أدب فن: قصص قصيرة من السويد قصص قصيرة من السويد ================================================================================ عدنان المبارك on 27/ 2/ 2010 العودة قصة: الكاتب السويدي كييل لندبلاد * ترجمة: عدنان المبارك لا أتذكر بالضبط متى إنتمت ماما الى ( المبشرين بالخلود ). لابد أن هذا قد حصل بعد أن إستثنت الجدّة ، فقد أدركت بأن ( السنونوة) وأنا لا يمكن خداعنا لأمد أطول ولذلك تخلت عن خطة صنع صورة بابا الليزرية ، وحوّلت غرفة الجدّة الى مكتب لها كي تقدر على أن تعمل أكثر في البيت، وبهذه الصورة تكسب وقتا أكبر لنا أنا و( السنونوة ) ، فخلال السنوات الأخيرة كان مقررا أن نسكن سوية. و( السنونوة ) المزوّدة بجينات القدرات الرياضية كانت قد قبلت في مدرسة ذات قسم داخلي للتلاميذ من أمثالها. أما أنا فوفقا لرغبة بابا في خلق توازن للإهتمامات النظرية عند ( السنونوة ) ، كسبت صفات نفسية وبدنية تصلح لمهنة الربّان. بعد إنهاء العام الثاني عشر من العمر كان عليّ أن أبدأ الدراسة في صف للفتيان الصغار في أكاديمية القيادة والتحليقات الفضائية. وفي أحد أيام تشرين أول حين عدنا من المدرسة شعرنا ونحن ما زلنا على السلالم بأن ماما قد وضعت طعاما في الفرن. فالرائحة كانت تصلنا. وعندما إلتهمنا الحلويات تذكرت ( السنونوة ) أمرا : من المؤسف أن بابا غير موجود في البيت ، فقد حرم من فرصة أكل أشهى كعكة في العالم. وفي الأخير لم تحتمل ماما أطول وأشركتنا بالخبر العظيم: - سيعود بابا بعد أسبوع ! لم أصدق بأنه حقيقة بالفعل. - لكن ليس بابا من الهواء - سألت (السنونوة ) بتردد - شأن الجدّة ؟ وعدتنا ماما بأن بابا سيكون من لحم ودم ، ومثلنا نحن. كنت وحيدا في البيت حين تلامع في المونيتور الوجه المدوّر لحارس الهرم. أعلن بأن بابا في المصعدد الآن. ماما و( السنونوة ) ذهبتا ب( الخرطوم ) الى مركز المدينة لقضاء بعض الأمور. قيل أن بابا سيعود غدا. هرعت صوب الباب ، وكل شيء فيّ كان يغني بسبب السعادة. فأنا أول من يلقى بابا ! توقف المصعد وخرج منه رجل طويل القامة عريض المنكبين. راقبته من خلال ثقب الباب الذي توقف أمامه الآن. فتحت الباب . - بابا -هتفت وإنفجرت بالبكاء. - أنت ( الشحرور) - قال وهو يركع أمامي ويمّد يديه إليّ. - بالطبع أنا ( الشحرور ) - شهقت باكيا وإرتميت بين ساعديه. - ( الشحرور) - ردد الإسم بضع مرات كما لو أنه أراد تذوّق إسمي. الصوت كان صوت بابا لكن الرائحة أخرى. كلام بابا ومظهره كما ينبغي ، الا أن الرائحة كانت غريبة عليّ. لم يكن معه أمتعة. - جئت بالهيلكوبتر ؟ سألته عندما علق معطفه. وقف أمام المرآة. - يوم سعيد - قالها وهو ينحني . كان يبدو مضحكا وحتى أنني أطلقت الضحكات. - يوم سعيد - قال مرة أخرى ومدّ يده ثم طرق الزجاج بحذر. آلو ؟ هل هناك أحد ؟ نزع المرآة ونظر الى الجدار العاري. هز رأسه في الأخير وأعاد المرآة الى مكانها. - إذن كانت هذه مرآة - قالها ببالغ الجد لدرجة أنني ضحكت عاليا مرة أخرى. لقد نسيت تماما بأنه يعرف كيف يكون مسليا. وقدّته الى الغرفة الكبيرة. - هذه هي الغرفة الكبيرة - قال بابا وأخذ يجيل بصره فيما حوله. هزّ رأسه وفتح باب غرفتي. توّقف أمام الطاولة التي كانت عليها نماذجي للصواريخ. كنت فخورا للغاية بالمحطة الكونية التي إنتهيت من تشييدها مؤخرا. إنها تحيط الآن بالمصبح المتدلي من السقف والذي يبدو كأنه كوكبها السيّار. - هذه غرفتك . قال بابا. لم أفهم لماذا كان عليه التأكيد على أنها غرفتي . فقد كانت هي غرفتي على الدوام . واصلنا التنقل في البيت . دخلنا مخدع ماما . وقف بابا أمام السرير المستدير في وسط الغرفة. - هذه غرفة ماما. قال. - وغرفتك أيضا - أضفت الى كلامه ثم سرت أمامه الى مكتب ماما. جلس أمام الكومبيوتر ومرّر، بصورة آلية ، أصابعه على المفاتيح ثم خاطبني بالقول: - كانت هذه غرفة الجدّة. - نعم - قلت - ماما حوّلتها الى مكتب عندما مللنا أنا و( السنونوة ) من الجدّة. كنا نعرف بأنها كانت مجرد صورة ليزرية. لكنها كانت موجودة معنا في ذاكرة المونيتور، ونحن ننظر إليها أحيانا. الأمر هو الآن أكثر بساطة ، فلاحاجة هناك الى هذا القدر الكبير من المكان، وماما تقول إن الديون ستكون أقل... هزّ بابا رأسه . أريته غرفة ( السنونوة ) والتي هي مختلفة تماما عن غرفتي. فهنا لم تكن أي نماذج للتركيب ، وأهم شيء في الغرفة هو الكومبيوتر والطاولة التي حملت شتى الإسطوانات. وفي الآونة الأخيرة كانت ( السنونوة ) تقضي بضع ساعات كل يوم أمام الكومبيوتر، وكانت قادرة على أن تقوم بعمليات رياضية لا أفلح أنا بأدائها بعد. - لم يبق الا المطبخ. قلت. سار بابا أمامي الى مدخل البيت وفتح باب الحمام. - أهذا هو المطبخ ؟ بابا أخذ يمزح من جديد. - نعم، والآن أريك الدش - ضحكت وقدّته الى المطبخ الكبير حيث إخضرت وراء زجاج الخزانة أوراق القمح وبراعم عبّاد الشمس. - لكن لابد أن هذا هو المطبخ - قال بابا بدهشة حقيقية لدرجة أنه من الصعب التصديق بأنه يمزح. - هل أنت جائع ؟ سألته. - كلا. فتحت المبرّدة. - ربما تريد قدحا من عصير القمح؟ هزّ راسه بالنفي. - كلا ، شكرا . لست جائعا ولا عطشانا. لاشيء ينقصني. سمعت صوت ( السنونوة ) المنفعل والقادم من السلالم. عرفت أن الحارس قد أخبرهما بمن عاد الى البيت. ولم أنتبه غير الآن بأن بابا لم يسألني عن ماما ولا عن ( السنونوة ). - بابا! - صرخت أختي عندما رأته وهرعت صوب ذراعيه المفتوحتين. - أنت ( السنونوة ). قال. بعدها جاء دور ماما. حصل لدي إنطباع بأن بابا كان خجولا بعض الشيء . لم يقبّل ماما بل إكتفى بإحتضانها في حين أني و( السنونة ) كنا غارقين بالضحك. عندما تناولنا ، أنا وماما و( السنونوة ) الغداء في المطبخ كان بابا جالسا في الغرفة الكبيرة وينظر الى المونيتور. - لماذا بابا لايأكل؟ سألت ( السنونوة ). - لم يشرب البتة. أضفت قائلا. وضعت ماما الشوكة والسكين على الطاولة. - ليس بابا بحاجة الى الطعام والشراب - أوضحت ونظرت إلينا باسمة. وكانت هذه إبتسامتها الجديدة. فمنذ أن إنتمت الى ( المبشرين بالخلود ) أخذت تبتسم بصورة أخرى. - لكن لابد لكل واحد أن يأكل ويشرب - قلت. هزّت رأسها: - أنتما لاتدركان بأن بابا صار خالدا ؟ الخالدون لا يشعرون بالجوع والعطش والبرد والحرّ ، ولا بالحزن ولا الحنين. قالت وكأنها تقرأ في كتاب مفتوح. - ولكن نحن سنحيا الى الأبد أيضا - قلت - ومع ذلك لابد من أن نأكل ونشرب. لم تكف ماما عن الإبتسام. - هذا صحيح ، كلنا نحقق الخلود. لكن بابا حصل على هبة الحياة الخالدة . وفي يوم ما سنكون مثله. أليس هذا أمرا رائعا ؟ - لكننا سوف نقدرعلى الأكل حينها - هتفت ( السنونوة ). - الطعام ليس كل شيء - أجابتها ماما. لقد أخافتني إبتسامتها. وفقدت الشهية الى الطعام . سألت هل بإمكاني ترك المائدة. وذهبت الى بابا . كان جالسا على المقعد أمام المونيتور. - بابا ، قل لي كيف كان الحال عندما كنت أسيرا. - لا اقدر- قال - فقد حرمت من الذكريات. - لماذا؟ - أنا أنظر الآن في المونيتور أيها ( الشحرور ). في المساء لم أستطع النوم طويلا بالرغم من أنني تناولت شرابا ماما الليلي. فبعده يسيطر عليّ النعاس عادة. أخذت أسترق السمع للأصوات المنبعثة من الغرفة الكبيرة عندما كان يعمل المونيتور، ولم يكن قد أغلق باب مخدع الوالدين بعد. وكنت قد غفوت تقريبا عندما سمعت صوتا شبيها بالفحيح المكتوم. كانت أجفاني مثقلة بالنعاس لكنني نهضت لكي أعرف مصدر هذا الصوت . كان الظلام يسود الغرفة الكبيرة ، والمقعد صار الآن مواجها للنافذة والسماء الليلية المظلمة. كان بابا جالسا على المقعد وقد إرتدى ملابسه، و فمه كان فاغرا وصدره يرتفع وينخفض. كان لتنفسه صوت الصفير الرتيب ، ولم ألحظ أيّ فارق بين شهيقه وزفيره. - بابا / همست - لماذا لاتنام مع ماما؟ لم يكن هناك من شك في أنه نائم بعمق ولايسمع ما أقوله. لكن ما أثار فضولي أن عينيه كانتا مفتوحتين وينعكس فيهما ضوء النجوم. في الصباح كان المقعد في الغرفة الكبيرة فارغا. وماما أعطتنا عصيدة الطاقة وهي تدندن بأغنية ، وبدا مزاجها رائقا. بيّنت لنا أن بابا حصل على عمل أكثر أهمية من السابق وعليه أن ينهض مبكرا. كانت لديّ رغبة في سؤالها لماذا كان نائما بملابس الخروج ،وفي الغرفة الكبيرة ، لكنني ضبطت نفسي . وهل خشيت من أنني سوف لن أكون مقتنعا بالجواب ؟ في الأسابيع الأولى كان بابا يعود الى البيت في المساء، لكن فيما بعد حصل على الغالب بأنه كان غائبا لعدة أيام ، ولم يعد في الليل. في النهاية صار يأتي الى البيت مساء مرة واحدة في الأسبوع ، وحتى هذا المساء كان يقضيه جالسا أمام المونيتور . كذلك كفّ عن المزاح ولم يضحك أبدا. وفي مساء ما بعد غياب دام أسبوعا ظهر في البيت ، وأنا كنت قد سكبت الشراب الليلي في البالوعة خلسة لكي لاتعرف ماما بهذا الشيء. إنتظرت برهة وبعدها نهضت وتسللت الى الغرفة الكبيرة لكي أنظر الى بابا وهو جالس على المقعد أمام المونيتور. لكنه لم يكن هناك. فتحت بحذر بالغ باب مخدع الوالدين . كانت ماما مستلقية في الفراش وعصّابة على عينيها. كانت قد إنساقت لنومها العميق الذي يستمر ، عادة، خمس ساعات. ذهبت الى مدخل البيت ولاحظت إختفاء معطف بابا. فهمت بأنه قد تركنا. جلست على مقعد بابا وإلتفت صوب النافذة . طفقت أحدق في النقط المضيئة التي تتحرك في بحر النجوم ثم نمت وحلمت بأنني أسافر الى هناك في الأعلى على متن سفينة كونية ذات شراع شمسي أحمر تزّينه أتنة تنفث النار. كييل لندبلاد (1951 ) ناثر سويدي من أصل فنلندي ويعتبر من أبرع كتاب ما يسمّى بالأشكال الأدبية القصيرة. أصدر لغاية الآن أربع مجموعات قصصية: ( قبل النوم )1984 ، و( حكيات رجل المطر )1988 و( رحلة حول الشمس ) 1994 و( أكتوبر - مارس ) 1997. وحظت روايته ( أطفال المساء ) من عام 1991 بتقدير النقاد. وفي هذه القصة المترجمة يرّكز المؤلف على البعد النفسي عند تناول صنف الخيال العلمي. المترجم الخبز قصة: سيلما لاغرليف في قديم الزمان أراد سيّدنا أن يصنع خبزا. أخذ الكثير من الأحجار الرمادية الصغيرة والمطحونة بنعومة، ومعها الحصى الخشن. وضع كل هذا في آلة عجن وصبّ الماء الحار فيها. بدأ يخلط حتى أصبح العجين كثيفا. أضاف الخميرة وألقى بحفنة من الحديد والنحاس والزنك ثم بقليل من الفضة والذهب مثلما يفعل الخبّاز حين يضيف التوابل لكي يكون طعم العجين لذيذا ومطيّبا ،عجن ثانية ثم صنع من العجين رغيفا طويلا عريضا في الوسط ونحيفا في الطرفين. وفي الأخير وضعه على اللوح وتركه لكي ينتفخ. - سيكون رغيفا رائعا ! - فكر سيّدنا وإبتسم عندما رأى أمامه رغيفا ذا شكل جميل. بعدها ترك المكان وإنصرف الى قضاياه الأخرى. بعد وقت قصير عاد لكي يرى هل العجين إنتفخ أم لا ، أها، إنتفخ !. وقد إنتفخ العجين كثيرا ، تشقق في مواضع ليست بالقليلة. صار لينا جدا وفيه الكثير من الفقاعات، والأسوا من هذا أن ما كان في الأسفل صار في الأعلى وماكان على السطح صار في القعر. لكن كل شيء كان على ما يرام ، عدا شيء واحد : إنتفخ الرغيف لدرجة أنه إلتحم بالرغيف المجاور. الرغيفان كبرا جدا ولم يكن ممكنا فصلهما بدون الإضرار بكل واحد منهما. - ليبق الحال كما هو. قال سيّدنا الا أنه لم يكن راضيا تماما. لو أنهما إستلقيا بصورة متوازية!، لظهرا مثل رغيف واحد ، عريض وكبير. ولكن ها أن احدهما يستلقى أعلى من الثاني بقليل ، وفي المحصلة كان شكلهما كرغيفين يبدو غريبا. لكن لاحيلة في الأمر. بقي الرغيفان هناك لقليل من الوقت ، ثم جاء سيّدنا وتفحصهما مرة أخرى. والآن صار منظرهما كما ينبغي. في الواقع ظهرت في الداخل إنتفاخات وأخاديد الا أن السطح كان مستويا وصلبا. على طول الجانبين كانت هناك الشروخ والنتوءات، وخاصة في الرغيف العلوي. أكيد أن فيه خميرة أكثر من اللزوم. أظن بأنهما كبرا بمافيه الكفاية . تمتم سيّدنا ودفعهما الى الفرن لكي ينضجا. ومرة أخرى بقيا لوحدهما زمنا قصيرا . فسيّدنا إنصرف وتفرغ لشؤونه الأخرى. عاد بعد وقت ما. كان يتوقع أن يرى رغيفين بلون البرونز وبسطح مصقول ومستو مثل المرآة. الا أنه شاهد شيئا مختلفا بالمرّة. فكلا الرغيفين كان متشققا وغير مستو ، وعلى السطح ظهر خط طويل ناتيء. وكان بالإمكان آنذاك الحصول على أحسن رؤية للفارق بين الإثنين. الأول كان طويلا ونحيفا أما الثاني عريضا ومفلطحا. - لكن لاينبغي الإكتراث لمثل هذه الأمورعند خبز العجين. وهذا أمر يحدث لكل واحد... وهكذا إلتقط سيّدنا الرغيف من الفرن وإنتظر حتى يبرد. وبعدها نادى الكائنات الحيّة: - لقد خبزت لكم قطعة جميلة من الخبز .أنظروا فقط ! تعالوا وجرّبوه ! للأسف قالوا بعد التجربة : - الخبز قاس مثل الحجر! وفيه لاتوجد ولو لقمة واحدة تصلح للأكل. لمس سيّدنا الخبز. كان عليه أن يعترف لهم بالصواب. فقد كان صلبا مثل الحجر. - طيّب ، إذا كان الأمر متعلقا بهذا الشيء فقط فبإمكاننا ان نجعله لينا ! ونادى البحر الكبير الهائج:. - لقد صنعت خبزا لكنه صلب جدا لايقدر أحد على أكله. حاول ، فقد تستطيع أنت أن تلينه قليلا ! ولبى البحر نداء سيّدنا. تصاعدت أمواجه وغطت الرغيفين. سمح سيّدنا للرغيفين أن يستقرا في قعر البحر لفترة من الوقت. بقيا هناك إلى أن تذكرهما سيّدنا. أخذهما من الماء وتلمسهما ، كانا لايزالان صلبين. وكساهما بالرمل والقليل من الكلس مثل قعر البحر. لم يفلح البحر في تليينهما. - عليّ أن أعطيه وقتا أطول - قال سيّدنا وهو يغطس العجين النحس في البحر. وتفرغ للقضايا الأخرى. وبعد آلاف كثيرة من السنين أخرج الخبز من الماء. وكان قد توقع الأمر ! الخبز لايزال قاسيا كالسابق لكن بالمقابل كانت تلتصق به طبقة سميكة من مزيج الرمل والكلس ، كما نمت عليه الأعشاب وزحف الحلزون وإستلقت عليه الأسماك الميتة و( نجوم البحر ) والمحار. - من الأحسن أن تجففه الشمس ويخرج منه الماء. مسك الخبز بيده وعصره بقوة. في القعر الحجري إنشرخ شيء ما وإرتفعت الحواف في داخله قليلا. وكان هذا ما أراده سيّدنا، أن يعثر الماء في الداخل على مخرج له. وظل الماء يسيح من هناك . عبرالأخاديد وغسل كل شيء تقريبا : الكلس والرمل. بعدها بقليل صار الرغيفان كم كانا في البدء : مازالا قاسيين ولايصلحان للطعام. - كما أرى لم يفلح البحر - تنهد سيّدنا - وعليّ أن أنادي من هو أقوى. ونادى الجليد. - تعال وإجعل هذا الخبز لينا من أجل أن تستمريء الكائنات الحيّة طعمه ! وظهر الجليد المطيع وتوّجه ببطء صوب الرغيفين. وسمح سيّدنا له بالبقاء في أثناء إنشغاله بالقضاياالأخرى. مرت آلاف كثيرة من السنين وعاد سيّدنا وأزاح طبقة الجليد لكي يرى كيف هي الحال. تبين أن الجليد قد فتت قطع الخبز وحوّلها الى غبارغطى السطح كله. - رائع ! - إغتبط سيّدنا - بدأت الحال تبدو وليس بالصورة السيئة ! أزاح الغطاء الجليدي كله. وبان مشهد ، والحق يقال ، كابوسي: تلال طينية عارية ، صحارى رملية كبيرة ، صخور جبلية ، أكوام من الصخور هنا وهناك. إلا أن سيّدنا صفق بيديه ونادى : - الآن تقدر الغابة أن تأتي وتأكل طعامها ! وسمعت البراري النداء وسارت بحميّة الى الأمام وضربت الجذور وبدأت تأكل الخبز الذي صنعه سيّدنا. وإستذاقت هذا الخبز وإلتهمته وإزدادت جبروتا. مضى إثرها الآخرون : الطيوروالنباتات والبعوض والأفاعي والسحالي وسمك الكراكي والناس والله وحده يعلم من مضى أيضا. وعلى خبز سيّدنا نحيا حتى اليوم. إنها قطعة خبز ضخمة وشهيّة وهبها السيّد أيانا. خاص "أدب فن"