الهروب من تلك الجنة
عدنان المبارك
- أنت أيها الداخل، ودّعْ الأمل. دانتي أليغيري في ( الكوميديا الإلهية )
كان أ . م * ( من مواليد عام 2093 ) قد إخترع جهازا صغيرا ينظم العلاقة بين التفكير والنطق. الجهاز لا يسمح بنشوء تعارض بين الإثنين. وحصل هذا الإنقلاب الخطير في المجتمع الذي تكوّن من كل مجتمعات الأرض في نهاية القرن الحادي والعشرين. المصادر تذكر أن المخترع كان في عمر الخامسة والخمسين حين نجح إختراعه بعد تجارب طويلة إلتهمت أكثر من نصف عمره ( عاش قرنا ونصف ) ومعه رحل قلب هذا وكبد ذاك وعيني الثالث وسمع الرابع وبنكرياس الخامس وغير ذلك. وكان الحماس قد بلغ ذروته عندما تم إستعراض التجربة الأولى للجهاز الصغير. نخبة المجتمع وجدت أن هذا الإختراع يضاهي إختراعات العجلة والبارود والطباعة. أما أنا فأقول إنه كان شبيها بفتح آخرلعلبة باندورا ! يكفي النظر الى العواقب. مع كل يوم تنهار دعامة في مثل هذا المجتمع الكبير. الناس أخذوا يحنّون الى أزمنة الكذب والرياء وموضة حمل هذا القناع وذاك.
أنا كتبت عن كل هذه المهاوي والمخاطرالمميتة حقا في رابع كتاب لي. معلوم أن إصداره الألكتروني تعرض ، ومن دون حياء ، للتشويش المتعمد. فقد سبقت هذا الإصدار، وبالطبع كانوا على علم به ، تنقلات ، وأريد لها أن تكون بالغة الإثارة ، بين طوابق جنتنا المصطنعة. أكيد أنها جنة من أرقى صنف عند مقارنتها بتلك الميثولوجية القديمة. أنا لا أدعي العبقرية وفق تعاريفها القديمة ، كما لا أجد مكانا لها في مجتمعنا المرّفه ، الذكي ، العقلاني ، المعتدل في كل شيء ، المتخلص ، بنسبة كبيرة جدا ، من عيوبه الجسمية والأخلاقية والنفسية ، السائر بخطى حثيثة صوب كمال كان لغاية نهاية النصف الأول من القرن الأول للألف الثالث ، محجوزا لذلك الرب الذي كان لآلاف السنين غائبا عن رعيته ثم إختفى نهائيا ، ولأسباب معلومة.
جاءتني مختلف أنواع التهم ، بينها السخيفة كأن يكون تفكيري مشدودا بتلك العصور المظلمة التي أبقت على المطلقية الأخلاقية وعبثية الجنس وغير ذلك من علل الجسم والنفس حتى أن أحدهم جرؤ على القول بأني نموذج بشري قديم لا يُعرف السبب تماما في ظهوره وبقائه في مجتمع كمجتمعنا. طيّب. ها أني على كامل الإستعداد الى أن أقول ( موافق ) على كل شيء في حياتنا هذه ، لكن هل يعني أني قضيت بكلمة ( موافق ) على كل ما يخامرني من شكوك وحالات بلبلة فشلتُ في التخلص منها بإتباع وسائلنا الحالية ؟ ** لا ، أبدا ! هناك إنعدام للوضوح في قضيتي. فالفحوصات والتحليلات ، ولكم كانت كثيرة ومجهدة نفسيا ، أفادت بأن حالتي طبيعيةعلى وجه التقريب. غير أنه لغاية الآن لم يجب أحد أو أي جهة مسؤولة على سؤالي : طيّب ، لكن من أين حالتي هذه ، ولماذا لم تحصل تنقية جذرية لأحلام النوم بشكل خاص ، فالكوابيس ولو أنها ليست في غاية الإفزاع لا تزال تنقض على أحلامي عدا تلك التي إبتكرها العلم بتوصية من الجهات المختصة ؟ كما لدي الآن ( لكن ) أخرى : هناك تلك البقايا التي لا أعرف من أين جاءت وكيف مكثت في الرأس. سمعت مثل هذا الرد على سؤالي عنها : إنه مجرد إضطراب خفيف. أنت لست الوحيد ، فهناك حالات مشابهة ، وقلتها بل ندرتها شيء جيّد بالطبع. في مرة أخرى جاءني ردّ بأننا لم نصل بعد الى حالة الكمال ، وللأسف لا زلنا من لحم ودم وعظام !
إنتبهوا الى إنحراف آخر فيّ : عدم قدرتي على تذكر كل ما يحدث لي في اثناء النوم. وهكذا إكتشفوا ( إضطرابا ) آخر وكان من الطبيعي أن يتصاعد قلقي الذي لم تخفضه أيّ حبوب أيضا. صرت زبونا دائميا للمختبرات والعيادات والمراكز المختصة ببحث الخوارق. لكن بعد فترة إمتدت لأكثر من عامين حصل إنعطاف مثير: عالم شاب فسّر أحوال الشذود في ّ بأني أملك جسمين ، واحد يرافق أناي في الحاضر ، والآخرسبق له أن أنفصل عني بحكم قانون الزمن ، إلا أنه يعود أحيانا كي يلتقي بالآخر وتلتحم بصورة مؤقتة أجهزة معيّنة من كلى الجسمين ، ومن هنا كل تلك الإضطرابات. الآخرون من السلطة ومراكز الأبحاث إعتبروا أن كلا الأمرين صعب : نبذ فرضية هذا العالم الشاب أوقبولها. إلا أن كل ما حصل بعدها قيام تلك المراكز بتوصية السلطة َ كي تخصص الوسائل اللازمة والكفيلة بالبرهنة على الفرضية أو تفنيدها. السلطة ، شأن كل سلطة ، بحثت القضية من الجوانب المالية والسياسية قبل غيرها. وما دفعها الى الإبطاء بل المماطلة والمراوغة أن مثل هذه الإضطرابات لم يتعرض لها سوى بضع مئات ، أي أن المجموع لا يعدو كونه قطرة في أوقيانوس مجتمعنا الذي يعد بالملياردات.
وبهذه الصورة مرت عقود وأنا باق على حالي. في الأخير قررت الإتصال بذلك العالم كي أسأله عن وجود حل آخر غير إنتظار قرار السلطة. كان الرجل متفهما بل متعاطفا معي. سألني فيما إذا كان لدي إستعداد كي أعطية كلمة شرف بأن لا يعرف شخص ثالث بما سنتكلم عنه في هذا اللقاء. بالطبع أعطيته كلمتي ، فقد كنت في أقصى حالات الإنفعال ، وكان قد إنتبه ، بالطبع ، الى حالتي الشعورية هذه والمخالفة لذلك القانون الذي يحرص على ضمان صفو العيش وراحة البال للمواطن ، ولذلك إنتقل الرجل ، بسرعة ، الى صلب الموضوع : إقترح علي أن أنفصل عن جسمي الكائن في الحاضر وإنتقال أناي وملحقاتها الى الجسم الآخر ، ثم أضاف قائلا بذلك الهدوء التقليدي لدى علمائنا : لكن هذا شيء لن يحدث إلا بعد أن أشطب على حياتي الحاضرة كلها وأروح الى مكان آخر تحت الشمس كما كان يقال في تلك العصور الغابرة. لم يثر دهشتي أنه توقع موافقتي الفورية. فالرجل كان خبيرا كبيرا حقا في سبر مجاهل النفس . أفشى لي سرّا آخر : رغم التقدم الهائل يعجز العلم عن الحيلولة دون صيرورة تلك الإضطرابات مزمنة ، ثم تكلم ، بإقتضاب ، عن مراحل عودة الجسم الى زمنه السابق ، وهنا كشف لي عن سرٍّ تال : سيعود جسمي الى زمنه السابق أي بدايات القرن الأول للألف الثالث ، وبالضبط عام 2010 . لا أعرف لم كشفت نظرته عن شعور بالرثاء وكأنه أراد القول :
- ستعود الى زمن لا تحسد عليه إطلاقا !
لم أكترث لهذا التحذير المبطَّن خاصة أن موافقتي الفورية قد حصلت. تجاهلت أيضا تلك الحكمة القديمة : الشر إللي تعرفه أحسن من الخير إللي ما تعرفه. فقد كانت تمور فيّ رغبة لا تقاوم في التخلص من ذلك الفردوس المصطنع والعودة الى أحلام حقيقية ، وإذا كان لابد من الأمر فلترافقها كوابيس حقيقية أيضا...
باندهولم - آب 2010
* كانت هذه إرادة المخترع في أن يذكره التأريخ بحرفين من إسمه ولقبه. وكان يرد على المتسائلين بالقول : طالما لم يذكر التأريخ من كان الأول في إيقاد النار ومن كان مخترع العجلة ، ليس علي أن أتباهى بإختراعي الصغير. ** في زمن الراوية كان النظام صارما بل دكتاتوريا من طراز خاص ، فهوسه الرئيسي كان تشييد جنة أرضية ، ومن هنا حظره على المواطن التفرغ لقضايا تعكر عليه صفو العيش مثل قضية الزمان والمكان ، أو التوقف عند لغز الحياة أي التشكيك بالتفسير الرسمي لنشوئها ، أو العمل على إرجاع عجلة التقدم الى الوراء حين كان الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان وغير ذلك من الظواهر التي عرفها التأريخ. في الحقيقة كانت دوغمائيات ذلك النظام محض واجهة ، فالناس كانوا يغافلون السلطة كي يفكروا بتلك المعضلات ، الميتافيزيقية منها على وجه الخصوص. كما أن وراء الواجهة بقي الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان لكن بطرق أخرى غير التي عرفتها الأزمنة الماضية.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك