الفصل الرابع من رواية " ليل المخيم "
محمد نصار
حين اقتربنا من المبروكة، طلب عمي بأن أنزله عند المختار، أراد أن يطمئن على حاله ومن ثم يتبعنا، فأومأت برأسي موافقا، ولما وصلنا أوقفت العربة جانبا ونزلنا جميعا إلى الدار، فأقبل علينا الرجل بوجه باش وأعين يفيض دمعها.
جلسنا في الفناء، فسأل عن أحوالنا..عن أولادنا .. عن أهل المبروكة الذين رحلوا معنا، وكأنه يقطع الطريق على أسئلة تدور في أذهاننا،عن تجربة مروا بها وتبدو آثارها محفورة في وجهه بشكل جلي .
تركنا المكان مع وعد بلقاء قريب، ثم اتجهنا قاصدين البيت، وحين أشرفنا على أطلاله المتناثرة، بدا انعكاسها مرسوما على الوجوه التي لم تشاهدها من قبل، فمرت لحظات طويلة، قبل أن تنبس أي منهما بكلمة وحين جاءت، جاءت محملة بزفرات مذبوحة، توحي بمدى الفجيعة التي ألمت بهما .
ظلت آثار الصدمة ترافقنا الطريق إلى المخيم، لم تمحوها تهاني الناس الذين صادفونا ولا فرحهم بانزياح الغمة عنا، حتى أولئك الذين جاءوا من الخيام يستفسرون، صدمهم الحديث عن الكارثة التي حلت بنا، وأبدوا تعاطفا أعاد لي ذكرى الرحيل الأول .
في اليوم التالي أخذنا ما يلزم من أشياء وعدنا، أسبوع بأكمله نغدوا عليها مصبحين ونعود في المساء منهكين، بعض الجيران ساعدوا في رفع الأنقاض وإعادة توظيفها من جديد ونسوة آزرن أمي وزوجتي في جلب الماء من البئر القريبة، فأعدن إلى النفس ذكرى أيام خلت وماضي تمنيت أن يعود ولو للحظة واحدة.
أسبوع أعدنا فيه بعض ما كان من البيت، لكنه لم يكن بحال ليتسع لنا جميعا، فاقترحت بأن تتقاسمه أمي و زوجة عمي إلى حين الانتهاء من تشيد غرف جديدة ، لكن هذه الخطوة تم تأجيلها أيضا وقد تناهى إلى سمعنا، عزم وكالة الغوث إنشاء بيوت مكان الخيام المقامة، وما كان همسا يجري تداوله بين الناس، أصبح حقيقة مع حضور البنائين ومواد البناء، التي اكتظت بها الأمكنة، حتى أن عمي الذي لم يمس بيته بسوء، رجع ونصب خيمته في المكان، طمعا في بيت جديد ونفس الأمر فعله آخرون مثله .
فنبتت البيوت كالعشب الذي يلي المطر، صغيرة متلاصقة رغم الفسح التي بينها وسميناها شوارعا، هنا بيت بغرفتين وهناك أخر بثلاث مع حوش صغير، وذاك بأربع يجري اللعاب له رغبة، لكن الأمر لم يكن خاضعا للرغبات، بل للأسر وعدد أفرادها، إلا أن البعض لم يعدم الوسيلة في الاحتيال، من أجل تحقيق مطامعه .
حصلنا على أربعة بيوت متجاورة، واحد لعمي وآخر لأختي وزوجها، أما الثالث والرابع فاخترتهما متلاصقين، ليصبحا بعد ذلك بيتا واحدا، لم أرد لشيء أن يفصلني عن أمي وأخوتي، حتى لو كان جدارا من الطوب .
ومع ذلك لم أتأقلم معها، ظلت المقارنة بينها وبين بيوتنا في المبروكة ماثلة أمامي، فبرغم التعديل الذي أحدثته والسعة التي نتجت عنه، إلا أنها ظلت في ناظري أصغر من أي حوش هناك .
كنت أشعر بالغصة لدى دخولي أي من الغرف .. بالضيق .. بالاختناق، أهرب إلى الحوش لعله يسعفني، فأجدني مكشوفا على الناس بلا خصوصية أو ساتر، خصوصا إذا ما خيم الليل وأسدل ستائر عتمته، يطبق الصمت حينها موهما الخلق بانكفاء الحياة عنهم، لكنه يفضح همساتهم .. خلجاتهم وأحيانا آهاتهم التي تصلني محمومة ملتهبة، فأشعر معها بالحرج .. بالخجل وأنسل إلى غرفتي، عاقدا العزم ،على أن لا يصدر عنها ما يشير إلى الحياة .
بعد فترة بسيطة عاد عمي إلى المبروكة وأهدى داره لأخي عمر، فتركها الأخير في عهدتي وعاد بصحبة أمه للعمل في مدارس المبروكة،بعدما فتحت أبوابها من جديد .
الراتب الذي تلقاه من وكالة الغوث، عجل في تجهيز غرفة له ومهد لإجراء مراسم الزواج على النحو الذي نأمله، صحيح أن الأمر لم يكن كسابق عهده، لكنه أفضل بكثير من وحشة المخيم وبرودة أزقته .
أثناء العرس دنا مني المختار وهمس قائلا : عندي أخبار مش ولابد .
- خير إن شاء الله .
- اليهود عاملين حد على أراضي البلد وما حد قادريصلها .
- معقول ! .
شعرت بقلبي يهوي بين قدمي، غابت عني مظاهر الفرح، تمنيت أن يأتي الصبح عاجلا، لكي أقف على حقيقة الأمر بنفسي، سألت المختار مرة ثانية،إن كان واثقا مما يقول، فزادني رده إرباكا وحين بدا الأمر وقد ملك علي الحواس كلها، حاول التهوين منه : يمكن يكون إجراء مؤقت .
بعد صلاة الفجر تسللت دون أن أشعر أحدا، نسيم الصبح النادي أطفأ شيئا من حريق يستعر بداخلي وصمت الطرقات من حولي، فجر بداخلي مكامن الأسئلة ورسم أمامي صورا، كنت أتحاشى النظر إليها، متكئا في ذلك على بصيص أمل، كان يذوي عند أول مقارنة مع أولئك الذين هجروا بيوتهم وقراهم مكرهين .
على مقربة من البيارة، التي لم يعد يفصلني عنها سوى أمتار قليلة، سمعت صوتا ينادي، كان أقرب إلى الهمس، فوقفت في مكاني مستوضحا الجهة التي جاء منها، نظرت بين بقايا عتمة تلفني، فترآى لي شبح رجل بين الأغصان، اقتربت منه بخوف وتوجس، فأشار بأن أدنو بحذر وحين اقتربت منه، رأيته ممسكا برجله اليمنى متوجعا، نظرت في وجهه، فلم أعرفه، حاولت أن أسأله، فباغتني برجاء : أعمل معرف وخذني من هان قبل ما يخلص دمي .
نظرت إلى قدمه، فرأيت الدماء تكسوها، نزعت الحزام من على وسطه وربطته بقوة فوق الجرح، ثم أسندت الرجل على كتفي وانسحبنا من المكان .
مرت لحظات قبل أن أستفيق من وقع المفاجأة وإلحاح الأسئلة التي تحاصرني بسخرية عجيبة، فلأي غاية جئت ولأي نهاية سارت الأمور .
بعد مسافة قليلة شعرت بالرجل يذوي بين يدي .. تخور قواه، حاولت استنهاض عزائمه، ففاجأني انهياره الكلي وعجزي التام عن حمله، أجلسته إلى جانب الطريق ورحت أحثه على الكلام ،حتى لا يدخل في غيبوبة تصعب الأمور على، أردت إنقاذه بكل وسيلة، سألته إن كان بمفرده، أم أن رفقة معه، فرد بصوت خافت : كان معي واحد من جماعتنا، يمكن مات .
- شو لازمتها المخاطرة في هذا الوضع ؟ .
- رزقنا وخيرنا اللي تركناه ورانا، مش إحنا أولى به ؟ .
- ماشي .. لكن وقت أرحب من وقت .
- جينا قبل هيك .. بس من يوم ما حطوا حد والحال تغير .
- صحيح أنا ما شفت سلك ؟ .
- قدام .. حافرين خندق صغير ع طول الحدود .
أدركت حينها بان البيارة أصبحت من وراء الحد وأن الوصول إليها بات أشبه بالمستحيل، فزفرت بحسرة على ملك أراه ولا أجرؤ على الوصول إليه، انحنيت على الرجل مرة أخرى وساعدته على الوقوف، فبدا من خطواته الأولى وكأنه استعاد بعض قوته، لكنها سرعان ما تلاشت، حاولت استنهاضه من جديد ولكن بلا جدوي، هوى مني دفعة واحدة، فعجزت عن رفعه مرة أخرى، وقفت حائرا لا أدري ما الذي يجب أن أفعله، ثم انطلقت دون وعي صوب البلدة.
في منتصف الطريق شاهدت عربة مقبلة، ناديت على السائق بعلو صوتي، ولما تأكد لي سماعه للنداء، أشرت بأن يسرع نحوي.
وضعنا الرجل فوق العربة وانطلقنا مسرعين، نظرت إليه أثناء الطريق، فوجدته يهذي بأشياء مبهمة، حاولت أن أهدأ من روعه، أو أكلمه، لكن محاولاتي لم تصله ، ظلت خارج نطاق الحالة التي تملكته واستمرت معه حتى باب المستوصف .
عدت إلى الدارمنهكا، لم أخبر أحدا بما حدث معي ، وحين سألني البعض عن غيابي المفاجئ لم أدل بالكثير، خشيت أن أفسد عليهم فرحهم، لكني أسررت للمختار بما وقع، فعاد إلى مواساتي مرة أخرى .
لم أعد بعدها إلى المبروكة إلا في فترات متباعدة، آثرت بأن أظل مغموسا في المخيم ومشاغله، على أن أرى أرضي ولا أصلها، حاولت أن أنسى شيئا من البلاء الذي أصابني ولكن بلا جدوى، فمع كل حبة ليمون أو برتقال أشاهدها في السوق، يفتح الجرح من جديد، يعيدني إلى الأيام التي كانت ولا أراها بحال تعود .
فدفعني الشوق بعد فترة إلى المغامرة من جديد، أخذت الأسرة في واحدة من الجمع، وأوكلت أمر البيت إلى زوج أختي، صليت الجمعة خلف المختار، فألح الرجل على استضافتي ، لكني وعدته في مرة قادمة، فرد مبتسما : المخيم أخذك منا .
- أنتم الأصل يا مختار .
ودعته وعدت إلى البيت، كان برفقني أخي عمر وولدي إبراهيم، دخلنا الدار التي التأم شملها من جديد وجلسنا حول مائدة أعدتها أمي، أو أشرفت عليها بمعنى أدق، امتدت الأيدي .. تناوبت على الآنية التي امتلأت بالثريد وقطع الضأن، سألت أمي عن مصدرها، فقالت : ابن أبو أحمد الجزار.
- هو ورث صنعة والده ؟.
- لكن ما ورث طبعه .، ردت مدارية ابتسامة ارتسمت على شفتيها .
- يعني نأكل وإحنا مطمئنين ؟ .
في المساء أسررت لعمر برغبتي في الذهاب إلى البيارة، أطرق للحظة وقد باغته الأمر، ثم رد بنبرة لا تخلو من توجس وقال : الموضوع مش سهل .
- عارف .. لكن هذه أرضنا ودم قلبنا فيها .
مع ساعات الفجر الأولى خرجت متسربلا عتمة الليل، سألتني أمي عن وجهتي، فتذرعت بقضاء بعض الحاجات في المخيم ومن ثم أعود، دعت لي وعادت إلى وضوئها، فخشيت أن يخبرها عمر بوجهتي، لكني أستدركت بأنها لن تراه قبل الظهر وإلى ذلك الحين أكون قد أنهيت مهمتي وعدت .
شددت العربة على الحمار وانطلقت مسرعا، وحتى لايثير ضجيجها انتباه أحد، ربطتها في سياج يبعد عن البيارة قليلا، ثم سرت بحذر نحوها .
كان الصمت أشد وطأة من عتمة الليل التي تلفني، وحنيني المجنون إلى لمس حباتها، أكبر بكثير من الخوف الذي يعتريني، تخطيت الخندق الصغير بتوجس وحذر، فشعرت بولادتي من جديد، كدت أصرخ من الفرح، رحت أقبل أغصانها وحباتها .. أجري بين أشجارها كطفل صغير، لحظات خارج اللحظة، لكنها ذوت سريعا، تلاشت مع صوت جاء من تحت الأشجار القريبة : أثبت .
نظرت ناحية الجهة التي انطلق منها، فبزغ لي ثلاثة مسلحين، كانوا ملثمين بالكوفيات ولا تظهر سوى عيونهم، اقترب أحدهم مني وسأل مستفسرا: شو جابك يا أبو إبراهيم ؟ .
صدمني السؤال و كذلك نطقه باسمي، فالرجل يعرفني إذن، حاولت تتبع نبرات صوته لعلي أعرفه، فما استطعت، أعاد السؤال مرة أخرى . فقلت محتدا :
- هذه أرضي .. أنت مين ؟ .
- أنا يوسف يا أبو إبراهيم .
- يخرب مطنك، شو بتعمل هان ! .، ثم أقبلت عليه، فضمني وهمس في أذني قائلا : المنطقة خطرة، خذ بعضك وارجع، بلاش يصير لك مكروه .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك