قتل الملاك في البيت
عدد مرات المشاهدة :2185 - 25/ 6/ 2007
حسين عجة
فرجينيا وولف
ترجمة: حسين عجة
1- مهن نسوية
عندما دعتني سكرتيرتكن (2) للمجيء هنا، قالت لي بأن جمعيتكن مهتمةً بمسألة تشغيل النساء وأوحت لي بأن أقول لَكُنْ شيئاً عن تجاربي الوظيفية. صحيح أنني امرأة؛ وصحيح أنني مستخدمةً، لكن أية تجارب وظيفية كانت لدي؟ من الصعب الجزم بذلك. وظيفتي هي الأدب، وفي هذه الوظيفة هناك القليل من التجارب للمرأة عنها في مكان آخر، بإستثناء المسرح-أعني بمفردة قليل أن تكون مكرسة للنساء-. ذلك لأن الطريق قد تمّ قطعه منذ أعوام طويلة، بجهود فاني بيرني، أفرا بن، هاريات مارتينو، جون أوستن، وجورج إليوت(3)- العديد من النساء المشهورات، وأكثرمنهن من غير المعروفات أو المنسيات، قد مهدن قبلي الطريق، ونظمن خطواتي. وهكذا، عندما بدأت بالكتابة، كان هناك القليل من العوائق المادية على دربي. فالكتابة كانت إنشغالاً غير مؤذي وذا شهرة. لأن
سلام العائلة لا يمكن تعكيره بإزة قلم رصاص. لا شيء يُطلب من كيس العائلة. فبستة عشرة سنتيمات يمكن للمرء شراء ورقاً كافياً لكي يكتب عليه كل مسرحيات شكسبير -إذا ما كان ينوي ذلك-. فهو ليس بحاجة لا إلى بيانوهات ولا لنماذج، لا لباريس، فينا أو برلين، ولا يحتاج أيضاً لا للخلان ولا للخليلات لكي يكتب. إن رخص ورق الكتابة كان، بطبيعة الحال، سبباًً في نجاح النساء وتحولهن إلى كاتبات قبل نجاحهن في الوظائف الأخرى.
لكن لإخبارنك بقصتي-وهي قصة بسيطة-، ما عليكن سوى تخيل فتاة في فراشها وبيدها قلم رصاص. كما أنها غير مطالبةً بشيء آخر غير تحريك القلم من اليسار إلى اليمين-من الساعة العاشرة حد الواحدة. فيما بعد ما عليها إلاّ القيام بما هو سهل ورخيص في النهاية-أن تزلق تلك الصفحات في مغلف، تُلصق عليه طابع ببنس واحد على أحد إركانه، ومن ثم تُنزل ذلك المغلف في صندوق البريد الأحمر الموجود في أحدى زوايا الشارع.
هكذا شرعت بالتحول إلى صحفية، وكان إستحقاقي قد وصل في اليوم الأول من الشهر اللاحق -كان يوم إنتصار عظيم بالنسبة لي- مرفقاً برسالة من الناشر وصك يحتوي على باون واحد وعشرة شلنات وست بنسات. ولكي أظهر لَكُنَ بأنني لست جديرة إلاّ بصورة ضعيفة بلقب امرأة ذات مهنة، وكم هي هزيلة معرفتي بالنزاعات والصعوبات التي تعيشها نسوة العمل، لا بد من الإعتراف بأنه بدلاً من أن أنفق ذلك المبلغ الذي كسبته على شراء الخبز والزبدة، دفع الإيجار، شراء الأحذية والجواريب، أو دفع فاتورات القصاب، بدلاً عن كل هذا ذهبت وأشتريت قطة جميلة، قطة فارسية، سرعان ما سببت لي مشاحنات مع جيراني.
أي شيء أسهل من كتابة المقالات ومن ثم شراء قطط فارسية بما يربحه المرء من كتابتها؟ لكن لتنتظرن لحظة. على المقالات أن تكون حول شيء ما. مقالي ذاك، كما أتذكر، كان عن رواية رجل مشهور. وأثناء كتابتي لعرض تلك الرواية، أكتشفت بأنه إذا كنتُ أريد مواصلة عرضي للكتب، لا بد لي من الدخول في معركة مع شبح بعينه.كان ذلك الشبح امرأةً، وعندما عرفتها جيداً إسميتها، محاكاةً لبطلة قصيدة شعرية مشهورة، "ملاك الدار"(3). أنها هي من كان يأتي عادةً ويقف بيني وبين الورقة حين كنت أزمعُ على كتابة عروضي. وهي ذاتها منْ كان يضايقني ويُضَيّعَ عليَ وقتي وبالتالي يعذبني إلى حدّ قررت في النهاية قتلها. أنتن القادمات من جيل أكثر فتوة وسعادةً ربما لم تسمعن بإسمها-قد تجهلن ما أعنيه بملاك الدار. سأصفها بما أستطيع عليه من إختصار. كانت رقيقة للغاية. وشديدة الجاذبية. ولم تكن أنانية أبداً. وهي بارعة تماماً فيما يتعلق بفنون الحياة العائلية. إذ أنها كانت تضحي بحياتها يومياً. فإذا كانت طبخة اليوم هي الدجاج، كانت تكتفي بالساق؛ أمّا إذا كان هناك تيار هواء بارد، فهي لا تجلس إلاّ هناك، بإختصار أنها مصنوعةً بصورة تجعلها غير مكترثةً لا بذهنها هي ولا برغبتها الخاصة، ولكنها تفضل دائماً التعاطف مع ذهنيات ورغبات الآخرين.فوق ذلك كله -ولا حاجة بي لقول هذا- كانت نقيةً. فنقاوتها كانت بمثابة جمالها الرئيسي –تورد خدودها، كياستها العظيمة-. في تلك الأيام -نهاية حكم الملكة فكتوريا- كل بيت كان له ملاكه الخاص.وحينما بدأتُ بالكتابة إلتقيت بذلك الملاك من المفردة الأولى. كان ظل إجنحتها قد سقط على الورقة، وسمعت حفيف تنورتها في الغرفة. وما أن وضعت قلمي بيدي وإردت عرض رواية ذلك الرجل المشهور، حتى أنسلت خلفي وهمست لي: "يا عزيزتي، أنت فتاة صغيرة. أنك تكتبين عن كتاب كتبه رجل. لتكوني رقيقة؛ لتتعاطفي معه؛ لتطريه؛ لتغشي؛ لتستخدمي جميع فنون وخُدع جنسك. لا تدع أي أحد يخمن بأنك تتمتعين بذهنية خاصة بك. فوق كل هذا، لتكوني نقية". وهكذا كانت تتصرف وكأنها توجه قلمي. أتذكر الآن الخطوة الأولى التي أتخذتها لتعزيز ثقتي بنفسي، مع أن مصدر تلك الثقة في الحقيقة تعود لرجل رائع من أسلافي والذي أورثني مبلغاً معيناً من المال –هل علي أن أقول بأن ذلك المبلغ كان خمسمئة باوند في العام؟- وبهذا لم يكن من الضروري أن أظل معتمدةً على السحر وحده لمواصلة حياتي. إستدرت نحوها وقبضت عليها من حنجرتها. قمت بإفضل ما يمكنني لقتلها. سيكون تبريري، حتى وإن كان سيحصل في قاعة محكمة، هو القول بأن ذلك قد حدث كدفاع عن النفس. فلو لم أقتلها، لقتلتني. ولكانت قد إنتزعت قلب كتاباتي. لأنه لا يمكن لأحد، مثلما أكتشفت ذلك في لحظة تناولي لقلمي، أن يقوم حتى بعرض رواية أن لم يتمتع بذهنيته الخاصة، ومن دون أن يُعبر عما يعتقده حقيقةً حيال العلاقات الإنسانية، الأخلاق، أو الجنس. وجميع هذه القضايا، من وجهة نظر ملاك الدار، لا يمكن لامرأة تناولها بحرية وصراحة، بل يجب ان توضع بصيغة فاتنة، وجعلها تتوافق مع...، ويجب ويجب –ولكي نقولها مباشرة- لا بد من الكذب لتمريرها. وهكذا، كلما شعرتُ بظل جناحها أو تألق هالتها من فوق الورقة التي أكتب عليها، أمسك بمحبرتي وأقذفها على وجهها. ماتت بقساوة. كانت طبيعتها التخيلية تشكل عوناً كبيراً لها.
فقتل شبح أكثر صعوبةً من قتل الواقع. كانت تزحف نحوي ثانية، في كل مرة أطردها. ومع أني أطري نفسي بقتلها في النهاية، ألاّ أن المعركة كانت قاسية، وقد أستغرفت زمناً طويلاً كان من الأجدر إنفاقه لتعلم النحو الأغريقي؛ أو بالجولان من حول العالم بحثاً عن المغامرات. لكنها كانت تجربة حقيقية، تجربة كانت ترغم كل النساء الكاتبات في ذلك الوقت على الفشل. أن قتل الملاك في الدار
كان جزءً من إنشغال المرأة الكاتبة.
لكن عليَ مواصلة قصتي. لقد مات الملاك؛ ما الذي بقي حينئذً؟ ربما تقلن بأن ما بقي هو موضوع عام وبسيط –فتاة في سريرها مع محبرة. وبكلمات أخرى، لقد تخلصت من الزيف، وما على تلك الشابة إلاّ أن تكون نفسها. آه، لكن ما معنى "نفسها"؟ أعني، ما هي المرأة؟ لتطمئنن، أنا نفسي لا أعرف. ولا أعتقد بأنكن تعرفنَ. ولا أظن بأن أحداهن تعرف ذلك قبل أن تُعبر عن نفسها عبر ممارسة
جميع المهن المفتوحة أمام المهارة الإنسانية. وكان هذا في الواقع واحداً من الأسباب التي جعلتني أأتي إلى هنا –بسبب من احترامي لَكُنْ، لمواصلتكن العمل لجعلنا نرى، بفضل تجاربكن، ما هي المرأة، وتقدمن لنا كذلك، من خلال نجاحاتكن وإخفاقاتكن، ذلك الجانب المهم من المعلومات.
سأعود ثانية لمتابعة قصة تجاربي المهنية. كنت قد كسبت باوند واحد وستة شلنات مقابل عرضي الأول لكتاب، وأشتريت قطة بما ربحته. بعد ذلك، أصبحت طموحةً. فإمتلاك قطة فارسية شيء لا بأس به. لكني قلت في نفسي، هذا لا يكفي. وهكذا، تحولت إلى روائية –لأنه من الغرابة بمكان أن يدفع لكم الناس مبلغاً لشراء سيارة إذا كنتم قادرين على إمتاعهم بقصة. والأغرب من هذا أنه ليس هناك ما هو أكثر صعوبةً في العالم من حكاية القصص. وأكثر متعةً بما لا يقاس من كتابة عروضاً للروايات الشهيرة. ومع ذلك، إذا ما إستجبت لطلب سكرتيرتكن وتحدثت لكن عن تجاربي المهنية كروائية، سيكون من الواجب عليَ اخباركن عن تجربة غريبة كانت قد حدثت لي كروائية. ولكي تفهمنها، يجب عليكن القيام بمحاولة تخيل الحالة الذهنية للروائي. آمل أن لا أقوم بكشف أحد إسرار المهنة إذا ما قلت بأن رغبة الروائي الرئيسية هي أن يكون غير واعي قدر ما يستطيع. إذ يتحتم عليه أن يُقحم على نفسه نوعاً من النعاس الدائمي. فهو يرغب بأن تتواصل الحياة بأكبر قدر ممكن من الهدوء والإنتظام. أنه يحتاج لرؤوية نفس الوجوه، قراءة ذات الكتب، القيام بنفس الأشياء يوماً بعد آخر، شهراً بعد شهر، حينما يكتب، لكي لا يأتي أي شيء يمكنه تحطيم الوهم الذي يعيش فيه -حتى لا يتسبب أي شيء بتشويش أو أقلاق تلك الحوافي العجيبة التي تُحيطه، المشاعر التي تطوقه، السهام التي يقذفها، الإندفاعات والكشوفات المُباغة التي تقوم بها تلك الروح الخجولة تماماً والمُخادعة، المخيلة. أظن أن هذه الحالة مشتركة ما بين النساء والرجال. ولتكن ما هي عليه، بيد أني أرغب في أن تتخيلني أكتب رواية وأنا في حالة من النشوة الصوفية. أريد منكن أن تتصورن فتاة تجلس وهي ماسكة على قلمها بيدها، لم تغمسه منذ دقائق، منذ ساعات في المحبرة. الصورة التي تحظر في ذهني عن تلك البنت هي صورة الصياد الجالس وهو يغطس في احلامه على حافة بحيرة عميقة ماسكاً بيده خيط صنارته من فوق المياه. أنها تدع مخيلتها تندفع حرةً من حول كل صخرة أو شرخ في ذلك العالم الغارق في أعماق كينونتنا اللاوعية. بعد ذلك جاءت التجربة التي أعتقد أنها مشتركة إلى حد بعيد بين النساء أكثر من كونها عند الرجال. كان الخط يركض من بين أصابع الفتاة(4). وإنطلقت مخيلتها بسرعة. لقد بَحَثتْ عن البرك، الأعماق، الأماكن المظلمة التي يمكن للسمكة الضخمة أن تنام فيها. ومن ثم كان هناك تحطم. إنفجار.
كان هناك من الزبد والإلتباس. لقد قذفت المخيلة بنفسها على شيء صلب. لقد تمّ إيقاظ الفتة من حلمها. لقد كانت في الواقع في حالة من الكآبة الصعبة والحادة. ولكي أتحدث بلا صورة كانت تفكر بشيء ما، شيء يخص الجسد، حول الإنفعالات التي لا تناسبها كامرأة مثلما يُقال. فالرجال، كما أوحى لها عقلها، قد يصدمون. ذلك لأن الوعي بما سوف يقوله الرجال عن امرأة تتحدث بصدق عن عواطفها قد جعلها تستيقظ من حالتها الفنية اللاواعية. لم يعد بمقدورها بعد الكتابة. لقد تلاشت النشوة. وتوقفت مخيلتها عن العمل. أعتقد أن هذا الشيء هو تجربةً شائعة تماماً ما بين النساء الكاتبات –فهن مُخصبات بالتقليدية القصوى للجنس الآخر . ففي الوقت الذي يبيح به الرجال لأنفسهم التمتع بأكبر ما يمكن من الحرية على هذا الصعيد، أشك أن يكونوا حذرين، أو يمكنهم ضبط القسوة الهائلة التي يدينون عبرها حرية كهذه عند المرأة.
هاتان هما إذن تجربتي الأصليتين. لقد كانتا مغامرتين في حياتي المهنية. الأولى –قتل الملاك في البيت- أعتقد أني حللتها. لقد ماتت. غير أن الثانية، أي قول الحقيقة عن تجاربي الخاصة كجسد، لا أظن أنني حللتها.
وأشك بأن أي امرآة قد حلتها من قبل. فالعوائق ما زالت شديدة القوة أمامها-ومع ذلك يصعب تحدّديها.فإذا نظرنا من الخارج، ما الذي يمكن أن يكون أسهل من كتابة كتاب؟ خارجياً، ما هي العوائق القائمة في طريق المرأة أكثر مما هي قائمة على طريق الرجل؟ داخلياً، أعتقد أن القضية مختلفة تماماً؛ فهي ما زالت مرغمةً على قتال العديد من الأشباح، والكثير من المظالم التي ينبغي عليها تخطيها. في الواقع، ستحتاج المرأة لكثير من الوقت قبل أن تجلس إلى طاولتها والشروع بكتابة كتاب، من دون أن تجد امامها شبح يتحتم عليها القضاء عليه، أو صخرة ترتطم بها. فإذا كان هذا هو الحال في الأدب، المهنة الأكثر حرية بالنسبة للمرأة، فما الذي يمكن أن يكون عليه في المهن الجديدة التي تدخلن فيها للمرة الأولى؟
تلك هي الأسئلة التي كان بودي، لو كان لدي الوقت، طرحها عليكن. وفي الحقيقة، إذا كنتُ قد شددت على تجاربي المهنية، فذلك لأني أظن بأنها، وإن بطريقة مغايرة، تجاربكن أيضاً. فحتى عندما يكون الطريق مفتوحاً إسمياً-عندما لا يكون هناك ما يمنع المرأة من أن تكون طبيبة، محامية، أو خادمة اجتماعية، يظل، في أعتقادي، العديد من الأشباح والعوائق التي تعرج على طريقها. إن مناقشة ذلك
وتحديد نوعية تلك الأشباح والعوائق تبقى ذات قيمة وأهمية في تقديري، فبمثل هذه الطريقة يمكن للعمل أن يكون مشتركاً، وللصعوبات أن تُحل. لكن إلى جانب هذا، من الضروري كذلك مناقشة الغايات والأهداف التي نقاتل من أجلها، التي نشن من أجلها معركة على تلك العوائق العظيمة.
إذ لا يمكننا حسبان تلك الأهداف مضمونةً؛ فعلينا دائماً وضعها على المحك والقيام بفحصها.
إن الوضع برمته، مثلما أراه –في هذه القاعة المُحاطة بالنساء اللواتي يمارسن للمرة الأولى في التاريخ لا أدري كم من المهن الجديدة- واحد من أهم الأوضاع وأكثرها إثارةً. لقد حصلتن لأنفسكن على غرف خاصة بكن كانت إلى هذا الوقت حكراً على الرجال. لقد أصبحتن قادرات، بالرغم من العمل والجهود التي تبذلنها، على دفع إيجار غرفكن. وذلك لأنكن تربحن اليوم الخمسمئة بواند
في كل عام. بيد أن هذه الحرية ما هي إلا البداية؛ فالغرفة صارت غرفتكن، لكنها ما تزال عاريةً. إذ يجب فرشها، تزينها؛ وتقاسمها. كيف ستقمن بفرشها، بتزينها؟ مع منْ سوف تتقاسمنها، وإلى أية مدة؟ أعتقد أن هذه الأسئلة غاية في الأهمية والإثارة. فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تستطعن بها طرحها؛ وللمرة الأولى أيضاً تكن قادرات على تقرير نوع الإجابات التي تناسبها. لدي حقاً رغبة
في البقاء ومنقاشة تلك الأسئلة معكن- لكن ليس هذا المساء. لقد أنتهى الوقت المُخصص لي، وعلي التوقف.
2- اللمسة الأنثوية في القصة
يبدو أن السيد "كورتني" متأكد من وجود شيء ما إسمه اللمسة الأنثوية في القصة؛ كذلك فهو يرغب بتحديد طبيعتة في الكتاب الذي نتناوله هنا، مع أنه قد أشار في البداية بأن وجهتي النظر الذكورية والأنثوية مختلفتان تماماً بحيث لا يمكن لأحدهم فهم الآخر. على أية حال، لقد قام بمحاولة شاقة؛ جعلته ينتهي من حيث بدأ، وقد يكون ذلك جزئياً لنفس السبب الذي ذكرناه للتو. فهو يقدّم لنا ثمان
دراسات متأنية ومُعتنى بها تماماً عن أعمال نساء كاتبات معاصرات، يؤكد من خلالها وبالتفصيل على حبكات أكثر كتبهن نجاحاً. لكن ربما كان بإمكاننا إعفائه من تجشم ذلك التعب، في مقابل حكم محدد؛ فنحن جميعاً نستطيع قراءة السيدة "همفري يارد"، مثلاً، وتذكر قصتها؛ غير أننا نريد من الناقد أن يفصل ما بين فضائلها وإخفاقاتها، حتى يحدد موقعها الأدبي وأن يقرر أي من خصائصها أكثر أنثوية ولأي سبب، وما مغزى تلك الخصائص. لقد أوحى لنا السيد "كورتني" عبر عنوانه بأنه سيقوم بذلك في مطلق الأحوال، لكننا أكتشفنا بخيبة لا تخلو من الدهشة بأنه لم يلتزم بما وعد به.
أليس من المبكر تماماً نقد "اللمسة الأنثوية" في أي شيء؟ وبأن نقد المرأة الصحيح ينبغي أن يأتي من المرأة؟
نحن نعتقد بأن السيد "كورتني" يشعر بشيء من هذه الصعوبة؛ إذ لا تنطوي مقدمته، التي كنا نتوقع أن نعثر فيها على نوع من الخلاصة، سوى على محاولات نقدية وإستنتاجات. فالنساء، كما نفهم منه، نادراً ما يكن فنانات، ذلك لأنهن يتمتعن بحماس في التفاصيل يتنافض مع الجانب الفني في عملهن. لكننا نستطيع ذكر "سافو" و"جان أوستين" كمثالين لأمرأتين عظيمتين يجمعن ما بين التفصيلة الرائعة وذروة المعنى في الجانب الفني الخاص. ومن جديد، النساء بارعات في "النمنمة التحليلية الدقيقة للعمل"؛ فهن يشعرن
بسعادة أكبر عندما يقمن بإعادة الإنتاج بدلاً من الإبداع؛ لأن عبقريتهن مكرسة للتحيل البسيكولوجي - كل هذا نتلقاه بإهتمام، مع أننا نحتفظ بحكمنا للمئة عام القادمة أو نسلمه كأرث لمن يخلفونا. ومع ذلك علينا أن نلاحظ، كمثال على صعوبة المهمة التي أوقع السيد "كورتني" نفسه فيها، بأنه قد وجد من بين الثمانية نساء الكتابات اللواتي أختارهن أثنتان "فنانتان"- وأثنتان تتمتعان بقوة ينبغي على المرء تسميتها، إذا ما كان له نفس عمر السيد "كورتني"، بالقوة الرجولية، وبأن أي زوج منهن، في الحقيقة، لا يمكن أن يدخل تحت العنوان الذي أختاره لهن، بالرغم من إمكانية توزيعن بخشونة، كالرجال، على مدارس مختلفة. على أية حال، يبدو أن الأمر غاية في الوضوح من وجهة نظر السيد "كورتني" بأن إختفاء الرواية كعمل فني يرجع لسبب أن العديد والعديد من الروايات المكتوبة من قبل نساء لا تتوجه إلاّ لغيرهن من النساء الأخريات. قد يكون القسم الأول من شاهدته صحيحاً؛ فهو يعني بأن النساء اللواتي أكتشفن أصواتهن لديهن شيئاً يقولنه وبالتالي فإن النساء الأخريات يولين ذلك الشيء، بطبيعة الحال، أقصى درجات أهتمامهن، لكن لا يمكننا تحديد طبيعة ذلك الشيء. على أية حال، يبدو لنا التأكيد على أن المرأة الروائية قد أختارت الرواية لتميّيز نفسها أمراً مشكوك فيه تماماًَ. إذ يمكن أن يكون توسيع المرأة لأفقها عبر دراستها للإعمال الإغريقية والرومانية الكلاسيكية قد منحها نظرة شديد الصرامة حيال الأدب ستجعل منها فنانةً، وستمكنها في الوقت المناسب من صياغة رسالتها ضمن حلية فنية دائمية، بعد أن أبتعدت عنها شكلياً نوع ما. لقد قدّم لنا السيد "كورتني" مادة تصلح للعديد من الأسئلة كتلك التي طرحناها، بيد أن كتابه لم يقم بأي شيء من شأنه منعها في أن تبقى محض اسئلة.
ملاحظات:
(1) ألقت فيرجينيا وولف هذه الكلمة في "الجمعية الوطنية للخدمة النسوية" في 21 يناير/كانون الثاني 1931؛ وقد نشرت بعد وفاتها في كتاب "موت عثة الملابس" 1942.
(2) بيبا "فيليبا ستراشي" (1872-1986). إن كتابة تلك المحاضرة قد أعطى لفيرجينيا وولف فكرة عملها الروائي الرئيسي الذي أعقب تلك الكلمة : "الأمواج". تكشف يومياتها في 20 يناير 1931 عم يلي: في اللحظة التي كنت أتناول فيها حمامي، تولدت لدي فكرة كتاب جديد تماماً –العمود الفقري لكتابي "غرفة خاصة بالمرء" عن الحياة الجنسية للنساء : إن تسمى بالمهن النسوية ربما، أية إثارة يا إلاهي!
إنتزعت هذا من أوراقي لقراءته يوم الأربعاء في جمعية بيبا (اليوميات، مجلد رقم 4، ص 6).
(2) فاني بيرني (1752-1840) وروائية وكاتبة يوميات، أفرا بهن (1640-89) شاعرة، روائية، كاتبة مسرح، أمّا هاريت مارتينو (1802-76) فقد كتبت العديد من المقالات. لقد كتبت فيرجينا وولف عن الكاتبات الروائيات وعن الحاجة "للرجوع عبر أمهاتنا" في كتابها "غرفة خاصة بالمرء"
(1929؛ منشورات دار بنغوين، 1945؛ ثم أعيدت طباعته في عام 1993؛ أنظر خاصة ص 69).
(3) "الملاك في البيت" : قصيدة تمجد الحب المنتهي بالزواج لكوفنتري باتمور (1832-96)، الذي يجعل من دور المرأة البيتي شيئاً مثالياً. في عبارة محذوفة في النسخة الكاملة لذلك النص تحدّد تلك المرأة بإعتبارها "المرأة التي ما يرغب الرجال أن تكون عليه".
(4) كانت وولف قد وصفت التفكير بإعتباره سيرورة تشبه عملية الصيد في السنارة وذلك في كتابها "غرفة خاصة بالمرء" (1929، منشورات بنغوين، 1993، ص 5). في نسخة مطولة من ذلك النص تظهر المرأة الصيادة أشد غضباً على قمع فكرها الممنوع. لقد قيل لها أن تنتظر "حتى يصبح الرجال متحضرين ولن يصدموا عندما تقول مرأة الحقيقة فيما يتعلّق بجسدها"
(1) ألقت فيرجينيا وولف هذه الكلمة في "الجمعية الوطنية للخدمة النسوية" في 21 يناير/كانون الثاني 1931؛ وقد نشرت بعد وفاتها في كتاب "موت عثة الملابس" 1942.
(2) بيبا "فيليبا ستراشي" (1872-1986). إن كتابة تلك المحاضرة قد أعطى لفيرجينيا وولف فكرة عملها الروائي الرئيسي الذي أعقب تلك الكلمة : "الأمواج". تكشف يومياتها في 20 يناير 1931 عم يلي: في اللحظة التي كنت أتناول فيها حمامي، تولدت لدي فكرة كتاب جديد تماماً –العمود الفقري لكتابي "غرفة خاصة بالمرء" عن الحياة الجنسية للنساء : إن تسمى بالمهن النسوية ربما، أية إثارة يا إلاهي!
إنتزعت هذا من أوراقي لقراءته يوم الأربعاء في جمعية بيبا (اليوميات، مجلد رقم 4، ص 6).
(2) فاني بيرني (1752-1840) وروائية وكاتبة يوميات، أفرا بهن (1640-89) شاعرة، روائية، كاتبة مسرح، أمّا هاريت مارتينو (1802-76) فقد كتبت العديد من المقالات. لقد كتبت فيرجينا وولف عن الكاتبات الروائيات وعن الحاجة "للرجوع عبر أمهاتنا" في كتابها "غرفة خاصة بالمرء"
(1929؛ منشورات دار بنغوين، 1945؛ ثم أعيدت طباعته في عام 1993؛ أنظر خاصة ص 69).
(3) "الملاك في البيت" : قصيدة تمجد الحب المنتهي بالزواج لكوفنتري باتمور (1832-96)، الذي يجعل من دور المرأة البيتي شيئاً مثالياً. في عبارة محذوفة في النسخة الكاملة لذلك النص تحدّد تلك المرأة بإعتبارها "المرأة التي ما يرغب الرجال أن تكون عليه".
(4) كانت وولف قد وصفت التفكير بإعتباره سيرورة تشبه عملية الصيد في السنارة وذلك في كتابها "غرفة خاصة بالمرء" (1929، منشورات بنغوين، 1993، ص 5). في نسخة مطولة من ذلك النص تظهر المرأة الصيادة أشد غضباً على قمع فكرها الممنوع. لقد قيل لها أن تنتظر "حتى يصبح الرجال متحضرين ولن يصدموا عندما تقول مرأة الحقيقة فيما يتعلّق بجسدها"
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لحسين عجة
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك