أدب فن: قناطر مقطعةِ قناطر مقطعةِ ================================================================================ حسين عجة on 30/ 8/ 2010 (1) لا تُفصَحْ رفةٌ العينِ عن خبر سعيد، كانت تهذي وأطفالها يتكومون من الخوف قرب المدفأة، حين حل شتاء يبحث عن جلد ليكسر عظمه، في غياب الشمعة، الأب، كنية العائلة. نافذة وحيدة في الحجرةِ كانوا يتقاسمونها كل بدوره، لا لكي يتنشقوا هواء الخارج هرباً من الحكايات العتيقة، المملة، لكن لجس نبض الخطوات العابرة، تلك التي تمر غفلة في الشارع المُلغزِ، لعلهم يتعرفون عبر إيقاعها على خطوات منْ كان يأتي والليل على مشارف النهار حاملاً في زنابيل وسلال مدهشة فواكه تغري لعاب الفم وتسلي العين بنظارة أعمارها: التمور على أنواعها مُلتفةً على عناقيد الكروم وكأنها خلسةً تُرشفها بقبلة، الآجاص الخجول من الضوء، الرمان ذي النهود النافرة، العكعك الساخن ينام في أحضان تفاح أيقظته للتو ملامسات الندى الناعم وعيون الفتيات الناعسة. كنتَ، في تلك الزاوية، تُراقَبُ حزمة الضوء الساقط على وجهها، تَرهفُ السمعِ لحفيف ثوبها؛ بخفة تلامس الدمدمة شفتها غير الملونة؛ نحلة تجوب ما بين المجاز الطويل والباحة الضيقة. وكأنها ضيف يلوح من فوق السطوح بنسائمه العليلة، الصامتةِ. (2) جاء زمن آخر وفرق طيور الباحة. الحمامة البيضاء بخف الشمع الذي يكسي أصابعها حلقت عالياً، ثم حطت كما يحط الورق العابث بالرياح من فوق منارة، هناك جلست للحظة والتعب ينهش جنباتها المرهفةِ، من فمها الوقور لم ير المارة قذى يشبه الزبد المتراكم من فوق أفواه النسور الهائجةِ، توضأت بعدها بالرمل القليل أمامها وصلت مليون ركعة لخالق الغيوم لكي تظل نوافذ مدينتها منورة. باحة خالية، هواء بلا نسمة، ثوب غادره حفيف لعبه، أولاد يقذفون بالنرد بعيداً ولا يتشكل الرقم الأعظم. كشظايا الزجاج في عز الظهيرة كانت عيونهم مجرحةً. لكن قبل دقات الفراق القاسية، عند هجوم الغسق ورهطه الغابر، مرَ بلا موعد رجل من سواد القوم، لم يره الأولاد حينما حلقت الحمامة البيضاء عالياً، مرَ وعباءته المنسلة الخيوط، المحترقةِ من قيظ البوادي لمت بضربة ساحر النفايات التي كانت تخنق أعشاب وشجيرات الممر، غسلت بمياه معطرة الباحة الخاوية. من الدهشة أو الفزع، ردَ عليه من بقى من الأولاد ببتسامة غير مصدقةً. ما كان يشغل دقات قلوبهم وينهك إيقاعها المُحببِ لم يكن نفايات الممر تخنق أعشاب وشجيرات النزهة، ولا حتى الباحة القديمة المعطرة. كان الحمامة البيضاء، أخبارها، ما آلت إليه أجنحتها الثملة، وصلاتها الغريبة، في عتمة الليل، فوق المنارة. لم تكن الشجاعة ما يعوزهم، لكن الحياء الذي اجتاح بغتة قمصانهم وبللها بالعرق النادر منْ لجمَ أفواههم وشلها عن المناشدة. بعجالة، وكأنه يريد أنهاء قصة مُرهقةً من التجوال ما بين الأزقة والذاكرة، تنحنح الرجل العابر والدمع يملأ جمراً مقلته المنطفئةِ : قناصٌ بخوذتهِ الرمادية، ببسطالهِ الأسود الثقيل ويديه الملطخة بدماء القارة صوب رصاصته الطائشة نحو المحلقة عالياً وأرداها قتيلة لحظة هبوطها كالورق العابث بالرياح، لحظة الصلاة؛ تراجعت النجوم مذهولةً مما حدث بالقرب من صومعتها الآمنةِ، تلاشى بريقها الأزرق النحاسي، وظلت نوافذ المدينة عابسة من الحزن أو من خراب الفكرة. (3) وحشة تقطنك ولا تعرف أنتَ أثمانها الباهظة. أية ربابة أو كمان وضعوا بين يديك الراعشة، لكي ينهي رئيس الجوقةِ خطبته الشهيرةِ عن سر الفنون الجميلة؟ خرجت منحني الرأس والمنكبين، فيما كان الرفاق ينشدون أحلى الأغاني والفتيات يتمايلن بخصورهن النحيلة كما تتمايل أغصان البان الرهيفةِ. منْ كان ينتظرك في الدار، قرب رماد المنقلةِ؟ شيء أو ضربة خاطفة حدثت على الدرب، كدقات الأجراس في الكنائس، ربما فوق قنطرة لا تطأ أخشابها العتيقة، المسوسةِ أقدام العابرين نحو الضفة المقابلةِ. الكحلاء، اسم القنطرة، أو القرية التي رحبت بها على شطآنها ضيفةً مكرمة معززةً. لمَ ذَرَفتْ الدمع هناك والمياه تلاعب أسماكها الملونة؟ كنتُ، مع صخب الأولاد، شاهداً على نزف دمها، ريشها المبعثر، وقيثارتها المهاجرة. (4) وداعاً حبيبي، في أمان الله، خلص عندي رصيد الأصوات عابرة الأشواق؛ بطاقة الأحزان، تلك التي أشتريتها البارحة، للتو، قبل ساعة، محدقةً براحتي المصفرةِ كليمونة مُجففةً؛ ستنقطع بعد دقيقة كهرباء المنزل؛ نعرف وقت مجيئها وغيابها في اللحظة، وفي غرفة المرأة التي تهذي قرب الموقد ظل نعاس صغاري يحدقُ بعتبتي المهشمةِ. (5) كان عليها حملي كطفل بين يديها، معها، في صيف يخنق خلجات النافذة، يحرقُ بدلة روحها، يُلبسها لون القتيلة أو العاشقة. لكنها مضت وهذيان المرأة، الموقد يعبث بريشة أحلامها، يحذرها من عبور صخرة كانت تلوذ بالصمت قرب قناطر مقطعة.