أدب فن: شبح الموناليزا! شبح الموناليزا! ================================================================================ أحمد فاضل on 02/ 3/ 2010 لم تعد تفصله على افتتاح المعرض التشكيلي إلا ايام قليلة وها هو الاسبوع الثاني يمضي مذ دعوه للمشاركة فيه دون ان ينجز لوحة واحدة وهو المعروف عنه دأبه ونشاطه حينما يشارك بمثل هذه المعارض . كان لا يفتأ يطيل النظر بتلك الخامة البيضاء التي وضعها امامه فقد عقد العزم على المشاركة بلوحة واحدة فقط إلا انها ناكدته هذه المرة وعجز ان يأتي بالافكار التي سوف يجمعها على هذه القماشة ، إنها المرة الأولى التي تعلن هذه الافكار الحرب عليه وتجعله يقف عاجزا امامها كي يستميلها في تكوين لوحته الفنية، حاول ان يصنع له جوا خاصا فأحضر جهاز المغنى واختار اسطوانة موسيقية لشوبان الذي يعشقه فأدارها وراح ينصت لتلك المزامير السحرية التي اختلطت مع ضربات البيانو ، تكور على جسده المسجى فوق كرسيه الأثير المصنوع من البلاستيك وسحب سيكارة يتيمة ظلت قابعة لايام في علبتها كان قد اقسم على تركها لولا حاجته الليلة اليها، دخان وموسيقى وافكار هائمة، هل بمقدور كل تلك الاشياء ان تنجز لوحة؟ اعتدل واقفا عن كرسيه وراح يذرع غرفة الاستوديو الخاصة به رواحا ومجيئا وموسيقى شوبان لازالت تصدح وسيكارته شارفت على موتها، جلس ثانية ومد جسمه محاولا ان تكون قدماه بصورة مستقيمة الى الارض، انها الطريقة الوحيدة التي كان يمارسها حينما يريد ان ينام ولو لدقائق، لكنه سرعان ماسحبها باتجاه صدره ياالله ماذا يفعل قالها في نفسه وانتفض ثانية عن كرسيه حينما سكتت موسيقى شوبان عن العزف. نظر الى ساعة الحائط فوجدها تشير الى منتصف الليل فسحب آهة كانت محبوسة بين ثنايا عظامه وتلكأ ثانية بالعثور على فكرة ولو بسيطة تعينه في وضع اللمسات الأولى للوحته، تنقل بناظريه حول جدار الغرفة وأحس بخيال ما يزحف قرب نافذتها: - ترى أي شبح بدأ يزورني ويتقافز على هذا الجدار؟ قالها بذهول وهو يلاحظ إنعكاسات ضوئية لايفقه معناها ، لكنه متأكد انها قد مرت عليه في احلامه ويقظته. اقترب من النافذة التي تطل على حديقة الدار فلم يجد أثرا لذلك الخيال فعاد مرة اخرى يدور بنفسه وسط الغرفة متنقلا بين عشرات الصور واللوحات التي غفت على الحائط وفجأة تسمرت عيونه قبالة لوحة يعرفها جيدا ويحبها كثيرا، هي صورة لامرأة تذكره بسميرة المرأة التي احبها لكنها فارقته بسبب طغيان التقاليد مع انهما تخرجا من كلية فنية واحدة وتعاهدا على الزواج لكن ابن العم ذلك البعبع الذي ظل مسيطرا لقرون طويلة لاتمنعه ثقافات ولا تردعه قوانين فقد جاء على حين غفلة منهما وطار بها بعيدا عنه مخلفا وراؤه ذكريات وأماني تبخرت في الهواء بعد ان كادت تصبح حقيقة. بعدها لم يعد يراها لكنه عثر على صورتها في " الموناليزا " ، نفس الابتسامة ، نظرة عينيها ، راحة يدها ، جدائل شعرها ، ولولا انها لدافينشي لقال انها سميرة ، علقها على الحائط بعد وداعها وكلما اراد ان يرسم صورة لامرأة اطلت عليه فتاته قائلة له: - سترسمني وحدي ولن ترسم غيري.. وبدون ان يشعر بكل ما حوله امتدت يده الى الفرشاة وراح يضرب بها على القماش وعيونه شاخصة متشمعة على سميرة أو بالاحرى موناليزا دافينشي ، ولأول مرة يشعر أن فرشاة الرسم تحاول ان تعي تفاصيلها وكأنها تكلمه : - اليس وجهها مستدير .. ممتلئة بعض الشيئ .. يسكن في تبسمها سر دفين؟ - نعم ..هي بعينها.. لكنني لا أريد أن تبدو كذلك؟ قالها وهو يحاول ان يمسك الفرشاة بقوة متحديا إياها ان تفلت من قبضة يده: - إنني اريدها إمرأة اخرى ..سميرة اصبحت ماضيي الجميل .. لا أريد أن أسيئ اليها بالرغم من كل عذاباتي .. أطل الفجر بهدوء وبدأت النجوم تلملم انوارها التي كانت قبل قليل تنافس الظلمة ، وانساب هواء عليل من النافذة التي ضلت مفتوحة طوال الليل لتداعب وجهه لكنها لم تفلح بهزيمة ملك النوم الذي سيطر عليه ، وبعد سويعات قليلة أحس بحرارة نور الشمس وهي تحاول أن تطرد فيه بقايا ليلة باردة عاشها مع شبح جميل . - آه.. اللوحة! صاح من رقاده وقام يتفحص المكان الذي تناثرت فوق ارضيته الوان زيتية قادته الى الصورة. في اليوم التالي حملها وقد غلفها بصحائف اصطرع فوقها الساسة بينما فناننا حملهم فوق لوحته بلا مبالاة ، وبعد أيام قليلة حضر الافتتاح ، كان الجمهور يتدافع لرؤية لوحته الوحيدة، امرأة لاتشبه حبيبته لكنها جمعت كل معاني الجمال.. خاص "أدب فن"