الرئيسية »  الـقـصة»  رواية "أجســاد طــرية" الجزء الأول

رواية "أجســاد طــرية" الجزء الأول

عدد مرات المشاهدة :410 - 19/ 12/ 2009

عبد الهادي سعدون

رواية "أجســاد طــرية" الجزء الأول

  

"إلى أجسادهم الطرية...
عجمي في متون الجبال و شاهين خلف أرنبه المبقع،
لأن الأول لم أعرفه ولأن الثاني أجهله تماماً ... "

عليك أن تسمعها بهذه الصورة، فأنا لا أعرف عنها شيئاً لأنها وصلتني هكذا.
يسمونها الجملة الأولى، لذلك حذروني من تبديلها.
يحكون إن منها يبتدئ الكلام، يبتدئ التاريخ، تاريخ العائلة، هناك عند لوح نهاية العالم، وكأنها أول جملة نطقت على الأرض.
بيني وبينك ـ يا صاحبي ـ فكرت بجملة أكثر فرحاً كبداية للتاريخ، للحكاية، للقصة، أو لهذه الرواية التي أظن بها رواية، رغم اعتقادي بأن من سيقرأها سيرجمني بألف حجر. بداية مفرحة تفتح لها الطريق، وتتعلق للأبد بأذهان من يعلم بها لاحقاً، رغم ثقتي بأن مصيرها لن يكون أفضل من تلك الأجساد الطرية التي صممت عائلتي الحفاظ عليها وكأن لا شيء غيرها يحفظ إرثنا من الضياع.
مع هذا أنا لا أدعي الحزن وإن كنت أتحدث عنهم، هم لا غيرهم، حتى وإن كانت أجسادهم، الطرية، تشير لك وكأنك الوحيد المعني بها.
ثم كيف أبتدئ بغير ذلك طالما كانت الجملة الأولى، حتى وأنا أقص عليك كي لا تجزع من بعد المسافة ولا تخشى الحديث بغير الفرح. رأسي لا يميز غيرها حتى وإن جازفت بحديث غير مترابط مثل حديثي الآن، أن أحكي وحسب، ذلك أنني بلا بداية مثل أي كاتب لا تسعفه الملائكة بجملة جاهزة تعينه على بياض الورقة الشاسع، فأتذكر ما قالته أمي نفسها عندما طلبت منها أن تسرني بما سمعت عن أبي والآخرين، بما يساعدني بعد حين أن ابني لي تاريخاً، أي تاريخ عائلتي، لأنني أجهل الأشياء والأماكن منذ فكرت بالهرب، فالهرب لا غير حكايتي التي أمط وأكرر في كل ما سردت سابقاً أو ما أقوله الآن..
تقول أمي: لا شيء آخر أبعد مما تعرف، لأنها تبتدئ من هناك، كأنها الجملة الأولى المنذورة لنا جميعنا، الأولى التي خلقها الرب لنا، لأن لا أصل للحكاية دون هذه الجملة الأولى، لا وجود لها أصلاً، لا وجود لنا.. هيا لا تتباطأ، قلها الآن وابتدئ تاريخك..
قرب أذنك و أسمعها كيف ترن.. ها هي تخرج برأسها:
فأقولها لك كي ابتدئ تاريخي.

ـ 1 ـ   


لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد ، هي التي ستكون جدتي،عندما وجدوا عمها الخصي مدقوقاً من عنقه على الحائط مثل صور الملوك، فأصبح شكهم أنها ستحتفظ بذاكرة نقية، يقيناً مؤكداً.

لعلها كانت كذلك، ذاكرة بلون الحليب لا تفرق بين شجرة وظلها عندما أحضرها أبوها من طرف الحدود الآخر ظهيرة صيف، ملفوفة كالقرنبيط بعباءة سوداء، خيوطها تلصف، و تغطيها كلها سوى من ثقبي عينين.
تركها عند عتبة دار الجد، قائلاً لهم: هي كابنتكم، أتركها بعهدتكم.
ثم اختفى . ولم تره بعد ذلك.


ـ 2 ـ   


لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد، وما كانت تفقه من ثرثراتهم غير نعم مرفقة بهزة رأس.
لكن جدي الأول قد قرر بسره أن يزوجها من أبنه البكر، الذي كان قد فهم الفرق بين أن يبول الرجل واقفاً ولا تستطيع المرأة إلا وهي مقرفصة.
آنذاك كان جدي الأول مستمراً بمهنة العائلة: تحنيط الجثث.
كان ابنه البكر يساعده ليلاً، ويحلم النهار بطوله، حتى بعد أن تزوج وأنجبت له من لا تعرف غير كلمة نعم أحد عشر بطناً، اختفى عشرة منهم وراء نداء كلاب شجيرات الخرنوب .
كان ذلك العام الذي تلى فيضان دجلة المائة، منذ طوفان زيو سودرا السومري.
لم تكن أجاثا كريستي قد ولدت بعد، لتزور ميزوبوتاميا برفقة زوجها الآثاري بنظارتيه البلاستيكيتين، لتكتب بعد حين روايتها جريمة في قطار الشرق السريع.
كانت كلمة سياسة تعني كل شيء إلا السياسة .

ـ3 ـ

لكنها احتفظت بصفاء ذهنها.
هي التي علقوا عمها المخصي من ذكره الذي لا يرتعش. ثم دقوه على الحائط كصور الملوك، من عنقه الرقيقة.
استطاع أبوها أن يخرج بها، الليلة ذاتها، دون أن يراه الحرس.
قال لهم: هي ابنتكم و افعلها معها ما تشاءون.
كان الحد الفاصل بين الدارين، خيط لا يُرى يسمونه الحدود، له علامة تميزه من التشينكو المزنجر كتب عليها: نهاية العالم.
عندما ماتت بعد أعوام ،وهي ما تزال لا تفقه غير كلمة نعم، لم تستطع أن تحقق حلمها بعبور الخط حتى الجهة الثانية. جهة دار الأب التي لا تبعد كثيراً. ولا بالطبع أسرت به أحداً، ذلك أنها لا تعرف غير هز الرأس بـ نعم، وليس لي علم بذلك لولا أنني أخمنه.
دقوا عنق أبيها على الحائط مثل عمها، عند الطرف الآخر، ولم يعلمها أحد.
ماتت أمها بعده كمداً وهي تلوك لقمة خبز يابسة، فغصت بها، فبهتت و مالت إلى الأرض.
هي التي لم تتورد حلمتاها بعد، تهز رأسها وتقول: نعم.
الكلمة الوحيدة التي تعرف. بينما استمر جدي بعمله في تحنيط الأجساد الطرية.
كان ما يزال أمامنا أربعة أعوام لتولد أجاثا كريستي.
و خمس وخمسون عاماً لتكتب روايتها: جريمة في قطار الشرق السريع.
في ذلك العام "... ابتلع الحوت قمرنا العالي".


ـ 4 ـ

ما أن توردت حلمتاها، هي التي جلبها أبوها ظهيرة صيف، حتى أحست بحليب اللوز يطفر منهما بغزارة غريبة، احتاجت معها لقمعين يشدان على نهديها بـتكة مطاطية حتى لا تلجأ لتبديل ثوب بعد آخر.
لم تعلم عجوز الدار سبباً له. قالت لهم: عليكم بتزويجها.
رغم إن جدي كان يعمل مساعداً لأبيه، في مهنة العائلة الوحيدة:تحنيط الجثث، و يحلم كل نهاره بسر العائلة المتوارث، إلا إنهما وجدا خلوة لتعارك الساقين و التفاف الساعد بالساعد، واندلاق بطن على الأخرى، وطقطقة الظهر بقوة النخير واتساع الأنف للشخير. فأنجبا عاماً وراء آخر، أحد عشر إبناً، عشرة أولاد مفلطحي الرؤوس بغزارة في شعر الوجه، و صبية عملاقة لم تكن بحاجة لسلم كي تقطف ثمر التوت أو تثقب أوكار الزنابير بعصاها المدببة،العصا نفسها التي تسوق بها أشقائها من طرف إلى آخر قبل أن تفترسهم كلاب شجيرات الخرنوب.
كل حبوب الخروع الشائكة التي يستخدمونها بتحنيط الجثث، كانت تجمعها البنت العملاقة بخضة جذع واحدة، لتدق وتنشر و تخلص من قشها وحشراتها، ثم تطحن و تخبأ في أواني تنكية يحتفظون بها في سرداب الجثث الطرية مع أعشاب و حقق دهون و خلطات عطور ونثار عظام حيوانات مفترسة، حملها لهم تجار طريق الحرير، عندما اختفى أسمه ولم تبق سوى بضائعه، التي تصلهم بطرق سرية لا يعلم بها أحد.


- 5 -

الآخرون الذين يلجئون لهم من جهات بعيدة ـ بعضها لم تكن لها أسماء تعرف بها ـ لم يكشفوا عن طرقهم السرية في الوصول.
أشخاص يحملون جثث آبائهم أو أبنائهم ـ إن كانوا سيئوا الحظ ـ على مطايا وبغال أكلها الهزال، يخبرونهم أنهم أتوا من بلاد أشجارها ملتفة لا تمكنهم من رؤية شمس أو التمتع بحرق أشعتها، ويتلفظون بأسمائها وكأنهم على وشك العطاس.
كلما اشتدت الحراسة عند لوح نهاية العالم، كانت البغال تزداد بحملها لجثث من بلدان بعيدة، يضعونها عند مدخل بيت الجد وهم يتأملون أن يجدوا قريباً قبراً لائقاً للجسد الذابل. لأنهم يرتضون بكل شيء سوى أن يدفنوا بعيداً عن هذه الأرض.
" نبتعد ونتشرد ولكن لنحصل على كرامة الرقاد في أرض مباركة "؛ يقولون.
يسمونها هكذا، بينما يهزون رؤوسهم وهم يؤكدون: هذه أمنية المرحوم و أمنيتنا أيضاً.
ثم يناولونهم كيساً تخشخش بجوفه دنانير فضية، ويرجونهم أن يحفظوا الجثة طرية في سرداب البيت حتى العام القادم.
العام القادم قد يطول إلى أعوام .
أحدهم عاد ليطالب بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً.

ـ 6 ـ

الذي عاد مطالباً بجثة أبيه، سيكون جدي هو الآخر.
لأنه سيتزوج بالعملاقة جدتي، بعد أن قطعوا لها كعبي قدميها الاثنتين، إذ تورمتا وهي تلبس حذاءين من طين مفخور.
لقد خشيت أن تكبر قدماها وهي نائمة، فصنعت من طين الأرض حذاءين ولبستهما.
جلست يوماً بأكمله تجففهما على حرارة الشمس.
لم تكن تعرف من الحياة غير مراقبة أخوتها الذين تفترسهم همهمة كلاب الخرنوب واحداً واحداً ما أن تلتفت إلى مكان آخر، أو أن تقيس طول قدميها المخيف.
افترست الكلاب حسيس أخوتها، و لم تشعر بقدميها تصغران حتى وهي تلبس حذائي الطين المفخور.
كان ذلك قبل أن يقف الهندي ذو العمامة الملونة بأحجارها المزيفة قرب دار الجد مطالباً بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً من حفظها طرية في سرداب البيت.
كان جدي قبلها بأيام من فقده آخر أولاده، قد قطع للعملاقة أبنته قدميها الاثنتين بفأس محمي.لأنها نامت والنار تأكل بلحمها، فانتفختا و سال دهن أصفر من مسامات الطين المفخور، له رائحة حيوان في سباته.
أنتزع قدميها الفخاريتين بضربة واحدة وسمع لصوتها تهشم إبريق.
صنع لها مقعداً خشبياً تتحرك عليه، بعجلات طين مفخور كذلك.

- 7 -

قال الهندي بكلمات مفككة: أبي... جثته... أريد!
ضحك جدي للمرة الأولى بعد فقده عشرة صبيان، وانتقلت اهتزازاته إلى أطراف الخط الوهمي للحدود، فتحرك لوح "نهاية العالم" بإيقاعات تشبه الأنين.
ولكن الهندي لم يشاركه الضحك، ولم يفهم سبباً له. بل كرر كلماته:
ـ الجثة...أبي...أريد.
لأنه لم يتعلم غيرها.
بحث الاثنان في سجلات الورق المحفوظة في صندوق الجد، واكتشفا إن سرداب جثة أبيه قد انطمر منذ أعوام عشرة وجرفه السيل حتى أطراف الذي ما زال يسمى بعد بالبحر. تناثرت الجثث الطرية وتفسخت في بحر البطيخ الأحمر. تربة بحر من البطيخ الأحمر.لأنهم استغلوا انحسار المياه الأبدي وزرعوا البحر من بدايته حتى دار الجد قرب سراديب الأجساد الطرية ببطيخ حلو. حيث جلس الهندي يتذوقه للمرة الأولى مندهشاً بأذان منتصبة، و نسي نثار أبيه.
أقنعه جدي أن يبقى ليساعده في مهنته.
بينما أشار الهندي إلى العملاقة بلا قدمين.
ولعله ابتسم هو الآخر.

ـ 8 ـ   


مهنة عائلتي بتحنيط الأجساد ليس لها تعريف في أي قاموس.
يسمونهم الناس (حفظة) دون أية إضافة.
الكل يرون بعائلتي أملهم الوحيد، حيث يحتفظون لهم بالجثث طرية حتى يستطيعوا يوماً الانزلاق عبر الحدود والدخول حتى بقعة الدفن.
أسم عائلتي لا يسقط عن أي لسان.
قرر جدي أخيراً بطبع أعلان يروج لمهنته و تصل شهرتهم حتى أطراف الصين.
كان ذلك الإعلان الأول في البلد، عندما دخلت أول مطبعة حديد بحروفها الثقيلة و بصقة حبرها الأسود الذي يترك أثراً لا ينمحي ، جاء في الإعلان بما يلي وسط الصفحة:
بسم الله وبه نستعين
إعلان عن تحنيط الأجساد الطرية
العبد الفقير إلى ربه يستجير برحمته لخدمة الناس المؤمنين على المعمورة.
عميد (الحفظة) وعائلته تستقدمكم لأفضل خدماتها في تحنيط الأجساد. حفظ أمين وخدمة سريعة في أفضل سراديب المنطقة، حتى يأذن الباري بوصولها للتربة الشريفة. فسارعوا دون إبطاء ..والجزاء من الله، إذ لا نرجو حمداً ولا شكورا.
وللناس النظر والدراية.
ملاحظة باللون الأحمر: الإتفاق على الأسعار بعد أخذ و رد بين الطرفين.
العميد و أبنائه
مؤرخة بهجرة سيدنا محمد من عام 1317
و بسنة سيدنا المسيح، الأولى من القرن العشرين .

ـ 9 ـ

كنت سأشك بوجود الإعلان المطبوع حقيقة، لولا أنني أطلعت ـ بعد أعوام طويلة ـ على نسخة منه في أرشيف محفوظات ديوان المقابر والدفن في بلدية المحافظة.
و أخبرني باحث مختص بشئون الدفن الوطني أن مدبج الإعلان ـ الذي كان مجهولاً في شبابه ـ سيعرف بعد أعوام بشاعر البلاط الملكي لولا أنه سينفي ذلك كله في مذكراته.
ليس الإعلان وحده سبب معرفة الناس بعائلتي،لأن سياسيو كلمة (سياسة) التي تعني كل شيء إلا سياسة، كانوا السبب بانتشار مهنة عائلتي.
حروب الحدود جعلت من جدي أميناً على الأجساد الطرية.
عائلتي تعرف أن لا أمل بوصول الجثث حيث يأمل الناس، إذ أن مكانها الوحيد في سراديبهم المنتظرة.
الوجوه تتغير ولكن السلطة واحدة.
عائلتي تكثر من زرع أشجار الخروع، وتزيد مساحات السراديب.
الأجساد الطرية، طرية تبقى للأبد بفضل سر خلطة الأعشاب.


ـ 10 ـ

ما أن يعلم جدي الأول أحد أبنائه مهنة العائلة الوحيدة: تحنيط الجثث، حتى يكون المساء قد أختطفه برفق ودون ضجيج من بين خشخشة شجيرات الخرنوب التي يسمعون بكلابها ولا يرونها.
يصر الجد حتى يكبر أحدهم، فيستعد ليشرح له أسرار الأجساد الطرية، واضعاً بحضنه أوراقاً صفر عليها خربشات قطط و رموز بلا نقاط وصور بهيئات تشبه الشياطين (التي سأراها بعد وقت طويل، تؤطر سقوف معابد و مزارات نائية).
لم يكن الذي يقرأ يفهم ما تعني، إن قلبت من اليمين إلى الشمال أو العكس، أو من أسفل إلى أعلى برأس منتصب على الدوام مثل الجندي.
لكن جدي كان يفكها حرفاً حرفاً بصبر ودون ملل، وهو يعلمها لأبنائه.
عندما ولدت أخيراً وكبرت واطلعت على دفتر الأوراق الصفر، فهمت إنها لم تكن غير مسامير ملمومة لبعضها البعض، ورأيت شروحها في كتب الآثاريين الذين يشبهون هيئة زوج أجاثا كريستي بنظارتيه البلاستيكيتين عندما سيحملها معه بعد سنين إلى ميزوبوتاميا التي ستكون قدرها بشكل وبآخر، ومن ثم و هي تفكر ـ جالسة عند رأس تمثال آشوري ـ بهرقل، مخبرها الذكي، وهو بمواجهة جريمة لا تفك حروفها كورق الدفتر الأصفر، على سطح قطار سريع في بقعة من شرق بعيد.
لكنها لن تصفق بكلتي يديها مثل الهندي، إذ سيقول: هذا أعرفه!
و سمعه كل من في الدار، كذلك مبتورة القدمين ـ زوجته ـ من حجرتها، ينطق بصفير يشبه هديل الفخاتي.
أحتضنه جدي، الذي لم يستطع أن يحتضن واحداً من أولاده، ولا يسمعه يردد ما قاله ذو العمامة بأحجارها المزيفة، وانطلق منتشياً حتى لوح نهاية العالم.
أراد جدي وللمرة الأولى أن يجرب مشروب البلد اللاذع ويقص على الهندي، كيف أن جداً آخر قد عاد بنصف وجه مأكول بالجدري، بعد أن شارك في حملة عسكرية، جندياً في قوات إمبراطورية الخروف الأبيض، ولم يحصل منها سوى على دفتر بورق مصفر تنبعث منه رائحة أعشاب غير معروفة مختلطة ببول حمير وعلى صفحته الأولى كُتِبَ ما يشبه لغزاً:
" لمن يستطيع..هذه أسرار حفظ الأجساد طرية "
بعد أيام ـ وهذا ما حكته لي أمي نقلاً عن آخرين ـ جلس جدي الأول و الهندي، جدي الآخر، يتبادلان القنينة و يثرثران الليل كله بصفير الفخاتي، وأضافت أن لا أصدق كل ما يحكيه لي الآخرون، لأنها هي نفسها لم تر دفتراً ولا خربشات قطط ولم تقرأ بعد عن جريمة كالتي تؤكدها زوجة ذو النظارتين البلاستيكيتين، ولا سمعت بوجود قطار شرق، و الأدهى من ذلك أن ينعت بالـ "..سريع.." !


ـ 11 ـ

يقول الجد، جدي (الذي هو الهندي الآن) بأن الجثة وإن وصلت إلينا تزكم برائحتها الأنوف وتحيل الزرع إلى يباب والريح إلى كارثة، فهي بوصفة تطرية الأجساد في أوراق الدفتر المنقوع ببول الحمير، تعود إليها نضارتها.
لذا تصطف الأيادي واحدة إلى جانب الأخرى بشريط طويل، وعندما تنطلق صرخة أصغر الأولاد، يتنهد الهندي ويتبعه الآخرون، والنساء صبايا وعجائز بتطويل الحروف، فيبتدئ الاهتزاز.
الأجساد وكأنها أوراق خريف، تنتفض، وكلما أشتد انتفاضها، سقطت كرات الخروع.
كانت جدتي بلا قدمين أول من ابتدع الفكرة، ولكنها الآن من عربتها الطينية تراقب وتطيل الحروف كذلك.أحياناً تنسى فراغ قدميها فتقف على جذعها المقصوص وتدفع جذع الشجرة الصحيح بهزة لا يستطيعها زوجها نفسه.
في الليل، ينام الجميع، إلا منْ ينتظره موعد جثة طرية.

- 12 -
كان الهندي وأكبر الأبناء يحتضنان الجسد وينزلان به السرداب، ثم يغلقان بابه.
يغسلان الجسد بماء يغرفانه من حفرة عميقة، ثم يطشان أملاح الحقق و زهراته السود المجهولة، وبعد حين يغلفان الجسد بورق نشاف لا أرق منه، ويصبان قطرة قطرة من دهن تجار طريق الحرير المخبأ بأوعية فخارية مخلوطاً بنثار عظام حيوانات (يقال!) منقرضة.
عندما يقرب الفجر، يحمل الهندي كيس دقيق الخروع ويبدأ بنثره على الجسد وهو يردد كلمات الدفتر المبهمة، صفير الفخاتي ذاك، و ينفخ طويلاً .
يراقب الابن سيلان حليب الجسد على منصة الخشب، ويقترب من أبيه ليسندا الوجه الذي يبتدئ بالانتفاخ والتلون والتدوير، حتى تكتسب قسماته شكلاً آخر، العين لمعتها والفم انفراجته والعروق امتلائها.
يظن الابن إن الجسد يعود مثل هيئته لولا أنه ينتظر بلا جدوى أن يراه يسير.
لكنه لا يسير، شبيه بشمع يلمع.
يكتب الهندي على ورقة أسم الجسد الطري، ويحدد بقعة انتظاره في حفرة لها هيئة باب. ثم يحفظها في سجل الكارتون، مربوطة بشريط يشد عقدته بنفسه.

- 13 -
يعتقد الهندي، نقلاً عن جدي، عن جدي الأول،عن أبيه،عن جده،عن سر العائلة، عن دفتر الورق المصفر بأن تطرية الأجساد النائمة لا يكون لائقاً بصورة جماعية. لذا ينتخبون جسد كل ليلة مغمضي العيون.
كان الجدول يضم قائمة طويلة من الأجساد التي تنتظر دورها. بينما عملهما لا ينتهي.
كانت قوافل البغال و الرحلات الفردية على حمير أو سيراً على الأقدام لأناس من مسافات طويلة تتوقف عند سراديبهم.وكل ليلة ينقل جدي وأبنائه جسداً جديداً.
يفقدون طعم النوم ولا يحلمون سوى بأجساد تطير وتحط عند رؤوسهم، بينما الدنانير الفضية التي يدفعها الغرباء، تخشخش في علائق الوبر التي بمثابة صناديق توفير.
بعد أعوام امتلاء الجيوب بالفضة، يحمل الهندي فأسه حتى الخط الوهمي ويقرر أن يسيج البحر.


ـ 14 ـ

البحر بلا ماء يُرى من بعيد محاطاً بأعمدة خشبية، لها علامات تحمل أرقام الأجساد النائمة في سراديب العائلة، و تنتشر كدروب سرية.
لكنهم تركوا بقعة البطيخ الأحمر كما هي،لأن الهندي قد أدمن أكله.
حارس الحدود الذي لا يعلم شيئاً عن سراديب الأجساد الطرية حتى بعد أن يبدلونه برجل شعره أحمر وينطق القاف غيناً مشروخة.
يحمل خيطاً أحمر على كتفه ويسمي نفسه مراقب حدود.
الحدود التي هي البحر بلا ماء؛
البحر الذي هو السراديب؛
والسراديب التي هي منامات الأجساد الطرية؛
الأجساد الطرية التي تترقب أن تنزلق بين أسياخ الحديد التي تحيط لوح نهاية العالم، أو من عيون المراقبين، كي تدفن أخيراً بقبر لائق.
مراقب الحدود بكتافيته الحمراء لصق على لوح نهاية العالم ورقة تعليمات جديدة، و أخبرهم عن شيء يتألف من ستة حروف: ك ـ و ـ ل ـ ي ـ ر ـ ا.
ثم تركها بينهم طليقة دون أن يوصلها بسلك.

ـ 15 ـ

تخطيط الهندي لمدينة أجساد طرية، تحول إلى وهم.
نزع الأبناء سياج البحر وجلسوا قرب الأم ينتظرون عودة أبيهم من نومته المفاجئة بلا جدوى.
أغلق مراقب الحدود حدوده. ووزع رجاله يشرحون معنى الأحرف الستة.
عادت القوافل إلى أهلها دون أمل باجتياز الخط الوهمي، وهجر الجوالة مهنة تحميل الجثث على مطايا وبغال، وبدءوا يلوكون "الكوليرا" وكأنها حقيقة كل شيء.
أغلق الأبناء بوابة السرداب الكبيرة خوفاً من وباء الأحرف الستة، و بحثوا عن كنوز مطمورة في بحر البطيخ الأحمر، أو عن باخرة تصل بمعجزة وتقلهم حتى بحر حقيقي.

- 16 -

إلا أنهم عادوا لاستخدام السرداب مرة أخرى. ذلك كان عقد ابتكار الملاجئ.
إذ ماتت جدتي التي لا تفقه غير نعم مصحوبة بهزة رأس، وهي مختبئة تحت طست غسيل الملابس من الصِفر الثقيل.
عندما وصل البريطانيون (يدعونهم بالإنكريز)، لم يجدوا أفضل وسيلة بالوصول بسرعة من عربات حديد طائرة تقذف بعساكرهم و قنابلهم الثقيلة.
ما أن تمر عربة تطير وتصل سطوح بيوتهم الواطئة " تكاد تمس شعفات الرأس" يؤكدون؛ حتى يركضون إلى السرداب، بينما تلجأ هي بخفة إلى مخبأ طستها.
ليلة ما نامت ونسيها الآخرون. وجدها جدي مع الغبش، غافية إلى الأبد تحت الطست تصك على ثوبها بأسنانها، متكورة على بطنها، وفزعة العينين.
لم يفكروا بتحنيط جسدها.
دفنوها تحت البحر بلا ماء، قرب لوح نهاية العالم الذي تحول إلى مركز لتعليمات مراقب الحدود.
البحر ذاته الذي يفصلها عن بيت أبيها، ولم تعرف أن تقطعه.
حاولوا أن يغسلوها، لكنهم لم يستطيعوا تخليص الثوب من جسدها كأنه تيبس والتصق بجلدها، فدفنوها به.

جدي لا أعلم عن موته شيئاً.
فالحكايات دائماً ما تصل ناقصة.أغلب الأحيان غامضة، أو بسيطة إلى درجة ينسون أحدنا معلقاً بالحياة.أغلب الظن إن جسده في حفرة ما،لأنهم اشتبهوا به و جثة أخرى كان يحلو له أن يتبادل الدور معها لكثرة ما أمضى وقته بتطريتها، حتى أنهم سمعوه يحادثها الليل بطوله.


- 17 ـ

أشك بالأحداث، ولكنها وحدها الباقية لي.
لذا علي التصديق بأنني آخر نسل لجدة مقصوصة القدمين ورجل هندي جاء يبحث عن نثار أبيه وبقي مقتنعاً بلذة بطيخ أحمر. تركا أبناءً ماتوا أو سافروا أو أكلتهم كلاب الخرنوب من جديد: لم يبق منهم غير ثلاثة.
عم يفتتح صباحه قرب البحر بلا ماء يحلم بالطيران .
عمة لا تهز الرأس فحسب مثل الجدة، بل تفزع الصمت وهي تجلس بلا نفس ولا نأمة فتظنها نائمة أو ميتة لولا أنها قانعة لا تتحرك عن مكانها إلا بوصول أغراب أو قوافل بغال جديدة.
والأخير أبي. هو الوحيد الذي أقتنع بحروف دفتر منقوع ببول حمير.
فمضى ليفتح باب السرداب وسافر يخبر الناس خلف الحدود .
لم يصل الإنكليز بطائرات فقط. بل صنعوا سكك حديد طويلة، قال بعضهم أنها تقلك من بغداد حتى لندن بغمضة عين. وهي العين نفسها التي فقدها عمي عندما راهن على إيقاف القاطرة برأسه. فخلعت له عين بسلك ناعم يبرز من مقدمتها وتركته يرى الناس أنصافاً فحسب. لكنه لم ينته من حلمه بالطيران.
أقنعه أبي أن يساعده في عمله.
فمضيا بعيداً بلا طيران يجمعان الجثث.


ـ 18 ـ

الحروب والمعارك عند الحدود في تزايد.
الموت الحقيقة الوحيدة عند لوح نهاية العالم.
لذا فكر أبي و أقنع عمي بمشروع قافلة نقل الأجساد الغافية.
جلسا وسط الأسواق والحقول يسردان تاريخ العائلة. يستخرجان ورقة إعلان المطبعة العتيق، ويتكلمان اليوم بأكمله عن تطرية الأجساد قرب البحر بلا ماء قبل أن يصل صاحب الكتافية الحمراء ليمنعهم بحجة ستة حروف هشة.
أقنعوا الكثير، هناك، أبعد من لوح نهاية العالم. وعاد الناس لذكر سراديب الأجساد، وذرفوا دموعهم أخيراً. كان بحر الأجساد النائمة ملاذهم الوحيد، أملاً أن يتمكنوا بعد ذلك من إيجاد قبر يليق بأهاليهم، "في تربة مباركة" يقولون ذلك ويتأوهون.
تحدثوا طويلاً وأنتشر الخبر من مدينة لأخرى.
حدثهم أبي وعمي عن شرف تطرية الجثث حتى تسلم للحدها، ولم يعد أحد للحديث عن رغبة أو خوف من حروف المراقب المميتة.

كان أبي حريصاً على أن يستقبل ولادة أبنائه بنفسه. يعود برفقة قافلة الجثث، تماماً قبل موعد الولادة.
يمنحهم أسمائهم ما أن يسمع صرختهم الأولى.
بين رحلة وأخرى حضر عشر صرخات طرية، بينما السراديب تمتلئ ببطاقات أجساد طرية هي الأخرى.

- 19 -

قبل أن أطلق صرختي الأولى في الحياة (الأحرى بالقول صمتي، لأنني سقطت صامتاً بعينين قلقتين)، غاب أبي برفقة عمي سنة كاملة، فولدتني أمي لوحدها، مراقبة بنظرات المحتضرة، جدتي مقصوصة القدمين.
قالت بسرها (أسميك وحيد) ـ أخبرتني بذلك قبل يوم من هروبي ـ كانت تحس بأنها وحيدة دائماً، هجرت أرضها دون دليل، ومات أهلها أثر هجوم جيشين متقاتلين، راحت قريتها ضحية النار. النار تركتها وحدها وسط أرض من رماد.
سيتجاهل أبي بعد عودته ما اقترحته أمي أسماً لي.
لكن تعويضاً عن غيابه قرر أن لا يسافر لعامين كاملين، وبقي يراقبني أنمو.
ظن بي أمله الوحيد بعد خيبته بالجميع، فأقام سنيناً بعد ذلك حارساً لبحر الأجساد، هي سنوات تعليمي أسرار مهنة العائلة.
ترك لعمي قيادة القافلة حيث أصبح غيابه عنا معتاداً.

نشرت صحف العالم آنذاك خبر موت زوج أجاثا كريستي الذي دفنوه بنظارتيه البلاستيكيتين، وقالوا أن آخر كلمة نطقها (ميزوبوتاميا) مختلطة بحشرجات هروب الروح.
كان لا بد لهم أن يصبروا طويلاً على موته لأنه كان ينطق الكلمة ببطء، فبدت لهم إضافة لغموضها، كلمة لا تنتهي أبداً .
هرقل، مخبر أجاثا كريستي العتيد، سيكشف بعد حين سر جريمة قطار الشرق السريع قبل أن يغادر دجلة حتى ضفاف النيل، مجازفاً بحياته أملاً بجلد تمساح حقيقي.

ـ 20 ـ

سيصاب أبي بالهلع عندما يكتشف خوفي من السردايب.
أعني الاقتراب من الأجساد الطرية.
يصبر على مرافقتي. يعلمني أن الموت لصيق بالعائلة، ولا شيء يجعلنا نهرب منه.
ثم يسحبني ليلاً من الفراش بعينين مغمضتين تماماً ويأمرني أن أساعده بتطرية جسد.
خوفي من أبي أكثر من الجثث، فأمضي معه بما يريد.
ما أن ننتهي حتى يلمح ثيابي مبللة، ورعشة شديدة تهز جسدي بلا فكاك.
المرة الأخيرة لم أنهض من الفراش لأشهر ثلاثة.
حزن أبي وظن أنني سأموت.
لكنني عدت للحياة وإلا فمن سيقص تاريخ العائلة كما أفعل الآن.
نفض أبي يديه عني وفكر أن سر الدفتر المنقوع ببول الحمير لن يكشفه أحد بعد موته، فلا وريث آخر يأتي. أبنائه و أنا آخرهم كنا نحلم بكل شيء إلا بأسرار تحنيط الجثث. كانت رغبتنا بالهرب من أرض البحر بلا بحر، كبيرة.
بقي أمله الوحيد بأبناء عمي الذين لن يأتون أبداً، ذلك أن عمي سيقع صريعاً بعشق فتاة لا تلتفت له يسميها (صَبحة) ويشير لوجهة الشمس بإصبع راجفة.


ـ 21 ـ

نسي عمي حلمه بالطيران ولو لفترة.
أكلت صبحة عليه أحلامه، فلم يعد ينام إلا ساعة أو دقائق متقطعة يقضيها كذلك حالماً برغبة الاقتراب منها.
ساعات اليوم الأخرى، يجلس فيها عند ناصية السوق، وكرسيه كبوصلة موجهاً مؤشرها ناحية بائعة اللبن، صبحة.
آنذاك سمعت المدينة بالحكاية، وبدوران عمي في الأزقة وهو يردد أبيات قصيدة طويلة كتبها تأكيداً لهيامه، تبتدئ هكذا:
من تطب للسوك صبحة صابت الدلال فرحة
جيت اعاملهه بفرحة غطت (الروبه) بطبكها

والشبكهه عون حظه خدهه جن لمعة الفضة
واطلب من إصبيحه عظة داده خي عون الشبكهه

حتى ينهيها مناجياً:
يا عمامي اخذوهه ليّه النار والجنة بفركهه

ادعى بعد حين صاحب "المجرشة" ملا عبود الكرخي وشاعر فحل آخر يدعى زاير الدويك أنهما ألفاها سوية بناء على طلب من عمي بعد أن دفع لهما رزمة من الدنانير.
المصدر الوحيد الذي يشير إلى أن عمي صاحب مطولة (صبحة) هو كتاب" منتخب من شعر شعراء بغداد والفرات الأوسط" للحاج طهماز البجيعي الذي أحترق ـ الكتاب وليس الحاج ـ في محرقة السوق الكبير عندما أعلنت شرطة الولاية حالة طوارئ أثر مقتل حاكمها، فضاع الأثر الوحيد الذي يثبت نسبة القصيدة لعمي.
لم يكن عمي مهتماً بحقوق التأليف آنذاك، لأن أمله الوحيد أن ترضى عنه صبحة بعد سماعها القصيدة.
فما أن جاء الصبح حتى كان عمي منتصباً كالعمود أمامها.
عين دامية من كثرة السهر، وأخرى ميتة من طعنة سلك القطار، لم تفقداه ابتسامته.
بيدين مرتعشتين ورأس مطأطئ لفظ تحيته بلهفة وتوجس:
ـ صبحك بالخير صبحة!


- 22 -  


صبحة عشقها كل من رآها.
يقال أن الزعيم بشاربه المحفوف قد طلب ودها عندما مر بالسوق في زيارة رسمية، لكنها لم تلتفت لمقامه ولا لسحر موكبه.
سوادها الذي يغطيها كشف عن بياض وجهها و يديها. لها محيا شبهه البعض بالقيمر أو ببياض لبنها.
كانت تحمل كل أوصاف الجمال العربي في قصائد الغزل المعروفة في كتب التراث، فهي تمتلك حسب الأبيات الأخرى لقصيدة عمي: رقبة ناقة، حاجبان مزججان، خدان متوردان، أسنان كاللؤلؤ، نهدان منتصبان كرمانتين وفم مدور كالخاتم، قوامها كوردة ملفوفة بورقها أو كحورية بحر تهف لها قلوب النساء والرجال إذا ما خط ثوبها وجه الريح.
كانت تبيع لبنها دون مرجوع، لأن الجميع يشتري طمعاً بمكالمتها و التمتع بحسنها حتى وإن كانت هي لا ترد ولا تفطن لهم.
تحدثت عجائز المدينة عن الجن وكل ليلة كانت أزقة المدينة وبيوتها تتضوع بروائح البخور وأعشاب البّر طرداً للأرواح الشريرة و خنق الرغبة.
أحتضن قلب عمي خيال صبحة الذي لا تفارقه صورتها حتى لو لم تميز عينه السليمة الطريق بسبب الدخان الذي أحال المدينة مستنقعاً ضبابي.


- 23-


أنا شخصياً لأكمل أدوات حكايتي التي أرغب أن تكون بهذا الترتيب، بحثت عن آثار صبحة واقتنعت أنني عثرت عليها في صورة لشابة قروية رضيت أن يصورها المصور التركماني أوهانسيان، ونسخ عنها الكثير بهيئة بطاقات بريدية، حصلت على واحدة منها بعد بحث طويل في سوق الوراقين، وقال لي البائع:
ـ هذه تسمى (بنت المعيدي) التي هام بها الجميع، واختطفها ضابط إنكليزي شحنها إلى لندن برفقة ألواح سومرية عديدة على متن قطار الشرق السريع، ويقال أنها لم تتحمل البعد فماتت من الشوق والغربة وإن بنى لها الإنكليزي قصراً يشبه الجنة.
أما أنا هززت رأسي كي لا أعارض حكاية الوراق التي لم تربك قناعتي بأنها هي صبحة التي عشقها عمي حتى وإن كنت أفتقد لقِدر اللبن كدليل قاطع.

ـ 24 ـ


استيقظت المدينة على رائحة لبن صبحة الذي انكفأ على الأرض وغسل السوق، وأستغله الأطفال فرصة للتزحلق بلا رادع، بينما الريح لا تنقل غير الإشاعات البرقية التي يغسل بها الناس أفواههم.
غادر عمي المدينة بقلب منكسر وملابس منقعة باللبن قبل أن يسمعهم يصيغون حكاية صفعة قدر لبن صبحة على رأسه بأهزوجة هازئة مطلعها:
(دربك يا لبن مزلاق من يوم الهِوى الأعور)

بينما راح الأعور، عمي، يمضي حتى قرى أخيرة وليس أمامه غير السراب، فكان يسعى لملامسته وكأنه صبحة أيضاً، غير أن وقعة قدر اللبن تعيده للحزن مرة أخرى.
وصل عمي آخر قرية هارباً من أهزوجة اللبن، قبل أن ينتظر قدوم الليل ليغافل الحرس ماراً بقافلته المحملة بأكثر من أربعين جثة.
قرر أن يبات في أول نزل يجده بطريقه.


ـ 25 ـ

إذا ما تركت عمي في نزله، آخر محطة قبل أن يصل لوح نهاية العالم، أكون عندها قد طفرت و جازفت بالكشف عن سر خوفي من الأجساد الطرية الذي لم أتكلم عنه صراحة، كما أكون قد قدمت بموضع الحديث والذي يجب أن أتبعه بإخلاص كأي قاص واقعي .
لذا علي أن أقول: يصمت أبي عند أطلال سراديبه ويفكر أنني مازلت صغيراً. فيتركني ويغيب حتى البحر بلا ماء (سيقنع نفسه بوضع كتيب لشرح تعويذة هديل الحمام )، تاركاً البيت يجر نغمة حزنه بانتظار انقطاع نفس جدتي مقطوعة القدمين ـ لأنها تحتضر منذ يوم ولادتي ـ وهي تمسك بيد أمي، تتناجيان بلغة جديدة لأنهما لم تتحدثا أبداً الواحدة للأخرى سوى الآن، فقالت جدتي لأمي:
ـ أخشى على الأولاد من كلاب الخرنوب، اطردي الكلاب يا وحيدة.. اطرديها.
الوحيدة لم تعرف كيف تجيب، فبكت طويلاً على وحدتها.
أما أبي فبكى خيبته بي. أنا آخر نسله.

ـ 26 ـ

عمي الذي تركناه في النزل لم يعرف بموت أمه بالطبع، ولم يستطع إغماض عين تلك الليلة، ليس بسبب خيال صبحة وحسب، بل لأن رفيق حجرته كان حكواتياً ـ سيظنه مدعياً كذاباً ـ لم ينقطع لسانه عن سرد حكايات غريبة.
حكى له عن زياراته لجزر حيث النساء يحكمن على الرجال، وعن بلدان تتكلم فيها أسماك أنهارها بأصوات إنسانية، وعن عفاريت القرى المهجورة التي تكبلك بالريح، وعن الجواري اللاتي سقطن من السماء مع المطر، وعن كنوز كسرى التي أستخرجها صياد فقير فأشترى بها بيوت مدينته وتوج نفسه والياً عليهم، وعن.. أغرب ما سمعه عن لسانه هي تنبؤاته التي يتحدث عنها وكأنها ستحدث اليوم التالي. كان يقص عن خروج منقذ يساوي الجميع بالجميع والكل مثل الكل، وليس لهذا بعد حين سوى أن يتسلح الفرسان من جديد ويجوبون العالم بحثاً عنه فيتبعونه.
لسانه الذي لا يكل عن سرد الحكايات ترك عمي هامداً في فراشه قريب الفجر، غارقاً ببحر من لبن، أسماكه بهيئة وجه صبحة.
أخبر الحكواتي عمي قبل أن ينام بأنه سيسهر على حراسة القافلة.
وهكذا أعتمد نفسه بنفسه مساعداً لعمي.

ـ 27 ـ

بينما نام عمي غارقاً بكوابيس انزلاقاته على بحر من لبن، كان الحكواتي قد قرر أن يجهز نفسه بهراوة و جبة ثقيلة ويقوم ليحرس بوابة النزل خشية مداهمة اللصوص.
في اللحظة التي نسي حراسته وسهى مع نفسه بخيوط حكاية يصيغها كي يحكيها صباح اليوم التالي، التهمت جذوة شعلة الفانوس تبن الإسطبل وامتدت بلسانها حتى خيط الأجساد المصفوفة بعناية، بقطعها الكرتونية المرقمة من 1 حتى 40 قرب البغال المنهكة.
لم ينتبه الحارس لأنه كان يحاور نفسه عن الطريقة الأفضل لخروج مصلحي العالم إن كان بهيئة فرسان أم بأردية المتصوفة، ولم يستيقظ مَنْ في النزل حتى اخترقت رائحة الشواء فتحات أنوفهم.
طوال الفجر حتى الظهر أنشغل الجميع بإطفاء الحريق، ومع ذلك لم يسلم جسد وحيد دون أن يتحول إلى سماد مختلط ببقايا البغال ومتناثراً هنا وهناك مع الريح.
بكى عمي وسط النزل دون أن يفهم بكائه أحد فظنوه يبكي تجارته، لكنه بكى صبحة للمرة الأولى، لأنه شعر (و يا للحسرة) بأنه قد فقدها للأبد.
عاد عمي حتى لوح نهاية العالم مفكراً بما سيقوله لأبي.
لكن تفسيرات الحكواتي لم تترك له مجال صياغة حكاية مقنعة، ذلك أنه تبعه كظله دون يطلب منه ذلك أو يستطيع منعه.
كان الحكواتي بملابس الحراسة وعصاه الغليظة مسخماً كأنه زنجي حقيقي.
يمد ساقيه على وسعهما كي يلحق بعمي.
لكن عمي كان قد فقد صلته بالعالم منذ أن أيقظته طقطقات حطب الحريق.

ـ 28 ـ

عن ذلك الحادث، سيكتب المؤرخ علي الوردي بعد زمن، في صفحة 155 من الجزء الثالث من كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث":
" بأن حادثة احتراق الجثث الأربعين، كانت معروفة في المنطقة ورددها الشيوخ في مجالسهم الليلية، وسببها أن قائد القافلة تركها في العراء وذهب وراء تلميحات امرأة نصرانية تعيش منقطعة عن الناس، فبينما كان نائماً في فراشها، يشرب من خمرها ويأكل من لحم الحلوف المقدد، كانت شرارة صاعقة ربانية أو جمرة أحد الخبثاء أو شعلة مهملة قد أتت على الأجساد الغافية والبغال، و لم يستطع الناس الفكاك من رائحة الشواء لمدة شهر أو يزيد ..".
لا أشك بما نقله علي الوردي، غير أن شغف عمي بـ (صبحة) يجعلني أحيل روايته إلى الخيال والإشاعة أكثر منها إلى الواقع.
أكثر استغرابي أنه لم يأت على ذكر أسم عائلتي الشهير ولا فقد عمي لعينه بحادثة قطار ولا عشقه لبائعة اللبن، كما أنه لم يأت على ذكر حكواتي يحلم بتغيير العالم، ويتبع عمي برحلة عودته وكأنه خياله.

ـ29 ـ

ما أن وصلا لوح نهاية العالم، حتى أتجه عمي إلى أحد سراديب الأجساد الطرية وأغلق بوابته بحجر ثقيل، تاركاً تابعه الزنجي وحيداً تحيطه أشجار الخروع كدائرة.
لم يشعر بوصولهما أحد حتى سمعوا ضجة صاخبة وكأن السراديب تنهار أو أن الأجساد الطرية قد قامت من رقادها.
ركض الجميع وقبل أن يصلوا البوابة فاجأهم الزنجي واقفاً وكأنه شبح.
صرخ الأطفال والنساء مرعوبين ولم يحضر الأب.
ما أن بدأ يحكي لهم بلسانه المدرب يحاول تهدئتهم حتى هربوا مختبئين إلى حجراتهم إلا عمتي التي لم تأت بحركة.
ببساطة لم تختبئ.
اقتربت ببطئها المعهود حيث الحكواتي وأخرجت سبابتها من ردن ثوبها الطويل، لعقتها بلعابها و خطت بها وجه الزنجي.
فعاد لها أسود تماماً.
ضحكت وكأنها تعرفت على خدعة انجلاء السواد إلى بياض ناصع.
عمي لم يضحك عندما أخرجه أبي برفقة أخوتي بعد حين، منهاراً بين الأجساد الطرية.
سمعوه طوال الليل يتنهد بأنه لم يرجع لهم سوى بـ"الـهباء"، فلا قافلة بعد اليوم ولا سراديب تكتظ بالأجساد.
التفت الجميع إلى الحكواتي ظناً منهم بأن إشارة العم تعنيه، بينما كان هو متحجراً أمام عمتي، مشرعاً وجهه للعبة إصبعها المبلول.


ـ 30 ـ

اقتنع أبي أن مهنة العائلة قد بارت.
و وجد في فكرته بترجمة دفتر الورق المنقوع ببول الحمير إلى لغة مفهومة أكثر إلحاحاً اليوم من الغد. فمضى بعزلته ليل نهار لتحقيق ما يعتقد بأنه سيحفظ سر العائلة المتوارث.
بقي عمي أشهراً لا مهدئ له غير أبيات قصيدة صبحة، مرجئاً عودته لرؤيتها حتى يغافل الجميع، ذلك أنهم ربطوه بحبال غليظة إلى سريره وأغلقوا عليه غرفته بعد أن وجدوه لا يجيب على تساؤلاتهم سوى بجملة مرتبكة، لا مغزى لها بنظرهم، تقول: " من تطب للسوق صبحة".


ـ 31 ـ

فكرتْ عمتي أن صنيعها بكشف السواد عن وجه الزنجي الغريب إلى بياض سيحتاج منها سنين طوال، لذا قررت مرافقته في رحلته ما أن فاتحها بالأمر.
أبي لم يفكر مرتين.
هز رأسه و طلب من أمي تجهيزها بخرج عريض تملأه بما تبقى من دنانير فضية.
لكنها لن تحتاج لشيء آخر غير وجه الحكواتي، وهو الذي عثر على منْ يستمع له أخيراً.
فقال لها: سأحملك حتى بغداد، ستندهشين لرؤية قطار الشرق السريع.
لكنني أفكر الآن كما سيفكر من يسمع بها حتماً بأنهما لم يعثرا على القطار ولا أجاثا كريستي التي هجرته في روايتها تلك ما أن عثر مخبرها الذكي هرقل على مفتاح لغز الجريمة، كما أن التماثيل الأخرى لأجنحة و بوابات و رؤوس، كانت قد سرقت أو اختفت في صناديق آثاريين من طينة زوجها المتوفى.
لن يكون بوسع الحكواتي حملها حتى النيل، لكن قصصه تناسلت بما يرضيها تماماً فاكتفت منه بذلك قبل أن تعود بعد خمسة عشر عاماً، إثر فالج أخرسه قبل أن يكمل حلمه بإصلاح العالم، فأخبرتني أمي تكشف سراً ـ تتداوله نساء الحدود في اجتماعاتهن السرية ـ و تطالبني بحفظه، قالت لي:
ـ عمتك عادت لنا كما خلقها ربها.. صدقني كما أقول لك.. عذراء ظلت حتى يومها الأخير.


ـ 32 ـ

عادت عمتي إلى صمتها، مراقبة بوابة السراديب دون أن تأمل بعد بزنجي آخر ولا صدفة كحريق النزل يحركها من قعدتها.
لكن عمي لم يقتنع بجلوسه محبوساً.
اكتشفوا فراغ حجرته بعد يومين من هروبه، ولكن لا أحد تشجع لتتبع أثره.
طلب أبي أن لا يزعجه أحد حتى ينتهي من ترجمة الدفتر المنقوع ببول الحمير.
أخوتي الأكبر ـ أو من بقي منهم ـ تركوا الأمر بيد القدر، و يهزون أيديهم بمثابة جواب مقنع.
لكن الأقاويل وإن رددتها غرف البيوت المغلقة أو تحت أغطية الأسرة الوثيرة، فإنها ستطير ـ اليوم أو بعد أعوام ـ خفيفة حتى مسامعنا.
خفيفة تماماً كطيران العم عندما أختار سطح أعلى بناية مجاورة للسوق وحلق عالياً فوق المدينة، ماراً بشوارعها ومقاهيها وخاناتها وأسواقها، قبل أن يحط بسرعة خارقة فوق قِدر لبن مَنْ ظن بها (صبحة).
لكن صبحة لم تكن هناك طبعاً، ولم تفكر بانتظاره.
تكسرت أجنحته و كشف الناس عن وجهه فراقبوا شفته المتحركة وكأنها تردد تعويذة سرية.
لم يستطيعوا عمل شيء أمام انزلاق الجسد على حصى السوق، فسرير لبن صبحة حمله بقدرة انسياب الجادة أو سحر سحرة.
لم يتعرف أحد على صاحب الأجنحة المتكسرة، ونسي شيوخ السوق وجه قائد قافلة الأجساد الطرية بعينه الكريمة، لكن المدينة مازالت تكرر قصيدة (صبحة) إلى اليوم ويشتهون مثله " عضة من شفتيها".


ـ 33 ـ

اختفت آثار عمي عنا، ولم نستطع شغل مكانه المحجوز، لأن أبي ظل يعتقد بعودته المنتظرة " أقول لكم سيظهر.. إن لم يكن اليوم، فغداً..".
أنا لم أعرف شيئاً عن طيرانه إلا بعد أعوام، عندما غادرت لوح نهاية العالم وعشت في العاصمة لفترة. الصدفة قادتني لتأمل صورته ممدداً على الرصيف في إحدى الصحف القديمة وأنا أراجع أرشيفها في المكتبة الوطنية لكتابة موضوع عن الحوادث الغريبة كلفتني به مجلة تهتم بالجريمة والمجتمع، إذ عملت لفترة صحافياً أو ما ينعتونني به أصحابي "جابي قصص".
كانت شفته المتحركة بسره المعلن ـ في الصورة ـ أكثر وضوحاً من وجهه المرتاح، كأنه كان مهتماً بإقناع من يتمعن فيها بأن مهمته قد تمت بأحسن شكل.

ـ 34 ـ

لم أخبر أحداً باكتشافي بالطبع، ولا عن زيارتي لقبر عمي ـ أعني المقبرة الجماعية لمجهولي الهوية ـ وما عاودتها مرة أخرى.
لا بد أن طيران عمي دخل كتاب غينيس ذلك العام، لا شك بذلك، إذ أن رؤية صورته لمن يشعر برغبة الاقتراب من مأساته أو يفهمها قليلاً أو لإقناع هواة التحليق الذين يفكرون بأنها حكاية مستحيلة وأنها ليست سوى حيلة روائية لا غير ابتكرها كي أتخلص من خيط السرد في حكاية عمي.
لا أحد يصدقني وأنا أسرد تاريخ عائلتي، فلو كنت كاتباً كأجاثا كريستي لأقتنع الآخرون بخرافاتي.
لكنني لا أدعى أجاثا، ولا أحمل لقب كريستي!


ـ 35 ـ

أحياناً أفكر أن أنشد بفرح، كما تقول تلك الأغنية، فلا أجد في رأسي غير نداء نساء العائلة وإن كانت ملامحهن في بالي بما يشبه رغبة الاقتراب من البحر.. آه من البحر. لأحلم ببحر حقيقي لعله سيأتي لي بتاريخ عائلة أفضل مما أعرف.
ليس لي أسرار هنا، فالهرب أصبح حلمي الوحيد، لمساً لبحر لعله يذكرني بما يجعلني أنشد بفرح كما تلك الأغنية التي رددها الجميع تلك الأعوام، ولكي أعتقكم من سماع الأنين.
أعرف أنني أكرر، لأنني ألف من مكان لآخر وأعود حيث أنا.
قرب لوح نهاية العالم هربت خوفاً من السراديب( متجاهلاً رغبة أبي بتدريبي على الشجاعة بمواجهة الأجساد الطرية)، لأتقابل في العاصمة بخوف الحروب (أو هي الكلاب ذاتها) التي تناهبت ظلال أخوتي وتركض الآن خلفي.
فأهرب مجدداً.


ـ 36 ـ

حرب جديدة ـ لأنها جديدة دائماً! ـ هزت البلد فأخرجت أبي من حجرة عزلته ومن ترجمة دفتر حفظ الأجساد طرية.
بحث عني طويلاً ولم يسعفه أخوتي بجواب شافي، ذكروا له أشياء عن العاصمة، الصحافة، القصص التي لا نفع فيها، وحكايات أخرى سمعوها أو ألفوها طالما تحجرت أذهاننا في اللحظات التي لا نفع لرأس ولا ذاكرة ولا ذكاء، فقط الاختفاء أو الانتحال مخافة أي شيء، مخافة كل شيء.
حقيقة الأمر أنني لم أعد لرؤية أبي، فأظنه كل لحظات تفكيري بمصيره، قاعداً في حجرته يفلي صفحات دفتره ويصر على الانتهاء من مشروعه قبل أن يفاجئه "مفرق الأحبة"، أو لعل هذا ما رغبت به.


ـ 37ـ

تخطيطي لنهاية تخص أبي لم تكن سوى أمنية عصية، خيال جامح خاص بي فقط.
لأن الحرب الجديدة أخرجته من متعة مشاغله الكتابية، فجلس يفكر ببديل نافع.
كان يراقب أولاده يتناقصون، أخوتي، الذين أجبرهم أبي على متابعة إرث العائلة بطريقة مبتكرة كي لا تختطفهم كلاب شجيرات الخرنوب.
مضى عند عرضحالجي وأعلمه بمهمته القادمة:
" أعلن أنا حفيد عائلة (الحفظة) عن تغيير مهنتنا إلى (دفانة) اقتضاء ضرورات المواطنة الصالحة، خدمة للبلد في ظروفه الراهنة.. و.و.و. الخ ".
ختمها في البلدية وصدق عليها مختار المحلة، وعاد يمسك بالورقة يظن بها خلاص العائلة و ختم إنقاذ أبنائه، أو من تبقى منهم.
لكنه يفاجأ بخشخشات الكلاب أينما يدير وجهه.


ـ 38ـ

كلاب الخرنوب كانت تدس خياشيمها في سراديب العائلة المطمورة، ولكنها لا تختفي قبل أن تختطف أحداً.
أستمر أبي بمهنته حتى وهو لا يسمع إجابات أحد الأبناء وهو يناديه باسمه.
كان يمني النفس ولو بالحفاظ على واحد من أخوتي، لطالما اعتبرني بحكم المفقود.
في الحقيقة كان هذا اعتقاد الجميع.
ذلك لأنني استهوتني (الانتحالات) في العاصمة مما شغلني عن إيصال أخباري لهم.
لكننا كنا نتواصل، أمي و أنا، عبر المسافات من خلال أنين أغنيات أبو كاظم "يدعونه داخل حسن كذلك!".


ـ 39 ـ

كان أبي دفاناً بالفطرة.
تزايد عمله مع كل طلقة جديدة لحرب طويلة.
كل حروبنا مفرطة الطول وكأننا مولعون بالأرقام القياسية.
مع تفاقم تعاسته ووحدته، وصلت شهرته الآفاق بفضل وصفات تطرية الجسد التي كان يمارسها سراً على الجثث قبل دفنها، لأنه لم يستطع التخلص من أرث العائلة بسهولة.
كان يمسك بأسنانه على شهرته الجديدة كي يحافظ على أبنائه، ظناً منه أن خدمته كمواطن صالح ".. في هذه الظروف العصيبة.." ستحول دون اقتراب كلاب الخرنوب من أبنائه.
لكنها لم تكن بحاجة للاقتراب، لأنها كانت تسحل أخوتي من بين شجيرات الخرنوب بخياشيمها فحسب.
مع كل اختفاء لأخ، أحس بغياب أمي عن أنيننا المشترك عن بعد.
في واحدة من انتحالاتي، بهيئة ضابط مخابرات، هوية مزيفة وقيافة عسكرية كاملة تصادفت وجهاً لوجه مع أخ لي عند مدخل بار ليلي.
لأسميه هنا أخي الأخير، وهو الذي أخبرني بما لم أعرفه عن العائلة، أو من بقي منها، وأدركت سبب اختفاء صورة أمي من رأسي.
لم يتكلم كثيراً، دخن علبة تبغ كاملة ثم نهض.
ودعني وهو يقبلني لأنه كان يشعر أنها ليلته الأخيرة. حدثني بألم عن أبي:
" ظن بنا حفظة لأسرار العائلة، يخطئ كعادته ولكن لا مجال لتصحيحه، لم يدرك لماذا نكره الاقتراب من الأجساد النائمة.. أم يدرك ذلك؟ . حاول أن لا تستسلم لكلامه، أهرب يا أخي هناك أكثر من بحر يقلك بعيداً، بحر حقيقي بماء أزرق ليس له علاقة ببحرنا.. رجاء أخير قل لأبي لو رأيته أنني مع هذا أحبه".
كافأني قبل مغادرته بأن خلع حذاءيه وأبدلهما بحذائي المستهلكين، الضيقين وكنت أشكو له كثرة تجوالي، انتحالاتي، خوف الإمساك بي و رميي نافخاً في حطب الحروب التي لا تنتهي.
هذان هما نفس النعلان اللذان يقفزان قبلي ويعلمانني رغبة الجري إلى الأمام.
و هذا كل ما يحتاجه منتحل مثلي مازال على قيد الحياة.

ـ 40 ـ  


في العاصمة لا يتعرفني أحد.
لأنني أكثر من واحد.


ـ 41 ـ

في المدن الكبيرة، أكثر ما يطمأنني على حياتي هو أنني مجهول للآخرين.
شهدت في سنوات لعبتي الأثيرة بالاختفاء والتمويه، على تغير البلد التدريجي.
دخلت آنذاك موضة بناطيل الكاوبوي والقمصان الملونة بالعصافير والزهور بعد رؤيتهم لراقصات جزر الهاواي عبر التلفزيون، و عدوه متخلفاً من لا يأكل الهمبرغر و يتجشأ بغازات السفن آب. ألعاب كهذه وغيرها أنست الناس الخياشيم المتشممة بينهم، ولم يعودوا يلتفتون لأي غياب.
مارست التحول كذلك.
عرف الناس تسميات جديدة لم يتأكدوا من نطقها حتى سنوات مثل:
سجلات أحصاء القتلى( يسمونهم شهداء)، بيانات المعركة، طوابير الحصول على دجاجة مثلجة، طبقة بيض فاسد، صور الهجومات البطولية، صور النساء بغمزة عيونهن المكحلة عند زوايا شوارع الليل، خطابات الساعات التي لا تنتهي، أرامل ويتامي، تماثيل بهيئة سيوف تصل عنان السماء، أزمة أقمشة السواد، المصانع تحتاج لعمال أجانب، الهدايا لا تصنع إلا من الذهب الذي يتبرع به الناس، التصارع على تلحين أغنية عن النصر، ابتسامة القائد، حلم كل ليلة بخلاص أبدي، الابتسامة هي الوحيدة التي تواجهك، ابتسامته المتوعدة.. التي تعني أن موعدك قد حان.
عرفت العاصمة بكل شوارعها وأزقتها. كم تزلف لي أشخاص وخشيني آخرون. لست أعني أنني أردت لها أن تكون هكذا، فخوفي كان أن ينتبه لي أحد ويزج بي السجن وهو أفضل الحلول، إذ أن أسوأها نقلك بأسرع وقت حتى الحدود مرة أخرى، ليس قرب لوح نهاية العالم، بل قرب لوح النار.
خوفي كبير، كخشيتي أن يكتشف أبي مكاني. ففضلت أن أكون بحكم الميت كما كان يظن، فأبن ميت لن يزيد بقصم قشة ظهره، بعد أن قصمته كلاب الخرنوب.
كنت أموه وأنتحل وأطاول بوقت نجاتي مفكراً بتغيير أماكن إقامتي وهويتي مثل تغيير ملابسي بأردية تقتضيها المناسبات والإحتيالات.
خوف الناس بعضها لبعض، أو نفاقنا بعضنا على بعض، أنجاني كل هذه الأعوام.
مضيت بأوقاتي حتى نسيت من أنا، وطمست هويتي حتى صدقت بأنني لست أنا.
تعلمت كثيراً من مهنة التغير ولو دون طائل وفكرت أن هرقل لم يكن هكذا بنظر صاحبته لولا رغبته بممارسة التحول، متعته باكتشاف خيط لغز غامض، هنا في الشرق أم هناك قرب تماسيح النيل.


- 42 -

مضيت بلعبتي الأثيرة حتى نهايتها ولم أصدق أن يوماً ما سأتعثر لمجرد صوت.
لكنني تعثرت. رفعت رأسي فصادفتني عينان.


ـ 43 ـ

تلك العينان الزائغتان، كانتا خائفتان مثلي.
تجمعتُ من جديد، ورأيتني وسط الفراغ ذلك الواحد الذي لم أعد أعرفه.
أمام عينيها لم أعد غير واحد.
الصدفة أعادتني لوجهي السابق من جديد.
صورتها بقيت جامدة على نيغاتيف عيني، ثوب منقط بالأزرق والأبيض، ووجه لا يشبه غير فجر بلحظة ولادته الأولى.
تجمدت لرؤيتها، كما أنني لم أتحرك وإن تحركت نقاطها البيضاء والزرقاء وأختفت خلال باب الخشب. كنت سأذكر الكثير عن ساعات و أيام وقوفي أمام تلك البوابة أملاً برؤية وجهها مجدداً، عيناها المذعورتان، رفيف ثوبها، لكنني لست بشاعر كعمي، ولا أتقن من الشعر غير وصف وجهها بصفاء لم تخالطه شائبة.


ـ 44 ـ

تخلصت من كل شيء وما فكرت بالانتحال أثناء خروجي.
عدت إلى وجهي الأول.
أمضي أيامي قرب فراغ سقطتي أملاً بظهور صاحبة العينين.
لا أمل.
من تلك الزاوية رأيت كل شيء يمر: حروب و حروب وحروب و حروب.
وكنت أتابعها بنظري دون أن تحركني موجة صاخبة ولا هرج المارين.
في لحظات صحوتي كنت أتنبه لعيون أخرى تترصدني.
خفت انكشاف ظلي، ولكن اختفاء تلك العينين الزائغتين ـ بعد لحظة سقطتي ـ أقعداني فراغي بانتظار لأحد ربما لن يظهر، أو هو من صنع توهمي.


ـ 45 ـ

مر وقت بلا حراك.
فتحركت أنا حتى أنهي كل شيء أو أبتدئ كل شيء.
مضيت قدماً دون بحث عن عطفة أو زقاق جانبي، كنت أمر متصادماً بالناس دون رجعة. وجهتي حتى شارع وقعتي التي أعادتني للخروج بوجهي الذي أعرفه أو عرفته و نسيته طوال سني خوفي أو انتحالاتي أو هروبي (انتخب ما تشاء منها فهي بنظري كلها لا خلاف فيها) دون أن تمنعني طقطقات كعبي الحذاء ـ حذاءا أخي المستعارين كما تعرف ـ من العودة ومنحهما فرصة ممارسة رغبتهما المعتادة.. الهرب لا غير.
تنفست ريحهم وتحسست حركات خياشيمها ـ كلاب شجيرات الخرنوب نفسها ـ ظننتهم بانتظاري فمضيت باتجاههم.
لكنني هناك توقفت حقاً، فالعينان الزائغتان عادتا للظهور أمامي.
زائغتان كما هما، محاطتان بفرقة جنود أو شرطة تقادان حتى شاحنة، برفقة عيون عديدة.
الخوف مرة أخرى تفوق على الصراخ.
ما قيمة الصوت هنا؟


ـ 46ـ

الغريب في الأمر، أو بلا غرابة، عيناي لم تسجلا شيئاً.
تعطلتا عدساتهما سيئتا التشغيل، وبقيتا متوقفتان على مشهد معاد.
مشهد العينين المذعورتين لوجه لم أتمعن به، ولا أظن أنني سأراه يوماً ما، وإن كان سيرافقني طوال رحلة هربي المرتقبة.


- 47 -

مرة أخرى لم أعد أعرف هل جرى لي هذا فعلاً أو أن أحداً ما قصه علي؟
هل مررت به بنفسي أم أنني الوحيد الذي لا علاقة له بكل هذا؟ ولكن سرده بهذه الطريقة كما ترى له وقع الحديث عن غائب: رسالة مرسلة، خبر في جريدة أو تسجيل صوتي يصلني عبر الأثير.
مجبر على قوله كما لو أنه حدث لي.
كنت هناك أم لا، هذا ليس بذي أهمية، لأن تسلسل الحكاية يخز أذني كما سلك لاسع، هو ما تسمعه مني الآن؛ إذ يقول:
" اليوم تقابلت بما لا يمكن أن أنساه. لا أريد القول أنه لم يحدث سابقاً أو أن أشخاصاً لم يحضرهم موقف كهذا.. لست معنياً به صدقني.. في المنعطف الأخير قبل أن اصل بيتهم، كانوا هناك وظننت أنهم بانتظاري. فقدت كل قدرة سحرية مؤخراً، وفكرت أنني منته لا محالة فاتجهت نحوهم تماماً. انتابتني جداً فكرة الانتصار على خوفي أو محاولة تنويم كاملة.. لم أصل عندهم، ذلك أنني رأيتهم يمضون حتى بوابة البيت. البيت الذي سقطت عنده ذلك اليوم.. فتواجهت بما اعتقدت أنني لن أعثر عليه أو أراه مرة أخرى.
العينان الفزعتان اللتان ذكرتاني بماضي أيامي المنتحلة.
اتجه الجميع إليها (هل حدثتك عنها سابقاً، لا فائدة من الوصف؟) ورأيتهم يتناولونها، كلهم، وكأنها لم تكن غير لعبة، لعبة مرعبة لا يمكن تركها طليقة للحظة كي لا تهرب أو تذوب أو تنفجر وحسب في وجوههم.
لم تتباطأ، لم تتأخر، تمنح نفسها بسهولة وكأنها تمضي برحلة ترفيه، خلفها شريط من أجساد ببجامات وثياب نوم، شريط ظننت به ما يشبه أهلها أو أقارب لها. تحرسها العيون المراقبة نفسها. تقدمت بأكملها دون تأخر.
قبل أن تدخل شاحنة النوافذ المظللة، التفتت برفق.
اللفتة تلك كانت لي.
أحلف لك بكل أسماء الآلهة، أنها كانت لي لا لأحد آخر.
لم تبتسم أو تشير أو تنظر، كانت كل ذلك. فرأيت فضاء شاسعاً كبرية يطل من تلك العينين اللتين ظلتا معي فانطبعتا في عيني، حتى أنني لم أعد أرى بعيني. أرى كل شيء بعينيها، هما اللتان أورثتاني قصتها في رحلة الشاحنة الأخيرة إلى مجهول لا أعرفه ولم أسمع به ولا أدرك إلى أين يحملني معها دون إرادة.. ".


ـ48ـ

اللفتة قابلتها صفعة شديدة.
إطلاقه مسدس، فسال خيط دم.
نبع من الثقب فتسلل حتى الحنك ثم الرقبة فالصدر ماسحاً أزهار الثوب الملونة وحاط بالساقين ومشى متقافزاً كأنه بقدمين خفيفتين يهز رغبة الشارع المكتظ بالناس حتى حط أمامي.
مددت اليد وطبعت بصمتي. الحمراء كما هي الآن..
ألا تسمع معي هذا الأنين:
" جفنك جنح فراشة غض،
و حجارة جفني فما أغمض ".


-49 -

.. فما أغمضت لي عين بعد ذلك.


ـ 50 ـ

بينما تضيف الرسالة أو الخبر الصحفي أو التسجيل الصوتي نفسه يكرر:
" يحكون عن تهجير، مغادرة، طرد ويختمونها كي يقنعوا الآخرين، بأنهم ليسوا منا، خونة، أعداء.. أتساءل من هؤلاء الذين منا إذاً؟ أي العيون أقرب لنا، منا، عيناها أم العيون التي أجبرتها على المغادرة.. ثم يضيفون: دورنا قادم لا ريب...
... تتذكر لقطة من فيلم ليوسف شاهين. لابد أنك تتذكره لطالما رأيناه مراراً.. استبدل مشهد النساء المتصارعات على روث الأبقار ويتركن إحداهن صريعة دُعست بأقدامهن.. أستبدله بهؤلاء الناس قرب بيتها.. الناس تتصارع، تهجم على البيت بعد أن تنطفئ العينان وشريط أهلها يتناثر وتمضي الشاحنة. العراك على أخشاب، ملابس، أسرة، أواني، أطعمة، آجرات.. أشد ما أثر بي، طفلان ( من المفترض أنهما بريئان) تسلقا الحائط وتعاركا بضراوة، أيهما يحضى بحصة أكبر من الليمونات.. حتى الليمونات لم تسلم، فقطفت بأغصانها وأوراقها..".
وبعد ذلك نتساءل.. لم كل هذه الثقوب التي ملأتنا؟

ـ 51 ـ

يا إلهي
كلما أدرت الرأس تحاصرني الثقوب،
كلما رسمت الرأس تخاتلني الثقوب،
كلما هززت الرأس تغافلني الثقوب،
لا أمل
الرأس رأسي ومطرز بالحفر
أينما أريد لا وجهة غيرها.

الثقوب،
لماذا يا إلهي؟


ـ 52 ـ

وسط الشارع لم أفكر بأجاثا كريستي و مخبرها العتيد ليكشف لي عن حبل الجريمة لأنها كانت واضحة، الكل شارك فيها، أنا وأنت، فإلى من نشير بأصابع اتهامنا؟
أنفتح فمي وسال كل شيء. كلي تماماً مثل خيط دمها على إسفلت الشارع.

ـ 53 ـ
الهرب إلى أين؟
أفكر بوسيلة واحدة، شيء مثل قطار شرق سريع يمضي بي بالعكس حتى أترك الأشياء خلفي بما يشبه رؤية فيلم من النهاية حتى البداية. بما يشبه الإلغاء التام، التلاشي، أو أن لا تنوجد فحسب.

- 54 -
خيط الدم يدفع بي.
أعادني لوصل سلك الأنين مع أمي، فقادتني قدماي كسائر بنومه حتى لوح نهاية العالم، حتى سراديب الأجساد الطرية التي طمرت وتحولت إلى مقبرة. مقبرة بلا نهاية كحال البحر بلا ماء.

ـ 55 ـ

عدت إلى لوح نهاية العالم في اليوم الأخير قبل هروبي.
أخبرتني أمي بالتفاصيل الأخيرة؛ بكل شيء؛ أليس من الأفضل لو كانت أمي هي راوية التاريخ هنا، فالنساء لهن حس الإمساك بالتفاصيل، لا أن تغدو الحكاية حشواً مرتبكاً مليئاً بالتفاصيل، جد بعد آخر، جدات لا يفقهن غير هز الرأس وعمات خانسات، اعمام بأجنحة وأخوة بلا أي أمل ليوم قادم؛ رسائل، ذكرى أفلام أو شيء من هذا القبيل كما أفعل الآن.
أنا افتقد للشاعرية، فانا حكواتي فاشل حتى لو صبغت وجهي بالسواد مثل زنجي عمتي.
تقول أمي:
.. أجيئك بالنهاية ..أنهار أبوك عندما رأى أن عليه أن يحفر قبر أخيك.. أعني فراغه.. لأنهم لم يعودوا لنا بجثته، أخبرونا أن نثيث الثلج لم يترك له أثراً وهو يسرح بعربته في متن الجبل. لم يقبل بما ذكروه، صرخ بوجوههم، ولم يفهموا منه شيئاً وهو يجري إلى داخل حجرته ويعود حاملاً كومة أوراقه وينثرها في الريح. ثم هام على وجهه.. أبوك لم يعد..
ثم غطت وجهها وصرخت بملء صدرها:

آنه شعندي بعد ويه الليالي
بيت وصفه من الزلم خالي.

- 56 -

أبي لم يعثروا له على أثر، صمت على أسراره إلى الأبد.
أخوتي تفرقوا ، متناثرين بين يد الله، بعد أن طردتهم أرض البشر.
قلت لها: أنت يا أمي لا تتركين لي خياراً.
تستمر بنشيجها فأتذكر أن علي أن أميل حتى تلامس جبهتي التراب كي أشعر بحزنها هذه المرة.
تقول: .. و دمعي ..
فأردد بعدها مشدداً على ثقوبي الكثيرة: .. أنا جف نبع دمي و دمعي.


ـ 57 ـ

راقبت من حجرة أمي، تلك المقبرة الغافية.
لم تعد تذكر بسراديب ولا بحر أجساد نائمة ولا ببطاقات بيانات الأجساد الطرية. لا أثر فيها يذكر بعائلة، لا جد ولا عم ولا أب، لا سر خلطات سرية ولا طعم لبطيخ ينسي الواحد منا ذكريات رأسه.
لم أر فيها غير قبور موحشة، مسطحة، مرتفعة، مدروسة أو بقباب مزرقة، أرض بلا أسم ولا تعريف، فأرد ستار النافذة، لأنني لم أفكر بعد بالموت بطريقة خانقة كالتي أشعر بها الآن.. لا أريد.

ـ 58 ـ  


هربت كما ترى.
هربت من لوح نهاية العالم قبل أن يمتد بي خيط أنين جديد.
هربت دون التفكير بوجهة معينة.
قررت أن أطير بطريقة أخرى، لا علاقة لها بطيران عمي.
كنت الأصغر في عائلة أكلتهم كلاب شجر الخرنوب،الخفية منها و البارزة، دون أن يستطيع أبي منعها بحيله المتكررة.
لا تعول على قدراتي، أنا أكثرهم خوفاً.
لقد تضخمت كلاب الخرنوب ، نبتت لها أنياب خاطفة، و فروات كلبدة الأسد، وأصبح لتحسس خياشيمها نعومة أفعى، ولإنزلاقها ما بين الرقبة و القلب، مؤشر لا يُخطئ.
كانت أمي في كل اختفاء لأبن، يبطل فمها عن الكلام أكثر.
حتى أنني في لحظات تواجدي الأخيرة بالكاد سمعت بحة صوتها.
غير أنها تئن في زاوية حجرتها، المجاورة لخلاء أرض لا تزرع. أرض البطيخ الأحمر نفسها، التي لم تعد تصلح لشيء ولو كذكرى شخصية لجدي الهندي.
تئن فحسب، بينما داخل حسن يستجير معها بالهواء العالي "أونـن، أونـن ".
في الليلة تلك، صارحتها: لن أبقى.. جئت لأودعك.
لم تتكلم. لم تبك أيضاً. ضمتني إلى صدرها بشدة لم أعتدها منها وهي الرقيقة حد الكسر.
ضمتها هي الوحيدة التي سأذكر طوال رحلة الأميال سيراً على الأقدام، ابتداء من أول قمة جبل. طوال آلاف الأميال على بغال هزيلة ومطايا كتلك التي حملت آلاف الجثث حيث منزل العائلة عند لوح نهاية العالم، الذي اتضح إنه لم يكن سوى مستنقع العالم. طوال أميال بعيدة بين حقول وقرى و مدن غامضة وأخرى طينية بينما التي تجاورها أو التي تليها تغطيها أسياخ حديد مغلف بالطابوق والإسمنت. أميال أخرى ما بين قارب صغير إلى آخر، نشحن كسمك التونة، حتى قارب آخر. ندق أعناقنا بالصفعات والهلع حتى تنحشر في مرآب الكافيار والويسكي والمخللات التي لا تطيب رحلة الذين على سطحها إلا وهم يستطعمون ملوحتها اللاذعة.
آلاف وآلاف أخرى حتى محط قدم أولى على أرض لا أعلم عنها شيئاً.

ـ59ـ

بعد ليلتي الأخيرة وأنا أجازف بالتحليق عند ساحل بحر حقيقي، دون أن ألمح بريق عيني الأم، لم أعلم بمصير الخطوة القادمة بعد، لذا سددت السمع عن نداء داخل حسن وجرجرت " أونـن، أونـن" على جسدي كطول قماش بلا نهاية.
كنت في إحدى أميال القدم التي لا تكل بحثاً عن أرض، قد وقع بين يدي كتاب بورق أصفر لرائحته نقيع سنين مطيرة ونهايات لغز، بدا لي عنوانه على ضوء شمعة مثل كابوس: جريمة في قطار الشرق السريع.
قرأته في ساعتي تلك، وكل لحظة أفكر ولا أفهم، ما سر علاقته بموجز تاريخ عائلتي.؟
كانت زوجة ذي النظارتين البلاستيكيتين قد فكرت بكل شيء على سطح قطارها، إلا أن يمر في بقعة البحر بلا بحر وأميال سراديب الجثث الطرية، و لا أن تتعلق قبعة مخبرها بأسلاك لوح نهاية العالم.
لكن لوح التشينكو مازال يرن في رأسي ـ أسمعه كل لحظة ـ بإيقاعات تشبه الأنين بقراءة أو بدونها.


- 60 -
لتنسى صخب البحر...
أنصت معي، ألا تسمعه يا صاحبي..
أنا أناديك، ألا تسمعه.. ألا تسمعه؟




أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

اسماعيل خليل مجيد العزاوي في 24/ 2/ 2010
اسماعيل خليل مجيد العزاوي الرائعون كالاحجار الكريمة..لا نصنعهم ولكن نبحث عنهم..العزيز عبد الهادي..يسعدني ان اقول لك ان روايتك رائعة ..وهذا ليس بجديد عليك فكل ماتكتبه جميل وممتع...تحياتي وامنياتي لك بالنجاح الدائم..
اسماعيل خليل مجيد في 12/ 2/ 2010
اسماعيل خليل مجيد رائع كما انت دائما ايها العزيز عبد الهادي ..تحياتي لك اينما كنت..
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
روايات الكاتب المبدع برهان الخطيب

روايات الكاتب المبدع برهان الخطيب

   الجسور الزجاجية رواية تأليف: برهان الخطيب304 صفحة، حجم متوسط، غلاف سميك + غلاف سوبر ملون . السعر 5 يورو الشحن 10 يورو.    في مقال
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: