التمثال
عدنان المبارك
قصة: سوزان سونتاغ *
ترجمة: عدنان المبارك
كان وضعي لايطاق ولذلك إعتبرت من المناسب القيام بخطوات معيّنة كي أدبّرّ الحال. وهكذا شيّدت تمثالا بشريا من مختلف اللدائن اليابانية التي تحاكي الجسم و الشعر و الأظافر إلى آخره. و قام مهندس ألكتروني من معارفي ، لقاء مبلغ ليس بالتافه ، بصنع ميكانزم لداخل التمثال : سيكون قادرا على الكلام و الأكل و العمل و السير و الجماع. و لرسم قسمات الوجه كلفت فنانا بارزا من المدرسة الواقعية القديمة ، وقد إستغرق صنع الوجه بصورة نموذجية وفق وجهي إثنى عشر جلسة. و أصبح للتمثال أنفي العريض و شعر ي الغامق اللون و التجاعيد على طرفي فمي. ولكنت قد عثرت على الفوارقبيننا لو لم أكن في مثل هذا الوضع المفيد وهو أنني أعرف جيدا بأنه هو و أنا هو أنا.
يكفي فقط أن أضع التمثال في المركز نفسه من حياتي . سيذهب ورائي الى العمل ويتقبل المديح و التعنيف من رئيسي . سينحني إحتراما و سيقتّر النقود و يبذل الجهد في كل موضع. سأطلب منه فقط أن يحمل إليّ كل ثاني أربعاء مرتبي و أنا سأعطيه النقود للمواصلات و الغداء في العمل. وبنفسي سأحرر الصكوك لدفع إيجار السكن و النفقات الضرورية ، و الباقي سأخفيه في جيبي. كذلك سيصبح التمثال زوجا لزوجتي. سيمارس الحب معها في كل ثلاثاء وسبت ، سيشاهد معها التلفزيون و يتناول وجبات الغداء الصحّي و يتشاجر معها في موضوع تربية الأطفال. ( زوجتي التي تعمل اأضا تساهم من مرتبها في تكاليف المعيشة ) كذلك سأوصي التمثال أن يلعب في مساءات أيام الإثنين مع فرقة زملائي في لعبة الكرّيات ( bowling ) و أن يزور أمي مساء الجمعة ويقرأ في الصباح الجر يدة وقد يشتري بدلا عني الملابس( لي وله ). ومع مرور الوقت ستظهر واجبات أخرى ، وأنا أريد التخلص منها جميعا. و في نيتي أن أحتفظ فقط لنفسي ما يمتعني.
قد تقولون أيتها السيدات و السادة بأنه عمل طموح؟ ولماذا ؟ بالأساس يمكن حل مشاكل هذا العالم بطريقتين حسب : التخريب أو الإستنساخ. القرن السابق توفرت لديه الإمكانية الأولى فقط . و أنا لا أجد أيّ سبب يمنعني من الإستفادة من معجزات التكنيك المعاصر كي أحقق التحرر الشخصي. إذ لديّ كامل الإختيار. وطالما أنني لست من الأشخاص الميّالين الى الإنتحار قررت إستنساخ نفسي.
في أحد صباحات أيام الإثنين أدرت زنبرك التمثال وتركته طليقا بعد ان تأكدت من أنه يعرف ماعليه عمله أي كيف سأتصرف أنا في جميع المواقف التي هي معلومة عندي. دقّ جرس الساعة المنبهة. التمثال ينقلب الى جنبه و يلكز زوجتي التي تنهض غير راغبة من الفراش المزدوج ثم يسكت المنبه. يلبس هو نعاله والروب ثم يتوجه على ساقين متصلبتين الى الحمام. يقضي حاجته و يتغرغر ويحلق ذقنه ويعود الى المخدع. يأخذ الملابس من الخزانة ويعود الى الحمام حيث يرتدي ملابسه و بعدها يتوجه الى المطبخ. بنتاي جالستان أمام الطاولة . صغراهما لم تحضّر بالأمس دروسها . الزوجة تكتب العذر لمعلمة البنت. الكبرى تمضغ ، بترفع، قطعة خبز باردة.
- صباح الخير ، بابا - ترحبان بالتمثال الذي يردّ يرد التحية بتقبيلهما من الوجنتين . الفطور ينتهي بدون شجار ، وأنا أستقبل هذا بإرتياح. تغادر البنتان المكان و لم تلحظتا أيّ شيء. صرت واثقا من أن خطتي ستنجح. الإنفعال الشديد يدفعني الى خوف فظيع من أن يحصل عطب في الميكانزم، من أن التمثال لن يتعرف على الإشارات. و لكن على العكس ، فكل شيء يحصل جيدا :التمثال يفتح جريدة ( نيويورك تايمز ) بصورة صحيحة ، و يقضي نفس الوقت الذي أقضيه أنا في قراءة اأخبار العالم كذلك يقضي الوقت نفسه عند قراءة أخبار الرياضة.
يقبل زوجتي ويغادر المسكن متوجها الى المصعد.( هل تتعرف ماكنة على أخرى يا ترى ؟). وصل الآن الى الطابق الأرضي ثم الباب الخارجي ثم الشارع. إنه يسير بوتيرة معتدلة ، فقد خرج في الوقت المناسب وليس مضطرا الى أن يسرع في السير. يتوجه الآن الى المترو. يبدو متوازنا رابط الجاش نظيفا ( أنا بنفسي نظفته و لمعته في مساء يوم الأحد )،يمضي بلاهموم و يؤدي المهام المناطة به. سيكون سعيدا لغاية رضائي عنه. و بغض النظر عما سيفعله فرضائي معتمد على رضاء الآخرين عنه.
في المكتب لا أحد قد إنتبه الى التبدل. السكرتيرة تحييه . هو يبعث إليها بإبتسامة تماما كما أفعل أنا ، بعدها يدخل الى مكاني الصغير ويعلق معطفه ويجلس وراء المكتب. السكرتيرة تحمل إليه بريدي . بعد قراءته يملي على السكرتيرة الردود. و الآن عليه أن يتفرغ لكومة القضايا التي لم تنته يوم الجمعة. يرّد على المكالمات الهاتفية و يتفق على موعد مع زبون محلي أثناء الغداء. إنتبهت الى فعل واحد غير منتظم : طوال الصباح دخن التمثال سبع سيجارات بينما أنا أدخن من عشر الى خمس عشرة. و تفسيرى لهذا الشيء أنه بدأ عمله اليوم و لا يملك الوقت للتعرض لهذا القدر الكبير من توتراتي وبعد ست سنوات من العمل في هذا المكتب. إذن أنا أشك بأنه لن يشرب ، مثلي ، الى الغداء قدحين من الكوكتيل بل واحدا. بالفعل حصل هذا. ولكن هذه أمور صغيرة تكون مقبولة إذا كان هناك من يسجلها عامة ، وهذا أمر أشك فيه. إنه الآن مع الزبون من خارج المدينة . سلوكه لاغبار عليه، وقد يكون هناك قليل من المبالغة في التأدب و لكنني أرجع هذا الى إنعدام التجارب. والحمد لله إنه لا يخطيء لغاية الآن ولو مرة واحدة. وأثناء الطعام يتصرف كما ينبغي - لايتباطيء في تناول الطعام بل يأكل بشهية .. وهو يعرف بأن عليه توقيع الشيكات و عدم الدفع بواسطة بطاقة الإعتماد ، فشركنه تملك في هذا المطعم حسابا مفتوحا.
بعد الظهر يعقد مؤتمر بشأن المبيعات. نائب الرئيس يلقي تقريرا عن مشروع حملة جديدة للدعاية في منطقة ( الغرب الأوسط ). التمثال يطرح مقترحاته . الرئيس يهز رأسه. التمثال يطرق بقلمه الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الماهون ، و ملامح وجهه تكشف عن تفكير عميق. و أنا ألاحظ بأنه يدخن سيجارة إثر أخرى.أهو ياترى يشعر بالتوتر بمثل هذه السرعة ؟ لكم كانت حياتي صعبة ! إذ لم يمر يوم واحد وحتى التمثال تظهر عليه علائم التعب و الملل. ومرت بقية ساعات ما بعد الظهر بدون إضطرابات. التمثال يعود الى البيت الى زوجتي و طفليّ، و يأكل غدائي بالشكل المطلوب ، وخلال ساعة يلعب مع البنتين ، و يشاهد مع الزوجة فلما من أفلام الويسترن في التلفزيون ، ثم يأخذ حماما و يعمل لنفسه شطائر لحم الخنزير و يذهب بعدها الى المخدع لكي يستريح. لا أعرف أيّ أحلام تأتيه و لكن تسرني فكرة أنها أحلام هادئة و لطيفة. و إذا كان قبولي يضمن له حلما هادئا فأنا أمنحه هذا القبول. أنا مسرور تماما من عملي هذا.
ها أن التمثال ومنذ أشهر كثيرة هو في الخدمة. وما عليّ أن أطالب به الآن؟ درجة أعلى من الأهلية ؟ بالطبع هذا أمر غير ممكن. في الأيام الأولى إجتاز الإمتحان بشكل رائع. ومنذ البداية كان شبيها بي وبأحسن صورة. ولم يكن عليه أن يظهر أكثر مما أظهره ، ويكفي أنه قبل دوره بسرور وبدون تمرد و أيّ خطأ ميكانيكي . كذلك فزوجتي سعيدة معه وفي كل الأحوال ليست أكثر شقاء من السابق حين كانت معي. البنتان تخاطبانه ب( بابا ) و تطلبان منه مصروف الجيب. وفي العمل يمنحه الزملاء و الرئيس ثقتهم.
رغم ذلك فقد لاحظت مؤخرا ، وبالضبط منذ الأسبوع المنصرم ، شيئا مقلقا. وهو إهتمام التمثال بالسكرتيرة الجديدة الآنسة آمور Amor . ( آمل أن ليس إسمها **ما يثيره هناك في أعماق هذه الماكنة المعقّدة ، و عندي شكّ في أن هذه المكائن تتقبل كل شيء حرفيا.) عند مدخل المكتب و بعد أن يحييها يبدو بأنه يتباطيء قليلا قرب طاولتها، ويقف للحظة غير طويلة في حين أنني لغاية وقت ليس بالبعيد كنت أمرّ ( و فعل هو ذلك أيضا ) من هناك الى المكتب بدون ان أبطيء الخطوات.كذلك صار ، وكما يبدو ،يملي رسائلا أكثر . لربما إزداد حماسه لخدمة الشركة ؟ اذكر أنه تكلم في أول يوم في المؤتمر حول المبيعات. قد يكون دافعه في الكلام إبقاء الانسة آمور هناك لوقت أطول ؟ وهل كانت تلك الرسائل التي أملاها ضرورية حقا ؟ أنا أقسم بأنه إعتبر الأمر هكذا. و لكن ليس معلوما أبدا أيّ شيء يخفيه هذا الوجه الجامد للتمثال. أنا أخشى أن أسأله. هل يعود ذلك الى خشيتي من أن أتعرف على أسوأ حقيقة ؟ أم أنني اخشى أيضا أن يثير غضبه إعتدائي على حرّيته الشخصية؟ مهما كانت الأسباب قررت الإنتظار حتى يخبرني هو بنفسه.
و أثمر الإنتظار ، فقدجاء الخبر الذي خشيته جدا. في يوم ما في الساعة الثامنة صباحا إنتبه هو اليّ عندما كنت واقفا تحت الدش أسترق النظر إليه أثناء حلاقته لذقنه وكنت مستغربا وحسدته على أنه ، وليس مثلي، لم يجرح نفسه . ولما شككت بأن التمثال يملك مثل هذا القدر من الشعور كما لما ظننت بأنني سأرى دموعا في عينيه. حاولت أن أهدئه. في البدء حاولت إقناعه بكل هدوء و بعدها عنّفته. ولكن بدون نتيجة. فالبكاء صار عويلا. و بدأ هو ، أو بالأحرى إنفعاله الشديد الذي لا أعرف التعمق في معرفة آليته ،يتمرد عليّ. أصابني الذعر من أن تسمعه الزوجة والبنتان ويهرعن الى الحمام ويرون وحشا مجنونا لا يفلح في أن يجعل رد فعله طبيعيا. (هل هو ممكن رؤيتهن لكلينا في الحمام ؟ هذا شيء ممكن.) أفتح الدش وكلى صنبوري الماء وأطلق الماء من سيفون المرحاض كي يضيع صوته المعذّب في هذا الضجيج. وهذا كله بسبب ذلك الغرام ! الغرام الى الآنسة (آمور - غرام )! في الحقيقة لم يسع الى التقرّب منها حتى أنه لم يتكلم معها بإستثناء الحديث عن القضايا الرسمية. وبالتأكيد لم ينم معها. رغم ذلك هو عاشق يائس الى درجة فقدان الوعي. يريد أن يهجر زوجتي . أوضح له بأن هذا أمر غير ممكن نظرا لواجباته ومسؤولياته أولا. إنه زوج زوجتي و أب طفلتيّ. و كلهن غير مستقلات عنه ، ومثل هذا التصرف لوحدث لدمّر حياتهن. ثانيا ما الذي يعرفه هو عن الآنسة آمور ؟ هي أصغر منه بعشر سنوات على الأقل ، و لم يبدر منها أي شيء يدل على أنها قد لاحظته عامة، ومن المحتمل أن لها فتاها وفي عمرها وترغب أن يتزوجها.
التمثال لايريد حتى الإستماع الى ما أقوله ولايريد أن أسرّه. لابد أن يملك الآنسة آمور و إلا - وهنا يقوم بحركة مخيفة - سيضع حدا لحياته.كأن يهشم رأسه بالحائط أو أن يقفز من النافذة محطما الى الأبد ميكانزمه الرقيق. ينتابني الخوف. فأنا أرى كيف ستنهار خطتي الرائعة التي ضمنت لي طوال الأشهر الأخيرة الحرية التامة و سكينة النفس. أرى عودتي الشخصية الى العمل ، أرى الفراش مع الزوجة ، ومشاهدة التلفزيون ، و كيف أنزل الضربات الخفيفة على الطفلتين. طالما كانت في السابق حياتي لا تطاق فأرجو التصوّر كيف ستكون الآن. إذ ينبغي معرفة كيف مرت عليّ الأشهر الأخيرة عندما حكم التمثال حياتي. فأنا أزحت الى قاع العالم. أنا أنام الآن كيفما اتفق: في الفنادق الرخيصة ، في المترو ( أصعد إليه في الساعات المتأخرة من الليل فقط ) ، في الأزقة والبوابات. لقد كففت وحتى عن أخذ مرتبي من التمثال إذ ليس عندي أيّ رغبة في شراء أي شيء. صرت نادرا ما أحلق ذقني. أسير الآن بملابس ممزقة ملطخة.
هل يبدو ذلك لكم أيتها السيدات و السادة أمرا منفرا ؟ أبدا. بالطبع أبدا. في الحقيقة حينما ازاحني التمثال عن حياتي كنت أملك خططا رفيعة للحياة حياة ناس آخرين. أردت أن أكون واحدا من باحثي القطب ، عازف بيانو محترفا ، غانية عظيمة ، رجل دولة معروفا في العالم . جهدت في أن أصبح ألكسندر المقدوني وفيما بعد على التوالي موتسارتا ، بسماركا ، غريتا غاربو ، ألفيس بريسلي - وهو واضح أن كل هذا في مخيلتي حسب. أوهمت نفسي بأنني حين أكون في جلودهم لفترة غير طويلة سوف لن أعرف شيئا آخر عدا المتعة و ليس العذابات، وسيكون بمقدوري أن أهرب ، أن أتقمص شخصية أخرى متى شئت ،لكن تجربتي فشلت بسبب إنعدام الإهتمام ، بسبب الإنهاك إذا أراد أحد أن يقول ذلك. إكتشفت أن لا أتحمل لأمد أطول أن أكون ذلك الإنسان الذي كنته بل أن أكون إنسانا عامة. أنا أحب مراقبة الناس ولكني لا أحب الحديث معهم ولا أن أكون معهم ولا أن أرضيهم و لاإهانتهم على الأقل. لا أحب وحتى الكلام مع التمثال. أنا متعب. أرغب أن أكون جبلا ، شجرة ، حجرا . و إذا كان علي أن أن أبقى إنسانا فليس بإننتظاري غير حياة إنسان منعزل مهمل. أنتم أيتها السيدات والسادة ترون بأنفسكم أن من غير الممكن أن يدمر التمثال نفسه بنفسه ثم أن أشغل مكانه و أعود الى حياتي السابقة.
مازلت أحاول إقناعه. آمره بأن يمسح دموعه و يتناول ن بجلد ، الفطور العائلي ، و أعده بالعودة الى حديثنا في المكتب حين يملي رسائل الصباح على الآنسة آمور. التمثال يوافق على أنه سيحاول و يجيء متأخرا وبعيون محتقنة بالدم كي يجلس أمام الطاولة.
أصبتت ببرد يا حبيبي؟ - تسأله زوجتي.
يحمّر وجه التمثال و يغمغم بكلام غير مفهوم. أنا أدعو كي لا يسرع. فخوفي من أن ينهار.. أرقبه بقلق كيف أكل قليلا جدا و اأقى في الفنجان ثلاثة أرباع القهوة.. يخرج التمثال من البيت مكتئبا مما يثير إستغراب زوجتي و خوفها. أراه كيف أخذ سيارة أجرة بدل الذهاب الى المترو. في المكتب أسترق السمع إليه حين يملي الرسائل . أخذ يزفر بعد كل جملة. تلاحظ ذلك الآنسة آمور أيضا.
أي شيء هذا ؟ مم تعاني يا سيدي ؟ تسأله بمرح. يحل صمت طويل. أنا أنظر من الخزانة، وماذا أرى ! التمثال و الآنسة آمور يتلاصقان ملتهبين مثل الجمر. التمثال يمرر يده على نهديها، وهي مغمضة العينين ، كلاهما يجرح أحدهما الآخر بفمه. التمثال ينتبه اليّ وأنا أنظر إليهما من وراء باب الخزانة. أبعث إليه بإشارات سريعة كي يفهم بأنه علينا أن نتحادث و أنني أقف الى جانبه و أريد مساعدته.
في المساء ؟ يسأل التمثال هامسا وهو يبتعد قليلا عن الآنسة آمور الملتهبة.
أنا مغرمة بك - تجيبه هامسة أيضا.
- وانا مغرم بك - يقول التمثال بصوت أعلى قليلا جدا من الهمس - ولابد أن ألتقي معك.
في المساء - تجيبه الآنسة آمور هامسة - في بيتي . هذا عنواني .
ثم تأتي قبلة أخرى و بعدها تخرج الآنسة آمور. أخرج أنا من الخزانة و أغلق جيدا باب مكتبي.
عليك أن تفهم - يقول التمثال - : إما آمور و إما الموت.
- طيب - أجيبه وأنا محبط - لن أنصحك بعد الآن كي تكف عن هذا الأمر. هي تبدو لي فتاة لطيفة و جذابة لحد كاف. ومن يعلم لو كانت تعمل هنا في زمني .. - أرى كيف يقطب التمثال جبينه غاضبا و لذلك لم أنه المملة - و لكن عليك أن تعطيني قليلا من الوقت.
وماذا عزمت على أن تفعله ؟ كما يقول عقلي لي أن لا جديد عندك - يقول التمثال - وإذا كنت قد فكرت بأنني سأعود الى زوجتك و طفلتيك الآن حين تكون أمامي آمور...
أتوسل إليه أن يمنحني وقتا.
ماذا في نيتي أن افعله ؟ لاشيء أبسط منه. التمثال موجود الآن في وضعي السابق. تبدو له الحياة الآن لاتطاق ، ولكن لكونه يكرع حياة حقيقة ، فردية ،لم أعرفها أنا في أيّ وقت ، هو لايريد أن يختفي عن العالم. و ينبغي الإعتراف بإنه راغب فقط في أن تحل الآنسة آمور الفاتنة وبدون أطفال ، محل زوجتي المستعمَلة وإبنتيّّ الصاخبتين. هكذا هي الحال ، إذن أيّ مانع يحول دون أن يساعده الحل الذي توصلت إليه آنذاك تماما كما ساعدني ؟ فكل شيء هو أحسن من الإنتحار. ما أحتاج إليه هو الوقت كي أعمل تمثالا آخر يبقى مع زوجتي و طفلتيّ و بالطبع يذهب بدلا عني ، الى العمل حين يهرب هذا التمثال ( وعلي أن اسميّه منذ الآن بتمثال حقيقي ) مع الآنسة آمور.
في ذلك الصباح أقترضت نقودا منه كي أذهب الى الحمام التركي للإغتسال ، وحلاقة الرأس والذقن كذلك لشراء بذلة شبيهة بالبذلة التي يرتديها. وحسب إقتراحه إتفقنا على أن نلتقي في مطعم صغير في ( غرينويتش فيليج Greenwich Village ) لتناول وجبة الغداء ، لن يلتقي فيه ، بالتأكيد، بأحد قد يتعرف عليه. ليس عندي أيّ فكرة من أيّ شيء هو خائف. خائف من أن احدا قد يراه وحيدا يتناول غداءه و يحادث نفسه؟ ولكن هو الآن ذو مظهر لائق. و إذا رأونا معا نحن الإثنين أيّ شيء هو أكثر طبيعية من توأمين بالغين يرتديان الملابس نفسها ومشغولين بتناول غداء مشترك و حديث صريح ؟ كلانا يطلب طبق سباغيتي آل بورو spaghetti al burro ورخوّيات molluscs مشوّية. بعد ثلاثة أقداح من الشراب يفهم التمثال وجهة نظري. و آخذا بعين الإعتبار مشاعر زوجتي ، وليس مشاعري ،يؤكد بلهجة صارمة على أنه يميل الى الإنتظار. و لكن ليس أطول من بضعة أشهر. أنبهه الى أنه خلال هذه الفترة لا أطلب منه أن لا ينام مع الآنسة آمور، فقط أن يحافظ على أن لايكون هذا الزنا مفضوحا.
إن صنع تمثال ثان يلقى صعابا أكثر من صنع الأول. و هنا أنفقت كل ما وفّرته. خلال عام واحد تقريبا. فقد إرتفعت أسعار اللدائن التي يصنع منها أشباه البشر ، والخامات الأخرى أيضا كما إزدادت أجور صاحبيّ المهندس والمصوّري. وما زاد الطين بلة أن مرتب التمثال لم يرتفع رغم تزايد تقدير رئيسي لصلاحية التمثال و نفعه للشركة. و صار التمثال يتنرفز حين ألح عليه كي يسمح هو ، و ليس أنا ، للمصوّر بعمل نموذج له و رسم ملامح الوجه. رغم ذلك أنبّهه الى مسألة أنه إذا كان التمثال الثاني شبيها بي مرة أخرى فأن التقليد قديظهر مشوَّها بعض الشيء. فبين مظهر التمثال الأول ومظهري حصلت بدون شك أختلافات معيّنة رغم أنني لم ألاحظها بنفسي. أنا أرغب في أن يكون التمثال الثاني نسخة طبق الأصل للأول في أدق التفاصيل رغم أنني لا أقدر على إكتشافها بنفسي. بالطبع أنا أجازف هنا، فقد تنتقل تلك الشهوة البشرية غير المتوقعة التي حرمت التمثال الأول من أن يكون ذا فائدة ، الى الثاني.
وفي الأخير كان التمثال الثاني جاهزا. ونتيجة لإلحاحي الشديد رضخ التمثال الأول ( و لكن على مضض ، فهو أراد أن يقضي وقت الفراغ مع الآنسة آمور ) للتفرغ الى التمرينات التي تستمر بضعة أسابيع، وهنا أيضا مسألة تلقين التمثال الثاني عقائديا. وفي الأخير جاء اليوم العظيم. فأثناء سباق يوم الأحد في لعبة البيسبول ، وبالضبط في أثناء الجولة السابعة يدخل التمثال الثاني حياة الأول. و قد تمّ الإتفاق على أن الأول يخرج لِشراء السجق ويعود الثاني محمّلا به و المشروبات. الأول يقفز الى سيارة الإجرة و يمضي كي يستلقي بين ذراعي الآنسة آمور المفتوحتين.
كان هذا قد حدث قبل تسع سنوات. و التمثال الثاني يعيش مع زوجتي بدون انفعالات قوية ولا إنهيارات عصبية مثل التي كنت قد تعرضت لها. البنت الكبرى هي الآن في الجامعة ، و الصغرى في المدرسة المتوسطة .كذلك ولد طفل آخر هو صبي ، وعمره الآن ست سنوات. إنتقلوا الى سكن تعاوني في فوريست هل Forest Hill ، وزوجتي تركت عملها ،أما التمثال الثاني فهو الان مدير مكتب نائب رئيس الشركة. والتمثال الأول أنهى دراسته المسائية و كان قد عمل أثناها نادلا ، كذلك عادت الآنسة آمور الى الدراسة وحصلت على شهادة تؤهلها كي تكون معلمة. هو الآن مهندس معماري ذو خبرة ليست بالقليلة ، أما هي فتعلم اللغة الإنجليزية في المدرسة الإعدادية التي تحمل إسم جولي ريتشمن J. Richman . عندهما طفلان ، صبي وبنت. وهما في أقصى السعادة. ومن حين الى آخر أزور كلى التمثالين. بالطبع قبل كل زيارة أقوم على الدوام بتحسين مظهري . فأنا اعتبر نفسي قريبا و عرّابا و في بعض الأحيان عمّا للأطفال. جميعهم لايميلون الى لقائي ، ربما السبب هو مظهري الذي يدعو الى الرثاء ولكن تنقصهم الجراة كي يغلقوا الباب بوجهي. أناا لا أمكث أبدا طويلا عندهم. على ايّ حال أتمنى لهم كل الخير كما أمتدح نفسي على أنني قد أفلحت بهذه الصورة اللائقة و غير المحرومة من المسؤولية ، في حل مشاكل ما تبقى من حياة شقية قصيرة وهبت لي.
* في حصيلة سوزان سونتاغ ( 2004- 1933 ) الكاتبة الأميركية المعروفة ،عدة روايات ومجموعات قصصية ومقالات ودراسات مكرسة لشتى حقول المعرفة. ولفترة طويلة بقيت سونتاغ تحاضر في الجامعات الأمريكية وغيرها في موضوعي الفلسفة والأدب. كذلك كتبت السيناريوهات السينمائية وأخرجت أفلاما أيضا. وعملت كمحررة في عدد من الصحف والمجلات. والقصة المترجمة تعود الى مجموعتها ( أنا ، إلى آخره I , ecetera ) الصادرة في عام 1978. المترجم
** تعني كلمة ( آمور) الغرام ...
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك