أدب فن: القنــــا ص القنــــا ص ================================================================================ منور ناهض الخياط on 13/ 3/ 2010 إلى الذين يمارسون القنص بكل أشكاله ـــ لقد حان وقت الحساب . هذا ما كان يردده دائما وهو يضع بندقية القنص على حافة البرج للمأذنة الجنوبية .. لم يدرك بعد لماذا تتسارع نبضات قلبه حين يصل إلى قمتها ،أبسبب الصعود الطويل لسلم المأذنة أم جراء الغضب المتصاعد في داخله ؟.. ولماذا تتضارب أنفاسه بين الخوف والوهن؟ .. وما سبب العرق الغزير المتصبب من ثنايا جسده؟.. وهو يحمل بقوامه المالح روائح سهرة الأمس . ـــ هو الشارع ذاته أني اعرف كل حصاه ، وبقايا خيوط الليل فيه ، وفي أي مكان ينساب ضوء النهار في بدايات الشروق . كان ينظر بنشوة واضحة للشارع الذي بدا من أعلى المأذنة ضيقا ولامعا ، مسترخيا بلا حراك وهو يربط بطرفيه مأذنتين (شمالية وجنوبية) ، والتي لم يتفق عليهما قاطنو الشارع أيهما كانت الأقدم ، وعلى أية حال ، فلكل واحدة تاريخ تستحق من خلاله أن يطلق عليهما المآذن القديمة. قال مع نفسه وهو يطيل النظر إلى الشارع :ـــ لو تمكن الشارع أن يرى نفسه الآن لما صدق بأنه كان في زمن ما يحتضن ألاف الخطى . أدار ببصره ( النهر الكبير) والذي في حقيقته كان جدولا صغيرا يسقي البساتين المجاورة للشارع .. كان يذكر جيدا اللحظات الأولى من حفر هذا الجدول .. كانوا مبهورين بالمكائن والمعدات التي استخدمت في الحفر قال بعضهم : ـــ إن الحكومة ستحفر نهرا كبيرا تسبح فيه الحيتان والتماسيح ، وستأتي السفن الكبيرة من بلاد الأجناب والهنود وهي محملة بكل شيء . لن تغيب عن ذاكرته يوما تلك اللحظة التي هرع بها الصبية بأجسادهم العارية نحو الجدول فاتحين أذرعهم بشوق كبير للقاء القادم الجديد . لف الماء بحنان الأجساد الصغيرة ، ولمعت الشمس على بشرتهم السمراء ، وكان يوم عشق . الهواء والشمس والنهر ، الجميع عشقوا بعضهم .أراد أن يتذوق قليلا من هذا العشق ،خلع ملابسه وقذف بجسده نحو الجدول ، في البداية نظر أليه البعض ، ثم الكثير منهم ، بعد ذلك وبكلمة واحدة قال الجميع :ــ اخرج لقد نجست الماء . قال متحسرا: ـــ ومنذ ذلك الحين ، أسبح وحيدا وأتخيل معي جمعا من الصبية أمازحهم . اقترب بإحدى عينيه من فوهة ناظور البندقية محدقا من خلاله في البيوت الخالية ، حيث الأبواب الموصدة دون أحكام ، وزجاج النوافذ المهشم وآثار الرصاص على الشرفات ، قال مع نفسه : ـــ معظم تلك البيوت دخلتها مع والدي حين كنت صبيا ، كنا نتسلل ببراعة فائقة لم يصعب علينا بيت . لقد أقنعني والدي بان العمل الذي نقوم به هو من فعل الرجال الأقوياء .. وعلي أن أكون رجلا قويا . لقد أخذنا كل مقتنياتهم الثمينة ومدخراتهم ، ولكنهم لم يفعلوا شيئا . لقد كانوا على معرفة سابقة بان والدي لص وأنا ابن اللص . ربما الخوف قد شل كرامتهم وحبذوا الصمت على المطالبة بحقوقهم . نعم ! انه الخوف ، وهذا ما افعله أنا حيث قتلتهم عن طريق الخوف قبل أن اقتلهم برصاصاتي ، إلا الصبية الصغار، فقد سخروا مني ، بل كنت منبوذا ،كانوا يقولون .. هذا لص ابن لص ، لن نلعب معه . لقد كانوا يلعبون ألا أنا . ولكي اصمد ، كنت أقول لنفسي إنهم يحسدونني لأني افعل فعل الرجال الأقوياء . ولكن في كل الأحوال كانوا يلعبون ألا أنا. لهذا كان قراري أن أكون اللاعب الأوحد في الشارع كله ، وببندقيتي هذه نفذت قراري . تردد إلى مسامعه صوت بعيد لمزامير سيارات عديدة ، نظر صوبها عبر المنظار قال مع نفسه : ـــ عرس ، ولم لا ، آه لو أنال من العريس .. أو من العروس.. نعم العروس أفضل .. (نجاة) لما فعلت ذلك يا (نجاة) . عادت الذكريات تتوهج في رأسه من جديد .. كانت ) نجاة) أجمل فتيات الشارع ، أحبها الشباب جميعا ، ولكنه كان الأكثر حبا لها ، هكذا كان يقول . لقد اقسم مع نفسه وهو يمشط شعره أمام المرآة ، بان )نجاة ) لن تكون لغيره . لكن (نجاة) كانت تحب شخصا آخر ، وقد قررا الزواج . كان عليه أن يفي بقسمه . في ليلة العرس ، جلب بندقيته ، ووضع نفسه في مكان ملائم ، يستطيع من خلاله أن يرى الجميع دون أن يراه احد . حضن بندقيته ، واستكان ، فالوقت لم يحن بعد . كان العروسان في فرح غامر. نظر صوبهما بعينين امتزج فيهما الغضب والحزن . مد يده نحو أخمص البندقية ... ثمة علامات من الاندهاش ارتسمت على وجهه فأخمص البندقية كان ناعما ودافئا لدرجة لا تصدق . وضعه بين فخذيه ، بينما كانت يده اليمنى تتلمس جسد البندقية بنشوة كبيرة ، ولن ينسى تلك القبلة التي طبعها على شفاه فوهتها . وفي غمرة لذته كان ثمة صوت ينبعث من البندقية : ـــ هيا أيها الفحل قد حان وقت العمل ، اثأر لكرامتك! . نصب البندقية ، وأطلق حملها الأول نحو صدر) نجاة) ، هكذا كان قراره ... عاد من جديد إلى احتضان بندقيته لينغمر معها في لذة عميقة ، بينما احتضن العريس عروسه القتيلة وهو يصرخ بشكل هستيري . أفاق من ذكرياته حين رصدت عيناه حركة غريبة في الشارع ، ثمة قادم جديد ، نظر إليه عبر المنظار ، بدا شابا غريبا وعلى وجهه علامات الاستغراب . قال غاضبا وهو يضغط على زناد البندقية :ــــ أنا اللاعب الأوحد هنا ، ولن يدخل احد ملعبي دون أذني . صوت أطلاقة ، وخفق أجنحة لطيور فزعة تقفز من مكامنها تلوذ بأجسادها نحو السماء ، وجسد شاب يسقط صريعا وعلى وجهه علامات الاستغراب ، قبل البندقية وهو يردد : ـــ عاشت يدك . هم بالنزول مسرعا نحو جثة الشاب ، فضول يدفعه لمعرفة هويته ، وقف محدقا في ملامح وجه ضحيته قائلا :ـــ لا تستغرب كل شيء في حينه . وفجأة ، دوي أطلاقة ، شيء يخترق كتفه الأيسر، نظر صوب الطيور التي ما زالت تحلق فزعة وهو يقول بألم واضح :ـــ يبدو أني لست اللاعب الوحيد هنا . وقبل أن يثبت أنظاره على المأذنة الشمالية حتى كانت هناك أطلاقة أخرى تستقر في جبهته . بعد لحظات قصيرة كان ثمة شخص يقف بالقرب من الجثتين ماسكا ببندقية القنص وهو يردد فرحا : ـــ إني اللاعب الأوحد في هذا الشارع. خاص "أدب فن"