردد صداها فتتهشم الأجسام وتتطاير الرفات والخرق وتتحول الى دوامة من غبار وسخام تغطي الأرض على مدى البصر.
***
بعد نصف ساعة .. تحرك القطار خارجاً من المحطة منحرفا الى جهة الشمال و أصبح بإمكانه الآن رؤية الرصيف وغرفة الناظر والبرج والساعة العاطلة وقامات العمال الخمسة بملابسهم البرتقالية السميكة وهي تبتعد وتصغر لتتلاشى خلف اشرطة الأعشاب البرية ونباتات الحلفاء الطويلة. أغمض عينيه وحينما فتحهما كان الدفء قد سخن الكابينة, فعدل من جلسته المتشنجة مادا ساقيه مسترخيا بكامل جسمه على المقعد. من بعيد كانت تلوح بيوت متفرقة لفلاحين وغابة كثيفة خضراء تحولت بسرعة الى حاجز داكن تحت زرقة الغروب. وعلى زجاج نافذة القطار المضببة من الجهة الخارجية انزلقت قطرات ندى بتعرجات مضطربة على انعكاس صورته وصورة الكابينة الداخلية, وتحول العالم مع إطباقة الليل الى نفق داكن يجلجل داخل الأنفاق الكثيرة المفاجئة التي كان القطار يخترقها في سيره الكليل.
1984كلابريا ايطاليا
من مجموعة الطلسم
غير منشورة بكتاب
الغيمة
ضحكت الغيمة الصغيرة وقفزت بسيقانها الدخانية فوق اجسام غيمة اصغر منها فبعثرتها الى نتف تشبه نتف الثلج والقطن . ضحكت الغيمة بكل ما في قلبها الصبوي من فرح وقالت سأتحول الآن الى راع بمزمار وسأسحرك فتتحولين الى شاه ثم معزة بريّة. وفعلاَ تحولت الغيمة الى راع بمزمار يشدو لحناً شجياَ, وحولت الغيمة التي تتبعها الى شاة ثم ايل ثم طير. وبنزق طفولي لا يحركه إلا الملل تحولت الغيمة الصغيرة وبلحظة واحدة الى عشرات الأشكال والأشياء: فمن شجيرة الى رأس شيخ جليل الى جمل بسنامين الى فيل بخرطوم الى بوق الى صبية فيليية اسمها نسرين.
يحدث كل هذا على صفحة السماء, التي كانت ساطعة الزرقة مشرقة فوق نسرين التي تعدو تلك اللحظة عابرة الزقاق وهي تكركر هاربة من علاوي الذي كان يصغرها بعام واحد ولم يكن يجاريها الفرح أو العدو.
بغداد 1974
من مجموعة (أزقة الدهشة)
غير منشورة بكتاب
أزقة الدهشة
تفحص وجهه في المرآة: نفس الوجه الصغير الطافح بالبهجة يلوح أمامه, وشعره المهمل منذ البارحة , وتلك البقع القاتمة السمرة لا ينفع معها الماء، وكم من مرة أقسم لأمه بذلك. قبل أن تراه أمه غذ السير شاعراً بالسعادة. تمنى أن يوقف المارة ليثرثر معهم, يخبرهم عن سبب سعادته. جاءت البارحة جارتهم وأهدته دمية. تمتمت: " كم أنت فقير ايها الولد الصغير" .
خلل ظلام الليل سمع صوت امه وهي تغني بحزن وعذوبة والنجوم تنخرط من اماكنها وتسقط خلف حجاب خفي. لم يغمض عينيه وبقى يفكر بكلمات المرأة
وفي الصباح سأل أمه حائراً : هل نحن فقراء. قالت: نعم. قال: من هم الفقراء؟ قالت: كل الناس. لم يفهم ذلك تماما ولكنه شعر بفرح غامر لامتلاكه دمية جديدة.
بين الحلم اليقظة مرت سيارة مسرعة واختفت في المنعطف.
نظر الى دميته : هذه الدمى الصغيرة التي تعيش وتقضي نحبها, تتهشم عظامها الصغيرة من دون أن تتأوه.
لم يعد سعيدا ولا حزيناَ على الأرض ونشج بلا دموع.
من مجموعة (أزقة الدهشة)
1974
غير منشورة بكتاب
يوم طارت الأسماك
لم يرَ أحد من قبل صبياً بهذا الطول. نحيل دقيق مثل خيط .. وحينما يصعد الى سطح الدار, حيث يتجمع الأطفال لصيد السمك المسحور الطائر. كان هو أطول منا جميعا, ولذلك السبب يكون أحسننا حظاً وأكثرنا قدرة على الإمساك بالأسماك الطائرة.. كان يجلب معه شبكة مخروطية مثبته على طرف قصبة بردي طويلة.. يدور ويلف حول نفسه عدة دورات رافعا الشبكة عالياً فنرى الأسماك تسقط في الشبكة: الأسماك الذهبية والفضية, الطويلة ذات المناقير, والعريضة المفلطحة, ذات الأسنان الحادة, وتلك التي لها عيون غاضبة. البني والشبوط والزوري, كلها تسقط أسيرة في شبكته الطائرة. يتوقف لبرهة ينفض الشبكة بحركة متغطرسة متعالية فتمتلئ سلالنا الفارغة بالسمك الحي الذي يبقى يلبط لساعات. يضع كفيه على خاصرتيه مقهقهاً بصوت جهوري. يحكى بأن الصبي الطويل كان مسحوراً، تمتم ذات يوم في نهر دجلة فجعل الأسماك تغادر الماء محلقة في سماء بغداد فوق سطوح البيوت. . نتذكر بأن الصبي الطويل تحول ذات يوم هو نفسه الى شيء كالدخان وصار غيمة على شكل سمكة.
من مجموعة (أزقة الدهشة)
1974
غير منشورة بكتاب
تمر في السماء
استيقظ على لسعة شمس وجلبة في الشارع وصهيل حصان. رفع رأسه عن الوسادة فرأى ثلاثة غربان عند سور السطح قرب تمر نخلة البربن، تنفش ريشها وتنظف جلدها بمناقيرها , تدخل رؤوسها تحت أجنحتها ثم تتطلع الى أسفل حيث يقف، تنظر له ولا تطير. كانت الغربان تعرف على ما يبدو عدم مقدرته على إيذائها بسبب صغر سنه و علو سور السطح. لوحّ بيده وأخرج كل الأصوات التي تخيف الطيور لكن الغربان بقت مشغولة بنفسها ترمقه بين حين وآخر دون كثير اكتراث. أمسك بحجر وقذف به عبر السماء. ومن موضع الحجر بزغ شكل طائرة حربية مربعة الذنب شقت السماء مثل مقص يعمل في نول ازرق فشطرتها الى شطرين. ومن حافة السياج انطلق خرطوش المصفحات العسكرية التي طوقت الحي. الخرطوش له شكل التمر ملأ بعثوقه صفحة السماء . طارت الغربان الثلاثة فحلق خلفها وتوقف ليجمع الخرطوش الجميل الذي له شكل التمر.
عثر عليه أخوته صباح فجر 8 شباط 1963 وفي فراشه رسمت خريطتان واحدة من دم حول عنقه والاخرى من البول حول ساقيه.
1975
من مجموعة ازقة الدهشة
زيدان
اعتاد زيدان ان يبكي ثلاث مرات في اليوم، مما دعى الجيران الى الطرق على السقف وعلى الجدران احتجاجا على الصوت النشاز. قرر زيدان والذي خلقه الله بستة اصابع في كل يد وقلبان (في كل جهة قلب) ان يبكي يوميا مرتان بصوت خفيض محاباة للجيران ومرة واحدة لنفسه بصوت مروع .
1974
من مجموعة ازقة الدهشة
سعدية
تقيأت دما وقالوا لا مفر من الموت وأن المصاب هو السل.. زارتها حكيمات مدينة الحلة وساحراته ونصحنها بمعانقة شاب فيلي أمام المارة بلا خجل. حينما دخلت بغداد وقصدت سوق الصدرية ، احتارت سعدية المحمولة بين الأيدي من تقبل، فكل من يمر بها له وجه قمر.. تقدمت من فتى وسيم يدعى اسكندر وقبلته من فمه قبلة طويلة. يحكى أن سعدية عاشت مائة عام أما الفتى اسكندر فلم يذكر له التاريخ خبر.
1974
من مجموعة ازقة الدهشة
القلب المسحور
كانت في السابعة عشرة. تواعدت معه قرب شاطئ دجلة, وضمته اليها بقوة. قبلته من شفتيه ثم غرست سكينا حادا في صدره وانتزعت قلبه ورمته الى السمك، فنهشته عشرات السمكات النهمات. ثم غرست السكين في صدرها وانتزعت قلبها ورمته الى الماء فأكلته زورية صغيرة عابرة.
***
تعشي عيني الصبي شمس قوية، و يتطاير على وجهه رذاذ بارد من دجلة. وقف ملتصقاً بالسور الحجري المثلم مباشرة فوق مجموعة من الفتية الفيلية يصيدون السمك بخيوط مربوطة مباشرة الى اصابعهم. كان يبدو أنهم تسابقوا على عبور النهر سباحة غير انهم تعبوا وعزموا على صيد الشبوط وشيه وأكله كعادتهم دون مغادرة الشاطئ... وعن الصيد وعن قدراتهم في السباحة كانوا يثرثرون ويتشاكسون ويخوضون في الماء حتى سراويلهم مخلصين السنانير حينما تعلق بالطين. وعلى طول الشاطي من جهة الرصافة كانت ترى تجمعات صغيرة مشابهة تفعل نفس الشيئ: أشخاص يصيدون أو يسبحون أو يجمعون اخشاباً واوراقاً لغرض ايقاد نار.. وفجأة علقت سمكة بخيط صياد شاب غاية في الوسامة. فسحبها ليكتشف انها كانت مجرد (زورية) صغيرة فقطب وجهه باستياء. خلص خيشومها من السنارة وأمسكها من ذيلها مزمعاً اعادتها للنهر. نظر الصياد الى أعلى فلمح الصبي الصغير الملتصق بالسور يتطلع اليه بإنبهار. هتف بحنجرة قوية: تريدها. فأومأ الصغير بالأيجاب. رماها الشاب له بقوة من خلف كتفه. سقطت السمكة قربه وأخذت تتقلب على التراب. انحنى الصغير فوقها وأمسكها من ذيلها بحذر. رفع السمكة محدقا عبر حدقتي عينيها كمن ينظر عبر فتحة صندوق مظلم. من داخل السمكة سمع صوت فتاة تهتف: أحبك. كم أحبك.
غسلتها أمه تحت الحنفية, فترطب جسم السمكة الذي كان متصلباً, قالت: انها صغيرة جداً ولا تنفع لشيء. خذها الى أم كوثر فأنهم يقلون السمك اليوم للغداء, لعلها تقليها لك.
هرول خارجا من الباب ممسكاً بالسمكة من ذيلها بين سبابته وابهامه مبعداً إياها عن وجهه كما لو كانت على قيد الحياة. وبين فترة وأخرى يسمع صوت فتاة تقول: كم أحبك..كم أحبك.
دفع الباب المردود دون أن يطرقه.
ثلاث سمكات تفوح منها رائحة الشياط تقلب في مقلاة مليئة بالدهن. عند الزاوية كانت هناك فتاة حمراء الوجه تجلس على مندر، تحوك ليفة من نسيج خشن ذهبي امامها, وفتاة ثانية تشبه الأولى تقلي السمكات الثلاث في مقلاة مسّودة القاع تتهدل فوق جبهتها خصلة شقراء. قالت الفتاة الحمراء المنمشة التي تقلي السمكات : امّنا خرجت في طلب ملح من الجيران.. تعال هنا اجلس قربي وارني ما معك.
رفع الصبي الزورية عاليا ليقربها من عيني الفتاة المشغولة بالقلي. ضحكت الفتاة التي تحوك الليفة في الزاويه وانتبه الطفل الى ربلتي قدميها البيضاوين وساقيها المكشوفين حتى الركبة: ـ أنها صغيرة جدا ولا تصلح لشيء. هل صدتها بنفسك؟. حرك الصغير رأسه علامة النفي ثم جلس على المندر قرب صينية فيها خبز ساخن وبصل أحمر مقشر وملح ناعم، فاحس بحرارة النار الحمراء اللاهبة تحت المقلاة كما احس برطوبة طابوق الحوش الذي كان قد غسل أو رش ومازال رطبا وباردا.. نزلت الفتاة الثالثة وكانت أصغرهن وأجملهن من مسّور شناشيل الطابق العلوي وأخذت تضحك بدورها على صغر حجم السمكة .. أذهل جمال الفتاة الصغيرة الصبي. قال: سمعت السمكة تبكي وتقول: أحبك.. أحبك.
ضحكت الفتيات الثلاث دفعة واحدة.
قالت الفتاة التي تحوك الليفة: لابد انها سمكة مسحورة. والفتاة التي تقلي السمك: أو انها جنيّة, وأصغر الفتيات: بل أنها عاشقة أو أكلت قلب عاشقة. لماذا لا تتركها لي, وسأعطيك سمكتي بدلها.
وافق الصبي على المقايضة. وضعت له الفتاة الصغيرة سمكتها وسط رغيف الخبز ثم قالت: ـ أنت لا زلت صغيرا على الحب.
ضحكت الفتيات الثلاث مرة ثانية, وكانت رائحة شياط السمك تعبق قوية في الهواء.
***
من رأى الفتاة الصغيرة تلقي بنفسها من شرفة الشناشيل, شبهها بطائر السنونو المهاجر. فردت عباءتها السوداء وطارت فوق البيوت دائرة عدة دورات قبل أن تسقط أمامه وتتحطم كقطعة من الخزف.. أنحنى فوقها وأخذ يتأمل وجهها االجميل الفتي بينما كانت أصابعها تلامس كفه: قلت لصديقاتي لو أعرف بأني سأسقط بين ذراعيه لألقيت بنفسي من النافذة. سخرن مني. ولكني كنت جادة. اليوم تحققت أمنيتي. ضمني الى صدرك.
ضمها الى صدره وسمعها تلفظ انفاسها الساخنة قرب أذنه: آه من حبك..آه من حبك.
1974
..........
* زورية جمعها زوري: كلمة عامية عراقية تطلق على سمك صغير الحجم يكثر في مياه الرافدين.
* شبوط: نوع من السمك العراقي
* مندر: وسادة مسطحة تستخدم للجلوس بدل الاتكاء.
الفيلية: من الشعوب العراقية العريقة يعتقد انهم احفاد الشعب السومري بسبب قربهم من المدن السومرية ولغتهم الحبلى بالعبارات السومرية.
* شبوط: نوع من السمك العراقي
* مندر: وسادة مسطحة تستخدم للجلوس بدل الاتكاء.
الفيلية: من الشعوب العراقية العريقة يعتقد انهم احفاد الشعب السومري بسبب قربهم من المدن السومرية ولغتهم الحبلى بالعبارات السومرية.
النبوءة
نجوم الصباح الذاوية تنطفئ واحدة اثر اخرى, وينكشف بالضوء المحمر شاطئ الطين وبيوت الشناشيل المنكفئة الى الضفة , وابعد قليل . . الأزقة المتشعبة, الحواجز والسطوح التي التمعت فيها اسلاك الغسيل واندلعت من بعضها السنة اللهيب.
كان الجريح الملقى الى الضفة في غيبوبة وقد انغرست رأسه وذراعاه في الطين, اما جذعه السفلي فقد غمرته المياه , واخذ الدم ينزف من جروحه العميقة , من ذراعيه وعنقه وظهره بشدة. وكان يهتز ويكاد ينفلت من مكانه, يطوف وينسحب الى النهر, الذي بدا طينيا تلك اللحظة. واخذت الأمواج التي تضرب الجرف, تلقي باحشائها الطافية.. مئات من ا لأشياء المحمولة الخفيفة, تصطدم بجسمه, وتبتعد مكونة نصف حلقة من حوله باتساع ذراعيه.
كانت حشوة النهر ذات اشكال داكنة وبراقة, اعشاب وقطع اخشاب سمراء, حجارة واصداف وحصى, مخلفات معدنية وحيوانية وكسار صخور وخرق وحطام جذور. بذور او رموز انبعث فيها النبض الحيّ وهي تنساب من طرف الموجة التي ابتعدت مبتلعة معها طبقة جديدة من الرمال.
يفلت الرأس من الطين, ويختلج الجسد اختلاجات سريعة, ثم يفتح الجريح عينيه, وبوهن, بوهن شديد, يتعرف على موضعه, وينصت لأقدام المطاردين المتنقلين في الأزقة القريبة.
كانت المدينة سوداء قاتمة تنيرها السنة النيران ويتوجها عش كبير من الدخان .
لم يكن قادرا على مواصلة الهرب , ورغبة عظيمة للاستسلام او النوم كانت تملأ جسده بخدر مضن وعينيه بدموع ليس فيهما ايما شفقة على النفس . وتتعثر انظاره الهائمة بحدود المياه, الظلمة, واجهات بيوت الشناشيل, القبب, ثم الجرف.. هذا المكان الأليف, ويلتقي بمقذوفات النهر المحيرة امامه .. ذلك القوس العجيب من الأشياء , كما لو نشرتها كف عراف للتو.. حاضرة, ثقيلة, مقلقة, تمتلئ بالايماء: علامات وطلاسم وانعكاسات.. وجوه بغدادية قديمة وجديدة .. وجوه لسلاطين ولصوص, وصور لحرائق ونكسات وفيضانات وكوارث واوبئة, مخطوطة اشكالها وتواريخها على الحصى وظهور وبشرة الأصداف والجذوروالحجارة .. ارواح هلامية, واسرار واحلام ودموع.. كسار سيوف, ونتاف كتب وفُتات عظام. التاريخ المأساوي للمدينة,ماضيها المروع, احتفظ النهر بها حتى الآن.
( القى المدافعون عن المدينة بدروعهم وخوذهم ورماحهم وسيوفهم والتجأوا الى الظلال والجدران, بعد ان استبد بهم العطش واحرقت شمس تموز اجسامهم تحت معدات الحديد . اما تيمورلنك المتوجه نحو المدينة فقد امر جيشه المؤلف من عشرة الاف مقاتل, ان يرفع امامه رأسا مقطوعة من روؤس البغدادين كي ينجوا بجلده, ولقد بنيت من تلك الروؤس ثلاث ابراج عالية آمام مداخل المدينة علامة للنصر والظفر).
حوّل الجريح عينيه النصف مغمضتين النصف ميتتين باعياء شديد الى مجموعة اخرى من الأصداف والحجرات في محاولة للتخلص من طوفان المشاهد التي كانت ترهقه بشدة.
( اسقط الطاعون في يوم واحد سبعة الاف, واخذت الوفيات تزداد حتى تقلص عدد سكان المدينة الىالنصف , وطاف الأحياء والأموات حينما فاض النهر. اختلطت الحيوانات والأثاث بالمطعونين والأصحاء. مات الدفانون والحرس والمؤذنون والحطابون والباعة والبلامون ومات الرضيع جوعا بعد ان قضى الوباءعلى الأمهات والأباء. وخلت الطرقات من المارة, وانقطع الناس عن زيارة اهاليهم واقاربهم. غير ان الجرذان, كانت تقفز من سطح الى سطح ومن دار الى دار, ناقلة الوباء الى الجميع).
كانت ا لسنة اللهيب في المدينة تتصاعد..تسمع اصوات انفجارات هائلة ورشقات رصاص. صافرات حرس ليلي, تجمعات جنود وقطعات عسكرية كلها كانت تقترب من الجرف .
موجة اثر موجة
موجة اثر موجة
( جثث القتلى والجرحى تسري منتفخة فوق المياه..اجزاء بشرية مقطعة أو مبتورة أو متعفنة. بقايا اثاث مجروقة ورماد ملابس وافرشة اشتعلت فيها النيران).
جابت الشاطئ مجاميع كبيرة من الجنود والحرس وفتشوا المكان بعيونهم وفوهات بنادقهم لكنهم لم يعثروا على شئ.
كان الجريح البغدادي قد نزف كل دمه وفقد الأمل. تأمل المجموعة السحرية التى امامه ’ اغم
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لفؤاد مرزا
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك