أدراج العـودة ( 17 )
هيام الفرشيشي
تاه أحمد بين منعرجات الجبل وهو يهذي ويقول ما لا يفعل ... لقد التحم هذه المرة بلاوعيه ولم يستطع العودة إلى حالات الوعي ... يحدث الآخرين عن انتظاره للرؤيا ، فحين يعيش حالة الرؤيا سيصبح شاعرا كبيرا ، ولن يهتم بوجود الآخرين الذين يكتب عنهم حسب الطلب ... في النهاية وجد نفسه في الشارع ... لا مأوى ولا عمل يعيله ... كم غيب الحقيقة بالأوهام ، وتقمص أدوار شاهد الزور ، وهو يضيع الآن في ضبابية الكشف ...يبحث عن خيرة التي غادرت نحو عاصمة النور ... يحاول الاتصال بهاجر ولكن جوالها مغلق ... لقد طلبت منه أن يصطحبها للمطار لتسافر خلسة عن عائلتها ، فلم يمانع وهو يتلقف لفافة الدينارات ، وتعده بأنها ستسفره إلى هناك في أقرب وقت ... فيحلم بالعيش تحت تلك السحب الداكنة التي تغطي سماء ذلك البلد الأوروبي ... وهي تنزل من سيارة الأجرة وهو يرافقها ويحمل حقائبها توقفت سيارة سوداء ، نزل أخوها ورجالاته ، مسك أخته من مرفقها وجذبها إلى السيارة واختفت من يومها ، أما هو فقد اتصل به رئيس التحرير ، وأعلمه بأنه وقع التخلي عنه للمشاكل التي سببها للمجلة ولافتراءاته التي يعاقب عليها القانون ...
يجلس على الأرض ويحفر التراب بأصابعه وكأن السماء لن تمطر دينارات ، ولن تجود عليه بالإلهام ... يتجمع الصبية حوله ، ويقولون إن الحفرة الصغيرة التي حفرها صالحة للعب الكجة ، يشاركهم اللعب كطفل صغير ، ويجيبهم بأنه شاعر والزمن لا يعنيه و هو لا يبالي بعقارب الساعة لأنه يبحث عن الرؤيا التي يذوب فيها الزمن ... ويقهقه الصبية ويسألونه عن الرؤيا فيقول هي الحلم ، ويقول أحدهم " كلنا يحلم كل ليلة ، أم تريد أن تحلم وأنت مستيقظ وتحلم لغاية الحلم في عالم الخيال ..."
ويأتي أحدهم بدربوكة ويقول له : "احلم وأنت ترقص كما فعلت المرة السابقة ، لكن إياك أن تدور حول نفسك كالدراويش ، وإلا سيغمى عليك" ...ويقول أحمد بأنه "عمل بالراي" وأن الجسد هو الذي يحتوي الشعر ويهتز طربا بنشوة الرؤيا ويسحر كل البدايات ... ورغم أن الصبية لا يفهمون كلماته الأشبه بالطلاسم ، فما يهمهم هو أن يرقص أحمد وهم يتداولون على ضرب الدربوكة ، وسرعان ما تعتريه الرجفة ويغمى عليه ، ويقول النسوة بأن أحمد تحول إلى درويش صاحب بركة ... وأن الدروشة طهرته من الدنس ، وأنه الآن صار صاحب قلب نظيف ويتكشف على المجهول ...
وكانت فجوات الوهم ، والروح المثقوبة أشبه بغربال تنفذ منه ارهاصات الإبداع ولا تعلق في النفس غير الخربشات على أرض جرداء ... يتحدث عن نفس بائسة ، مفتتة عمل على أن يجعل منها نفسا متماسكة تداهم وتهاجم من خلال الدور الذي أوكل إليه ، لكنه كان يدرك أنه يرمم بناء هشا وأنه يتجمل بالمساحيق التي تزيف باطنه ... إلى أن أرهق وهو يبحث عن لحظات خيال وعن الرؤيا ليبدد الأوهام ...الحقيقة مرة ... أوجاع ... عدم القدرة على العيش بتوازن في غياب والدته ... ولكن هل تجدي الدموع ؟
تحترق نفسه كما تحترق كل ورقة يشتم فيها الآخرين ، أو يتطاول على حرماتهم ، أو يحاول تصغيرهم ، يرى هاجر تمسك بسيجارتها وتطفئها على تلك الورقة لتترك عليها أثر إدانة ، ويرى هؤلاء الذين نعتوه بالمرتزق وقد حرقوا قلبه بنظرات الاحتراق ... كان يحلم بأنه قادر على إيذاء الآخرين مهما علا شأنهم ، المهم أنه ينتظر تكليفه بذلك وسيفاجئ من كلفوه بأن أحقاده الدفينة مشحونة بالنقمة على هؤلاء ...فقارب النجاة لم يتكسر ، وحين يحول أسماء هؤلاء إلى حطام ، سيجمع ذلك الحطام ويدوس عليه برجليه ...وتنبعث من عينيه تلك النظرات الباردة الشامتة ....
يدرك الثري أن أحمد يتقمص دور الدرويش ليفصح عن الذي كلف به ونفذه بمهارة ، وحين وقع التخلي عنه حول الدروشة إلى تصفية حسابات قديمة بعد خيبة الأمل الموجعة ، فكلف من يكتب عنه مقالا يهاجم طريقة كتابته ، فإلى متى تعول المجلة عن كاتب غير مبدع ، في حين أن الثقافة إبداع أو لا يكون وقدرة متفجرة بالمعرفة أو لا تكون ، فهل يتحول الكاتب إلى مرتزق ليصنع بمشاكساته المزعومة نجومية خادعة ؟ وهل فرغت الذات العربية من الروح وهي تتبنى طروحات الآخرين الممعنة في تدنيس الجسد العربي وإفراغه من الروح ، وتحويله إلى جثة تنبعث منها الروائح الكريهة ؟
تستمر حياة أحمد على شكل نقاط في سطر ليس له حدود ... حياة هشة كبلور يحتمل الكسر ...أوراق تشوه بحبر، ثم سرعان ما ترمى في القمامة أو من خلال فجوة في الجدار .. شهادات تقدير مزورة تهدى له ، ثم سرعان ما يتبين أنها من ورق لا تعطى إلا إلى المرتزقة ، يكتبها هؤلاء الذين يرسمون الخطوط المستقيمة التي تسير في اتجاهات محددة ... وتنقلب حياة أحمد إلى أسطر منحنية منكسرة ... مشاعر تنقبض وتتضخم .... حركات مد وجزر ... بعدما طرد من المجلة بدا بصورة متفرج رديء غير قادر على تحليل المشهد بعدما كان متشبثا بالحياة كمن يتشبث بالشجرة في العاصفة ، وإذا حطمت العاصفة تلك الشجرة ، فقد ارتجت حياته ونزف جسده ووخزته أشواك الشك ...
فهل سيتفرج على نفسه وهي تنهار ؟ أم يواصل تشبثه بالأساس المتين وبتلك الجدران ليعيد تعليق شهائده عليها ... عليه أن يتذلل إلى ما لا نهاية وأن يسجد على عتبة ذلك الثري ويطلب المغفرة ، و يعده بأنه عاش في بيئة مدنسة وشحن بالسفالات ، و يقنعه بأن كل هفواته ما هي إلا نقل لقلق عبر حركات لا مقصودة ... لقد رمت به الظروف في مفترق الطرق ، لم تبذر فيه طاقة الأمل ... يضيع ويتوه عن نفسه وللأبد ... لم يعد يشعر بنبض يقاوم وقد أضحى طرفا في لعبة لا يمسك بخيوطها ، ويتحرك كالدمية المؤذية أو كرصاصة في مسدس تمسكه يد مجهول ..يطلقها متى شاء وأينما شاء...
هل هو كاتب من فصيلة الكتاب أم من فصيلة الكتبة العبيد ، الهياكل الخاوية من المعنى ، الجماجم الخالية من التفكير ، جماجم مثقوبة تنفذ منها الفراغات ... يفتح له الباب ليدخل من ذلك الباب الكبير تابعا ، لا شيء مزروع في أعماقه والبوابة تنفتح ، وتسير الخطوات إلى بقعة جرداء ، ثمة غرفة تحرسها الكلاب ، ومن حولها الحراس ... لا مقدرة على الهرب ، لا شيء عدا تنفيذ الحكم الذي مورس عليه حين فكر أن يخرج عن النص الذي كتب له ، عليه أن يرضى بالبقاء وراء الجدران وفي الغرفة المغلقة ليضحى كائنا هلاميا في الغرفة السوداء ...
ويشعر أحمد بأنه اقترف خطيئة أكل التفاحة وما عليه إلا أن ينزل إلى الحضيض ...لقد أراد آدم أن يدرك مصيره خارج الجنة باحثا عن أصل وجوده في أرض خلق من ترابها ، يعود إلى معدنه الأرضي ... لم يكن آدم يبحث عن الخلود ... لقد عاش قلقا في مكان الخلد وتسربت الخطيئة إلى أعماقه ... كل شيء على الأرض آفل ومتعاقب ... والإنسان يموت ليحيا من جديد ... وكل الشعوب زودت موتاها بالذخيرة .... يدرك أنه حين يموت قد فقد النور الذي يجعله يرى أعماق الأشياء وأنه ينتظر ارساليات من السماء ولن تأتي لأنه يعيش على أرض ناقصة ولا مجال لإعمال العقل بل التخلي عنه ومواصلة تلمس سيره في العتمة ... وأن سيل الأكاذيب ما يجعله يواصل السير في دروب هذه الحياة ...
ولا يجد وسيلة لقهر الظلام إلا النوم والاسترخاء لكي لا يشعر بتقلبات الطبيعة تضج خارج الغرفة ... تعصف الرياح بشدة وعويلها يهدد بالخراب ... وينهض من خدر الرؤيا إلى حيث تلك الوجوه التي تطل من شاشات التلفزة في البرامج الإخبارية ، أشخاص يتحدثون عن الحروب الساخنة وعن الحروب الباردة ، وحروب الإعلام ... وجوه تخطط للتدمير وتطل من الشاشة بابتسامات صفراء وحمراء وسوداء ورمادية ، تشعل فتيل الأزمات وتتحدث عن السلام وعن إطفاء الحرائق ...كمن يحرق بسيجارته جسد بشري هش ويحرق المباني، و تتحول الأجساد والأحجار إلى غشاء وهمي للروح ...
تركن الجثث المشوهة في القبور لتعيش غيبوبة مطلقة ، تتعثر مساعي السلام ويسقط الإنسان في حفرة ذات نتوءات داكنة ، يرى تلك القتامة التي تلتف بالروح ، ماذا سيقول للزبانية ، وكيف سيقنعهم بجدوى وجوده ، وسيقول إنه مجرد ممثل ويقبل بكل الأدوار التي ستسند إليه وليس عليه أن يختار دوره ... أدوار تغذي شحنات الشر والكراهية وهي غير غريبة عنه بل يحملها بين طياته ، وكيف يهرب من نفسه وهو داخل نفسه ، و أبعد ما كان يتمناه أن يرسم صورة مثالية عن الواقع والذوبان في خضم تعليمات معقدة ، ينساق لها بآلية ، لأنه مات في هذه الغرفة وأضحى نواة في أرض موات ، فهم دوره جيدا ، دور غير عفوي ، يتجسد في واقع ما في غرفة ما ، في ظلام ما ... وأدرك أنه أضحى مؤهلا أكثر من أي وقت مضى لآداء الدور ... ورأى نفسه مشحونة بالعنف ، خاوية من القيم ...
في الظلام ارتخى فيه جسده و قد أضحى لا يأكل ولا يشرب الماء إلا مع الأقراص المخدرة ... كان يتلقى كل الدروس عن دور العراء في كشف كبت المجتمع العربي ، وعن تلك البراءة المتلبسة بالبدائية ... وعن الطفل الذي يكتشف جسده ... فنان يعري الجسد ، يكشف عن الرغبات الدفينة ، ويسترجع الحقيقة الناصعة ، ويخترق حجب الزيف التي قد تفصل الإنسان عن أعماقه ، وكل الشعوب نحتت وصورت الإنسان عاريا ، أفلا يعني أن الفنان يريد إن يصور الإنسان الحقيقي الذي أفسد الإنسان جوهره ؟ هو لا يعبد ذلك التمثال ، إن النحات إنسان قوي يصور رموز إنسانيته ... وهو يخلق الحياة في صورته العارية ...
وميول هاجر الفنية طفولية ... وهي تنضج عندما تتجاوز الشعور بالألم ... قد تغذي تلك الرؤية شذوذا ساديا وإمعان في إعلان العنف ، وأن الفنان شخص غير سليم ، وهي تعكس واقع النفس ... وهي تتوه في مسالك لا تعرف مداخلها ...
وصار يربط بين العري والبراءة ، ففي حالات التهذيب ينزع الفنان نحو البراءة ويشعر بنزوع نحو الخير ، يصير ملاكا ، يحس بالاسترخاء على لوحة عذراء كالحلم الأول يقص البساطة ، يحس كأنه يلامس تمثالا حيا ، يلامسه برفق ، لكنه لا يمكنه تشويهه ، تلك هي اللحظات المزركشة بالمشاعر النظيفة ، يشعر ببراءة الوليد في المهد حين يستشف لغة الكمون ، طوقت روحه بتلك المرآة التي استوعب بها المعاناة تصب في بحر المعنى ، وكأنه استأصل منه مكامن الأوهام وحطم استكانة السقم في ذلك الجزء المعتل في كيانه ، استقامت فيه وحدانية الأشياء والأشكال ...
من خلال حركة يد الطفل تنجلي اللغات الكامنة التي تخط وتصنع تركيباتها ، لغة عذراء كالغصن البكر الريان تود أن تلتحم بلغة الطفل ، تبدو كصور معنوية ، ففي القلب نور من اليقين لكن كيف ينهل منها كجذور الطهارة ؟ كان عليه أن يحول من تدنيس المقدس إلى عملية تطهر ، وكان عليه أن يقرأ المقالات التي سيضع عليها إسمه ، وأن يجمل العفونة ويرفع الدنس إلى أعلى حالات التجلي ... ولكن الحراس الذين يسخرون من حريته ، أطلقوا قهقهاتهم الساخرة وهم يرمون بمقالاته في أكياس الزبالة ، ويردد أحدهم " سكران وفايق ، برى عديها على واحد غافل ، دورك انتهى ، ولست أنت من يكتب دوره " ...


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك