أدب فن: الربة المتوجة الربة المتوجة ================================================================================ موفق الطاهر on 25/ 5/ 2010 عليّ أن أخلو لنفسي بعض الوقت، بعض الوقت لأفكر بالأمور، أفكر بشكل جدي لأضع كل شيء بنصابه، وأعطي لكل حق حقه. أصبح كل شيء غريب عني، كل شيء، جسمي، وجهي، عيناي، وأنفي... الأرض، السماء، والماء... الناس، أصدقائي الذين تعرفت عليهم بغربتي، وحتى حبيبتي. منذ أن وصلت أوربا تعودت أن لا ألتفت إلى الوراء، فالقادم أفضل وأجمل. وهذا ينطبق أيضاً على نظراتي للنساء! فلا ألتفت ورائي ملاحقاً بعينيّ تلك الإمرأة الجميلة، أو تلك الفتاة المثيرة، فالأحتمال الأكبر أن تكون القادمة هي أجمل وأكثر إثارة. أما ضميري اللعين فهو يلاحقني أينما ولّيت، ويحاسبني على كل فتاة أنظر أليها، حتى ولو كانت تلك النظرة خاطفة أو بريئة. فلماذا ألاحق بنظراتي هذه أو تلك؟ ولديّ إمرأة رائعة طيبة، تحبني كل الحب، وتؤكده لي يومياً بكلامها وبأفعالها وما تعمله لأجلي. لدي موعد اليوم مع بعض الأصدقاء في أمستردام. وفضلت أن أخرج اليوم مبكراً، فقد مللت عادتي السخيفة في الأستعجال دائماً والركض للحاق بالقطار... على دراجتي الهوائية كنت أنظر إلى تلك الوجوه المشرقة الضاحكة، بنشاطها المعتاد وهم يعبرون الشارع وهم يمشون أو يركبون دراجاتهم. أية صحة تحملها تلك الوجوه الجميلة الممتلئة شباباً وحيوية... أثارتني إحدى الفتيات وهي تركب دراجتها بمحرك صغير، ألتفت ورائي ناحيتها، وهي تبتعد شيئاً فشيئاً. تصاعدت أنفاسي، فما أفكر فيه هو المستحيل. فللحظة خاطفة تصورت أن تلك الفتاة هي حبيبتي الأولى، تلك التي تركتها في بلدي قبل ثلاثة عشر سنة... ثمانية عشرة سنة منذ أن رأيتها آخر مرة وهي في بدلة العرس تزفّ لأبن عمتها محمد اللعين... هل يشاء القدر في يوم من الأيام وأراها في غربتي الموحشة هذه؟ دائماً أسأل نفسي هذا السؤال، وأمني نفسي... لم لا؟ ولكن حينها ماذا سيكون وماذا سأفعل؟ لا شيء، لا شيء البتة. فلديّ حياتي الجديدة مع حبيبتي التي أعيش معها منذ عشرة سنوات مضت، وأنا سعيد معها، سعيد ببيتنا الجديد، وبحياتنا الجديدة... تذكرت تلك اللحظات اللعينة التي شاءت بها الأقدار وقادتني كالمعتقل، كالضحية، كالفريسة التي يسحلها مفترسها. هكذا حقاً شاءت الصدف (الأربعة عشر) أو الأقدار، سمها ما شئت، لرؤية حبيبتي في يوم زفافها، ولم أكن أتمنى ذلك أبداً. كل شيء يدلل على أنها رؤيا حقيقية، لا رؤيا منامية. سمعت صوت محرك دراجة خلفي، ثم ماذا؟ أنحرفت قليلاً إلى اليمين بدراجتي لأفسح الطريق للقادم من الوراء... سمعت أسمي بصدى صوت طالما لاحقني في المنام وبأجمل أحلامي كلما أنفردت بنفسي... ولكن هل يعقل هذا؟ أوووه... كلا، اللعنة! ضربت رأسي بيدي اليمنى لأصحو، لأنتبه إلى الطريق، فهل يعقل أن يكون حلماً!؟ أنني في طريقي إلى محطة القطارات، وهذا الشارع المخصص للدراجات الذي أقطعه يومياً لمرات عديدة. عشرة دقائق من بيتنا إلى المحطة تستغرقها دراجتي، إن كنت على عجلة من أمري. ندهتني بصوتها المذهل تناديني! أنه صوتها، صوتها دون شك، فهل أنا من يتيه عن صوتها؟ وهل سمعت في يوم من الأيام أسمي بتردد موسيقي جميل بغير صوتها هي؟ ألتفت يساراً، وقد أرتبكت وصعقت، وتيبست على دراجتي... ضغطت على مكبح الدراجة الأمامي بقوة، لترتفع العجلة الخلفية وأسقط بقوة على الأرض على يميني، سقطت الدراجة بأحضاني، وألتفّ بنطلوني مع سلسلة الدراجة. - آآه، أسم الله عليك حبيبي، هل أنت بخير؟ - يا ألهي هل أنا بحلم أم بعلم؟ أنت؟ أنت حبيبتي بشحمها ولحمها؟ وأين؟ في هولندا؟ في زاندام؟ هل هكذا تتحقق أحلامي وبهذه السرعة؟ هل يعقل أن يكون الطيف الجميل الذي مرّ بجانبي قبل قليل حقيقة!؟ أية سعادة هذه، وأي بؤس؟ تلألت قطرات من الدمع في عينيّ ولا أدري إن كانت دمعات حزن أم فرح! - تعالي إلى هنا حبيبتي، ساعديني بالنهوض، وقولي لي ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أخذك بالأحضان؟ هل أقبّلك؟ هل أحملك بين يديّ وأرفعك عالياً؟ - كلا لن تستطيع! فأنا ثقيلة. ضحكت ضحكتها الرائعة تلك، أنها نفس الضحكة، نعم، نفس الصوت، أجل هي حبيبتي. وقف بعض الشباب، طالبات وطلاب على ما يبدو. سألوني إن كنت بخير، وإن كنت بحاجة إلى مساعدة. لم أعد أر أي جمال بعد... فالوجوه النضرة التي كانت قبل قليل مشرقة ومتوهجة صحة وشباباً، قد هفتت وخفتت، وأنطفأ وهجها، وولّت هاربة خوفاً أو خجلاً من حضور الجمال القدسي لحبيبتي. - شكراً لكم أنا بخير، ولكن هل تعلمون أن هذه السيدة هي التي تسببت بسقوطي من الدراجة؟ فهل أقاضيها؟ أجابني أحد الشباب الواقفين بقربي: - أنك بخير وهذا ما يبدو عليك، فلا داع لأن تكبّر القضية. - ولكنها فتقت لي جرحاً كبيراً كان قد أندمل قبل سنوات طوال! - ولكننا لا نرى أي جرح أو دماء واضحة! اللعنة هؤلاء لايفهمون مزاحنا أبداً...! ضربت قلبي بأصابع يدي اليمنى وقلت: "هنا الجرح، جرح عميق... هذه السيدة التي تقف بالقرب مني هي حبيبتي الأولى، لم أرها منذ ثمانية عشرة سنة، وبالتحديد سبع عشرة سنة وسبعة أشهر، وإحدى عشر يوماً. منذ أن أرتضت لنفسها أن تكون زوجة لأبن عمتها وتتركني أصارع وحوش وحدتي دون معين يسندني..." هكذا تكلمت مع حبيبتي وكأني أوجه الكلام إلى ذلك الشاب الذي رد عليّ قبل قليل. تفرق الجمع من حولنا ونهضت أنا وأقفلت دراجتي بعد أن ركنتها جانباً. جاءت حبيبتي بدراجتها هي أيضاً وركنتها بالقرب من دراجتي، وقفلتها، وأخبرتني بأنها لن تذهب إلى عملها اليوم! أنا نسيت موعدي في أمستردام، ولم أعد آبه إلى أي شيء في الأرض غير هذه اللحظات السعيدة التي أنا أعيشها. تمشينا ووجهتنا هي مركز المدينة، أردت أن أجلس معها بمقهى. ولكني أردت أن أنفرد بها لأحكي لها وتحكي لي ما حصل لنا في هذه السنوات اللعينة. - هذا ليس صحيحاً، كنت مجبرة على ذلك، وأنت تعرف هذا جيداً. - أتعرفين كنت أتمنى أن أصرخ بالجمع وأخبرهم بقصة حبنا نحن الأثنان، أردت أن أقول أن قصتنا هي أجمل وأعمق بكثير من قصة (روميو وجوليت) وقصة (أنطونيو وكليوباترا) وكل قصص الحب التي يقرأها الطلاب في مدارسهم أو في مكتباتهم. هل تتذكر حبيبتي أن حبنا، أو حبي لها قد أستمر لأكثر من سبعة أعوام ونصف، وخمسة أيام؟ منذ أن رأيتها لأول مرة وكانت وكأنها الصباح التالي لثورة كبيرة ضد الدكتاتورية والظلم والتخلف... كانت تشبه كثيراً العافية... لقد كانت مثالاً للأنوثة والشباب والحيوية... كنا نسهر الليالي نفكر ماذا يفعل الحبيب بهذه الساعة؟ لقد كتبنا على ضوء الشموع أكثر من ست مائة رسالة لبعضنا، كل رسالة فيها تجاوزت الألفي كلمة... لقد كتب كل واحد منا للآخر في السنة الأولى للحرب والحصار(1992) أكثر ما كتب تولستوي في روايته (الحرب والسلام)... لقد تحدثنا عن كل شيء في حياتنا... تناقشنا حول كيفية دخولنا إلى الحمام، وأيضاً حول أعقد القضايا السياسية... تحدثنا عن الأمل، وعن المستقبل... سافرنا إلى لندن وباريس ونيويورك، ومرة سافرنا إلى أستراليا لرؤية أصدقاءنا ممن سبقونا للمهجر... كنت أناديها بحبيبة القلب، فترد عليّ يا كل أحبابي. كنت أسميها شقيقة النفس، وهي تسميني توأم الروح.. أقول لها يا رفيقة الدرب والنضال، وتقول لي يارفيق المشوار الصعب. لقد جعلتني شاعراً، وكتبت لها عشرات القصائد الشعرية، لترد عليّ بنثر جميل أحلى من كل قصائد الغزل تلك التي كتبها قيس لليلى وعنتر لعبله. كنت أقول لها: "أحبكُ حُبيّن.. وغيري يحبك واحدُ حبٌ لأنكِ أجملُ ما رأيت.. وحبٌ لأنك فقت ما أعبدُ حدودُ حب الناس الأبد.. وحدود حبي ما بعد الأبدُ" فترد عليّ بأستغفر الله. فأقول لها أنت ربتي التي توجّتها على كل الأرباب، أنت إلهتي، إلهتي فينوس... كنت في ذلك الوقت غير مؤمن بشيء. - والآن هل أنت مؤمن؟ هل تصلّي؟ أرتسمت على وجهها أبتسامة مشرقة فرحة. - هل تتذكرين أول قبلة طبعتها على جبينك، ثم نزلت إلى عينيك وأنفك وخديك وأذنيك، وفمك ورقبتك؟ كان ذلك بعد ست سنوات من الأنتظار والترقب والشوق والحنين... كانت لقاءاتنا قليلة جداً تخلو من الأمن والطمأنينة، ويتخللها الخوف والقلق والرعب الشديد... ولكن ما أن ينتهي أحد اللقاءات حتى نبدأ نترقب ونخطط للقاء ثان... جلسنا على أحدى الطاولات المفضلة في المقهى المفضل لديّ، طاولة مستديرة بأريكة نصف مستديرة، عربية التصميم، ومليئة بالمخدات المغطاة بقماش من الشرق توحي لك بأنها جلسة عربية في مضيف عربي! طلبت أنا عصير برتقال، وهي طلبت قدح من القهوة بالحليب. بدأنا نتحدث عما مر بنا من أيام جميلة بعد فراقنا، وأيام عصيبة نغصت علينا حياتنا... بعد أن رشفت جرعة من الشراب تذكرت أصدقائي الذين لديّ موعد معهم، وقد فات على موعدي نصف ساعة. أستأذنت حبيبتي كي أتصل بهم، وطلبت منها أن تتصل بعملها تطلب منهم أجازة. تحدثنا بعدها عن رحلتنا نحو الغرب الآمن الجميل، وغربتنا المتعبة. عرفت منها بأنها قد سافرت مع زوجها بعد سنتين من زواجهم إلى ليبيا وبعد ثلاثة سنوات عمل هناك أستطاعوا أن يصلوا إلى أوربا. ثم حدثتني كيف وصلت هنا ودرست اللغة وكيف تعمل الآن في أحدى الشركات في أمستردام. - يا ألهي! هل تعرفين يا حبيبة القلب بأننا للمرة الأولى نجلس في مكان عام؟ وهل تعرفين أيضاً أنها المرة الأولى التي نجلس فيها معاً دون أن نراقب الطريق!؟ ضحكت ضحكتها المجلجلة تلك التي عرفتها بها، فسألتها ماذا يضحك حبيبتي الغالية؟ على ماذا تضحكين؟ - تذكرت بعد قبلتنا الأولى أنك قلت لي أن هذا اليوم سيدخل التاريخ، بل أن هذه الطابوقة ستدخل التاريخ وتتذكر قبلتنا اللذيذة الأولى!؟ ضحكنا ونسينا الوقت، وكنا قد شربنا شاياً كثيراً وغيرها من المشروبات، إلى أن أنتبهت على ساعتي وقد قاربت الساعة الثانية ظهراً فبدأت معدتي تصرخ بي. سألت الملاك الذي يجلس بالقرب مني فيما لو كانت جائعة وتريد أن تأكل شيئاً! فأخبرتني بأنها لا تشتهي أي شيء فهي قد شبعت ثرثرة وكلام طالما رددته مع نفسها..! أما أنا ففي الحقيقة بالرغم من أن معدتي فارغة، ولكني أشعر بأن تنفسي لا زال كما هو حين رأيتها في المرة الأولى وضربات قلبي تتصاعد المرة بعد الأخرى، مما أعرفه بأنني في هذه الحالة لا أشتهي الأكل حتى لو كنت جائعاً! طلبت لنا وجبات خفيفة، وبدأنا نأكل ببطيء شديد وبذات الوقت نتحدث عن مغامراتنا في الغربة... إلى أن سألتها السؤال المحرج الذي لابد منه ولابد أيضاً من التطرق أليه حتى لو كان مزعجاً لكلينا! ولكن لماذا لابد لهذا السؤال أن ينطرح؟ أجابتني بأن علاقتها بزوجها سيئة للغاية منذ أن أشتغلت هي قبل سنتين ونصف، وهو ليس لديه أي مزاج للعمل! - ولكن هل فعلاً أن علاقتكم الزوجية سيئة لأنك تشتغلين، أم أن هناك سبباً أخر!؟ - الحقيقة أن علاقتنا ساءت منذ أن وصلنا أوربا. ولا أخفي عليك، بأن علاقتنا لم تكن جيدة في يوم من الأيام! - أذن لماذا تزوجتيه وتركتيني أعاني الغربة!؟ - أرجوك هل يمكنك أن تنس هذا الموضوع الذي فات عليه سنوات كثيرة... ولكنك لم تحدثني عنك؟ هل تزوجت؟ هل لديك أطفال؟ أخبرتها بأن الزواج من غيرها بالنسبة لي هو ضرب من المستحيل! أما أن أنجب أطفالاً من غيرها فهذا ما لم أستطع تصوره بالرغم من حبي الشديد للأطفال، فكيف لسوسن أن تأتي من بطن ليست بطنها؟ سألتها فيما لو كانت ترغب بالمجئ معي إلى بيتي، لكنها ترددت، وأخبرتني بأن ندع هذا إلى المرة القادمة إن شاء الله! لم ألح عليها أنا أيضاً، وحان وقت الرحيل والوداع، أو ربما ليس الوداع وأنما الحلم بلقاء ثان قريب. أردت أن أقبلها لكنها قبلتني ثلاثة قبلات من خدي، فسحبتها من كتفها كي أحضنها كما كنت في السابق... رجعت للبيت وشعور غريب يداهمني، فرح عارم بلقاء من كنت أتمنى لقاءها دائماً، أمل كبير بأن ألتقي بها في المرة القادمة، وأمل أكبر ربما يكون حقيقة بأن أخيراً أتزوج منها، مادام أن علاقتها بذاك الرجل التعيس ليست على ما يرام...! - ماذا!!!؟ زواج!؟ هل جننت؟ وفتاتي الجميلة الرائعة التي تحبني أذن؟ فززت من نومة عميقة جداً على الأريكة وحلقي ناشف. وأنا أتنفس تنفساً صعباً عميقاً مشيت للمطبخ أملأ قدحاً من الماء وأرشفه مرة واحدة... - يااااه كم كان حلم جميل هذا الذي كنت أحلمه؟ أبتسمت ونظرت إلى السماء الصافية المشمسة، وتسائلت فيما لو كان هكذا يوم سيأتي، وألتقي بحبيبتي، لا أريد شيئاً غير رؤيتها، رؤية ذلك الوجه الملائكي الرائع مرة ثانية، وأتكلم معها قليلاً. وضعت ماءاً في الأبريق على الطباخ أريد أن أعمل شاياً أخضر طيباً وأجلس في الحديقة... أتصلت بفتاتي بمكان عملها سائلاً أياها عن موعد قدومها اليوم، فأخبرتني بأنها ستأتي مبكراً على غير العادة. أحتسيت ثلاثة أقداح شاي، وأنا أراجع كل تفاصيل ذلك الحلم الجميل! ثم أحسست بلسعة ريح باردة تطلب مني الدخول. أنطرحت على الأريكة مبتسماً وشعور جميل يخالجني بذاك الحلم الرائع الذي كنت أحلمه قبل قليل، سحبت قصة مصورة كنت بدأت بقراءتها قبل أن أنام قيلولتي، فتحت الكتاب لأرى وصلاً من المطعم المفضل لديّ في مركز المدينة وفيه الأكلات الخفيفة والشراب الذي أحتسيته مع من كنت أحلم بها. وفجأة بدأت أتنفس نفساً عميقاً وكأني أكاد أختنق! وتلخبط كل شيء في كياني... قلبت الوصل ذاك لأرى عليه رقم تلفون موبايل... مسكت بهاتفي النقال، وبيد مرتجفة وشفاه يابسة بدأت أزاول رقم الهاتف ذاك: - ألو نعم! صوت ناعم جميل لا أستطيع نسيانه ما حييت! - ربتي المتوجة!؟