أدب فن: في إنتظار CGK733 في إنتظار CGK733 ================================================================================ عدنان المبارك on 30/ 8/ 2010 جاعيد الشيخوخة هي في الروح أكثر مما في الوجه. مونتين فتح الباب لصديقه الذي لم يلتق به منذ خمس سنوات. هو طويل القامة والصديق قصيرها. الاسمان متشابهان تقريبا : الطويل نعمان والقصير سلمان. ما يجمعهما الميل إلى التنكيت والسخرية من جهة ، ومن أخرى إلى القنوط والشكوك. الأول متقاعد منذ 11 سنة ، والقصير في عامه التقاعدي الثالث. خلال تلك السنوات الخمس تراسلا كثيرا. القصير يفتقد الحس العملي في الأمور اليومية على العكس من الطويل الذي لا يوحي كل شيء فيه إلى أنه من النوع العملي لكن كانه. الطويل نحيف لم تنتشر التجاعيد في وجهه. قليل منها هناك. إلا أن الشيخوخة ( عمره 78 سنة ) كانت تهيمن على جلد الرقبة واليدين. حركاته لا تزال نشطة لكنها فقدت مهارتها السابقة. بياض العينين صار برونزيا، عموما فقدت العينان البريق. انتبه القصير إلى أن لا تغيّرات كثيرة في مظهر صديقه كما أنه لا يزال ساذجا في أمور كثيرة، ودودا يتردد قليلا قبل أن يطلق سخريته الناعمة. أراد أن يواصل التفكير بصديقه إلا أن هذا أطلق ضحكة قصيرة، ناعمة أيضا، وسأل القصير: ( جاي لو كهوة، لو بيرة مثلجة، لو كوكتيل من صنع محلي ؟ ) ضحك القصير أيضا وهز رأسه شاكرا. الطويل: متر و 85 سم، أما القصير: متر و55 سم. قاد القصير إلى الحديقة وجلسا هناك على كرسيين بلاستيكيين - أبيضي اللون وأمامهما طاولة صغيرة بيضاء أيضا. أخذا يتكلمان بصوت أعلى، فالطيور كانت تحلق بجنون مطلقة صياحا غير مألوف. كما هناك ضجيج الجرّار من الحقل الذي يفصله عن الحديقة سور نباتي عال. فكر الطويل: أكيد أن هذه النوارس هي الآن وراء الجرار وتلقط الديدان من الأرض المحروثة. القصير يكتب منذ أكثر من عشر سنوات دراسة موضوعها ( الشيخوخة في الأدب ). أصدر ثلاثة مؤلفات: 12 قصة بين قصيرة وطويلة، بحث عن أديب معاصر، ترجمة شعرية جيدة. .ينشر من حين إلى آخر مقالات عن هذا وذاك من الكتاب. الطويل يجدها باهتة ، رغم توثيقها المعتنى به ، وتقترب هنا وهناك من الثرثرة. القصير على حاله القديمة لولا فقدانه الشعر في مقدمة الرأس. فكر الطويل: هكذا الحال دائما - التعاسة تبدأ بالشعر ثم تنحدر إلى أسفل... قال القصير فجأة : - هل رأيت صور فوزي الأخيرة ؟ قبل رحيله هزل كثيرا واختفت ابتسامته المعروفة. كل هذا حدث فجأة. لك أن تتصوّرْ أني حسدته طوال الوقت على سيطرته السريعة على الشيخوخة. القلائل فقط يعرفون كيف يكونون مسنيّن من دون إحباط وخرف وباقي اللعنات. 88 سنة. عمر جميل، أ ليس كذلك ؟ بقي السؤال من دون جواب. فالطويل كان ينبش في الذاكرة.( من كان القائل من المشهورين بمثل هذا الكلام: ليس كل واحد يعرف كيف يكون مسنّا ؟ ). فشل في العثور على الجواب، ولذا عاد إلى سؤال القصير الذي واصل الكلام عن الشيخوخة لكن من دون ذكر فوزي الذي كان يكن له مشاعر مختلطة تتراوح بين الود والاعتراض على ما كان يقوله ويكتبه. تكلم القصير من جديد : - أنت قرأت رواية إيتالو سفيفو ( الشيخوخة ) - لم ينتظر التعقيب على كلامه، فقد كان يعرف أنه قرأها، أما الطويل فقد انتبه في تلك اللحظة إلى أنه لا يعرف لغاية الآن بأيّ لغة قرأ القصير( الشيخوخة )، أكيد ليس بلغتها الأصلية فهو لا يعرفها جيدا رغم أنه ( بليّة باللغات ): إنكليزي ، روسي ، فرنسي ، فارسي. قرأها على الأكثر بالإنكليزية، وكانا قد تكلما عن هذه الرواية مرة أو مرتين - كان هوس هذا اليهودي الإيطالي هو التحليل النفسي. صححْ لي اسم بطلها إذا ذكرته مخطوءا : أميليو برينتاني. نعم هذا هو الاسم ! - كان القصير فرحا. شبّهه الطويل بطفل صغير عثر بين فخذيه على مصّاصته التي اعتاد على أن يكون فمه مكانها الطبيعي - جويس، والله يذكره بخير مضاعف، هو من اكتشف سفيفو، وقال عن ( الشيخوخة ) بأن بعض مقاطعها لا يقدر أناتول فرانس نفسه على أن يكتب أحسن منها. إيْ نعم أغاتي، أنا أجتر كلاما قيل سابقا. سبق لنا أن تكلمنا عن سفيفو. صحيح ؟ في كل الأحوال ذاكرتي أكثر طراوة من ذاكرتك، هي أصغر منها بتسع سنوات و235 يوما، ولا أعرف كم ساعة أيضا. ومن منا أخبروه في أي ساعة ولد. ذاكرتي لقطة العمر - أراد الطويل أن يقاطعه : لا تواصل الاجترار ! ، إلا أنه صرف النظر خاصة أنه لا يتذكر الآن الكثير من التفاصيل المتعلقة بسفيفو وروايته هذه - أكيد أنك لا تتذكر متى نشر هذه الرواية. في سنة 1898. كان قد سحرنا ، وأنت حاكيته في تلك القصة من عام 1955، لحظة ! اسمها ( تحت الغطاء). ضحكنا طويلا بفضل العرق وغموض الاسم بعض الشيء. فوزي سألك : هل المقصود تحت اللحاف أم تحت غطاء الجدرية مثلا ؟ شيء جيد أنك لا تزعل ولا تشعر بالإهانة في مثل هذه الحالات. بطل ( الشيخوخة ) وبطلك من ( تحت الغطاء ) يبدوان وكأنهما من عائلة واحدة ، بالأحرى كأنهما موظفان يعملان في الدائرة نفسها. كلاهما يعاني مما يسمى ( مرض الإرادة ) و يميل إلى ترتيب حياته في منطقة المخيلة لا غير. أنا أعرف ما الذي جذبك إلى هذا الإيطالي أكثر من غيره: ريادته في خلق ( ضد البطل )، أليس كذلك ؟ - الطويل المقتصد في الكلام سال نفسه : لم يميل إلى عشرة القصير الذي لا يقاوم الرغبة في أن يتكلم من دون توقف؟ أكيد بسبب خشيته دائمة من حصول سوء فهم إذا لم يتكلم عن موضوعه بالصورة الوافية - فبطله مشغول طوال الوقت بتحليل لا يتوقف لداخله، ومن هنا سماحه للحياة بالعبور أي أن تفلت من بين أصابعه. أتتذكر صديق البطل، ذلك النحات المغمور أيضا ؟ أتذكر أنه على النقيض من بطلنا. الأول هامد رغم انشغاله بالداخل، والثاني يتفجر حيوية رغم أنها لم تكن ناجعة - عزيزي نعمان، ألا تعتقد بأن الشبه كبير بيننا وهذين البطلين؟ لدي أكثر من دليل، ولآخذ، على الأقل، ما يحصل بيننا الآن: أنا لا أغلق فمي ولو لبضع ثوان وتطفر الحيوية من كل ثقوب جسمي - أطلق ضحكة لا تخلو من الصخب، وكان الطويل يحب هذا النوع من ضحكات صديقه - وأنت ذلك الصامت الأبدي، الملغّز ! طويل وقصير تماما مثل دون كيخوته و سانشوا بانزا ! ولولا فارق العمر بيننا لأطلقوا أكثر من شائعة عن بلوغي عمر العته - الطويل أراد مقاطعته بالقول: لكني لست صامتا مع النفس! غير أنه صرف النظر مرة أخرى- على أي حال نحن في وضع أفضل من وضع الذئاب .الذئب بعد الولادة يتعلم خلال سنة كيف يصطاد الفريسة لكنه في السنة الثالثة من عمره القصير الذي لا يتجاوز ست سنوات، يفقد المهارة ويكون على الذئاب الأصغر منه أن تأتيه بالطعام. هل تغريك مثل هذه المقارنة: الذئب يفطس حين يروح الطفل في البلدان المتقدمة إلى الروضة. العلماء هناك يتوقعون أن يبلغ معدل عمر مواطنهم مائة سنة، في الحقيقة نصف عددهم سيعيش مائة سنة، لكن هناك مثل هذه التوقعات للمستقبل. في مجلة ( لانسيت ) قرأت ما كتبه خبير دنماركي من مركز أبحاث الشيخوخة. دقيقة ! اسمه كوره كريستنسن. يفيدنا بأن عمر أطفال هذه البلدان قد طال بأكثر من ثلاثين سنة أثناء القرن العشرين. صار كل شيء مسموحا به كي نراوغ النهاية ! قلتُ أن فوزي هزل جدا قبل رحيله. مثل هذا الهزال يزيد من خطر تفاقم الخرف. بعد ثمان سنوات من البحث توصل العلماء الأميركان إلى مثل هذه النتيجة، أي بين ما يسمى مؤشر بي إيم آيThe Body Mass Index والعته - أخذ الطويل يتابع كلام القصير بانتباه أكبر، فهو بالفعل لا يستعيد وزنه من قبل عامين لكنه لا يفقد شيئا منه أيضا - هم يفيدون بأن انخفاض وزن الجسم يخفض من مهارة العقل وحتى بنسبة 79 بالمائة. - بان شيء من الإحباط على ملامح القصير. من عادته أن لا ينظر إلى مخاطبه بل يختار نقطة في يمينه أو يساره، لكن هذه المرة نظر باستقامة إلى وجه الطويل الذي لم يفقد إلا القليل من وسامته - هل تعرف بأني أحسد أحيانا الجرذي الذي يعيش من ثلاث إلى أربع سنوات فقط. أحسده على قصر العمر فقط ! أوه ، نحن تكلمنا عشرات المرات عن رحلتنا العقيمة هذه، لكني من جهة أخرى لا أحسد الجرذي على ما يعانيه قبل الموت من أمراض ومذلات. الجرذان لا تفقه حالته الجديدة التي فاجأتها ولذا تطرده حين يقترب من طعامها. باحث بريطاني لخص أوضاع الحيوان العجوز بهذه الصورة: يصبح أقل عدوانية. تقوى صلته بمربيه. ينام أطول ويأكل أقل. جلده يثخن و يخشن شعره. بوزه يبرز أكثر و يتكثف ضباب العينين. تقل حركته. يعاني من الشلل أحيانا. غالبا ما يمرض. يحتاج إلى سوائل أكثر بسبب ضعف الكليتين. يعاني من ضعف الدورة الدموية، وحينها يزرّق لون الذنب. والآن معلومة شائقة ! أعلن الكوريون أنهم أفلحوا في تركيب جزيئة حيّة أسموها ( نبع الشباب ). مهمتها أن تحول دون أن تشيخ الخلية وتفنى. أعلنوا أيضا أن هذه الجزيئة المركبة في المختبر قادرة، عند توفر الشروط اللازمة، على تجديد الخلايا. أعطوها اسم CGK73 . بالضبط لا أعرف ما المقصود ، فلغة العلماء من الطلاسم أيضا ، لكني سأتعقب الموضوع .أها ، الكوريون قالوا أيضا إن الأدوية المطعمة بهذه الجزيئة ستطيل حياة خلايا الإنسان أي حياته أيضا. بشروا العالم بأن إنتاج مثل هذه الأدوية سيبدأ في السنوات القريبة القادمة. والآن قل لي ألا يكون الرب معذورا إذا غضب من جديد وأنزل علينا لعنة أخرى ! شعر الطويل بأن صديقه على وشك أن ينهي كلامه إلا أنه قاطعه: - وقبل أن أعمل الكوكتيل المحلي ستكون هذه اللعنة فقدان الذاكرة التام، أي سنحرم من هذه الدعامة للشيخوخة كما يزعم بوليفيوس ديميتراكوبولوس ، لكني أغفر له هذا القول حين تفوه بآخر: الإنسان هو للماضي مؤرخ وللمستقبل شاعر وللحاضر ممثل هزلي... - ومن هو هذا اليوناني ؟ - شاعر رحل في عام 1922، وهكذا سيحرم من نيل السعادة الكورية الموعودة. أراد أن يواصل السخرية لكنه انتبه إلى أن القصير كف عن الاهتمام بكلامه. غادر المكان ثم عاد حاملا ترموس الكوكتيل إلا أن القصير غفا أثناءها. لا يعرف لم تذكر كلمة للأرجنتيني الأعمى جاءت في مؤلفه ( كتاب الرمل )، وكان قد استلها منه كي تتصدر قصة أخرى لم تكن الشيخوخة و وعتها محورها الرئيسي: ( أرى بأني أخذت أشيخ : هي علامة لا تخطئ حقيقة أني لا أهتم ولا أفاجأ بالمستجدات، وقد يكون السبب، على حد قولي، بأن لا جديد فيها على وجه الخصوص، أنها نفسها دائما - محض تنوعات متواضعة ). لاحظ أن القصير كان قد وضع على الطاولة أوراقا غير مصففة. أكيد أن الريح الخفيفة في ذلك العصر قد عبثت بها قليلا. وجد أن معظم ما مكتوب هو معلومات جافة عن الشيخوخة من وجهة نظر علوم كالطب والنفس والاجتماع. انتبه إلى ورقة لاشيء فيها غير بضعة أسطر. كان يعرف بعضها وقائليها : - ماذا يريد هذا العابر؟ لماذا يحيا ؟ وهذا الطفل وأمه، وهذا العجوز ؟ أثناء هذا التمشي لا أحد عثر على الشفقة في عينيّ. وفي الأخير رحتُ إلى المسلخ حيث علق في الكلاليب شيء يذكر بجثة الثور. كدت أنحب بسبب هذا المشهد. أميل سيوران ( اعترافات و لعنات ) - حين يشيخ الإنسان يبدل مخاوفه بأحوال السخرية . أميل سيوران في فصل ( سيرك الوحدة ) من كتاب ( قياس الوحدة المنطقي ) - لاشيء هو الموت : نفخة واحدة وتنطفئ الشمعة، لكن الشيخوخة هي العار الفظيع ! نيكوس كازانتزاكيس - الشيخوخة محزنة و ليس لأن المتع قد انتهت بل الآمال. جان بول وجد الطويل أن القصير أخذ يفكر مبكرا بالشيخوخة، و( لا أظنني قد فكرت بها حين كنت في عمر كعمره ). جلس أمام صديقه وأخذ ينبش من جديد في الذاكرة: من كان القائل إن لكل واحد، كما نابليون، جزيرته المنفى - القديسة هيلين : الشيخوخة؟ لم تسعفه الذاكرة مرة أخرى. نهض وراح إلى البرّاد ووضع فيه الترموس . كان موقنا بأن قيلولة القصير ستطول. باندهولم - آب / أوغست 2010