الرئيسية »  الـقـصة»  حكاية الوردة الحمراء في حانة الفتيات الثلاث

حكاية الوردة الحمراء في حانة الفتيات الثلاث

عدد مرات المشاهدة :466 - 29/ 9/ 2011

جمعة اللامي

حكاية الوردة الحمراء في حانة الفتيات الثلاث

  

كان يؤجل تنفيذ فكرة نهاية قصة حمدون القصار .
نعم (تلك نهاية شنيعة جداً ) ـ على وفق أولئك الذين قرأوا أفكار سيجموند فرويد من الصفحة الأولى في طبعات باللغة العربية ـ شهرا بعد آخر ، وعقداً بعد عقد ، حتى وجد انه ضجر تماماً من هذا التأجيل الذي يقود إلى تأجيل جديد . فاختار ملابسه بعناية على غير عادته( كان الوقت يقترب من منتصف النهار ) ، وغادر منزله الكائن في" شارع ـ 60 "، ومن هناك يمم وجهه شطر " شارع النخيل "، حيث الحانة الفلبينية ( هذه تسمية غير دقيقة حقا ) التي تديرها ثلاث فتيات غير دميمات . وقد اكتشفها الكاتب قبل سبع سنوات ، عندما كان يبحث عن مكان يفتح ابوابه على مدار الساعة.
كان قد انتهى من استعادة نهاية فكرة قصته العتيدة للمرة المائة ، ربما. ومرق في ذهنه شبح إرنست همنغواي ، وهو يذخّر بندقية الصيد ذات الماسورتين .
وضع اوراقه الملونة وأقلام الحبر والرصاص داخل حقيبته الجلدية السوداء . ثم علق ذلك الكيس الدي يستخدمه الموسيقيون في حمل آلاتهم ، على كتفه اليمنى ، وهو ينتوي وضع حد لهذا التأجيل المتواصل ، لا سيما بعدما انتهى من معرفة نهاية العريف حمدون القصار ، شخصية هذه القصة :" هو رجل في العقد السابع من عمره ، هاجر من ريف قضاء المجر الى اليشن ، وبقي يبحث عمن يستمع اليه ، ليروي قصته بين يديه . تلك القصة التي سنعرف من تفصيلاتها ، مشكلته بعد عودته من الحرب يحمل جرحا عميقا في روحه . لكنه فشل في تحقيق هذه الأمنية ".
حمدون اكبر منه بخمس سنوات ، وهو ربع القامة ايضا . لكن هذا الفارق لم يمنعه من القول في سره : "نحن متشابهان يا حمدون " .
ردّ حمدون : " نعم ، يا صديقي العزيز "
وحتى قبل منتصف هذا النهار ، استمر الكاتب ( عرفه اهل اليشن مراسلا لجريدة في بلد غير معروف ، او هكذا تقول احدى الشائعات التي تزخر بها عرصة مدينتهم الصغيرة ) يسال نفسه : " والان ، ماذا بعد هذه الحفلة ؟ " .
دلف الكاتب إلى الحانة ( بعدما ابتاع وردة جوري حمراء من الدكان الصغير المجاور) من الباب الصغير الخلفي . هو طبعاً الباب المخصص لموظفات هذه الحانة العربية التي استحالت مقراً لفتيات فلبينيات ، وشباب روس ، والهنود الذين يديرون محلات صغيرة للطباعة ، وعدد من المتسكعين الذين لا جنسية لهم ، أو هكذا خمن ذلك ، وتوجه إلى زاويته الشرقية القصية المعتادة ، بعدما حيا العاملة الفارسية الصغيرة : شكيلا : التي كان ينادي عليها في سره : يا وردة اصفهان ، ( لاحظ ان كتاب : منطق الطير ، لا يزال مطروحا بين يديها ـ عرف ذلك من صورة تخطيطية شائعة للشاعر فريد الدين العطار ) ، بتلك الكلمات التي لا يعرف معناها .
ارتبكت شكيلا قليلا وهي لا تزال جالسة الى الآلة الحاسبة. وردت سينثيا مرحة:
ـ "هلا وَيْنْ مايْ تُوْ آيزْ" .
ثم اكملت مرحها بجملة شائعة صارت سمة من سمات شخصية اهل اليشن :
ـ شاكو ماكو ، حياتي !
وإنفجرت ضاحكة .
ابتسم لها مرة اخرى بعد ان تناول الإناء البلاستيكي الصغير الذي امتلأ حتى الربع الأخير منه ، بقهوة أمريكية تشبه القار .
خاطب الكاتب الفتاة :
ـ سينثيا ، لقد اتخذت قراري الاخير .
كانت تتجول بين الطاولات ، فبادلتها الثانية ابتسامة مرتبكة ، بينما كانت الزميلة الثالثة ، وربما كان اسمها بيانكا، تكتب شيئاً على ورقة بيضاء من اليمين إلى اليسار .
سألها بنظراته :
ـ بيانكا . أنت تكتبين من اليمين إلى اليسار . صرت عربية ؟
حسب انها قالت له :
ـ نعم . سيدي الكاتب ، أنا بدأت أتعلم كلمات عربية . أنت تعرف أننا اندلسيون نغرق في تفاصيلنا غير الاسبانية ، وربما ننغمر في التاريخ العربي لعارنا ، حيث ثمة في بلادنا من يقتل بالسيف ثورا منغمرا في وحدة قاسية ورهيبة .
( ... وكانت وحدة حمدون تلازمه في ضميره ، وتتحرك معه الى كل الامكنة ،كلما يتذكر تلك الليلة التي هرب فيها من الخدمة العسكرية ، تاركا بندقيته في حفرة على الربيّة الجبلية ) .
أستغرب من فصاحة بيانكا ، لكنه أيضاً انتبه الى سينثيا التي كانت تدور حول طاولات الزبائن بسرعة نحلة الجبال ، تقول له :
ـ سيدي الكاتب انك تعيد انتاج بيانكا وشكيلا ، وتحاول ان تكتبني كما تريد، بينما انت منغمر في نهاية فكرة قصتك (هامش : ـ استخدم حمدون بندقية صيد قديمة " يسميها اهل اليشن : كسريّة " كانت موجهة الى صدغه الايمن في ليلة شتوية ) ، التي شغلتك منذ عقود وتؤجلها يوماً بعد يوم ، واسبوعاً بعد اسبوع ، وشهراً بعد شهراً ، وسنة بعد اخرى .
قال لها هامسا :
ـ لقد اتخذ القصار قراره ، اخيرا .
وكان قد انتهى من آخر مرة رفع فيها قهوته الى شفتيه ، فبان التلوث في قعر الفنجان .
حسب انه ربما سيلوث فكرة غيرشائعة بين العامة من الناس ، وهي غير جديرة بالتلوث حقاً . اذ أنه سيبدأ بعد لحظة ، اي عند الدقيقة الثانية من بعد منتصف نهار يوم 2 كانون الثاني سنة 3000 ، بإعادة قراءة تاريخه وتاريخ مدينته ، وتاريخ بلاده من الصفحة الأخيرة لكتاب " الامامة والسياسة ".
كتب بخفة ومن دون توقف ، بقلم حبر ازرق على صفحة بنفسجية اللون ، حتى انتهى الى هذه العبارة: " بصق حمدون القصار في جوف الإناء البلاستيكي ، وخاطب نفسه : هذا التاريخ القذر " .
ثم توقف عن الكتابة . احس انه يحلق في اعلى السموات ، ومن هناك رأى الوردة الجورية الحمراء ، لا تزال ترقد مرتاحة فوق الراحة اليمنى لكف شكيلا .
والان ، وهو في ذروة سروره العاصف ، استمع الى شكيلا تنشد:
" العاشقُ يُشعلُ النارَ،
في كُلِّ بَيدَر.

الوردةُ كاشفةُ أسراري.
وعُشْقُ الوَردةِ أفقَدني حَياتي
كفاني: ما يَكْمُن بالرأس مِنْ عُشْقِ الوَردةِ .
كفاني: أن تكون معشوقتي هذه الوردة ".
وتوقف الكاتب عن الانشاد الهامس ، وارسل بصره نحو شكيلا ( رآها وردة جوري حمراء ) ، ثم غرق في تاملاته .
اضطربت شكيلا ( ... وسقطت وريقة حمراء من على كرسي وردة الجوري ) ، وقامت على حيلها ، ثم ندت عنها صرخة مكتومة ، بعد ان هزّ صمت الحانة صوت انطلاق رصاصة .      

**ــــــــــ **
من : ( اليشنيون)




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل