الرئيسية »  الـقـصة»  جسد ليس لي 2

جسد ليس لي 2

عدد مرات المشاهدة :2183 - 22/ 7/ 2007

علوان حسين

جسد ليس لي 2

علوان حسين  

الفصل الثاني
كان من عادتي التسكع في الشوارع بدون هدى . كنتُ قد تنزهتُ في تلك المدينة التي تفتقرُ الى بحر أو نهر لتدب فيها الحياةُ والزهو , وتثيرُ الخيال بروعة جمالها كبيروت وبغداد والقاهرة . أحب المدن الى قلبي هي المدن المائية التي تُضفي عليها شيئاً من الرقة والطراوة , بعكس المدن الحجرية التي توحي بالجفاف والقسوة .
لكن عمان ليست مدينة , بقدر ماهي سهلٌ منخفضٌ أو وادٍ تنحدرُ إليه مواكب السيارات المحملة بالبشر والثمار وماء المزاريب المتساقطة من جبال سبعة تتقاربُ وتتباعد وهي حين تطلُ كأنها واقفة تتفرجُ على ساحة للعب أو سوق شعبي قديم لبيع التحف والإنتيكا . وعمان رغم كونها مدينة منحوتة من حجر الجبال الصلدة, إلا أن هواءها طريٌ فيه عذوبة تفتقدها قلوب وأمزجة ساكنيها الذين تفتقرُ شفاههم الى الإبتسام . في ذلك النهار عدتُ الفندق متعباً . إرتميتُ في السرير وسرعانَ ماغصتُ في نوم عميق . إستيقظتُ على صوت طرق خفيف على الباب , كانت هي شاعرتي تطلُ كلإعجوبة خلف الباب . . بادرتني قائلة
- آملُ أن لاأكون أزعجتكَ أو سرقتكَ من أحلام جميلة ..
- أبداً , طلتكِ أجملُ عندي من الأحلام ..
- صحيح ؟
إستغربتُ دهشتها وسؤالها الذي بدا لي نافراً .. أجبتُ - كنتُ أحسبكِ تعلمين مشاعري نحوكِ ..
- أنا لم آت الى هنا للغزل أو تبادل العواطف ..
- أعرفُ , ستقولينَ إنما جئتِ تسألينني رأيي بمجموعتك الشعرية ..
- أنتَ قلتها , هذا بالضبط ماجئتُ من أجله ..
- أسمعي , ربما رأيي لايروقُ لكِ , ولكني سأخبركِ به على أية حال .. شُعركِ يُشبهُ أفكاركِ , رماديٌ تُنقصهُ أللمسة الإنثوية وحرارة العاطفة ..
- لكنني أخبرتُكَ من قبل , لستُ شاعرة رومانطيقية , وعواطفي هي عبارة عن رؤى وأفكار وتأملات تستظيء بالواقع وتُحاولُ أن تدلُ على الضوء ..
- لكن ياعزيزتي مهما كانت الأفكارُ رماديةً , والواقعُ رماديٌ , على القصيدة أن تبدو بكامل أناقتها , ولا بأس لو كانت فرحة أو حزينة أو حتى غارقة في الشقاء ..
- لقد ضجرتُ من الغناء والميوعة وسفح دموع الكلمات .. قصائدي لم أنسجها بخيوط من حرير لتبدو طرية ناعمة , حروفي لازال عليها بقعٌ من الدم , غبارُ الوجوه المتعبة , وحلُ الشوارع وخشخشة الأوراق المتساقطة في الخريف ..
 - لماذا تكتبين الشعر ؟
- أكتبُ الشعر لإني أُريدُ أن أتنفس . من خلال القصيدة أبوحُ بما يجول بخاطري من أفكار .. لكن لماذا هذا السؤال ؟
- البعض يكتب الشعر لإنه يُريدهُ وسيلة للبوح ( أنتِ من هذا البعض ) , آخرون يكتبون الشعر لإنهم شعراء , وجدوا أنفسهم مثل السمك لايمكنهم العيش دون ماء , غير أنهم  يتقمصون قصائدهم , يحيونَ فيها حد النفي , فلا نستطيع التفريق بينهم والشعر , هؤلاء هم الحالمون والمكتئبؤون والمجانين وبعض المجرمين ..
- وأنتَ من أي فئة تصنفُ نفسكَ ؟
- أنا من الفئة الأخيرة , قد أموتُ ولا أكتبُ القصيدة التي أُريد , رغمَ أنها محفورةٌ بأعماقي وتتغذى من دمي . بي شهوة أن أضاجع القصيدة , أن أموتَ على يديها كما يفعل ذكرُ النحل ..
 - وأين تجد متعتك الخالصة في المضاجعة أم في الموت ؟
- المضاجعة غالباً ماتنتهي بموت مؤقت , الموتُ شعورٌ بالذوبان والفناء في الآخر , سواء كان لذة أو مجرد وهم ..
- بدأتَ تتفلسف قليلاً ..
- شعوري العميق بالوحدة , خلو الحياة من الشاعرية التي من نتائجها الإنغماس في الإبتذال والتفاهات أنتجَ كائناً هشاً منعزلاً عن الحياة , صدقيني لولا أحلام اليقظة لمتُ منذُ زمن طويل ..
- تعيش في أمريكا وتقول هذا الكلام , ماذا عن الذين يعيشون في غابة للضواري أسمها العراق ؟
- لاأدري , هم ذهبوا الى الغابة وأيديهم فارغة , أم هي الضواري الكاسرة داهمتهم على حين غرة ؟
- كانوا نياماً , الضواري هي التي إيقظتهم بغتتة ..
- ماذا ينتظروا .. ليشتبكوا معها في قتال شرس , المسألة هي حياة حرة وكريمة أو الموت الجميل ..
- الموت كريه حتى لو كان في ساحة الوغى ..
- مادام هو قدرنا فلنمت ونحنُ أحرار , على الأقل يكون لموتنا معنى ..
الكل يدعو للموت , أليس هناك دعوة للحياة ؟
- في بعض الأحيان , يكون في الموت حياة حينما تكون الحياة شكلاً من أشكال الموت ..
- الذين يعدون الناس بالجنة حولوا حياتهم الى جحيم ..
- مارأيك لو نذهب لنعيش في العراق أنا وأنتِ ؟
- أذهب وحدك , أنا لايعجبني الموت على يد علاس أو أشقياء طريق ..
- كم أود أن أتنزه في شوارع بغداد الجميلة ..
- في شوارع بغداد لايتنزه سوى الأشباح والموتى ..
- أريدُ أن أرى ملاعب الطفولة , والأصدقاء الرائعين المتنعمين بأرغفة الحزن المغمسة بالحسرات والألم ..
- أنس الأصدقاء وملاعب الطفولة , أحتفظ بصورهم جميلةً في الذاكرة ..
- ماذا عن بارات شارع أبي نؤاس , دور السينما في شاعر السعدون .. الأمكنة الجميلة كيف تنسى ؟
- حين تعلم بأن البارات مغلقة بأمر من أصحاب اللحى الطويلة , والسينما محرمة والمسرحيات تُعرض في بيوت سرية , سوف تنسى الجمال وما يُذكرك بالجمال ..
- ماذا عن الشعراء والفنانين وحملة الأقلام الشريفة ؟
- كلهم هجروا البلاد أو هُجروا قسراً .. نحنُ نعيش في عصر المغول والتتر ..
- التحرير والديمقراطية كانت حلم العراقيين .. ماذا يفعل الأمريكيون أذن ؟
- الأمريكيون لعبوا على هذا الوتر , باعونا الأوهام ولم يعطونا سوى ديمقراطية مغمسة بالدم ..
- تاريخ العراق يقول بأنه مليء بالثورات والقلاقل , مالذي يمنع حدوث إنتفاضة شعبية تسقط العروش على رؤوس أصحابها ؟
- في الماضي وقف رجال الدين , في النجف خصوصاً مع ثورات الشعب , للأسف رجال الدين هم من يعيق الثورة الآن بعدما أصبحوا طلاب سلطة ووعاظ سلاطين ..
- لاقداسة لرجال حادوا عن طريق الصواب , علينا أن نرغمهم على المكوث ببيوتهم والتفرغ للعبادة وترك السياسة لأهلها
- المشكلة لا أنا ولا أنت نقرر ذلك , الناس لاتزال متشبثة بأذيال هؤلاء يتوهمون كرامةً وحضوةً عند الله تأتيهم على أيدي هؤلاء السادة المبجلين ..
- الرسول نفسه كان ثائراً على الظلم .. لم لا يقتدوا بالحسين رمزاً للثورة ؟
- كانوا ثواراً عندما حُرموا من السلطة , اليوم صاروا هم حكاماً تغريهم فاكهة الدنيا وملذاتها , لقد فسدوا وأفسدوا معهم العباد ..
- الأكثرية المحرومة من الأمان والرفاه والحياة الكريمة .. لماذا هي خانعة وذليلة ؟
- الأكثرية عادت لتعيش في الكهوف , تفكر وتتصرف مثل أهل الكهف ..
- لا , لاأظن الجهل عشش في رؤوس أهلنا , المسألة مسألة وقت فحسب ..
- المشكلة أنك إبتعدت عن البلاد أكثر من ربع قرن , لم تعرف ماذا تغير في النفوس والأفئدة ..
- تعالي نذهب الى حانة نحتسي فيها جعةً باردة , علنا ننسى هموم البلاد والعباد ..
لم يكن في الحانة سوى عدد قليل من الجالسين , موزعين على بعض الطاولات . إتخذنا زاويةً هادئة تُصلحُ للأحاديث الحميمة بعيداً عن الرقباء . كان صوت كوكب الشرق يصدحُ بأغنية طالما تمنيتُ وأوهمتُ نفسي بأني شاعرها هي ( الأطلال ) رائعة أبراهيم ناجي . طلبنا زجاجتي بيرة أمستل . بدت كوليزار, وهذا أسم شاعرتي الجميلة , رائقة المزاج مشرقة كأنها لؤلؤة خارجة تواً من الماء . سألتني - متى تكتب قصيدتك الوحيدة لي ؟ أجبتها
- قبل الموت بقليل ..
قالت ضاحكة ..
- أذن أكتب القصيدة ومت بعد قليل ..
قلتُ لها جاداً ..
- شرط أن تدفنينني بقلبك ..
قالت ..
- قلبي حديقة ورد , ليس مقبرة أو غرفة نوم للإيجار ..
سألتها مداعباً ..
- لو كنا في غرفة النوم , ماذا علينا أن نتصرف ؟
قالت ..
- ننام منفصلين , كل واحد منا يحلمُ بالآخر ..
أجبتُ بلهفة ..
- النوم في حضن شاعرة , يعلمني كتابة الشعر بشكل جميل ..
أجابت وهي في حالة شرود ..
- يعجبني النوم عارية في حضن المطر , أنا شجرة خضراء تحنُ للندى ..
قلتُ لها ..
- لماذا لانكتب القصيدة معاً , وفي غرفة النوم ؟
أجابت برقة ..
- ستكون قصيدة جامحة شهوانية كفرس حرون , أريدها مائية ترقص كموسيقى أو شلال شبق ..
أسمعي , نذهب الى غرفتي , لديَ موسيقى شوبان وفاكهة ونبيذ وصحن قبلات لذيذة .. نستطيع أن نرقص ونسكر ونحتفي بالحياة على طريقتنا الخاصة ..
- لا , نذهب الى شقتي الفارهة , نسكرُ ونرقصُ ونشتم الطغاة والجهل ورجال المارينز وعمامة جورج بوش , بعدها نرفع قبعاتنا لشاعرالحرية والجمال ( سعدي يوسف ) , تحيةً له عن مواقفه النبيلة تجاه قضية بلده وشعبه ..
فصل من رواية بعنوان ( جسد ليس لي )



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل