رحلة العذاب " الجرح " - ج 6
محمد نصار
رنين جرس الباب جعله يمسك عن الكلام وأثار امتعاض بناته اللواتي كن ينصتن إليه بشغف واهتمام ، فحديث الذكريات الذي يسرد على مسامعهن بكل دقة وتفصيل، رغم ما فيه من قسوة وشقاء، كان من المتعة والتشويق بحيث جعلهن يعزفن عن المسلسل المعتاد ويندمجن معه بكل اهتمام، خصوصا تلك النقطة التي تحدث فيها عن اليهود وهم يطاردونه بطلقات رشاشاتهم الآلية، حتى احترق سرواله وسقطت القبعة من على رأسه، بفعل طلق خطفها وطار، أقسم بالله حينها أن الملائكة حملته من أمامهم، وتابع كمن يعيش اللحظة بكل تداعياتها: كانوا ينون الإمساك بي حيا .. لم أكن لأميزهم وأنا في تلك السن ، خصوصا وأنهم يلبسون نفس الملابس التي نستلمها من وكالة الغوث، ظننتهم عربا، سألتهم إن كانوا قد رأوا يهودا في المكان وفجأة لمحت السلاح خلف ظهورهم ، تسمرت في مكاني ولم أقو على الحراك ، ثم أزاحني الله من أمامهم.. طرت كالعاصفة ومن خلفي رصاصهم ولعناتهم: يلعن د.. فاروق تبعك يا ابن الكلب .. وقف.، فقاطعته الصغيرة عند هذه النقطة مبشرة بقدوم محمد .
انسحبت الفتيات إلى الغرفة المجاورة ووقف الحاج مرحبا، ابتسم الشاب في وجهه وقد كسا محياه الحياء .. جلس على السرير إلى جواره، فبادره الحاج بالسؤال مستفسرا: هل من جديد يخص سمير؟ .
تفاجأ الشاب بالسؤال، فعاود الحاج مبتسما : وهل يخفى في قريتنا خاف.. نحن أسرة واحدة .
- لا جديد يا حاج .. كيف أنت الآن؟ .
- لا أشعر بقدمي أحيانا ونوبات الصداع لا تغادرني .
- لا بد أن تراجع الطبيب .
- الشافي هو الله يا ولدي.. هل زرت أهل سمير ؟ .
- أنا قادم من هناك.
- وكيف حالهم ؟ .
- الجيران يتوافدون عليهم باستمرار .
- مازلنا بخير.
- لقد وكلت له محامي .
- سنتعاون في أجرته.
- الأجرة رمزية وبالكاد قبلها، وأنت يكفيك مصاريف العلاج .
- سامحك الله .. أنا بخير يا ولدي .
- لم أقصد ذلك ولكن ..
- لا داعي لأن تكمل .. أنا واحد منكم .
- أسمح لي بالانصراف .
- لم تجلس بعد .
- أريد أن عرج على أبي في السوق .
- على بركة الله .
دوي الكلمات يقصف في أذنه كما الرعد ويزداد وقعها كلما تبدت له هيئة محمد وهو يقول بشيء من الإشفاق، يكفيك مصاريف العلاج، يغمض عينيه محاولا الهروب منها ، فتزداد الصورة وضوحا وجلاء.. يعاوده قصف الكلمات بقوة أكبر .. يوشك من أثره على الصراخ .. يدس إصبعه في أذنه هربا منها، فتلاحظ زوجته ذلك .. تهرع إليه فزعة.. مضطربة، تسأله عن حاله ، فيرد بصوت منهك :دعيني أغفو قليلا.
- هل استدعي الطبيب؟ .
- دعيني أغفو قليلا .
- أحضر لك كأس ليمون ؟ .
- قلت دعيني أغفوا قليلا . ، قالها بحدة أثارت انتباه ابنته في الغرفة المجاورة .. أغلقت الكتاب الذي بيدها وأقبلت تستطلع الأمر، فقابلت أمها عند الباب.. كادت أن تصطدم بها.. تبعتها إلى المطبخ .. أشاحت المرأة مدارية دموعها .. حاولت إشغال نفسها بأي شيء.. دنت منها الفتاة ..ضمتها إلى صدرها، فانهمرت دموعها مصحوبة بأنين مكبوت.
- كفى يا أمي .
- حال أبيك لم يعد مطمئننا.
- شدة وتزول بإذن الله.
- لقد أصبح حادا في الآونة الأخيرة .
- لأنه لم يعتد الجلوس في البيت .
- لا .. أنه يعاني ولا يريد لنا أن يشعرنا بذلك .
- أمينة . ، جاء الصوت من داخل الغرفة ضعيفا منهكا.
- سلامتك يا حاج . ، قالت المرأة بصوت خائف مرتجف.
- استدعي جارنا بسرعة.
- حاضر . ، وخرجت تتمتم بكل ما في الذاكرة من أدعية وابتهالات، بينما جلست الفتاة على طرف السرير .. تحسست جبينه وقالت بشيء من الابتسام : شدة وتزول بإذن الله.
لم يجبها بشيء .. بل ظل ساهما .. واجما، يحدق في السقف كما لو أن شيئا فيها يشده إليه.
- تفضل يا دكتور . ، قالت المرة داعية الطبيب إلى الدخول، فدخل شاب في الثلاثين من عمره ، طويل القامة، منتصب القوام، يميل إلى السمنة قليلا وتبدو في جبهته بوادر صلع مبكر، دنا من سريره وقال بابتسام : سلامتك يا حاج ؟.
- صداع يفتك بي يا دكتور.
- دعني أفحص ضغطك.
أخرج جهاز القياس من حقيبته ولفه على ذراعه، ثم راح يتابع القراءات الواردة عليه بتمهل وتأني، أعاد ضغط الجهاز مرة أخرى وتابع القراءة بعمق أكبر، ثم رفعه عن يده بسرعة ملفتة، أخرج حقنة من حقيبته حقنه بها وقال موضحا ما حدث : ضغطك مرتفع يا حاج.
جو من القتامة خيم على البيت.. حالة خوف راحت تتسرب إلى النفوس المتطلعة إلى شفائه المرجو، عوالم من الكآبة أخذت تزحف نحوهم، ورعب ينهش المرأة من مستقبل تدلهم عوالمه ، أرق ينغص ليل الرجل وعجز يحاصره .. يؤلمه .. يمنعه من النظر في عيونهن ، فيهرب إلى دواخله .. تستدرجه إغفاءة تستعيده منها همسات زوجته المضطربة : اذكر الله يا حاج.
- لا إله إلا الله ..
- إلى أين ؟ .
- سأستعد لصلاة المغرب.
يستعيد شيئا من عافيته .. فيستعيد البيت حراكه المعتاد، يدور بين محطات المذياع .. يبحث عن لندن بالتحديد .. تعلن ساعتها الرابعة بتوقيت جرنتش.. يبدأ المذيع في سرد موجز النشرة .. يستوقفه الحديث عن مقتل السفير الإسرائيلي في إحدى العواصم الأوربية .. يهمس بشيء من التشفي : إلى جهنم وبئس المصير . ، تدنو منه زوجته و في عينها كلام.. تترد في البوح بما تريد .. يشعر بما يراودها .. ينظر إليها ويقول : هاتي ما عندك.
- بعدين يا حاج.
- تكلمي.
- مش وقته .
- يا حرمة لا تتعبي بالي.
- لم يدفع الصائغ سوى مئة دينار في الذهب.
- ربنا يصلح الحال .
دنا من البيت منهكا .. تعبا .. قرع جرس الباب ممنيا النفس بحمام بارد، يذهب عنه عناء يوم حار، فجاء صوت أمه من الداخل مستمهلا: لحظة.
اتكأ بجسده على الجدار منتظرا .. أطبق جفنيه تدغدغه رطوبة المكان.. تسري في جسده رعشتها كاللذة .. يستكين لها ، فيستعيده صوت أمه من جديد.. تباغته باندفاعها.. تضمه إليها مرددة بفرح باد : مبروك يا حبيبي.. ألف مبروك .
تلجمه المفاجأة .. يستسلم للحضن الدافئ.. يطمع في غفوة تعيد له شيئا من طفولته الأولى.. لم يسألها.. تهاوى إلى جوارها على أول مقعد صادفه .. أحست بالفتور الذي يعتريه.. صاحت بفرح طفولي: لقد جاءك جواب التعين .. أصبحت أستاذا يا محمد.
، ثم مدت يدها بمظروف أخرجته من عبها، فتحه بيد ترتعش، أعاد قراءة السطور مرة تلو أخرى ، ثم اندفع نحوها .. ضمها إلى صدره .. قبل رأسها وقال بصوت أجش : بركة دعائك يا حاجة .
- يا رب أفرح فيك عن قريب يا بني.
- إن شاء الله يا أمي .
- أشوف بنت الحلال ؟.
- موجودة .
- موجودة !.. من ؟ .
- خديجة.
- بنت الحاج أحمد؟ .
- نعم .
- ألف مبروك يا بني .. من خيرة الناس .
تهادى له وجه الفتاة، طاف من حوله وعلى محياه ابتسامة خجولة، دار شريط الذكريات في رأسه، مسترجعا ذكرى اللقاء الأول، يوم أن تلاقيا صدفة أمام باب البيت، كانت عائدة من الجامعة وعلى وجهها بوادر تعب وإنهاك.. تلاقت نظراتهما في لمحة عابرة، فاشتعلت وجنتاها واحمرتا، غضت طرفها بحياء وسبقته إلى الباب ، تريث حتى توارت خلفه ، ثم رن الجرس، فجاءه صوت الأم مرحبا، ثم تداعت الصور تباعا وكأنها كانت منزوية في مكان ما، انتظارا للحظة المواتية.
فتحت الصغيرة الباب وقد استجاب لها على نحو أفضل من المرات السابقة، حدقت في القادمين للحظة ، ثم صاحت تزف الخبر بفرح مرتبك : عم محمد و..و..و الحاجة.
وضعت المرأة ما بيدها وأسرعت لاستقبالهم، تبادلت العناق مع الضيفة ودعت محمد للدخول إلى غرفة الحاج، لكن الحاج كان قد سبقه إلى الصالة .. تصافحا، ثم جلسا متجاورين ، بينما جلست المرأتان على المقعد المقابل،تبسم محمد وقال مخاطبا الحاج : ألا تبارك لي.
- ألف مبروك يا سيدي .
- لقد جاءني كتاب التعين .
- ألف مبروك .. هذه لازمها لقمة يا ولد .
- إن شاء الله من أول راتب .
دخلت الفتيات تباعا، صافحن الضيفة وانسحبن وبعد دقائق معدودة جاءت خديجة بالقهوة، وضعتها أمامهم وهمت بالخروج، فأمسكت الضيفة بيدها وأفسحت لها عن مكان بقربها، بدا الحرج واضحا على وجهها. . نظرت إلى أمها ، فأومأت بنظرة مشجعة وحين غادروا المكان،قالت بصوت يغلفه الرجاء : ربنا يتمم ع خير.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك