الحقيبة السوداء البديلة
صالح الرزوق
قصة: أنجيلو لويس
ترجمة: صالح الرزوق
في ليلة الجمعة الحزينة ، و في المبنى المتواضع رقم 13 ، من منطقة بريموس تيريس ، وقف رجل صغير القامة ، يرتدي قبعة قماش رمادية و ربطة عنق حمراء ، أمام مرآة الزينة ليبدي الإعجاب بشكله. مثل هذه التصرفات و في حالات أخرى ليس لها معنى ، و لكن للظروف حكمها. في 13 بريموس تيريس أنت إزاء جو متشائم يدعو إلى التطير. و حتى لا نسرف في التشويق ، كان الرجل الصغير يدعى بينجامين كويلش ، و هو موظف في مكاتب شركة كابل و كلينك ، المتخصصة بتجارة الفحم ، و كان على وشك اتخاذ قرار يائس. لدى معظم الرجال أسرار كامنة و طموحة ، و لكن بالنسبة لبنجامين كانت أسراره مزدوجة. على مدى سنوات طويلة كان يحن لارتداء قبعة قماش ناعمة ، و للقيام بزيارة إلى باريس. و لعدة سنوات أيضا كان القدر ، ممثلا بشخص السيدة كويلش ، يقف في طريقه و يمنعه من تحقيق أمنياته. كان كويلش ، كما أسلفنا ، بقامة قصيرة على نحو استثنائي، و لكن من سخرية الأقدار العنيدة ، أنه اختار أضخم سيدة من بين حلقة الأصدقاء لتكون شريكته في رحلة الحياة الهادئة.
لقد كان شخصيا بأخلاق و مناقب مطيعة و سهلة الانقياد ، بينما السيدة كويلش على العكس منه ، امرأة عنيدة و ذات مزاج صعب ، و لها آراء حاسمة تجاه معظم الموضوعات و المواقف. كانت تدير أموال و ميزانية بنجامين ، و تتحكم بطريقة و نوع غذائه ، و تختار له نوع العلاج حينما تتدهور صحته. لقد كانت مغرمة به على طريقتها الخاصة ، و تقوده في جميع الشؤون بعصا من حديد ، و كانت متصلبة برأيها حيال ثلاث نقاط.
فهي تصر أن يرتدي أطول قبعة يمكن الحصول عليها بما لديه من نقود ، للتغطية على قامته الهزيلة ، و لم تكن تقبل بسوى ذلك من بين أغطية الرأس. و ثانيا ، لتبدو الصورة أقرب إلى الرسميات ، كانت تسمح له بارتداء ربطة عنق حريرية سوداء. و أخيرا ، لم تكن تسمح له بالتدخين. و كانت لديها تحفظات حيال كل الأشياء الغريبة الأخرى. و كانت ذات موقف متعصب يقترب من التعنت الديني حيال الأدب و الطهي و الأخلاق ، فهي جميعا طيبة و مقبولة لو أنها فوق الأرض الإنكليزية. و حينما اقترح بنجامين ، ذات مرة ، في لحظة تهور ، القيام برحلة إلى بولونيا لقضاء عطلة الصيف ، ردت على النبأ بطريقة ممتعضة قطعت شهيته طوال الأسبوع التالي.
لم يمانع كويلش الامتناع عن التدخين ، لأنه في أيام الفاقة و الحرمان جرب السيجار الرخيص ، و كانت النتيجة التي وصل إليها : أن التدخين ليس من شيمه ، ثم فقد الرغبة فيه. و لكن القبعة الطويلة و ربطة العنق السوداء كانا من مصادر الإزعاج المستمر بالنسبة له. و خطرت له فكرة ، استقاها من الجائزة التي ربحها في مسابقة في المدرسة ذات مرة، مفادها أن الفن هو المصير الذي اختارته له الطبيعة.
كم كان بنجامين يبغض سرا القدر الذي ألقى به بعيدا بين أكوام الفحم ضد مشيئته . و إن العدد القليل من الفنانين الذين سمحت له الظروف بالالتقاء بهم ساهموا بإلهاب أحاسيسه حول طراز ناعم و جديد من غطاء الرأس ، النوع الذي يمنح قدرا من الشعور بالكرامة الحرية ، أضف لذلك مسألة لون لوازم العنق. و هكذا ، كانت القبعة و لوازم الرقبة ، و اعتراض زوجته عليها ، قد جعلت حنين بنجامين كويلش للتغيير أكثر قوة.
و في السنوات الأخيرة سيطرت عليه الرغبة بزيارة إلى باريس. و بحكم الصدفة قام موظف في نفس المكتب ، يدعى بيتر فيليب ، بزيارة شخصية إلى مدينة النور ، و علم منه أن كلفة الإنفاق وصلت إلى خمسة جنيهات. و لكن لم يكن متأكدا أنه استثمر المبلغ بالضبط. فهناك قدر من التخيل في حالة فيليب ، و ربما إن حساباته ليست موثوقة جدا. على أية حال ، لقد وسع ذلك من خيالات صديقنا بنجامين ، و شرع بالتو و الساعة في توفير الفائض من البنسات التي يجنيها ، على أمل القيام ذات يوم بزيارة إلى المدينة الساحرة.
و في النهاية حل ذلك اليوم. قامت السيدة كويلش مع أطفالها الثلاث و خادمتها بزيارة إلى لوفيستوف ، لقضاء عطلة عيد الفصح ، و تولى بنجامين مع امرأة صماء عجوز ، هي السيدة ويجير ، مسؤولية العناية بممتلكات العائلة. كانت رحلات عيد الفصح عند بنجامين محدودة بالجمعة الحزينة و يوم العيد ، و كما يبدو لم تكن الرحلة إلى لوفيستوف برأي بنجامين تستحق العناء و لاسيما أن الفترة قصيرة. و قد أمعنت السيدة كويلش التفكير و تدبرت أمر زوجها ليمضي أول يوم من العطلة في المتحف البريطاني ، و اليوم التالي في حدائق تربية الحيوانات. و لكن بعد يومين من رحيلها قام السيد كوبل باستدعاء كويلش إلى مكتبه الخاص و أخبره لو توفرت لديه الرغبة بمقدوره و لمرة واحدة أن يحصل على عطلة من الجمعة إلى الثلاثاء ضمنا ، ليتمكن من الانضمام إلى زوجته على شاطئ البحر. و قبل كويلش العرض بروح طيبة ، و شرع بكتابة رسالة لزوجته يزف فيها النبأ السار ، و وصل به الأمر إلى التخلي عن الشكليات و مناداتها بعبارة " عزيزتي بينيلوب " ، و هنا طرأت له فكرة شريرة و خبيثة : لم لا يمضي عطلته غير المتوقعة في باريس ؟.
وضع قلمه جانبا ، و فتح الجارور : و باشر بعدّ ما لديه من توفير. كان المبلغ يصل إلى خمسة جنيهات و سبعة عشر بنسا و هذا يزيد على ميزانية فيليب بإثني عشر شلنا. لا توجد صعوبات ، إذا ، من هذه الناحية ، و لن تسير الأمور بطريقة أكثر سلاسة بالنسبة لأي شخص آخر. فزوجته ستعتقد أنه في لندن ، و سيخمن رئيسه بالعمل أنه في لوفيستوف. و نشب نزاع قصير في رأسه ، و لكن الإغواء انتصر أخيرا ، و بشجاعة و إقدام عزم رأيه و قرر أن يغامر و .. يرحل.
في تلك اليلة من أحداث قصتنا ، اتخذ بنجامين كويلش قراره واستكمل حزم حقائبه.. و كانت مجرد " لوازم ليلية " كما يسميها عادة. لقد رتبها بأناقة في حقيبة يد سوداء هي من مقتنيات السيدة كويلش ، و وقف أمام المرآة و قرظ هندامه الآثم .. ربطة العنق الحمراء و قبعة القماش الناعمة ، و هو ما اشتراه بالفائض من نقوده. و كان أنفق جنيهين على بطاقة سفر بالدرجة الثانية تصلح للذهاب و العودة ، و جنيهين آخرين بشكل كوبونات ، تسمح له بالإقامة و تناول الإفطار و الغداء لمدة خمسة أيام في فنادق معروفة من باريس.
هذه الخطة ، بالإضافة إلى نصف جنيه ذهبي لقاء زوج من القفازات ، و رشوة تبلغ خمسة شلنات ليضمن بها صمت السيدة ويجير ، أبقت له في يده مبلغا يقل عن جنيه واحد ، و لكن هذا الفائض اليسير سوف يكفي احتياجاته المتواضعة و المحتشمة بلا أي شك.
كان ندمه الوحيد ، و هو ينظر إلى صورته في المرآة ، أنه لم يتوفر الوقت المناسب ليطلق شاربه ، و هذه هي اللمسة الأخيرة الناقصة التي سوف تكمل لوازم المظهر. كان الوقت يتسرب بسرعة ، و خشي أن يطيل النظر إلى خياله. أسرع بخطواته على طول الممر ، و فتح باب الشارع بحذق و حذر. و هو يفعل ذلك غمره الخوف. و تقريبا شعر بضرورة التراجع عن فكرته و مخططه المتسرع. و لكن مع هذا التلكؤ شاهد قبعته الطويلة البغيضة معلقة في الممر ، و هذا كفل له حزم أمره. أسرع بالمغادرة ، و أغلق الباب خلفه ، و غذّ خطواته باتجاه محطة فكتوريا.
كانت خطته مرسومة بطريقة متعجلة ، و بها كان يضحي باستقامته المعتادة في حياته. لقد كتب رسالتين إلى السيدة كويلش كي ترسلها السيدة ويجير بالبريد في أيام مناسبة معينة ، و فيها وصف خيالي لزيارته للمتحف البريطاني و حدائق الحيوانات ، مع أكاذيب حول الفيل ، و حيثيات أخرى عامة.
و ليضمن إرسالها بالبريد في ترتيب منطقي ، كتب التواريخ بقلم الرصاص على المظاريف في الزاوية التي تثبت فيها بالعادة الطوابع ، و لذلك حينما تلصق الطوابع سوف تختفي الأرقام. و أوضح للسيدة ويجير المغزى من الترتيبات ، و وعدت من طرفها أن تلبي و تنفذ تعليماته بدقة و بنية صادقة.
ثم توجه مباشرة إلى محطة القطار ، و في غضون دقائق وجد نفسه على متن قارب بخاري يعبر القناة إلى ديبي. لم يكن العبور مزعجا ، و لكن بالنسبة للمسكين كويلش ، الذي لم يتأقلم مع جو البحر ، كان يشعر كأن القارب على وشك أن يغوص تحت الماء. و قد أضافت الآلام الجسدية و دوار البحر مزيدا من الإرهاق الذهني و مشاعر الندم ، حتى أنه أصبح يرحب بالموت كسبيل للخلاص من هذه المعاناة.
و حتى وصول القارب إلى المرفأ لم ينتقل من نفس المكان الذي أمضى به ليلته ، و ربما كان سيستمر مستلقيا هناك لو لم يسحبه البحار بقوة لينهض على قدميه. فقبض على حقيبته بتكشيرة مريرة ، و اندفع إلى الأمام و هو يترنح.
و هنا شعر بالتحسن ، غير أن الرعب تمكن منه مرة أخرى حينما شاهد المفتشين بثيابهم الموشاة بالذهب و الحراس بالبذة الزرقاء ، و الذين كانوا يحيطون بعصابات المسافرين و يتحدثون بأعلى أصواتهم ، و بنبرات تبدو في أذنيه غير المتأقلمتين ، و كأنها تعبر عن حقد تقليدي ضد الدم البريطاني. و بعد أن وضع قدميه على اليابسة تلقاه موظف له نظرات شرسة ( في الواقع ، هو ضابط جمارك أليف ) ، و سأله باللغة الفرنسية هل لديه أي شيء ليعلن عنه ، و طلب منه بإشار من يده أن يضع حقيبته على الطاولة لإجراء الفحص اللازم. و و هنا خطر لكويلش أن هذا الغريب يزمع على سلب أشياءه ، فتمسك بالحقيبة بصلابة و تعسف ، و كان من الطبيعي أن يفسرها المفتش كأنها تحتوي على أشياء غير نظامية. و هكذا فتحها ، و من دواعي الغرابة أنه وجد فيها لوازم نسائية و ثوبا مسائيا للسيدات مطرزا بالفرو ، و لدى تفتيشه سقطت منه حزمتان من السيجار.
وقف بنجامين بدهشة و هو يرنو إلى هذه الأشياء غير المتوقعة التي أصبحت بين يديه بعد تفتيش حقيبته ، و اعتبر الموظفون ذلك دليل إدانة. و للحقيقة فقط ، بسبب القنوط من ظروف الليلة ، لم ينتبه كويلش أين كان يضع بالضبط حقيبته ، و لا انتبه إلى أنه استبدلها على سبيل الخطأ بحقيبة تعود إلى زوجة سيد رياضي كان في طريقه إلى ميدان للسباق في لونغ شامبس ديزيرنغ ، و كانت في نيته تهريب حفنة من " التبغ الممنوع " ، و لا شك أنه وضع مثل هذه الممنوعات بين مقتنيات زوجته على أمل أنها لن تثير الشبهات. على هذا الأساس رتب السيد الرياضي نقل التبغ بين أشياء شريكة حياته ، حقيبة يدها. و قد وصلت حتى هذه النقطة بلا تدقيق ، و ساعدها أيضا أنه لم تكن لها نظرة كويلش المرعوبة التي تحرض على الاشتباه. و كان أصحاب الحقيبة الأصليين الذين حملوا حقيبة كويلش التي تشبه حقيبتهم تماما على مقربة منه بين الحشود. و قد ندت عن السيدة نبرة احتقار و استغراب و هي ترى محتويات حقيبتها منشورة على المنضدة أمام ضباط الجمارك ، و لكن خيم عليها الصمت المطبق بأمر من زوجها الذي قال لها بصوت هامس : " احفظي لسانك اللطيف في فمك ، لو أن رجلا أحمق اختار أن يسرق حقيبتنا ، ثم يسلم نفسه لأول رجل يفتشه ، عليه أن يتحمل العواقب ". و في نفس الوقت أخذ السيد الرياضي و زوجته نظرة عابرة من محتويات حقيبة بنجامين للتأكد من أنها لا تحتوي على شيء ضار ، ثم تبادلا مع المفتش ابتسامة تدل على الضمير النظيف. و بعد إنفاق قليل من الوقت في البوفيه للحصول على شراب منعش ، احتلا مقعديهما على متن القطار المتوجه إلى باريس.
و لكن كان نصيب المسكين كويلش مختلفا . لقد استدعاه رجل عصبي له شارب غزير و إشارة ذهبية مزدوجة فوق قبعته ، و وجه له تهمة الغش و التهريب ، بالإضافة إلى ممانعة ضابط أثناء تأدية الواجب. و لأن التهمة كانت باللغة الفرنسية لم يفهم كويلش كلمة واحدة منها ، و في جهله هذا فهم أنه متهم بتمرير الحقيبة الغريبة و محتوياتها. و هنا طافت في ذهنه المضطرب صور السجن و العقوبة المدنية ، كلا ، بل العقوبة القصوى. و أخيرا وجه له الضابط الفرنسي بشاربه الغزير كلاما بالفرنسية ، مفاده أنه لقاء التخطيط لهذه المحاولة الماكرة يجب أن يدفع غرامة مالية تبلغ مائة فرنك. و لكنه سيتغاضى عن تهمة الاعتداء على الموظف ، نظرا لعدم إلحاق الضرر البالغ به ، و لن تترتب عليه غرامة إضافية ، و هذه مجرد لفتة كريمة منه. و بعد أن أوضح له كل شيء انتظر ببرود أعصاب الإجابة ، و لكن كويلش لم يرد للأسباب المعروفة . و هنا ورد في ذهن الضابط أن كويلش لا يفهم اللغة الفرنسية ، و شرع يخاطبه بلغة لسانه الأصلي حسب إمكانياته.
قال له : " أنت تهرب .. تهرب الحشيش. و لذلك يجب أن تدفع الغرامة ، مائة فرنك. هل تفهمني ؟. مائة فرنك .. ادفع المبلغ . ادفع . ادفع ". و كان يضرب بقبضته القذرة على بطن راحة يده الأخرى و مباشرة تحت أنف كويلش كلما كرر كلمة " ادفع " . ثم أضاف : " مائة فرانك .. بالنقود الإنكليزية تساوي أربعة جنيهات ".
توقف كويلش عند الكلمات الأخيرة ، و شعر بالراحة لأن المشكلة محصورة في غرامة مالية لحسن الحظ و هذا كل ما هو مطلوب منه. و لكنه لم يكن في بحبوحة و ليس لديه غير عدد من الشلنات في جيبه ، فكيف يدفع أربعة جنيهات . هذا يفوق قدراته كما لو أن المطلوب هو أربعمائة جنيه. و خطر له أن يطلب الرحمة من جلاده. و أوحى له ذهنه أن يتكلم بلغة إنكليزية مبسطة قريبة من اللغة الفرنسية ما أمكن ، فقال يعتذر : " هل هذا كل شيء. ". و واصل بمفردات قليلة و متباعدة يخاطب الموظف : " ما بحوزتي لا يكفي ". و جعل الكلمة الأخيرة طويلة. و حاول كويلش مجددا أن يحصي ما في جيبه ، و وجد ثلاثة بنسات أخرى فقط. هز الضابط رأسه ، و بعد مناقشة مختصرة مع مساعديه قال : " ما اسمك يا منسنيور ؟".
و ليداري كويلش عاره عن أصدقائه قرر بتسرع أن يذكر اسما مزيفا. و كان بإمكانه خلال خمس دقائق من إمعان النظر أن يختار لنفسه اسما مزورا مناسبا ، و لكن في هذه العجالة لم يكن ذهنه جاهزا. و لدى تكرار السؤال ، ذكر يائسا اسم جاره السيد هنري فلاغايت . و قال الضابط يكرر الاسم و هو يسجله على ورقة : " هنري فلاغايت " ثم سأل : " و أين تعيش ؟". و تابع كويلش فذكر عنوان السيد فلاغايت : 11 بريمروز تيراس. " شكرا ، سوف أرسل بهذا الشأن برقية". ثم ذهب المسكين بنجامين بخطوات منتظمة و تائهة إلى مركز الشرطة القريب.
في نفس الأثناء لم ترتيبات كويلش تجري في بيته كما شاء. فالسيدة ويجير ، بسبب صممها و غبائها الفطري ، لم تفهم تماما ماذا أراد أن تفعل بالرسائل. و إنما أدركت أنه رغب أن تضع الطوابع و أن تلقي بها في البريد ، أما مسألة التواريخ في زاوية المظروف فقد كانت من غير معنى بالنسبة لذكائها المحدود. و تصرفت ، على هذا الأساس ، حينما ذهبت في صباح الجمعة الحزينة إلى البيت الذي تعمل به ، و عمدت بتعبيرها إلى " الانتهاء مما في ذهنها " و إلقاء الرسالتين معا في أقرب صندوق بريد.
في اليوم التالي ، أصابت الدهشة السيدة كويلش حين وجدت على منضدة طعام الإفطار رسالتين تحملان خط بنجامين. و تعاظمت دهشتها حين فتحتهما ، كانت إحداهما تفصيلا لزيارة مزمعة إلى حديقة الحيوانات في الإثنين المقبل. و كانت النتيجة واضحة : إما أن بنجامين تحول إلى نبي ، و أنه ينفذ المتفق عليه من غير تلكؤ ، أو أنه كان " يتابع حياته " بطريقة سرية. و مالت السيدة كويلش نحو الافتراض الثاني ، و قررت أن تكشف السر حالا. جهزت شطيرة ، و وضعت قبعتها الخفيفة ، و قبضت على مظلتها بطريقة لا توحي بالخير لكل من شاهدها ، و انطلقت بالقطار التالي إلى ليفربول ستريت.
لدى وصولها إلى البيت استطاعت أن تجبر السيدة ويجير ، و التي أنفقت للتو آخر خمسة شلنات تلقتها من بنجامين و أفرطت في الكآبة و شرب الجين مع الماء ، على الاعتراف ، و علمت أن " السيد الطيب " لم يرقد في البيت منذ ليلة الخميس. كان هذا سيئا بما فيه الكفاية ، و لكن كان هناك برهان قاطع آخر يؤكد أنه يضمر أسرارا فادحة ، و علمت ذلك من قبعته الطويلة ، المعلقة في مكانها ، و كانت هذه إدانة صامتة ، على النية الشريرة التي تتطور هنا.
و بعد أن أخرجت من السيدة ويجير كل ما لديها ( باستثناء الدموع ) ، و لم يتبق المزيد ، لم تفلت السيدة كويلش مظلتها ، و اتجهت إلى باب الجيران ، ربما تصادف أن لدى جارتهم ، السيدة فلاغايت ، بعض المعلومات الإضافية. و شاهدت السيدة فلاغايت تبكي في الرواق و بيدها برقية .
و لأنها امرأة لا تهمل مثل هذه المواقف ، قرأت البرقية ، و التي جاءت من ديبي ، و كان نصها كالتالي : " ألقي القبض على السيد فلاغايت هنا لأنه كان يقوم بتهريب السيجار. و فرضت عليه غرامة مالية ، مقدارها مائة فرنك. لدى إرسال النقود سوف يطلق سراحه ".
آه ، يا للرجال ، يا للرجال. ندت هذه العبارة عن السيدة كويلش ، و هي ترتمي على كنبة ، و تابعت تقول : " كلهم صورة واحدة. أولا بنجامين ، و الآن فلاغايت ! و لم أستغرب لو أنهما الآن معا".
قالت السيدة فلاغايت و هي تبكي : " هل تقصدين أن السيد كويلش رحل أيضا ؟".
" لقد استغل فرصة غيابي و تصرف بحماقة. لم يرقد في البيت منذ ليلة الخميس. و قبعته موجودة في الممر ".
" ألا تعتقدين أنه تم اغتياله ؟".
ردت السيدة كويلش تقول : " لا أخشى من هذا. لن يجني أحد شيئا من مقتله. و لكن ماذا يدور في رأسه ؟ هذا ما أريد أن أعرف . و و يفلفني طبعا أنه من المحتمل برفقة السيد فلاغايت في جحر أجنبي حقير ".
سألت السيدة فلاغايت ببراءة : " ألا يرتدي الأجانب القبعات ؟".
ردت السيدة كويلش تقول : " ليس النوع الإنكليزي المحترم ، أراهن على ذلك . و لكن بعض القاذورات ، أجرؤ على الاعتراف بذلك. و كنت أعتقد أن السيد فلاغايت مسافر إلى إسكوتلاندا ". ( و يجب هنا القول إن السيد فلاغايت رحالة يهتم بمجال الفن و التصوير ).
" هو كذلك. أقصد ، يجب أن يكون الأمر كذلك. و في الواقع أترقب عودته اليوم. و لكن الآن أعلم أنه في .. في السجن ، و ربما لن أراه بعد الآ... الآن ". و انخرطت السيدة فلاغايت في البكاء المرير مجددا.
قالت السيدة كويلش : " هذا هراء. بمجرد إرسال النقود حسب المطلوب ، سوف يسرهم التخلص منه. و لكن لا تستعجلي ، اتركيه ينتظر قليلا .. و قريبا سيكون أمام عينيك ، لا تخشي من ذلك ".
و تحققت النبوءة بأسرع من التوقعات. ما أن نطقت بكلماتها حتى توقفت سيارة عامة عند الباب ، و خلال دقيقة دخل السيد فلاغايت نفسه ، رجل ضخم و مرح و يرتدي قبعة بيضاء تميل على طرف واحد ، و القى على الكنبة حزمة من السجاجيد الصغيرة.
قال الذي وصل أخيرا : " أنا في البيت مرة أخرى ، و كم أنا مسرور بذلك ! عمت صباحا يا سيدة كويلش ".
نظرت إليه السيدة فلاغايت بلحظة شك ، ثم ألقت ذراعيها حول عنقه و قالت : " حمتك مارثا ".
قالت السيدة كويلش بحنق : " مارثا ؟ أليس لديك احترام للذات . هل هذه الطريقة التي تلاقين بها الغشاش المخجل ؟". ثم استدارت نحو الغشاش المفترض و قالت : " و الآن يا سيد فلاغايت ، هل هربت من سجن الأجانب ".
" سجن أجنبي ؟ هل فقدتما عقليكما سيداتي ؟ للتو هربت من عربة الدرجة الثالثة التي تسافر بين لندن و نورث ويسترن. كان المكان ضيقا ، و لكن لم أسمع أحدا يقول عنه إنه سجن أجنبي ".
قالت السيدة كويلش بحدة : " لا فائدة أن تحاول خداعنا . انظر إلى البرقية يا سيد فلاغايت ، و أنكرها لو بمقدورك الإنكار. كنت تلهو في مكان غريب و موبوء مع زوجي المنحرف ".
" آه ، هل لكويلش علاقة ؟. إذا لا شك أن المسألة عويصة . و لكن دعونا نر ما الموضوع ، و كما أرى أنا في ظلام دامس الآن ، و لا أفهم شيئا ".
و مد يده إلى البرقية ، و قرأها بتمعن . ثم قال لزوجته : " هنا شخص يعبث معك. أنت تعلمين جيدا أين كنت .. إنها رحلتي العادية إلى الشمال ، و لا شيء آخر ".
قالت السيدة كويلش : " لا أصدق حرفا من هذا. كل الرجال سواء .. غشاشون ، كلكم غشاشون ".
" أحترم رأيك الطيب يا سيدة كويلش. و لكن لا أعلم ان كويلش رجل رديء. و بما يخصني الموضوع كله انتهى. و هذه فاتورة الليلة التي أمضيتها في فندق كارل آيل. و الآن هل تفسرين كيف كنت في كارل آيل و أتسكع في ديبي بنفس الوقت ".
تلعثمت السيدة كويلش و لكن لم تقتنع و قالت : " و لكن إذا .. إذا كنت في كارل آيل ، أين هو بنجامين ، و ما معنى هذه البرقية ؟".
" لست مشعوذا ، لا استطيع أن أفسر ما يجري ، و لكن سوف نجد السيد كويلش ، لا تخشي شيئا. متى اختفى ؟".
و أخبرته السيدة كويلش بقصتها ، و لم تنس الرسالة الغامضة. قال فلاغايت : " أعتقد أنني أرى ضوءا هنا. الرجل الذي وقع في المشكلة هو كويلش ، و لأنه خاف من موقفه تنكر باسمي عوضا عن اسمه. هذا هو تقديري ".
" و لكن بنجامين لا يدخن ، و كيف وصل به الأمر إلى ديبي ؟".
" ذهب ليستجم على ما أفترض. و لكن التدخين ، لا أعلم متى أزمع عليه ، و إن رجلا بهذا الشكل ، أستميحك العذر يا سيدة كويلش ، لا تعلمين متى ينحرف . الدودة أحيانا تبدأ ، كما تعلمين ، و أحيانا تبالغ بطريقها ".
" و لكن بنجامين لا يجرؤ على ذلك ".
" هذه هي المشكلة. لا يجرؤ أن يفعل شيئا لو كان تحت عينيك. و لكن في أوقات أخرى ربما يفعل و ربما لا. الحقيقة أنك تضغطين عليه ، و لو سنحت له الفرصة لن تستطيعي أن تخمني بالطريق الذي سيقفز فيه".
" لك أسلوب فظ في التعليق يا سيد فلاغايت. السيد كويلش ليس حصانا ، هذا ما أعرفه تماما".
" لن نتعارك حول سلوك حيوان ، يا سيدتي العزيزة ، و لكن ثقي إن تفسيري صحيح. إن رجلا مجربا مثلي ، لن يمر بهذه التفاهات ، لك أن تقولي ذلك. و لكن كويلش لا يعلم ما يكفي عن العالم ليحافظ على نفسه بعيدا عن سوء الحظ. لا شك أنه متورط ، هذا واضح ، و أفضل شيء تفعلينه أن ترسلي له المبلغ و تطلقي سراحه".
" أرسل المبلغ للرجل الفرنسي النصاب ؟ كلا ! . لو أن بنجامين في السجن سأطلق سراحه بيدي ".
تنهد السيد فلاغايت و قال : " لن تغامري بالسفر عبر الممر البحري الخطير و الفظيع. و كيف ستعالجين موضوع اللغة ؟ أنت لا تتكلمين الفرنسية ".
قالت المرأة الجسورة : " آه ، سأبلي بشكل جيد. لن يتكلموا بالفرنسية معي ".
في تلك الليلة سافرت عبر البحر امرأة بواسطة زورق انطلق من نيوهافين إلى ديبي. كان النهر خشنا ، و أصاب المرأة دوار البحر ، و لكنها حافظت على قامتها منتصبة بقوة ، و لم تفلت قبضتها و لو لدقيقة عن يد مظلتها الحريرية. و مرت أيضا على اليابسة بظروف موحشة ، و لكن كيف أطلقت سراح زوجها في خاتمة الأمر ، و ماذا دار من كلام بين الزوجين المتقابلين ، سندع أمره لخيال القارئ ، لأن السيدة كويلش لم تنطق حول الموضوع بحرف واحد.
و بعد أربع و عشرين ساعة توقفت سيارة بأربع عجلات أمام باب الزوجين كويلش ، و منها هبط ، في البداية ، امرأة متماسكة ، ثم رجل صغير متألم ، له قبعة قماشية ناعمة و ربطة عنق حمراء ، و كلتاهما مغبرتان و مدعوكتان ، و كانت في يده حقيبة يد سوداء. سألت السيدة كويلش لحظة وضعت قدمها في البيت : " هل توجد نار في الموقد ؟". و لما تأكد لها ذلك ، هبطت بسرعة نحو سلالم المطبخ ، و وراءها تبعها بتخاذل السيد كويلش. قالت له و هي تشير إلى الحقيبة السوداء : " الآن . هات تلك الأشياء .. ". فتح بنجامين الحقيبة و أخرج بيد مرتعدة الثوب المسائي القديم و السيجار . أشارت زوجته إلى النار المتوقدة ، و هناك بصمت ألقى بها. أضافت تقول : " الآن ، هات ربطة العنق ". بعد السيجار ألقى بربطة العنق.
قالت له : " و ذلك الشيء " . و في التو ألقى فوق كومة المهملات بالقبعة. كانت الرائحة عجيبة ، و لا يتقبلها الأنف العادي، و لكنها كانت بالنسبة للسيدة كويلش مثل رائحة بخور منعش. ثم إنها راقبت الكومة و هي تحترق و تضمحل. و في النهاية حركت الكومة بالمحراك الحديدي ، و قالت لشريكها المرتعش : " الآن يا بنجامين سأسامحك .. بشرط أن لا يتكرر ذلك.... ".
و لم يرد بنجامين على التحذير ، و لم يكن بحاجة للرد. كانت تجربته الوحيدة قد أشبعت شوقه للحياة الوثيرة و للسفر إلى ما وراء الحدود ، و هكذا عاد إلى سابق عهده مع القبعات الطويلة ، حتى أنها في هذه المرة كانت أطول مما في السابق.
أنجيلو لويس ( 1839 - 1919 ) : الاسم المستعار لجون هوفمان. و هو صحافي و كاتب قصص.
العنوان الأصلي :
THE WRONG BLACK BAG , Story by ANGELO LEWIS.
الترجمة : 2010


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك