تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـقـصة»  بين ضفتين

بين ضفتين

عدد مرات المشاهدة :3279 - September 18, 2007

موفق الطاهر

بين ضفتين


كل شيء يدلل على أن هذا البيت هو بيت عائلته الذي تركه في بغداد قبل ما يزيد على خمس سنوات، الجدران هي نفسها
، حتى ذلك الجدار الذي صبغه قبل خمسة عشر سنة بمختلف الألوان الزاهية. وتلك صورة أبيه الزيتية التي رسمها له تحتل الزاوية الوحيدة الظاهرة من زوايا غرفة الضيوف. وها هو الآن يسمع أمه تتكلم مع أخته الصغيرة في المطبخ.
المنزل أصبح كبيراً جداً، حديقته كبرت بشكل مثير للعجب، أزهار التوليب تتوسط الحديقة بألوانها البراقة، مشكّلة نجمة ثمانية كبيرة... خلف البيت هنالك مسبح متوسط الحجم دائري الشكل كالذي كان يشاهده في فندق شيراتون بوسط بغداد. كل شيء في البيت يدلل على أنه كما يتخليه دائماً مع حبيبته (ماريون) عندما يحلمان في بيت يجمعهما سوية. في صالة البيت حيث كان يرى من خلال الشباك الكبير جسراً تمر عليه عشرات القطارات المتجهة إلى أمستردام، يجلس أخوه الصغير الذي طالما حلم برؤيته ليتمشى معه كصديقين في شوارع هذه المدينة الأخاذّة، كما كانا يتمشيان في السابق في شوارع حي أور وفلسطين.. وغيرها من شوارع بغداد الجميلة. أخاه ظل يتابع بشغف إحدى المسلسلات التي تعرض على قناة مصر الفضائية.. جلست هند الجميلة على كرسي قريب من الشباك تنظر إلى الشارع حيث الأشجار الكثيفة الخضراء وتراقب بعينيها الواسعتين الكحيلتين الفتيات الجميلات وهن يركبن الدراجات الهوائية. خطا مازن بضع خطوات نحو هند التي أحبها عندما كان في تونس، وعشق صوتها الناعم الشهي كجسمها الممشوق الذي صبغته الشمس، وجعلته متوهجاً رائع الجمال. سألها إن كانت ترغب أن تتمشى قليلاً. أجابته أنها تعشق أن تكون معه في أي مكان يرغب، سألها وهما يتمشيان على رصيف الشارع إن كانت ترغب فعلاً بالزواج به؟ سألته بتردد: 
-          هنا بأمستردام؟
-          حبيبتي نحن في تونس ولسنا في أمستردام! و بلهجتها التونسية التي أحبها بصوتها الرخيم، كانت تسأله ماذا دهاه؟ وأشارت بيدها نحو محطة قطارات أمستردام المركزية لتؤكد له أنهما في أمستردام وليس في تونس. 
-          يا صغيرتي أنظري إلى شمالك، أليس ذلك بجبل أبو قرنين؟ لسنا إذن على الأراضي المنخفضة، نحن في حمام الأنف، يعني قريبان من بيتكم. لقد أشتقت إلى أمك كثيراً، إشتقت إلى ضحكتها التي يشرق وجهها بها دائماً. 
صعد القارب قبلها، ومد لها يده، مسكت بيده وصعدت، أحس برعشة هزت كل جسده وهو يمسك بيدها، شعر برغبة كبيرة لأن يعانقها، ثم يقبلها. ولكنه أمسك بمقود المركب وأنطلق به عبر الأحراش نحو الخليج الصغير الذي يشبه خليج طوكيو، ثم إنعطف به يميناً نحو بيتهم. نظر إلى ثلاثة صخور زرقاء تقبع في الماء، ربما وضعت كي تستند عليها المراكب حتى يصعد الركاب إليها بسهولة. وهو يهم بالخروج من البيت مع حبيبته هند، صاحت عليه أخته التي تصغره بسنتين فقط: 
-          هييْ مازن، أنظر هناك لقد جاءت (ماريون) كن حذراً! سمع صوت شقيقته، تنفس بصعوبة، أخذ نفساً عميقاً. أنه يشتاق إلى أخته كما يشتاق إلى وطنه، فهو يحبها حباً عميقاً وهي صديقته المقربة منه:
-          أوووه... ثم ماذا؟ أنها ليست إلا عشيقة لي! قال ذلك، ثم أنتابه قلق عميق على مستقبل علاقته بحبيبته ماريون. فهي ليست فعلاً عشيقة له فقط... تلك المرأة العجيبة التي تتكلم بالإضافة إلى لغتها الهولندية سبعة لغات، من ضمنها العربية، وتحاول معه حتى أن تفهم لهجته العراقية، ومعها يتقدم تقدماً مستمراً وسريعاً بدراسته للغة الهولندية، ومعها رأى الكثير من الأماكن السياحية في هولندا، التي ظل يتمنى رؤيتها.. ويذهب مرة في الشهر إلى دار الأوبرا أو إلى أشهر السمفونيات التي يعشقها، ويحتاجها ربما كالهواء والماء.. وغيرها الكثير من الأمور التي يحبها بها.. دفئها، حنانها، رقتها ونعومتها. هو يحبها حباً كبيراً، ولا يستطيع أن يفرط بحبه العظيم لها، ويتجاوز علاقته بها التي سيمضي عليها السنة والنصف بعد أيام.. ولكن هنالك مشكلة تقف دائماً حجر عثرة بينهما، أنها لا تحب الأطفال، بل تكرههم، وهو يموت فيهم، يموت بحبهم. 
-          أنها ليست عشيقتك فقط يا مازن، تذكر ذلك فأنك قد تزوجتها زواجاً شرعياً أمام الله، وأنت مؤمن! قالها أخوه الصغير وقد قطب حاجبيه، دليلاً على أنه ليس براض عن تصرف أخيه الكبير الذي كثيراً ما تأتيه نوبات يبكي فيها شوقاً إليه.. عرف مازن ذلك من خلال رسائل زوجة أخيه إليه. سألت هند مازن، هل يأتي معهما عامر إلى المسبح؟
-          عامر؟ ذلك العبد الأسود الدنئ؟
-          لماذا تكرهه لهذا الحد، أنه طيب؟
-          أنا أعجب كيف تحبونه، أنه يفاخر بأنه لص، سارق!؟ هل تظنين أني قد نسيت عندما أخبركم بأنه قد وجد قملة على قميصي؟ ذلك لأنه رآنا نضحك معكم فقط، وشعر بالغيرة.. 
في غرفته التي تقع في الطابق العلوي من بيتهم الكبير، أستلقى مازن على سريره. دخلت عليه حبيبته ماريون. جلست بالقرب منه، مدت يدها إليه وظلت تتحسس بظاهر أصابعها خده برقة وبحنو كبير. إنحنت عليه، دست شفتيها بشفتيه وراحت تقبله قبلات محمومة شهية. لفّ يديه حول ظهرها وعانقها بقوة متحسساً جسدها الممتلئ الطري الناعم، وصدرها على صدره، وأخذ يقبلها قبلة طويلة.. قالت له:
-          هل أتصلت بمحاميتك؟ متى ستحصل على جواز سفر؟ سنسافر حينها أنا وأنت إلى كل الأماكن التي تريد رؤيتها، سنذهب إلى كردستان، إلى ليبيا لزيارة أخاك هناك، إلى تونس، إلى أستراليا وأمريكا.. إلى كل مكان إن شاء الله..قالت الجملة الأخيرة بعربيتها الحلوة، وهي تضحك..
صعدت أمه إليه، وأستغربت كيف يختلي بفتاة قبل أن يتزوج منها؟ وسألته إن كان أهلها راضين عنه؟
-          حبيبتي أمي، نحن لسنا بمدينة الثورة، أو في ليبيا!
-          بالحق يا مازن! لقد سأل عنك صديقك هيثم في الصباح، وطلب منا أن نخبرك كي تذهب إليه للجادرية بجامعة بغداد حيث يقوم بتمارينه عصراً. جاء إليه أخاه الصغير، وحدثه أنه يريد أن يفتح محلاً لألعاب الكمبيوتر ولديه ثلاث مئة دولار، وأنه بحاجة إلى ثمانية (ورقات) أخرى.. اللعنة من أين سيأتي بكل هذا المبلغ؟ ولكن هذا أخاه الذي يحبه حباً كبيراً يطلب منه ذلك، وهو قد وعده في رسالته الأخيرة له بأنه سيدبر له أي مبلغ يحتاجه، وليجربه، يسأله ويرى حينها ماذا سيفعل؟ ولكن يا إلهي! لقد أتصل به قبل أيام صديقه المخلص من ليبيا وسأله عن مبلغ من المال.. ولكن سحقاً، لقد أنزعج من صديقه كثيراً في تلك المكالمة. فقد كان يقول له أي مبلغ تشاء ترسله لي فهو نعمة من الله، وقد كرر تلك الجملة كثيراً، أي مبلغ ترسله لي فهو نعمة من الله، ولما أخبره بأنه سيبعث إليه بمائتي دولار، أمتعض من ذلك، فماذا سيفعل بهذا المبلغ القليل؟ أنه يريد أكثر! كم يريد ذلك التعيس؟ أنه يعرف بظروف صاحبه جيداً، وقد أخبره بذلك مراراً وبالتفصيل.. والطامة الأخرى أن صديق آخر، قد ساعده في السابق، وهو يمر الآن بظروف صعبة، ويطلب منه أن يحول على حسابه أي مبلغ يقدر عليه.. ماذا سيفعل مازن بكل هذه الطلبات؟ أنه لا يستطيع أن يرفض طلب أي من صديقه، أو طلب أخاه؟
-          تذكر يا مازن، أنك قلت لي فقط جرّبني. وها أنا ذا أجربك الآن.
 صعد القارب قبلها، ومد لها يده، مسكت هند بيده وصعدت القارب، أحس برعشة هزت كل جسده وهو يمسك بيدها، شعر برغبة كبيرة لأن يعانقها، ثم يقبلها. نظر ناحية فخذيها المفتولتين الممتلئتين، اللاتي لفحتهما الشمس بصبغتها السمراء، كانت ترتدي بنطلوناً قصيراً جداً.. أبتلع ريقه، بلل شفتاه الجافتان. نظرت إليه نظرة خبيثة، وضحكت ضحكتها المجلجلة التي سلبت لبه من قبل.
-          كم أنت خبيثة يا هند؟ وكم أنت رائعة أيتها المثيرة الماكرة!؟ أمسك بمقود المركب وأنطلق به عبر الأحراش نحو الخليج الصغير الذي يشبه خليج طوكيو، ثم إنعطف به يميناً نحو بيتهم الكبير. نظر إلى الثلاثة صخور التي تقبع في الماء. أنزلق قاربه بتلك الصخور، إختفت صخرتان. ركن قاربه بجانب حديقة بيتهم الكبيرة. نزل من القارب. مد يده إليها، مسكت ماريون بيده ونزلت من القارب دفعته على العشب الأخضر وهي تضحك، وقع على ظهره، سحبها نحوه، نزلت إليه، وعانقته بقوة وهي تقبله بشفاهها الشهية الرطبة.
-          متى ترين بغداد، يا حبيبتي وأريك كل شيء جميل في بلادي؟
-          تكلم بالهولندية حياتي، وأترك الإنجليزية رجاءاً.. قالت (حياتي) بعربيتها الحلوة. مدت هند رأسها من شرفة الطابق العلوي تنادي مازن ليسرع، فقد جهّز طعام الإفطار، والكل يجلس على المائدة، وأمه تنتظره..تنفس بصعوبة وكأن رئتيه قد خلت من الهواء، وشعر بحرارة الجو كادت تحنقه. وأنه يجب أن ينهض ليشرب الماء. 

المؤلف: موفق الطاهر 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

حذام يوسف في September 18, 2007
حذام يوسف قصة جميلة لكني لاادري لماذا احسست بحزن عندما قراتها وغصة في صدري رغم اني في بغداد ولم اسافر ان شاء الله ترجع لبلدك العراق وانت وهو في خير واستقرار
وئام الصابر في September 18, 2007
وئام الصابر اولاً تحية من القلب الى المبدع موفق الطاهر.
لقد اعجبتني القصة كثيراً فأنا لا انفك اقرئها بين الحين والآخر وكلما اقرئها اجد فيها نكهة مميزة.
نأمل ان تقبل التحية وتواصل ابداعاتك.
amal sandal في September 19, 2007
amal sandal well done, nice way of mixing 2 worlds, 2 loves, 2 memories
shatha_shab في September 19, 2007
shatha_shab لقد قراءت هذا الموضوع جدا راءع مع تحياتي لك دائما بالتوفيق يارب
أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن