اللعبة
مسلم السرداح
منذ زمن بعيد , ربما منذ ولادته على ما يظن البعض , وهم يسمونه المتهور . ذلك, انه دائما ما يتقدم نحو هدفه دون ان يحسب حساب النتائج التي ستترتب على تقدمه اللامدروس. ويذكرون لذلك حوادث طريفة منها, انه عندما كان طفلا صغيرا لم يتجاوز عمره ثلاث سنوات , انطلق في الطريق خارج البيت يجمع الثلج ( الحالوب) الذي امطرته السماء, ولما كادت هامته ان تنكسر من ضربات الثلج المنهمر بغزارة, اراد الهروب والعودة للبيت فانغمرت رجلاه في الطين ولم يتمكن من العوده الا بعد ان زحف على يديه ورجليه وكاد يقضى عليه يومها .
وفي سن العاشرة حمل حملا ثقيلا, جذع شجرة , حمله من احد طرفيه , وكان , لايستطيع حمله رجل يكبره ثلاث مرات , وسقط الحمل على رجله وكاد ان يصيب منه مقتلا . ولكن الثقل اصاب ابهام رجله وقطع على اثر الحادث .
هذه بعض تصرفاته التي دعت الجميع الى وصفه بالمتهور. اما هو, فقد كان مغرما بلعبة الشطرنج واحد ابطالها .
- كيف لا احسب حساب النتائج, وانا ضليع بلعبة الشطرنج ؟. هكذا كان يقول .
ذلك لان لعبة الشطرنج, والحق يقال , لعبة ذكية تستند الى قوانين ولها بدايات ونهايات . ولكي تتمكن من الفوز با للعبة عليك ان تحسب حساب خصمك في اللعب والذي يسمونه , الرسيل, بدقة متناهية , وعليك ان تترصد التكنيك الذي يلعب به ذلك الرسيل . وكانوا يجيبونه :
- انك تستند فقط الى ذكائك . فانت فطن ولديك القدرة على رصد خصمك .
اما هو , المتهور , فقد وضع كل ما يملكه في لعبة الشطرنج . صاغها بقوالب من الذهب الخالص . كما صنع احجار رسيله من الفضة الخالصة . وكانت الاحجا ر كلها , رشيقة , متناسقة وجميلة , وهي ذات اشكال رائعة تعجب جميع اللاعبين , وهي المصنوعة من الذهب والفضة . الاَ الملك اذ كانوا يصفونه بالقصر وعدم الرشاقة , وكثيرا ما كانوا يقولون عنه , ان الملك حجر غير انيق .
ولم يكن هو يهتم بذلك , فهي على العموم احدى احجار اللعبة . ولكنه امام اللغط الكثير والكلمات البذيئة غير المهذبة , التي كانت تقال عن الملك , راح يبحث عن الصائغ الفنان الذي قام بصياغة احجار اللعبة ليقوم باستبدال هذا الحجر الاساسي في لعبة الشطرنج , والذي يتوقف مصير اللاعبين على موته وحياته . اليس هو الملك ؟ . ولكنه وجد بعد البحث والتقصي, ان الصائغ قد مات . ولم يجد صائغا آخر يتمكن من صناعة حجرالملك وحده , بما يناسب الاحجار الاخرى . ولكن الصاغة , عرضوا عليه وهم الفنانون الكبار, اعادة الصياغة لجميع الاحجار الاخرى وبشكل جديد . ولكنه وهو المغرم باللعبة , وقد وضع كل امكانياته المادية فيها , ابى الا ان تظل كما هي . اذ ما الفائدة من تغيير اللعبة كلها , وهو الذي اعتاد عليها منذ زمن بعيد , فصارت اللعبة جزءا من حياته , وحياته جزءا منها .
كان يلعب بحماس , همه في اللعبة ومثل اي لاعب آخر هو حماية حياة الملك , وجعله يفوز في نهاية اللعبة , وان يجعل رسيله يخسر او يسلَم لافرق . المهم هو بقاء الملك .
واستمر في ذلك لسنوات طويلة , وكان دائما يذوق حلاوة الفوز في لعبته الذهبية . ولانه يحب اللعبة فهو يتقمص اثناء لعبه شخصية الملك , فيزيد حماسه بشكل لانظير له . وكان في كل مرة يفوز ويفوز , وكان الجمهور يصفق له . وكان يحس احساسا بالغا بالسعادة , وهو يكاد يرقص من شدة البهجة التي يوفرها له فوزه باللعبة . ويكاد يحس انه الملك المنتصر, امام رسيله المهزوم .
وفرضت ارادته في اللعبة على الجميع . وراح نقاش كبير يدور ويدور حوله وحول طريقته في اللعب , وراحوا امام انتصاراته يسمونه البطل . لقد صار المتهور بطلا . اين ذهب البطل ؟ متى ياتي البطل ؟ ياله من بطل !!
طول عمره صار يلعب ويفوز . فهو البطل , وكان يتفوق دائما , دون ان يخسر . وصار عارفا تماما بقواعد اللعبة , وبتقاليدها , والعوامل والظروف التي تهيء له الفوز الساحق . حتى مصادفات اللعبة كان يحسب حسابها . وما فاتته يوما حركة واحدة من حركات احجار رسيله الا تمكن منها وغلبها .
ومع ذلك , كان يدري ان خلف ظهره يدور لغط كثير , يحاولون من خلاله التطاول على ملكه , بنعوت شتى , واوصاف بذيئة , والقاب لاتمت له بشيء . وكانت تطرق سمعه بين الحين والحين اقوال من اولئك المهزومين امام ملكه الذهبي . ولكنه لم يعبا بها من بعيد او قريب , وحتى لو ازعجته بعض الكلمات , فانه لايرد عليها , ويعتبر قائلها عديم الذوق وغير كريم . ويروح يطرد غضبه بالفوز والتفوق . وكان ذلك يزيد الغيض والبغض في صدور البعض من المهزومين .
وفي احد الايام فكر ان يتخذ في لعبته , حجرا جديدا , بديلا عن الوزير , اسماه الملكة . واختار للملكة صائغا بارعا جعل من ملكته , امراة رشيقة ممشوقة . وجعلها اجمل من كل الاحجار . وجعل لها كل حركات الوزير اضافة الى قفزة الحصان . ولكن اللعبة لا تنتهي بموتها اذ ان تلك الميزة خاصة بالملك وحده .
وفي ليلة مقمرة , راى فيما يرى النائم , راى ملكه وقد راح يسعى لارضاء ملكته. رآه وهو على استعداد لبذل اي شيء من اجلها هي . حتى قواعد اللعبة رآه على استعداد لتبديلها . لقد كان الملك اعطى امتيازاته , ودوره الخاص به في ادارة اللعبة, وهو الملك رمز اللعبة وسيدها .
كان الملك يدلل زوجته دلالا لاحد له. ويميزها على كل شيء من حوله لكي ينال رضاها , لسبب مهم هو انه يعرف انها جاءت من ارض غير ارضه. وصاغها صائغ آخر غير صائغه هو .
اما هو، المتهور, فقد راح يحافظ على قواعد اللعبة الجديدة . ويحاول اتقانها, والسيطرة على تكنيكها الجديد, ولكن دون جدوى. فلقد كان قد تعود على قواعد اللعبة القديمة, لعبة بلا ملكة. ولذلك فقد صار قديما بالنسبة لفن اللعبة . وراح يشعر بالاحباط والهزيمة , امام هذا الوضع الجديد . ولذلك كان عليه الرحيل وترك حتى المكان الذي يربطه باللعبة .
وراى الملك ليلة , فيما يشبه الرؤيا , حزينا مهموما , مكسور القلب , ساله عن السبب . فاجابه الملك :
- لقد خسرت شرف اللعبة . لقد اعطيت كل شيء حتى بت الآن لااملك اي شيء , لقد اصبحت مدحورا .
- اهو السبب نابع من وجود الملكة ؟ سال المتهور الملك .
- كلا بل مني انا ..... الخارق لقواعد اللعبة . كان علي ان احافظ على موقعي . فحتى لو اعطيت كل شيء , ووهبت اي شيء فعلي ان ابقى في كل الحالات انا وحدي , انا الملك , سيد اللعبة .
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك