الرئيسية »  الـقـصة»  رهان مع الشيطان 4 (الأخيرة)

رهان مع الشيطان 4 (الأخيرة)

عدد مرات المشاهدة :330 - 04/ 2/ 2010

م. زياد صيدم

رهان مع الشيطان 4 (الأخيرة)

وصلت بيت الشيخ حسان بصعوبة بالغة، فقد أعياها كثيرا ما لاقته طوال أكثر من شهر من معاناة وإرهاق، حتى فتك بجسدها النحيل.. بدا لها الشيخ بحالة تزداد سوء يوما بعد يوم، جراء صمت رهيب عصف براحته وأعصابه كاد أن يطيح بما تبقى من عقله.. رحب بها، فهي أم فاطمة التي تلقى احتراما وتقديرا لأعمالها الصالحة لأهالي القرية والمجاورات من القرى القريبة.كان ترحيبه حذرا؟ فقد اعتاد مؤخرا استقبال أناس من كل لون، يطرقون بابه من اجل إرجاع زوجته؟ عارضين وساطتهم لفعل الخير، مما جعله في حيرة من أمره على هذا الاهتمام البالغ بحالته دون سواه! في قرية اختلف معظم رجالها مع نسائهم،فزخرت وتشابهت حالات كثيرة، حتى بات يتوجس كل قادم إليه.
عندما أحضرت ابنة الشيخ صينية القهوة على عجالة، امتثالا لرغبة أم فاطمة، كانت ما تزال تجوب بنظرها أركان البيت قائلة: أتذكرين بنيتي قبل أكثر من شهر؟ عندما حضرت إلى هنا، وكنت في وضع صحي سيء، حيث لجأت إليكم، فوجدت أمك من أطيب وأنقى النساء، فأكرمتني حتى استعدت عافيتي.. وصليت على سجادتها المزركشة بالون شتى، ومرسوم عليها صورة الكعبة المشرفة..كان الشيح يستمع باهتمام بالغ إلى ما تقوله أم فاطمة.. وهو يرقب ابنته التي أومأت برأسها دليل صدقها على ما تقوله، ثم اتجهت بحديثها إلى الشيخ: ولى بحوزتكم أمانة! نسيتها، ولم استطع الحضور لاحقا لأخذها لانشغالي الكبير في أمر هام، سترون نتائجه لاحقا على القرية ؟.
- أي أمانة بحق السماء؟ لا اعلم بهذا الأمر إلا اللحظة !
- كنت قد نسيت في غرفة زوجتك كيس اصفر اللون، بداخله قطعة قماش من الحرير الاحمر، كنت قد دفعت ثمنها لابن أبو مرعى، الذي تزوج دون أن اهديه إياها كما وعدت أمه صديقتي، وصانعة معروف معي، و....
- ماذا تقولين ؟؟ أعيد بالله عليك ما قلتيه، وقد وقف على قدميه مستنفرا،لا يصدق ما تقوله.. يتساءل اهو في علم أم في حلم؟ بسرعة البرق انفرجت أساريره واستبشر خيرا .. كان يرمق ابنته الجالسة والواجمة، لا تدرى ما الذي يحدث من حولها، تراقب أبيها مذهولة لا تجد تفسيرا، وقد عادت إليه روحه الغائرة عميقا قبل لحظات في حزنها.
- نعم يا شيخ حسان، كما قلت لك تماما، لقد نسيت الكيس في غرفتها بعد أن صليت على سجادتها المزركشة.. لقد كانت سيدة كريمة، صاحبة خلق وشرف وأمانة، بارك الله بك فيها.
يمسك بابنته، يطيرها في الهواء.. يهلل كمن مسه جنون، يرجها فرحا، ضاحكا، في مشهد غريب ،ثم يستأذنهما، لحظات مرت .. يعود حاملا دليل أخفاه عن عيون الجميع، واحتفظ به لنفسه، ليكون دليل خيانة زوجته كما كان معتقدا، والآن يصبح نفسه دليل براءتها.
- أهذا هو الكيس؟ أهذه هي قطعة القماش يا أم فاطمة ؟ أهذه هي الأمانة؟ تأكدي بالله عليك !
- نعم هي .. حفظكم الله، حفظتم الأمانة، وها هي تعود إلى أصحابها.
يرفع يديه إلى السماء..يبكى.. يتضرع، يصلى ركعتي شكر، ثم يعود إليهم، يضحك فرحا، يبتهل إلى الله على هذا الكرم، وهذا الخير الوفير الذي منحه له ولأسرته فقد ظهر الحق أخيرا.
- أم فاطمة لا اعرف كيف أشكرك؟ لكنى مدين لك الآن بكل ما تتمنيه.. وأي شيء تطلبينه سيكون ملبي لك بإذن الله .. فأنت قد فرجتي كربتنا، واعدتي البسمة إلى نفسي وأسرتي.. لن اشرح أكثر من هذا؟ لكن سأسرع إلى أهل زوجتي، استردها إلى ذمتي، أعيدها إلى بيتها الآن وفورا.. ستبيت أمك الليلة في بيتنا يا ابنتي الحبيبة ..كان يقبل ابنته، يخاطبها كأنه يمسك بالحياة بقبضته من جديد.

تركت أم فاطمة البيت،غارقا بالفرح والسعادة، تحمل أمانتها تحت إبطها، قبل أن يهرول الشيخ إلى حيث تسكن زوجته في بيت أهلها.. يطرق الباب، يؤذن له بالدخول.. كان يطير فرحا ، حيث بادرهم قائلا: أين أم قاسم؟ أين زوجتي المصون، لقد انعم الله على قبل ساعة فقط بفرجه، وظهرت براءتها، واني هنا لأردها إلى بيتها وأطفالها سيدة مكرمة ،عزيزة كما دوما، شريفه كشاش ناص البياض.. فكان له ما أراد بعد أن قبل يديها وجبهتها وانهمرت منهما دموع ساخنة!.
لم يمض أسبوع عليه حتى استعاد نشاطه وحيويته، وزادت بضاعته وانتعشت تجارته من جديد، وبدأت حياته كسابق عهدها. ذاع خبر شفاء الشيخ وعودته لتجارته من جديد أرجاء القرية والمناطق المجاورة ..حتى هلت وفود المهنئين أفواجا من كل مكان، إلا واحد قد اختفت أخباره ولم يظهر حتى الآن ؟.

وصل الغريب إلى القرية يتأكد بنفسه الأخبار السيئة والقاتلة التي وصلت مسامعه.. كان يتجول سريعا دون أن يتحدث مع احد، أو يدخل إلى أي محل أو دكان لكبار التجار كما كانت عادته.. كان سريع الخطى، يكاد يقفز في الهواء! وسرعان ما اختفى عن العيون...

بعد أسبوع على اختفاء الغريب المفاجئ، وغيابه على مباركة وتهنئة الشيخ حسان.. حضر لديوان المختار الحاج أبو مرعى راكبا على ظهر حماره، فهو يسكن أطراف القرية، وعلى لسانه كلام خطير يريد أن يقوله! مستأذنا المختار للحديث: يا رجال القرية ومختارها.. قد شاهدت أمرا عجبا..صمت الجميع وقد حبسوا الأنفاس.. شاهدت الغريب قرب بيته، يقف مرتعدا أمام أم فاطمة، وقد خلع ملابسه وقبعته.. كان له ذيل طويل مدبب، وقرنين يبرزان من جانبي رأسه..كان يتحدث معها مرتبكا حائرا، وقد تقلص حجمه؟.. ثم اختفى ! ولم يعد يظهر! وكنت ارقب المشهد عن قرب مختبئا بين الأشجار.. هذا ما شاهدته بعد إتمام زيارة لأبنى الذي تزوج حديثا كما تعلمون، فلكم أن تصدقوا أو تكذبوا ما رأيته بأم عيني ، لكنها الحقيقة.. وبقيت أم فاطمة واقفة مكانها، تتمتم بكلمات لم أتبينها، كانت المسكينة ترتجف، تشجعت و اقتربت منها، بعد أن استجمعت شجاعتي، سألتها عما رأيته؟... فابتسمت ولم تجبني بأي كلمة .. ثم بدأت تمشى متثاقلة باتجاه بيتها...لكنها أبلغتني رسالة إليكم وهذا سبب قدومي الآن:
هاج وماج الرجال.. يتحدثون فيما بينهم.. مبهورين ومذهولين بما سمعوه عن الغريب..
- كلنا أذان صاغية أبا مرعى، قل يا رجل ولا تنس شيئا، أجابه المختار..وساد صمت مهيب أركان الديوان من جديد..
قالت: أن أخبركم بان اللعنة قد زالت عن قريتنا، وان تمسحوا الغشاوة عن قلوبكم، وتفتحوا عقولكم، فقد زال الشر من بينكم ..وان الحب والوئام سيسود قريتكم من جديد كما كانت قبل قدوم الغريب، وان الفرحة والسلام سيعم ربوع قريتنا وطالبت أن تحتفلوا معا وتكونوا يدا واحدة وان تذكروها بالخير!!
تلقى المختار ورجالات القرية الرسالة ..كانوا يومئون برؤوسهم .. يضربون كفا على كف ويستعيذون بالله من الشيطان الرجيم.

قبل مغادرة الرجال ديون المختار، كان خبر وفاة أم فاطمة قد وصل مسامعهم ، فارتبكوا وذعروا وساد صمت مترقب من الجميع .. ينظرون إلى المختار والدهشة والذهول في عيونهم.. كسر هذا الذهول والحزن صوت المختار: على جميع الرجال اصطحاب نسائهم وزوجاتهم الآن فورا، والتحرك جميعكم إلى بيت أم فاطمة، والبقاء جوار جثمانها الطاهر حتى الصباح، وليقمن النساء بواجب العزاء لثلاثة أيام متتالية..وستكون جنازتها وعزاءها وضريحها على نفقة المختار واعيان القرية لينالوا شرف المشاركة بواجب اقل ما يكون.. عرفانا للفضل العظيم الذي قامت به من اجلنا وأجيالنا القادمة..
نادي من بينهم الشيخ حسان قائلا: سأكون من أول المتبرعين بسخاء، ولولا خجلي منكم لأخذت على عاتقي كل التكاليف.. فوافقوه جميعا وبدئوا بالعودة إلى بيوتهم، منفذين ما قاله المختار من قول الصواب.

في الصباح .. كان البنائين يشيدون ضريحا في وسط بيتها، وتم تشييع جنازة أم فاطمة بعد صلاة الظهر بحشود غفيرة، حيث خرجت القرية عن بكرة أبيها، بشيبها وشبابها دون أن يتخلف احد، في جنازة مهيبة لم تعهدها القرية من قبل.. ووري جثمانها في ضريح وسط بيتها، ليصبح مزارا فيما بعد، يعمه أهل القرية، وكل القرى المجاورة جيلا بعد جيل.
- تمت -

   

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: