أوراق منسية
عدد مرات المشاهدة :1582 - 19/ 10/ 2007
ابتسام يوسف الطاهر
الى ذكرى العم حسين الطاهر الطيب ذو الروح الملائكية.
كان صيفا ككل اصيافنا يكاد حره ان يذيب الاجساد كالشمع.
عدت مرهقا وقد كان يومي طويلا، منذ الساعة السادسة صباحا الى الثالثة ظهرا، بين رفع الاعمدة الخشبية التي هي عبارة عن جذوع اشجار شذبت وقطعت لرصفها بين السكك الحديدية، وبين الحصى الذي يتحول الى جمرات تحت لهيب الشمس الحارقة.
اكاد اسقط اعياءا وانا ابحث عن ظل استريح به، لكني حثثت الخطا لاصل البيت هناك حيث اتمدد واستريح وآكل، هنا تذكرتْ معدتي وقسوتي عليها كل اليوم، فمنذ الصباح لم اذق سوى قطعة خبز مع بضع قطع صغيرة من الجبن الابيض واستكان الشاي. وفي الظهيرة لم يكن هناك سوى رغيف الخبز مع حبتا طماطة مملحة، مقابل ذلك العمل المرهق بين اكوام الحديد والحصى وتحت لهيب الشمس التي كأنها تنتقم من اجسادنا.
شعرت بجفاف بحلقي، ربما لكثرة ما تصببت من عرق طوال النهار، لم احتمل حتى الوصول للبيت، وليس في جيبي ما يكفي لشراء بطل سينالكو او حتى سفن آب. فطرقت اقرب باب وصلته. فتح لي طفل لم اتبين ملامحه وقد غشي بصري، بذلت جهدا وانا اطلب منه ان يجلب لي قليل من الماء لاشرب. كانت الدقائق وهو يتطلع في بشيء من الخوف، كأنها دهرا، ربما هي سحنتي التي لوحتها الشمس، تذكرت اولاد اخي وهم يضحكون مستغربين لون يدي المتدرج بين الابيض من الكتف الى القريب من السواد من الذراع حتي الكف. ومر بذهني اخوتي ببشرتهم الخمرية البيضاء وهم يضحكون ممن يتسائل غير مصدق اني شقيقهم، لم ينتبهوا للشمس التي اشتوي بحرارتها كل يوم، ومنذ سنوات. منذ ايام نضالهم السياسي، وتداخل فترات اعتقالهم مع سفرهم وتخفيهم. مع ان نضالهم ذاك لم يتعدى الكلام او النقاش حول السياسة والادب او قراءة بعض الكتب. خاصة اخي الاكبر الذي ترك العمل السياسي منذ ان يأس من الاحزاب وبعد ان صارت لديه اسرة واولاد، لكن نشاطهم ايام المراهقة ما زال يلاحقهم، في ظل سلطة لاهم لها سوى ملاحقة كل من يحاول ان لا يطرق باب النفاق والمذلة لها.
عدت مرهقا وقد كان يومي طويلا، منذ الساعة السادسة صباحا الى الثالثة ظهرا، بين رفع الاعمدة الخشبية التي هي عبارة عن جذوع اشجار شذبت وقطعت لرصفها بين السكك الحديدية، وبين الحصى الذي يتحول الى جمرات تحت لهيب الشمس الحارقة.
اكاد اسقط اعياءا وانا ابحث عن ظل استريح به، لكني حثثت الخطا لاصل البيت هناك حيث اتمدد واستريح وآكل، هنا تذكرتْ معدتي وقسوتي عليها كل اليوم، فمنذ الصباح لم اذق سوى قطعة خبز مع بضع قطع صغيرة من الجبن الابيض واستكان الشاي. وفي الظهيرة لم يكن هناك سوى رغيف الخبز مع حبتا طماطة مملحة، مقابل ذلك العمل المرهق بين اكوام الحديد والحصى وتحت لهيب الشمس التي كأنها تنتقم من اجسادنا.
شعرت بجفاف بحلقي، ربما لكثرة ما تصببت من عرق طوال النهار، لم احتمل حتى الوصول للبيت، وليس في جيبي ما يكفي لشراء بطل سينالكو او حتى سفن آب. فطرقت اقرب باب وصلته. فتح لي طفل لم اتبين ملامحه وقد غشي بصري، بذلت جهدا وانا اطلب منه ان يجلب لي قليل من الماء لاشرب. كانت الدقائق وهو يتطلع في بشيء من الخوف، كأنها دهرا، ربما هي سحنتي التي لوحتها الشمس، تذكرت اولاد اخي وهم يضحكون مستغربين لون يدي المتدرج بين الابيض من الكتف الى القريب من السواد من الذراع حتي الكف. ومر بذهني اخوتي ببشرتهم الخمرية البيضاء وهم يضحكون ممن يتسائل غير مصدق اني شقيقهم، لم ينتبهوا للشمس التي اشتوي بحرارتها كل يوم، ومنذ سنوات. منذ ايام نضالهم السياسي، وتداخل فترات اعتقالهم مع سفرهم وتخفيهم. مع ان نضالهم ذاك لم يتعدى الكلام او النقاش حول السياسة والادب او قراءة بعض الكتب. خاصة اخي الاكبر الذي ترك العمل السياسي منذ ان يأس من الاحزاب وبعد ان صارت لديه اسرة واولاد، لكن نشاطهم ايام المراهقة ما زال يلاحقهم، في ظل سلطة لاهم لها سوى ملاحقة كل من يحاول ان لا يطرق باب النفاق والمذلة لها.
" تفضل". ايقضني صوت الطفل وهو يمدني بطاسة الماء، شربته بسرعة شعرت وكأنني غصن ناشف واحياه المطر، كان اطيب وألذ ماء شربته بحياتي. انتبهت لامرأة تتطلع لي من خلف زجاج النافذة، سمعتها تتمتم.. "مسكين".
شكرت الطفل، واعتذرت بنفس الوقت، منحتني قطرات الماء تلك شحنة لاواصل الطريق للبيت، متأملا وجبة شهية, رز مع مرق او طبق سمك مشوي... ياه، لا اذكر متى اكلت سمكا آخر مرة.
انا الان المعيل الوحيد للاسرة، فأخي الاكبر خرج توا من الحبس الذي زج فيه بلا محكمة لما يقارب العام، وما زال يبحث عن محل يستأجره ليضع فيه ماكنة الخياطة المهنة التي يجيدها منذ الصغر حتى صار الكل يشهد له براعته ودقة عمله. كان بامكانه العمل في البيت, لكنه حريص على استقبال زبائنه بعيدا عن البيت والاطفال، وطبعا ليمارس هوايته بالنقاش السياسي، اضافة الي اعتزازه بنفسه وحرصه ان يبدو باحسن مظهر لكي يغيض اعداءه ويفرح اصدقاءه، كما يقول. فمهما كان الظرف الذي يمر به لا يخرج من البيت الا بقميصا مكويا وبدلة انيقة, وزوجته المسكينة، لا تدري كيف تساعده ولا تجرؤ على الاقتراح عليه. في فترة اعتقاله ارادت ان تساعدني وتعيل اولادها، فخرجت للسوق كبائعة بتشجيع من احدى قريباتي، وهي لا تعرف شيئا عن طبيعة البشر هناك فما زالت صغيرة وبريئة. في اليوم التالي حاول احدهم التطاول والتحرش بها وحين ردته ضربها بعيار الوزن وشج رأسها ونقلوها للمستشفى. على اثرها حرمت عليها امي الخروج للعمل.
اخي الاصغر عاد توا من البصرة، مستغلا فترة الانفراج النسبي الذي تمر به البلاد بعد نجاح ثورة تشرين التي ازاحت كابوس الحرس القومي ورجال انقلاب الثاني من شباط المشؤوم. فقد وعدوه بالعمل باحد الجسور التي تبني حديثا. بانتظار ذلك لا بد من احتمال مشقة العمل والاقتصاد بالمصروف.
كم حذرتهم من النقاش مع اي كان. فصار لا احد يثق بصديق ولا جار، الكل قد احاطت بهم فلول الخوف فصاروا جاهزين لكتابة التقارير والوشاية. لكنهم لم يبالوا بل يبتسموا لي، على اساس هم اكثر دراية ومعرفة وثقافة مني، لاني تركت المدرسة مبكرا.
فهل ما اعانيه ثمنا لثقافتهم ام لجهلي؟.. اللعنة، ماذا دهاني؟ ربما هو الجوع.
فتحت ابنة اخي الكبرى الباب، الصمت يضلل البيت "اين الجميع؟". تسائلت وانا اغسل وجهي. "ابي وعمي لم يعودا بعد، وامي وجدتي واخوتي ذهبا لبيت خالي". اجابتني بصوتها الناعم الصغير. ثم اردفت "هل اجهز لك الغداء؟".
"أي عمو... بسرعة, فانا جائع جدا".
تطلعت لي بخجل، ربما هذه اول مرة يتركوا لها مسؤولية كهذه، فما زالت لم تتجاوز الثامنة من العمر. اقبلت تحمل الصينية بين يديها الصغيرتين، اخذتها منها وقد اجتاحتني خيبة فلا اثر لرائحة سمك ولا حتى مرق.
" كيف يتركوك لوحدك؟". تسائلت وانا تطلع لمحتوي الصينية بخيبة, كادت ان تسد شهيتي، لولا الاحساس بالجوع.
"..... سيعودوا حالا". لم اسمع جوابها كله، وانا اتأمل صحن صغير بلوبيا خضراء مسلوقة، وآخر مثله بقطع كباب وحلقات بطاطا مقلية مع رغيف خبز طازج. كم احب الوقوف امام
التنور حين تخبز امي، للخبز حينها نكهة شهية وطعم لذيذ، كثير ما التهم رغيف او اثنان بلا غموس.
تطلعت لي باحراج وكأنها شعرت بخيبتي. "هل تشرب الماء؟". انتزعت ابتسامة من شفاهي وانا اهز رأسي موافقا على اقتراحها.
اكلت صحن اللوبياء مع قطعة الخبز والكباب وقطعتين من البطاطا، شربت الماء واعطيتها ما تبقى من البطاطا، رفضتها باصرار وقد تورد خداها خجلا واحراج وهي تؤكد انها اكلت. اعرف مدى حبها للبطاطا، فالححت عليها، اخذتهما ولكن ملامح من الشعور بالاسى لاح على وجهها الشاحب. بحثت في جيوبي عن قطعة نقود فوجدت عشرة فلوس، اعطيتها اياها لتشتري بها حلوى من الحانوت. ارتبكت فشجعتها لتأخذها على ان تعود بسرعة، فما زالت الحرارة بالخارج لا تطاق. عانقتني وهي تشكرني، لمحت اثر دموع في عينيها، لم اعرف تفسيرها!
تمددت على الكرويتة (الاريكة) واغمضت عيناي وقد شعرت برغبة كبيرة لانام.
شكرت الطفل، واعتذرت بنفس الوقت، منحتني قطرات الماء تلك شحنة لاواصل الطريق للبيت، متأملا وجبة شهية, رز مع مرق او طبق سمك مشوي... ياه، لا اذكر متى اكلت سمكا آخر مرة.
انا الان المعيل الوحيد للاسرة، فأخي الاكبر خرج توا من الحبس الذي زج فيه بلا محكمة لما يقارب العام، وما زال يبحث عن محل يستأجره ليضع فيه ماكنة الخياطة المهنة التي يجيدها منذ الصغر حتى صار الكل يشهد له براعته ودقة عمله. كان بامكانه العمل في البيت, لكنه حريص على استقبال زبائنه بعيدا عن البيت والاطفال، وطبعا ليمارس هوايته بالنقاش السياسي، اضافة الي اعتزازه بنفسه وحرصه ان يبدو باحسن مظهر لكي يغيض اعداءه ويفرح اصدقاءه، كما يقول. فمهما كان الظرف الذي يمر به لا يخرج من البيت الا بقميصا مكويا وبدلة انيقة, وزوجته المسكينة، لا تدري كيف تساعده ولا تجرؤ على الاقتراح عليه. في فترة اعتقاله ارادت ان تساعدني وتعيل اولادها، فخرجت للسوق كبائعة بتشجيع من احدى قريباتي، وهي لا تعرف شيئا عن طبيعة البشر هناك فما زالت صغيرة وبريئة. في اليوم التالي حاول احدهم التطاول والتحرش بها وحين ردته ضربها بعيار الوزن وشج رأسها ونقلوها للمستشفى. على اثرها حرمت عليها امي الخروج للعمل.
اخي الاصغر عاد توا من البصرة، مستغلا فترة الانفراج النسبي الذي تمر به البلاد بعد نجاح ثورة تشرين التي ازاحت كابوس الحرس القومي ورجال انقلاب الثاني من شباط المشؤوم. فقد وعدوه بالعمل باحد الجسور التي تبني حديثا. بانتظار ذلك لا بد من احتمال مشقة العمل والاقتصاد بالمصروف.
كم حذرتهم من النقاش مع اي كان. فصار لا احد يثق بصديق ولا جار، الكل قد احاطت بهم فلول الخوف فصاروا جاهزين لكتابة التقارير والوشاية. لكنهم لم يبالوا بل يبتسموا لي، على اساس هم اكثر دراية ومعرفة وثقافة مني، لاني تركت المدرسة مبكرا.
فهل ما اعانيه ثمنا لثقافتهم ام لجهلي؟.. اللعنة، ماذا دهاني؟ ربما هو الجوع.
فتحت ابنة اخي الكبرى الباب، الصمت يضلل البيت "اين الجميع؟". تسائلت وانا اغسل وجهي. "ابي وعمي لم يعودا بعد، وامي وجدتي واخوتي ذهبا لبيت خالي". اجابتني بصوتها الناعم الصغير. ثم اردفت "هل اجهز لك الغداء؟".
"أي عمو... بسرعة, فانا جائع جدا".
تطلعت لي بخجل، ربما هذه اول مرة يتركوا لها مسؤولية كهذه، فما زالت لم تتجاوز الثامنة من العمر. اقبلت تحمل الصينية بين يديها الصغيرتين، اخذتها منها وقد اجتاحتني خيبة فلا اثر لرائحة سمك ولا حتى مرق.
" كيف يتركوك لوحدك؟". تسائلت وانا تطلع لمحتوي الصينية بخيبة, كادت ان تسد شهيتي، لولا الاحساس بالجوع.
"..... سيعودوا حالا". لم اسمع جوابها كله، وانا اتأمل صحن صغير بلوبيا خضراء مسلوقة، وآخر مثله بقطع كباب وحلقات بطاطا مقلية مع رغيف خبز طازج. كم احب الوقوف امام
التنور حين تخبز امي، للخبز حينها نكهة شهية وطعم لذيذ، كثير ما التهم رغيف او اثنان بلا غموس.
تطلعت لي باحراج وكأنها شعرت بخيبتي. "هل تشرب الماء؟". انتزعت ابتسامة من شفاهي وانا اهز رأسي موافقا على اقتراحها.
اكلت صحن اللوبياء مع قطعة الخبز والكباب وقطعتين من البطاطا، شربت الماء واعطيتها ما تبقى من البطاطا، رفضتها باصرار وقد تورد خداها خجلا واحراج وهي تؤكد انها اكلت. اعرف مدى حبها للبطاطا، فالححت عليها، اخذتهما ولكن ملامح من الشعور بالاسى لاح على وجهها الشاحب. بحثت في جيوبي عن قطعة نقود فوجدت عشرة فلوس، اعطيتها اياها لتشتري بها حلوى من الحانوت. ارتبكت فشجعتها لتأخذها على ان تعود بسرعة، فما زالت الحرارة بالخارج لا تطاق. عانقتني وهي تشكرني، لمحت اثر دموع في عينيها، لم اعرف تفسيرها!
تمددت على الكرويتة (الاريكة) واغمضت عيناي وقد شعرت برغبة كبيرة لانام.
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لابتسام يوسف الطاهر
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك