السيدة ذات الكبرياء
عدنان المبارك
قصة: كارين بلكسن
ترجمة: عدنان المبارك
في العام الثاني وفق التقويم الثوري ، ووفق المسيحية في عام 1794 كان المواطن شمشون جزّار باريس شخصا يعرفه الجميع في هذه المدينة.
وفي أوقات الخطب الرائعة والخطباء البارزين الذين لم يصبهم الكلل كانت السيدة المسمّاة بالجيلوتين قد صمدت بكل شجاعة في موقعها بفضل خصلتها: النجاعة الصامتة. كان الكل يرهب أيضا القائم بالخدمة أمام هذه السيدة. قيل عنه الكثير. كما كانت له أسماء دلع كثيرة لكنه كان بلا أصدقاء.
كان المواطن شمشون قد إنتهى من عشائه في سكنه الكائن في شارع دي باك عندما أخبرته حارسة البيت بأن مواطنتين تريدان لقاءه. كان قاطع الرؤوس في مزاج رائق ولذلك لبّى رغبة المواطنتين. إستقبلهما وهو جالس وراء طاولته.
إحدى الإثنتين كانت إمرأة ترتدي قبعة ذات خمار يحجب وجهها الوردي اللون. وكانت متوسطة العمر. اما الثانية فكانت فتاة نحيفة شاحبة الوجه يقارب عمرها الخامسة عشرة. ، وكان لباس الإثنتين بسيطا قدر الإمكان. كلتاهما تبدو روحانية لاتدرك العالم شأن الراهبات اللواتي كان شمشون يشاهدهن في الشوارع في الزمن القديم قبل الثورة .
- ما الذي يإمكاني أن أفعله للمواطنتين؟ سأل وهو مسترخ على كرسيه.
أجابته الأكبر سنا والتي كانت تتكلم طوال اللقاء الذي إستغرق خمس عشرة دقيقة ، في حين كانت الفتاة مزمومة الفم الى اللحظة الأخيرة. عندما ألقى شمشون للمرة الثانية نظرة على هذا الوجه الجميل والجامد خيل له أنه سبق أن رآها قبل يوم أو يومين :
- أيها المواطن شمشون - قالت المرأة - جئنا من مدينة آفينيون. جارنا المواطن الطيّب ديبوسك قال لنا إنك تملك قلبا طيّبا. ونحن من النساء الفقيرات والشريفات والمخلصات للجمهورية.
- طالما أن من بعثكما إليّ هو بابست ديبوسك - قال شمشون - ليس ممكنا أن تكونا إمرأتين أخريتين.
- من المخلصات للجمهورية - كررت القول - التي من واجبها أن تجعل جميع الناس في فرنسا سعداء. رجاؤنا إليك هو بريء ، ويعني الكثير لدينا ، لكنه يأخذ من وقتك لحظة واحدة فقط.
- كما تعرفين فعادتي - ضحك شمشون - هي أن أقصر من الطول. إذن إفعلا الشيء نفسه الآن.
- لا يا شمشون الطيّب - قالت المرأة وإبتسامة رقيقة على محياها كشفت عن أسنانها الجميلة - إسمح لنا بعرض القضية بأسلوبي. انت لاشك تعرف ، وأنا مقتنعة تماما ، من هن النساء اللواتي يأتين إليك ويتعبنك في مثل هذا الوقت المتأخر.
وفيما يخصني - واصلت الكلام - أنا إسمي ماري مارتي ليموان. ولدت في مقاطعة أنجو وقضيت حياتي كلها في خدمة المدام المركيزة دي بيرينو دي ليون.
أستميحك العذر - أضافت قائلة ووجهها المدّور يزداد توردا - إذا كنت أستخدم كلمات قديمة. فقد كنت أقولها لزمن طويل. وأنا لا أقصد بها أمرا سيئا.
- ماذا تقولين ، المسماة بيرينو ليون ! - صاح شمشون - هل تعرفان بأن رأسها سيقطع يوم غد ؟
- نحن نعرف ايها المواطن - قالت المرأة.
- إنه لأمر حسن - قال شمشون - أن لاتكون في فرنسا مثل هذه الساحرة الجشعة والقاسية والعنودة. لقد عرفوها في لندن وبطرسبورغ مقامرة حالفها الحظ أمام مائدة القمار لكنها بخلت بالطعام على خدمها وفلاحيها. وهي بالذات من فقأ بالسوط عين ذلك الفلاح الذي لم يخلع قبعته أمامها بسرعة.
- هذا صحيح - أكدت ماري مارتي - وذلك العجوز المسكين كان أبي.
- وهي - واصل شمشون كلامه - من حبست إحدى خادماتها في البرج ثلاث سنوات لأنها لم تنل إعجابها.
- هذا صحيح - قالت المرأة - فأنا كنت تلك الخادمة.
نظر شمشون إليها.
- وهي التي طردت إبنتها لكي تتضور جوعا لأن هذه الفتاة الشريفة تزوجت من رجل شريف صديق للشعب. وحصل الزواج خلافا لخطط الأم.
- نعم هذا صحيح أيها المواطن.
- وإذا تذكرت جيدا - أضاف الجزار قائلا - أمرت أحد الأرستقراطيين من المغرمين بالمبارزات بأن يقتل زوج إبنتها.
- لا أيها المواطن الطيّب ، إذا تعلق الأمر بهذا فإنك قد أخبرت بصورة خاطئة - قالت المرأة - ، المدام لم تعرف شيئا عن ذلك المغرم بالمبارزات. بعضهم ، وأنا منه ، ظن يوما ما بالفعل أنها بتمنياتها وإرادتها كانت سبب موت ذلك الكابتن الفتي والمسكين . لكن القسيس ، ومرة أخرى أسألك المغفرة أيها المواطن ، فالقساوسة كانوا موجودين آنذاك ، عنفني على أنني فكرت بهذه الصورة ، وقال إنه في زمننا لم تحصل مثل هذه الأمور. في كل الأحوال قتل الكابتن، وهذا سبب موت زوجته أيضا. والفتاة التي جاءت معي اليوم هي طفلة ذينك الإثنين وحفيدة المدام.
- إذن - قال الجلاد - أنا أعرف الآن لماذا خيّل لي بأنني رأيتك من قبل أيتها المواطنة الصغيرة. لقد حصل ان كنت حاضرا أثناء محاكمة جدتك. عندما سئلت عن إسمها ( تفضلت ) بالإجابة ، وكانت تلك السخافات ، وبعدها لم تجب على أيّ سؤال وجّه إليها. أنت تشبهينها، وهذا القدر من الحزن على وجه مثل هذه الفتاة الجمهورية الصغيرة ، لكم بودي أن يضخ منك دم هؤلاء من نسل بيرينو ، حينها قد تصبحين زوجة رائعة لثوري طيّب.
- أرجوك أيها المواطن ألا تتكلم بهذه الصورة - توسلت ماري مارتي - أرجوك ألا تتكلم بهذه الصورة.
- ولم لا ؟ سأل شمشون.
- سأخبرك فيما بعد .
- على اي حال - قال الجلاد - بدأت قصتكما تسليني. أرى أن الحساب الذي تقدمانه للساحرة العجوز كبير جدا. إذا أردتما أن ترجواني بأن تحصلا على مكان تريان منه كيف ستدفع هي الحساب ، فأنا سألبيه . هل سبق أن رأيت جدتك؟.سأل الفتاة .
بقي وجهها جامدا الى درجة أنه لم يكن موقنا من أنها سمعت السؤال. أجابت المرأة:
- نعم ايها المواطن. نعم رأتها ، لكن قبل أكثر من عام .
- أقول لكما - قال شمشون ببطء وهويحشو غليونه بالتبغ - لماذا كلفت نفسي هذا الجهد وحضرت تلك المحاكمة. في الآونة الأخيرة أنا لا أذهب كثيرا الى المحكمة . فقد تخلصنا منهن تماما. وهذه البيرينو هربت طويلا جدا عن أنظار الجمهورية بفضل أمر واحد لاغير وهو أنها قد إختبأت لوحدها تماما في إحدى زوايا قصرها. ستقلها العربة برفقة هي أسوأ بكثير من الأخرى التي لوخيّرت لفضلتها قبل عشر سنوات. أما ساقاها العجوزتان فستسيران وحدهما ولن تعثر هي على واحد نبيل المحتد يمدّ يده ليسندها. لكن واصلي الكلام أيتها المواطنة.
صمتت ماري مارتي لبعض الوقت.
- كنت حينها قبل سنوات طويلة خادمة لدى إبنة المدام أي المدموازيل أنجيليك التي كانت تصغرني بخمس سنوات . كما كنت صديقتها الأقرب.
- ماذا ؟ - أصابت الجلاد الدهشة - هل سمحت تلك السيدة ذات الكبرياء بأن تصادق إبنتها إحدى الفلاحات ؟
- لماذا هذا الظن بأنها قد تكون ضد مثل هذه الصداقة مع فتاة من إحدى ضيعاتها ؟ - سألت - وهذه الصداقة إنتهت حين بلغت المدموازيل أنجيليك السادسة عشرة . عندما كانت البنت طفلة صغيرة في الثانية من عمرها ، كانت المدام قد خططت لها زيجة رائعة مع أكبر أبناء الأمير دي غيرمون. لاحيلة في الأمر. الإنسان يطلق النار ، وآخر ، وهو الخالق ، يوّجه القذيفة.
- الخالق مهتم للغاية بالتخطيط لزيجات الأرستقراطيين - لاحظ الجلاد.
- أنا أتكلم بالضبط عن ذلك أيها المواطن - قالت ماري مارتي - ومثل هذه الزيجة الرائعة لم تحصل في ذات السنة التي مات فيها الملك العجوز. جاء حينها الى مقاطعة آنجو الكابتن لويس دي كيرجان لغرض تسجيل الصالحين للخدمة في الجيش . سيدتي الشابة هربت معه ، وقسيس القرية المسكين عقد قرانهما وحتى أنا لم أعرف بالأمر. المدموازيل أنجيليك التي كانت تخبرني لغايتها بكل شيء عن أمورها لم تعلمني بتلك الخطط لأنها لم ترد أن تعرّضني لغضب المدام، و كانت قد كتبت اليها بعد عقد القران.
والمدام - واصلت روايتها - لم تفه بكلمة حين قرأت الرسالة . قالت بعدها بأن إبنتها قد فقدت صوابها وأنا ايضا فقدت عقلي حين عرفت بالأمر ولم أخبرها. وقالت الشيء نفسه لأبي وأمي. حبستني آنذاك ، ايها المواطن ، في غرفة برج القصر. حبستني ثلاث سنوات . كان محظورا على أي شخص الكلام معي.
أنا لا أقدر على القول بأنها لم تهتم بشؤوني . كنت أنال طعامي ، وفي الشتاء كانت النار مشتعلة. كذلك لم يحكم عليّ بالبطالة . فالمدام أمرت بوضع منسج في غرفتي وبعثت بحقيبة مليئة بالصوف من شتى الألوان ومعها هذه الكلمات : ( أيتها الفتاة المجنونة هل أنت تقدرين على إبتكار شيء ما ). ولك أن تتصور أيها المواطن بأنني عملت خلال تلك السنوات الثلاث سجادا من نوع جديد أصبح مشهورا في المنطقة. وقد تبين أن ذلك كان شيئا جيدا للغاية وموفقا. فمنذها إستطعت أن أسند المدموازيل ، ماليا ، في مهاراتي هذه .
في تلك السنوات نادرا ما كانت المدام تمكث في البيت. كانت لها سفراتها في العالم كله ، وكما تقول صارت مقامرة محظوظة على الدوام؟ وإعتقد بعضهم بأنها فكرت بالزواج للمرة الثانية وإمتلاك وريث آخر بدل الإبنة التي صارت بالنسبة لها في عالم الأموات.
- لماذا بحق الشيطان لم يفتح الخادم باب سجنك طالما أنها لم تكن موجودة ؟
- لقد فعلوا هذا ، أيها المواطن ، - قالت ماري مارتي - ثلاث مرات. خرجت من البرج في تلك السنوات الثلاث، ثلاث مرات لكي أرى السماء المباركة من قبل الرب ، والسير على العشب كما فعلت حينما كنت طفلة . فأنا بنت فلاح.
- ولماذا عدت؟ أراد شمشون أن يعرف.
- أوه ، المدام قررت ذلك - اجابت - وأنا لم أرد أن أسبب المصائب للآخرين من الخدم. عدا ذلك كان أمرا محزنا قليلا البقاء في الخارج وليس في الداخل رغم أن لا أحد كان يستطيع الكلام معي الا أنني علمت بأن صديقي ، ذلك الشاب الذي كان من المقرر أن يتزوجني ، تزوج من أخرى. وأي شيء كان ممكنا عمله ؟. لا أحد كان يتوقع بأن هذا الفتى سينتظرني الى الأبد.
وطيلة ذلك الوقت - واصلت الكلام - لم اسمع شيئا عن المدموازيل. الا انني كنت أفكر فيها دائما. بعدها قيل لي إنها ولدت إبنين لكنهما ماتا. وفكرت مدبّرة شؤون البيت بأن المدام كانت مسرورة . فهي لم ترد أن تبقى دماؤها تحمل إسم كيرجان. وعندما كنت حبيسة البرج ثلاث سنوات قتل الكابتن المسكين في مبارزة.
- أنا أتذكر هذه القصة - قال شمشون - رغم أن زمنا طويلا مرعليها.
- خمس عشرة سنة.
- سمعت - أضاف الجلاد قائلا - أن الكابتن كيرجان كان في ذلك الحين أي قبل الثورة بعشر سنوات ، ثوريا في أعماق النفس . وكانوا قد شنقوا جنديا على سرقته قنينة نبيذ من منتدى الضباط. الكابتن قال حينها ماكان يفكر به حقا. وكان السبب في تلك المبارزة التي تبين أن غريمه كان مبارزا أحسن منه.
- وعندما وصل خبر مقتل الكابتن الى زوجته الشابة - عادت المرأة الى روايتها - ولدت البنت مبكرة بثلاثة أسابيع. المدام جاءت إليّ بعدها بثلاثة ايام . فتحت الباب وأمرتني بالسفر الى نامور الى إبنتها ، فهي الى غاية ذلك الحين كانت تقول بأن على البنت أن تشفى من جنونها وأن على شخص من ارضنا أن يكون بجنب المدموازيل. أمرتني بالسفر مع الوصيف. وحسنا فعلت. لقد شعرت بالإرتباك لمنظر الوجوه البشرية حولي وسماع أحاديثهم. المدموازيل سكنت مع طفلتها في بيت صغير في نامور. كان دخلها بسيطا. وكما ترى أيها المواطن كان أمرا جيدا أنني تعلمت في غرفة البرج نسج السجاجيد. فبضل هذا العمل كان ممكنا تمشية أمور البيت.
في نامور كنت سعيدة . فكرت في بعض الأحيان بمعلمي الرقص وركوب الخيل ، والموسيقى وهي اأشياء التي إمتلكتها المدموازيل في طفولتهان وآلمني أن إبنتها تكبر دون أن يتكفل أحد بتعليمها عدا أمها ، لكنني كنت ، عادة ، مشغولة جدا ولم أجد الوقت للتفكير بهذه الأمور .
بعدها أخبرتني عمتي أنه منذ موت زوج الإبنة تبدلت المدام كثيرا . في جميع الأحوال فكرت العمة بأن المدام قبلت بالأمر الواقع طالما أن زوج الإبنة قد رحل. المدام لم تكن تحيا بلا أمل و فكرت ، كما ظنت عمتي ، بأنه في النهاية يسري نصف دمائها في عروق حفيدتها. حينها كانت لديها خطة معيّنة.
الكونت الشاب دي غيرمون تزوج من سيدة شابة محترمة جدا بعد أن هربت المرشحة لأن تكون زوجته ، مع حبيبها. وفي العام الأول من زواجهما ولد إبن. المدام أخذت تتصور أن قران إبنتها والذي كانت قد خططت له مرة ، يمكن أن يعقد بفضل حفيدتها. الا أنه الى جانب محتد أب الفتاة الصغيرة والذي لم يكن رفيعا الى حد كاف ، هناك الحاجة الى مهر كبير. منذ تلك اللحظة بالضبط تركت المدام السفر وبدلا عنه تفرغت الى جمع المال. وبصورة سريعة ، كما قالت العمة ، تقد م بها العمر وصارت عجوزا. كفت عن الإعتناء بمظهرها ولم تأمر بخياطة البدلات لها ونادرا ما كانت تترك ممتلكاتها. منذ ذلك الحين بالذات شاعت ، أيها المواطن ، جميع القصص عن جشعها وبخلها. منذ ذلك الحين بالذات أخذت تقتر الطعام على الخدم ، وكانت تجلس لوحدها في غرفة الطعام الكبيرة وتتناول وجبات متواضعة. وكما أخبرتني قريبة لي فهي فعلت كل ذلك من أجل الطفلة التي لم ترها أبدا في حين أن موت أبيها كان قد اشاع الفرح في نفسها. ومنذ زواج المدموازيل أنجيليك الى غاية وفاة زوجها الكابتن لم تذكر المدام إبنتها أبدا. حول هذا الأمر كانت تراسل الكونت دي غيرمون. كانت تتكلم عن صبي صغير كخطيب لحفيدتها. وكانت تفكر في مسألة هل أن المهر كان كبيرا للحد الذي يرضيه. وعن هذا الأمر حدثتني العمة عندما إلتقينا .
في بيتنا الصغير في نامور لم أستطع أن أعرف هذا الأمر . الا أن ما أثار إستغرابي ، أيها المواطن ، هو أنه بالرغم من أن سيدتي الشابة كانت بعيدة عن أمها ولم تكتب إليها أبدا كما لم تعرف منها أي أمر الا أنها ، كما يخال إليها ، تعرف هذه الأم . لم تذكر إسم أمها أكثر مما ذكرت الأم إسم إبنتها، لكنها كانت تطلق التنهدات العميقة من حين الى آخر مخاطبة إياي :( ياماري مارتي ، ياماري مارتي الطيّبة ، هناك من يفكر بنا ، ومن يفكر بطفلتي ). وفي إحدى المرات قالت :( منذ ثلاثمائة عام الى غاية ولادة إبني الأول لم يأت الى العالم كثمرة للحب ، ايّ طفل يحمل لقبي . الإثنان ماتا ). وفي مرة أخرى : ( يا ماري مارتي الطيبّة، أنظري ، إنها شاحبة وهشة الى هذه الدرجة كما لو أن احدهم أفرغ دم كيجان من عروقها ). لذلك توسلت إليك ، أيها المواطن ، من أجل أن لاتقول عن ضخ دماء آل بيرينو منها. حينها أي شيء سيبقى من هذه المسكينة ؟.
لكن بالرغم من أن إبنيها حملا إسم أبيهما وعائلته أعطت المدموازيل أنجيليك إسم أمها أيضا : جوسلين جان .
سيدتي الشابة كانت جميلة إلى حد إدارة الرؤوس في الشارع. ولقد واتتها فرص عديدة لكي تتزوج من رجال أغنياء ورائعين الا انها قالت لي إن التفكير بأمر من هذا القبيل هو بالنسبة لها اكثر فظاعة من أي شيء آخر. ولذلك كانت تحمل قبعات تحجب وجهها تماما ، ولم تكن تخرج من البيت الا حين يسود الظلام . كانت تعرف كيف تحوك الدانتيل على ركبتيها وهي جالسة أمام صورة زوجها. بهذه الوسيلة كنا نحصل على القليل من النقود أيضا.
في هذا البيت قضيت إحدى عشرة سنة مع سيدتي. وبعدها ماتت. عندما مرضت أصابني الغم عند التقكير بمصير الصغيرة جان. قالت لي قبل رحيلها: يا ماري مارتي لتكن الحال هكذا. لقد تركت ( مونفوسون )، البيت ، الأرض ، الغابات، الناس الذين كانوا ناسي ، من أجل نيل السعادة في الحياة. منذ اللحظة التي رأيت فيها زوجي عرفت بأنني مملوكته، كذلك الآن أنا كلي ملكه. إذن ليكن الحساب قد دفع وسوف لن أندم على ( مونفوسون. وهذا من أجل إبنتي ).
بعد وفاة المدموازيل أنجيليك بقليل بعثت المدام بمن يأخذنا إليها ، جوسلين وأنا.
عندما إلتقت الجدة والحفيدة تبادلتا النظرات بدون كلام. قالت المدام بعدها لي :( كانت الحال كما لو أنني نظرت في المرآ ة قبل ثلاثين سنة، عندما كانت جوسلين بريئة لاتعرف الهموم وآمنت بالناس وخلا وجهها من التجاعيد). وصغيرتي جان قالت :( ياماري مارتي عندما نظرت الجدة اليّ فكرت بأنني أنظر في المرآة ، مرآة مخيفة شوّهني شيء فيها ولطخني بالسواد... أنا لاأعرف القول كيف كانت الحالة سيئة).
في ( مونفوسون ) تغيّر الكثير. الطعام شحّ، حتى على مائدة المدام. وفي الأسطبل كان هناك حصانان، ولربما ثلاثة ، سائقو العربة وخدم الأسطيل والببيت كانوا يرتدون بذلات بالية إضطروا الى رتقها وروفها دائما. الا أن المدام كانت تحرص على أن تتناول الصغيرة جان وجبات فاخرة وبكميات كبيرة. فمنذ وصولها عنفتني على أن الطفلة بالغة الهزال. وكرست كثيرا من الوقت للحفيدة . علمتها العزف على البيان والغناء ورقصة المينويت التي كانت زينة الحفلات الرائعة في الفرساي . وعلم خادم الإسطبل ، العجوز الصبية ركوب الخيل الذي أعجبها كثيرا.
حينها ، أيها المواطن ، بدا الناس يتكلمون عن التغييرات الكبيرة القادمة . وأذكر متى سمعت للمرة الأولى بكلمة ( الثورة )... الا أن المدام لم تكترث للأمر تماما. قيل لي إنها قهقهت قائلة حين فقد نبلاؤنا إمتيازاتهم : ( متى ستنتهي هذه الترهات ..) بهذه الصورة كانت تعلق على كل خبر قادم من باريس أو : (متى ستعود الحال كما كانت في القديم ...).
وأثناء ذلك نادراما كانت المدام تلتقي بالجيران. لم تسمع بالكثير من الأشياء الا أنه عندما قيل لها بأن الكثيرين من الفرنسيين ذوي النفوذ تركوا أراضيهم وبيوتهم ورحلوا الى الخارج ، عصف الحنق بها وقالت إنه كان ينبغي قطع رؤوسهم.
من حين الى آخر كانت تكتب الى الكونت دي غيرمون ، كذلك كانت تتلقى أخبارا منه. قبل سنتين، أيها المواطن، قدم الى ( مونفوسون ) الكونت بنفسه وزوجته والصبي الذي أرادت المدام أن يكون زوجا لجان. لقد قرروا مغادرة فرنسا والتوجه الى إنجلترا. مكثوا ليلتين . طيلة الوقت كانت المدام تتكلم معهم حول كيفية تنظيم الأمور كلها. دهشوا للغاية من أن المدام لاتعرف الكثير مما يجري حواليها. أنا بنفسي سمعتهم حين عبرت الغرفة. بعدها سمعت كيف كانوا يتحادثون حول المهر، وقالوا إن الأكثر أمانا البقاء في إنجلترا وليس في فرنسا ، إلا أن المدام أجابت بأنها ستأمر بدفع المهر كاملا. حتى أنها وافقت على أن يتم الزواج هنا ، في البلد، وأن يباركه قسيسنا الريفي الطيب، إذا قرروا البقاء في فرنسا. غير أنها لم تعرف كيف هو التعامل مع المهاجرين. كررت القول بأنه حين تنتهي جميع هذه الترهات ستكون حفلة الزواج رائعة وستقدّم كل ما وفرته من مال سوية مع العروس.
عندما كان الكبار يتحادثون كان الصغيران لوحدهما. كانا يتنزهان وبلهوان في الحديقة. المدام كانت بالغة الحرص على جان إذ خشيت أن تفقدها وكما فقدت أمها، ونادراما كانت تسمح لها باللعب مع الأطفال الآخرين. كان هذا الصبي يلهو غالبما لوحده. الا أن الإثنين كانا متفاهمين بصورة جيدة، وخلال اليومين اللذين قضتهما عائلة غيرمون في ( مونفاسون) لم يردا الإفتراق ولو لساعة واحدة .
- أها - قال شمشون - رغم فضائل أبيك أردت أن يكون فارسك من الأرستقراطين ، أليس كذلك أيتها المواطنة الصغيرة ؟
- أوه ، لاضرورة للعتاب هنا. فقد كان رفيق اللعب الوحيد في حياتها كلها - تدخلت ماري مارتي - وفي كل الأحوال سافر سوية مع أبيه . إنه الآن في أنجلترا.
وحصل هذا بعيد الحريق الذي شبّ في القصر قرب ( مونفوسون). من شرفتنا شاهدنا السماء التي كانت حمراء كلها. لربما بدأت المدام حينها تؤمن بواقع الثورة. قالت لي :( أنا سأبقى هنا لكن حفيدتي ستكون آمنة أكثر معك وبعيدا عن مونفوسون). كررت هذه الكلمات ثلاث مرات غير أنها كانت تصرف النظر عن خطة الهروب دائما. كان لديها آنذاك إثنان من الخدم فقط. وكانت تنقلنا بنفسها في العربة عبر الغابات والحقول الى أطراف أراضيها.
وعدنا الى نامور. فهناك كان أحسن زبائني. وبيتنا الصغير بيع إلا أن أرملة الخبّاز أعطتنا بضع غرف وعشنا هناك كما كنا نعيش أنا والمدموازيل جان في زمن ما.
ولغاية وقت غير بعيد لم نكن نعرف شيئا عن المدام . عمتي التي شاخت جاءت إليّ مرتعشة ومنهكة بسبب السفر الطويل. روت لي كيف كانت تعيش المدام في ( مونفوسون) بعد رحيلنا. وعمتي كانت الخادمة الأخيرة التي بقيت معها الا أن المدام ، كما قالت عمتي ، لم تكترث لهذا الأمر ولم تقدّر إخلاصها . ذكرت العمة أنه بالنسبة لها كان شرفا كبيرا أن تخدم الماركيزة بيرينو. إلا أن هذه صرفت عمتي عندما أصبحت الحال خطرة ولكن حتى في ذلك الوقت كانت تتكلم عن الأوقات القادمة حين ستكون كل لامعقوليات الثورة هذه بحكم الماضي. لم ترد العمة أن تبقى المدام وحيدة، وعندما سألتها: هل ستحمل المدام بنفسها خشب الوقود والماء؟. أجابت بأنه لسليلة بيرينو سيكون نقل الخشب و الماء شرفا ومتعة.
عندما إعتقلت المدام أخذوها من القصر القديم المهجور وكما قلت أنت أيها المواطن. ووصلت الى نامور أخبارهذا كله. كذلك سمعنا ما أكدت عليه أنت أيها المواطن ، بأنها ستكون المرأة الأرستقراطية الأخيرة التي سيقطع رأسها ، وأنه في الطريق الى المقصلة سوف لن يرافقها أي أحد من طبقتها. وبعدها بوقت ما أعلمتنا بأنه علينا الذهاب الى باريس لرؤيتك أيها المواطن و تقديم رجائنا اليك.
ليس عندي غير شيء ثمين واحد - قالت - وهو هذا الخاتم الذي أعطتني إياه المدموازيل أنجيليك عندما كنا طفلتين . قد ترغب زوجتك أيها المواطن في حمله؟.
أثناء الكلام فكت السلسلة المعلقة حول عنقها ووضعت الخاتم على الطاولة.
أطلق المواطن شمشون ضحكة.
- أنت بريئة أيتها المواطنة - قال - لدرجة أنك تصبحين مشبوهة في عين من هو أقل تجاربا مني. إنها إهانة كبيرة محاولة رشوة أي كان من خدم الجمهورية ، فكيف إذن يرشى زوج السيدة المسماة بالمقصلة ؟. لكنني ألتقي بأناس من مختلف المشارب. أنا أميز بينهم عارفا بحقيقتهم حين أنظر إليهم. أنت ، كما قلت في البداية ، إمرأة مسكينة وشريفة وعشت الكثير من حياتك ، وكل هذا بسبب كبرياء المراة من سلالة بيرينو.
لقد قلت لك بأنني اليوم في مزاج يجعلني أستمع الى الروايات. والآن أضيف قائلا بأنني راغب بشيء آخر.
عندما رويت لي قصتك كنت أنظر الى هذه المواطنة الصغيرة التي جاءت معك. على حجارة باريس لاتولد زهور الليلاك البيض والرشيقة. من حقي أن أحصل على قبلة... وانا أرغب فيها اليوم. وإذا وهبتيني إياها يا حفيدة جوسلين جان دي بيرينو دي ليون أعدكما بتلبية رجائكما.
لبضع ثوان أطبق الصمت على المكان . لم يسمع أي جواب . والمواطن شمشون إنحنى مرة أخرى في كرسيه وإرتسمت على وجهه إبتسامة ماكرة.
- إنتظري لحظة أيتها المواطنة الصغيرة ، إنتظري - قال - هل تعرفين ما الذي ستفعلينه؟ في نيتك تقبيل شمشون ، الإنسان الذي قطع رأس ملك فرنسا وملكتها. مازال بإمكانك أن تصبحي زوجة لأحد الراديكاليين لكن أي أرستقراطي سوف لن يقبّل الفم الذي لامس شفتي شمشون. وحتى عندما تنتهي جميع ( لامعقوليات ) الثورة هذه وحتى حين تعثرين على كنز جدتك سوف لن يكون لديك أي سبب ، بعد أن تقبلي شمشون ، الى السفر الى إنجلترا والإرتباط بصديقك من الحديقة في (مونفاسون).
إستمعت الفتاة إليه ببالغ الجد وبدون أن تنبس بكلمة واحدة ثم تقدمت صوب كرسيه وتوقفت هناك.
- لربما - ضحك شمشون وهو ينظر في عينيها - عندما سكنت مع صديقتك ماري مارتي في قصر السيدة الكبيرة ، لم تسمعي بشيء إسمة قبلة؟ ففي الفرساي بعد رقصة المينويت كان الفارس يقبل سيّدته. إذن هل أمنح انا قبلتك الأولى ؟ أنا لا تجذبني معاشرة الناس ، ومرّ زمن طويل على آخر مرة قبلت المرأة فيها . وقد تكون هذه هي قبلتي الأخيرة.
جرّ الفتاة إليه وأجلسها على ركبتيه ثم لصق وجهها بقوة الى وجهه وقبّلها من فمها. شعر بأنه عبر هذا الجسد الخفيف سرت رعشة طويلة. وفكر أن الجزارين في الماضي كانوا يشعرون بهذه الحركة في أجسام اللصوص والبغايا عندما توسم بالحديد الساخن حتى البياض. وبعدها ترك الفتاة. للحظات خيّل له بأن ساقيها قد أصابهما الخور قبل أن تقف هي بقامة متصلبة كالسابق. ولبرهة إندلقت على وجهها حمرة ثم إنحسرت الدماء ببطء.
وطوال الوقت الذي كان شمشون يتحدث فيه مع المراة الثانية كانت الفتاة تلتزم الصمت ولكنها تكلمت الآن. كان وجهها وجسدها طفليين الا أن صوتها كان صافيا وعاليا بالرغم من أنها قد تكلمت بخفوت وبطء لكنها كانت قد سيطرت على الصوت الذي بدا مقنعا.
- رجاؤك سيلبى - قال شمشون - قولي لها.
- أتوسل إليك أيها المواطن شمشون - أجابت الفتاة - أن تنزع قبعتك حين تصعد جدّتي الى المقصلة وتقول لها : أنا في خدمتك أيتها المدام المركيزة.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك