أدب فن: عوالم خفية عوالم خفية ================================================================================ ابتسام يوسف الطاهر on 12/ 1/ 2010 أيقظتها يداه وهما تجوبان تضاريس جسدها "متى أتيت؟" همست بصوت يقاوم النعاس "لا يهم" أجابها متضايقا من سؤالها. لم تمنع فرحتها بمجيئه وبيديه توقظان الشوق بكيانها، حيرة التساؤل "أين كان طوال تلك الأيام والليالي.. ثلاثة أيام لم يتصل ولم يسأل عنها.. ليظهر هكذا بلا تفسير ولا اعتذار".. تناءى الفرح فجأة لتمسك يده بقوة وهي تقضم سؤالها بغضب، شعر هو بغضبها فسألها مستنكرا "ما الحكاية.. ما بك؟". تمالكت نفسها لم تشأ أن تحرمها متعة لقاءه بعد طول فراق.. فأخذت يده وقبلتها ثم عانقته "لا شيء ..اشتقت إليك". تباطأت يده وهو يسمعها وقد استيقظت تماما ، ثلاث أيام لم تذق طعم النوم .. تقلبت مرارا وبكت مرارا وهمّت ان تهاتفه، لكنها لا تعرف أراضيه..ها هو عاد وهذا هو المهم (اليوم عاد ..عاد كأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيه) صوت نجاة الصغيرة جعلها تستسلم له بخدر لذيذ لم يمنع دمعة أطلت من عينيها. فجأة أخذتها أصابعه لعالمها الخيالي، عالمها الذي تناءى عنها أياما وقد أغلقت الحيرة والقلق نوافذه التي تطل منها شخوصها وكائناتها الخيالية وهي تعيش معها أياما وأحيانا شهورا.. فأطلت كما لو أنها اشراقة شمس بعد يوم ماطر.. ها هي بطلتها تتأمل أمواج دجلة من على مقعد خشبي على شاطئ النهر الذي أحبته، فهي تقضي الساعات تحاوره وتناجيه تحت غطاء القراءة والدراسة. كل يوم تنتظر نهاية الدوام بصبر نافذ لتنطلق لوحدها لمكانها هذا كل يوم تقريبا قبل الذهاب للبيت. غير مبالية بهمس بعضهم "تسرع للقاء حبيبها" فتبتسم دون تعليق.. فهو حبيبها فعلا وصديقها.. بعد ان ملّت من انتظار الحبيب! أعادها لعالمه وهو يسحب يده منها فطوقته بذراعيها، وصارت تقبله وهي تغالب رغبة البكاء مخافة غضبه وقد يجدها حجة ليبتعد عنها مرة أخرى وقد يصرخ محتجا فيشرّد عصافير شوقها وعوالمها الخفية. كان هناك يتأملها من مكتبه المحاذي للشاطئ "أنها هي مرة أخرى، كل يوم في نفس المكان .. منذ متى؟ لا أعلم.." منذ أن لاحظها تجلس هناك بضع ساعات لا تنتظر أحدا ولا أحد ينتظرها.. وجد نفسه يرقبها كمن يشاهد فيلما يحرص أن لا يفوّت لقطة منه . أحيانا تخرج كتابا من حقيبتها تقرأ بضع أسطر حين يمر شخص ما ثم تعاود التطلع للأمواج المتهادية أو لأوراق القصب المتراقصة.. ثم صار فضوله رغبة عارمة ليعرف سر تلك الفتاة.. بالأمس مر من أمامها.. لم تكن جميلة جدا لتجلب الأنظار لكنه وجدها جذابة خاصة حين تداعب خصلات شعرها أو وهي ترميها على الكتف. إطلالة الشمس على رقبتها الممشوقة جعلته يخطط للقائها "لابد أن اعرف سر جلوسها ذاك". في ذلك اليوم ترك مكتبه وأسرع صوبها بلا تردد ، ثم تباطأ ، ماذا يقول لها؟ كيف يبدأ الحوار معها.. ربما ستخاف منه وتهرب وقد تنقطع عن المجيء. ثم اهتدى لفكرة "مساء الخير.." تطلعت صوبه بفزع وكأنه ضبطها متلبسة بجرم التأمل وحدها! "بالأمس وجدت هذا القلم هنا فاعتقده لك.. انه ثمين لابد انه هدية.. تفضلي " مد يده بالقلم مبتسما.. مدت يدها بارتياب تأملت القلم ثم أعادته " أشكرك .. لكنه ليس قلمي.. لا استعمل قلما كهذا ". دون استئذان جلس بجانبها فرحا بسماع صوتها الدافئ الحنون "حسنا خذيه .. فقد لاحظت انك تكتبين أحيانا.. مادام صاحبه لم يسأل عنه.. إذن هو لك "ابتسمت مترددة.. أرادت أن تحسم الأمر لتعود لما كانت عليه "أنت أولى به، فأنت من وجده". "أنا أحب القراءة لكن لا اكتب" ثم وضع القلم بحقيبتها.. تطلعت له وقد صبغت حمرة الخجل خديها وأضافت لوجهها الشاحب بعض الجمال الذي رآه هو سحرا فتشجع ليسألها "ماذا تقرئين؟". "كتب المدرسة وأحيانا بعض القصص". ثم ابتعدت وكأنها تذكرت شيئا انه غريب لماذا تجيبه على أسئلته ثم "عفوا.. هل كنت تراقبني.. هل تسكن قريبا من هنا؟". شعر بإحراج لكنه حاول أن يبدو طبيعيا فابتسم "لا أبدا.. لماذا أراقبك؟ لكن مكتبي يطل على هذا المكان وأحيانا آتي هنا وقت الغداء.. ووجدت هذا القلم". شعرت بشيء من الارتياح "لا اقصد من سؤالي ... لكنك قلت انك لاحظتني أقرأ او ... فهذا يعني انك... "صمتت وهي تحاول ان تهرب من الحوار الذي تشعب بلا قصد منها .. قد يراها احد فتصدق ظنونهم ويختلقون حكايات وقصص. نهضت بسرعة وهي تلملم كتبها "لقد تأخرت.. مع السلامة" وركضت مبتعدة دون أن تلتفت له "ما كان داعي لتقولي "مع السلامة" أنّبت نفسها. بقي جالسا وهو يتطلع صوبها مذهولا.. عيناه تتساءلان : لماذا.. لماذا؟ ثم نهض وهو يهمس "مع السلامة.. هذا يكفي كبداية". صعدت للسطح بعد عودتها وتناول طعام العشاء مع الأهل.. كانت فرصة لتأمل النجوم وهي ترتب فراش أبويها وأخوتها فوق السطح فمازال الجو حارا بالرغم من نهايات أيلول. تمددت على احدها وعيناها يتلألآن فيهما بريق من الفرح والحيرة وهي تتأمل ضياء الأنجم المتراقصة ."لقد اخرج القلم من جيبه، لابد انه له ربما أراد حجة للحديث معي.. أو أراد أن يختبرني".. ما الذي أراده؟ ومن هو؟ بقيت تتقلب كل الليل مع أسئلتها تلك. لم تجرؤ في اليوم الثاني أن تذهب لشاطئ أحلامها.. لماذا؟ . في يوم آخر وجدت نفسها هناك، صورته تزاحم الأمواج المتهادية.. أرادت أن تلتفت، أن تتطلع للشبابيك المطلة على النهر، لكنها لم تجرؤ مخافة أن يراها متلبسة بالبحث عنه. حاولت أن تبقي عينيها على صفحات الكتاب المفتوح أمامها وان تداخلت حروفه واسطره معا. " لقد انتظرتك بالأمس وخفت أن لا تأتي".. فزعت للصوت وكأنه ظهر من بين الأسطر نهضت متلفتة، كان هناك أمامها بطوله الفارع . ارتعشت يدها فسقط الكتاب منها فالتقطه هو وصار يتأمله وقرأ عنوانه بصوت مسموع. استجمعت قواها وجرأتها لتسأل بصوت غاضب حشْرجَه الحياء "من أنت؟ .. ماذا تريد؟ أنا حرة آت متى أشاء.." وسحبت الكتاب منه وهي تشيح بوجهها تهم بالانصراف، وقد لمعت عينيها بالدموع. ارتعش جسدها حين امسك ذراعها متوسلا فيها أن لا ترحل. "أنا آسف.. أرجوك اعذريني لتطفلي.. أردت أن أشاركك متعة التأمل والهدوء مع الطبيعة.. لا تخافي .. صدقيني لا انوي الإساءة أبدا .. أرجوك اجلسي.. سأقول لك شيئا بعدها لن أضايقك أبدا". استعادت شجاعتها وهي تتذكر تفكيرها فيه وانتظارها له، فجلست بعد تردد.. بالرغم من خوفها أن يراها احد ما. "في البداية كنت أتصور انك تنتظرين احد ما.. ثم صرت أعجب بإصرارك على مصاحبة الطبيعة لوحدك ...." قاطعته "كان القلم لك.. أليس كذلك؟" ابتسم وهو يتأمل عينيها "نعم .. لم يكن أمامي فرصة للحوار معك". كادت تضحك لانتصار فكرتها وقبل أن تسأله ماذا يريد منها ، بادرها "اسمي كمال اشتغل في مكتب تخطيط مع مهندس زميل لي "وأشار لمبنى زجاجي خلفهم يطل على النهر. ابتسمت وهي تتذكر أمها كيف كانت تمتدح قريبا لهم لأنه مهندس! "يبدو أن عملكم قليل فتقضون الوقت بمراقبة المارة أو الجالسين بالحديقة؟" قالت بنبرة هادئة مغلفة بصيغة تأنيب. فرح للابتسامة التي لاحت على وجهها فشعر بارتياح "عملنا كثير لكن هذا لا يعني أن نغلق أعيننا عن الأشياء الجميلة، لو كنت اعرف انك طالبة لانتظرت حتى نهاية الامتحانات.. لكنها فرصة قد أساعدك ببعض الدروس". "شكرا لا احتاج لمساعدة و.. أنا آسفة.. أهلي لا يسمحون لي بمحادثة الغرباء" أخذها صوت فيروز يداعب أمواج النهر (حلفتني إمي ما حاكي حدا .. آلتلي يا إمي إياك العدا.. وأنت مش حدا ولا أنت العدا..) كادت تضحك لكنها خافت من أن فرحها قد ينسيها أنها مخطئة بمحادثة هذا الغريب. "لم اعد غريبا فقد عرفت اسمي ومهنتي وأين اشتغل".. ابتسمت وهي تحتضن كتبها ومشت بعيدا عن الشاطئ دون ان تودعه. سحبت يده لشعرها لعله يزيح بعض القلق والحيرة.. لعله يمحو الأسئلة التي لا جواب لها. ثم طوقته بشوق أججته الرغبة والعطش.. فصارت يداها تحيطان بخصره وهي تنصهر بنغمات جسده لعلها تصل لعالمه.. صاح.. فأغمضت عينيها وهي تبتسم.. ثم ارتمى بجانبها والعرق يغسل جسده، قبّلها من خدها وأدار ظهره لها وراح يشخر. انسحبت بهدوء من السرير ولفت جسدها بروب كان ملقا على حافة السرير.. شعرت بالبرد بالرغم من الدفء الذي جعلها تفتح النوافذ من قبل. شربت كأس ماء وهي تتأمل الشارع المغسول بالمطر من نافذة المطبخ والذي أضاءته بعض المصابيح وضياء الفجر الذي هلت مواكبه من بعيد، لتبعد الليل والنهر وتغلق نوافذ العوالم البعيدة تلك. لندن 2002