الرئيسية »  الـقـصة»  القنــــا ص

القنــــا ص

عدد مرات المشاهدة :572 - 13/ 3/ 2010

منور ناهض الخياط

القنــــا ص

  

إلى الذين يمارسون القنص بكل أشكاله

ـــ لقد حان وقت الحساب .
هذا ما كان يردده دائما وهو يضع بندقية القنص على حافة البرج للمأذنة الجنوبية ..
لم يدرك بعد لماذا تتسارع نبضات قلبه حين يصل إلى قمتها ،أبسبب الصعود الطويل لسلم المأذنة أم جراء الغضب المتصاعد في داخله ؟.. ولماذا تتضارب أنفاسه بين الخوف والوهن؟ .. وما سبب العرق الغزير المتصبب من ثنايا جسده؟.. وهو يحمل بقوامه المالح روائح سهرة الأمس .
ـــ هو الشارع ذاته أني اعرف كل حصاه ، وبقايا خيوط الليل فيه ، وفي أي مكان ينساب ضوء النهار في بدايات الشروق .
كان ينظر بنشوة واضحة للشارع الذي بدا من أعلى المأذنة ضيقا ولامعا ، مسترخيا بلا حراك وهو يربط بطرفيه مأذنتين (شمالية وجنوبية) ، والتي لم يتفق عليهما قاطنو الشارع أيهما كانت الأقدم ، وعلى أية حال ، فلكل واحدة تاريخ تستحق من خلاله أن يطلق عليهما المآذن القديمة.
قال مع نفسه وهو يطيل النظر إلى الشارع :ـــ لو تمكن الشارع أن يرى نفسه الآن لما صدق بأنه كان في زمن ما يحتضن ألاف الخطى .
أدار ببصره ( النهر الكبير) والذي في حقيقته كان جدولا صغيرا يسقي البساتين المجاورة للشارع .. كان يذكر جيدا اللحظات الأولى من حفر هذا الجدول .. كانوا مبهورين بالمكائن والمعدات التي استخدمت في الحفر قال بعضهم :
ـــ إن الحكومة ستحفر نهرا كبيرا تسبح فيه الحيتان والتماسيح ، وستأتي السفن الكبيرة من بلاد الأجناب والهنود وهي محملة بكل شيء .
لن تغيب عن ذاكرته يوما تلك اللحظة التي هرع بها الصبية بأجسادهم العارية نحو الجدول فاتحين أذرعهم بشوق كبير للقاء القادم الجديد . لف الماء بحنان الأجساد الصغيرة ، ولمعت الشمس على بشرتهم السمراء ، وكان يوم عشق .
الهواء والشمس والنهر ، الجميع عشقوا بعضهم .أراد أن يتذوق قليلا من هذا العشق ،خلع ملابسه وقذف بجسده نحو الجدول ، في البداية نظر أليه البعض ، ثم الكثير منهم ، بعد ذلك وبكلمة واحدة قال الجميع :ــ اخرج لقد نجست الماء .
قال متحسرا: ـــ ومنذ ذلك الحين ، أسبح وحيدا وأتخيل معي جمعا من الصبية أمازحهم .
اقترب بإحدى عينيه من فوهة ناظور البندقية محدقا من خلاله في البيوت الخالية ، حيث الأبواب الموصدة دون أحكام ، وزجاج النوافذ المهشم وآثار الرصاص على الشرفات ، قال مع نفسه :
ـــ معظم تلك البيوت دخلتها مع والدي حين كنت صبيا ، كنا نتسلل ببراعة فائقة لم يصعب علينا بيت . لقد أقنعني والدي بان العمل الذي نقوم به هو من فعل الرجال الأقوياء .. وعلي أن أكون رجلا قويا .
لقد أخذنا كل مقتنياتهم الثمينة ومدخراتهم ، ولكنهم لم يفعلوا شيئا . لقد كانوا على معرفة سابقة بان والدي لص وأنا ابن اللص . ربما الخوف قد شل كرامتهم وحبذوا الصمت على المطالبة بحقوقهم . نعم ! انه الخوف ، وهذا ما افعله أنا حيث قتلتهم عن طريق الخوف قبل أن اقتلهم برصاصاتي ، إلا الصبية الصغار، فقد سخروا مني ، بل كنت منبوذا ،كانوا يقولون .. هذا لص ابن لص ، لن نلعب معه .
لقد كانوا يلعبون ألا أنا . ولكي اصمد ، كنت أقول لنفسي إنهم يحسدونني لأني افعل فعل الرجال الأقوياء . ولكن في كل الأحوال كانوا يلعبون ألا أنا. لهذا كان قراري أن أكون اللاعب الأوحد في الشارع كله ، وببندقيتي هذه نفذت قراري .
تردد إلى مسامعه صوت بعيد لمزامير سيارات عديدة ، نظر صوبها عبر المنظار قال مع نفسه :
ـــ عرس ، ولم لا ، آه لو أنال من العريس .. أو من العروس.. نعم العروس أفضل .. (نجاة) لما فعلت ذلك يا (نجاة) .
عادت الذكريات تتوهج في رأسه من جديد ..
كانت ) نجاة) أجمل فتيات الشارع ، أحبها الشباب جميعا ، ولكنه كان الأكثر حبا لها ، هكذا كان يقول . لقد اقسم مع نفسه وهو يمشط شعره أمام المرآة ، بان )نجاة ) لن تكون لغيره . لكن (نجاة) كانت تحب شخصا آخر ، وقد قررا الزواج .
كان عليه أن يفي بقسمه . في ليلة العرس ، جلب بندقيته ، ووضع نفسه في مكان ملائم ، يستطيع من خلاله أن يرى الجميع دون أن يراه احد . حضن بندقيته ، واستكان ، فالوقت لم يحن بعد . كان العروسان في فرح غامر. نظر صوبهما بعينين امتزج فيهما الغضب والحزن .
مد يده نحو أخمص البندقية ... ثمة علامات من الاندهاش ارتسمت على وجهه فأخمص البندقية كان ناعما ودافئا لدرجة لا تصدق . وضعه بين فخذيه ، بينما كانت يده اليمنى تتلمس جسد البندقية بنشوة كبيرة ، ولن ينسى تلك القبلة التي طبعها على شفاه فوهتها .
وفي غمرة لذته كان ثمة صوت ينبعث من البندقية :
ـــ هيا أيها الفحل قد حان وقت العمل ، اثأر لكرامتك! .
نصب البندقية ، وأطلق حملها الأول نحو صدر) نجاة) ، هكذا كان قراره ...
عاد من جديد إلى احتضان بندقيته لينغمر معها في لذة عميقة ، بينما احتضن العريس عروسه القتيلة وهو يصرخ بشكل هستيري .
أفاق من ذكرياته حين رصدت عيناه حركة غريبة في الشارع ، ثمة قادم جديد ، نظر إليه عبر المنظار ، بدا شابا غريبا وعلى وجهه علامات الاستغراب .
قال غاضبا وهو يضغط على زناد البندقية :ــــ أنا اللاعب الأوحد هنا ، ولن يدخل احد ملعبي دون أذني .
صوت أطلاقة ، وخفق أجنحة لطيور فزعة تقفز من مكامنها تلوذ بأجسادها نحو السماء ، وجسد شاب يسقط صريعا وعلى وجهه علامات الاستغراب ، قبل البندقية وهو يردد :
ـــ عاشت يدك .
هم بالنزول مسرعا نحو جثة الشاب ، فضول يدفعه لمعرفة هويته ، وقف محدقا في ملامح وجه ضحيته قائلا :ـــ لا تستغرب كل شيء في حينه .
وفجأة ، دوي أطلاقة ، شيء يخترق كتفه الأيسر، نظر صوب الطيور التي ما زالت تحلق فزعة وهو يقول بألم واضح :ـــ يبدو أني لست اللاعب الوحيد هنا .
وقبل أن يثبت أنظاره على المأذنة الشمالية حتى كانت هناك أطلاقة أخرى تستقر في جبهته .
بعد لحظات قصيرة كان ثمة شخص يقف بالقرب من الجثتين ماسكا ببندقية القنص وهو يردد فرحا
: ـــ إني اللاعب الأوحد في هذا الشارع.  

 

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

علي الحلي في 16/ 12/ 2011
علي الحلي يبدو ان كاتبنا العزيز متاثر بفلم للممثل الامريكي سلفستر ستالون الذي يظهر معه في الفلم انطونيوباندرياس وقصه الفلم مشابهه لقصه استاذ منور الممثلان بتصارعان علىمن هو القناص الاول ولان البطوله للممثل الاول فانه يقتل الثاني وفي عرض الفلم نعرف معاناتهم ومشاكلهم والخ الخ......
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: