الرئيسية »  الـقـصة»  الفصل الرابع من رواية " سوق الدير "

الفصل الرابع من رواية " سوق الدير "

عدد مرات المشاهدة :401 - 10/ 10/ 2009

محمد نصار

الفصل الرابع من رواية " سوق الدير "

  

بعد تلك الجلسة الدافئة أصبح أبي عضوا رئيسيا في الجماعة ، لم يفته لقاء بعدها أو بالأحرى لم يفوت أي منها ، كان شديد الحرص على التواجد وإبداء الرأي ، تشجعه في ذلك تجربة السجن التي خاضها من قبل وطريقة حديثه التي لا تخلو من دعابة يستريح لها منصتيه .
في أحيان كثيرة كان يتجنب الحديث عن بعض القضايا بحضوري ، فيتذرع حينها بما يبعدني عن الجلسة ، كإعداد إبريق من الشاي مثلا ، فانطلى الأمر علي في المرة الأولى والثانية ، لكن بعد أن تكرر الطلب لأكثر من مرة ، أدركت حينها بأنه لا يريدني أن أسمع ما يقول وزاد يقيني من هذا ،حين اعترض أحدهم ذات مرة قائلا : مالك يا أبو حسين !.. خليه يسمع ويعرف ولا هو صغير يعني !.
غير أني لم أجرؤ على النزول عند رغبة الرجل ، حتى وإن لم يعقب أبي على كلامه ، لكني عرفت فيما بعد أن خوف أبي علي كان أقوى من خوفه على نفسه ، خصوصا بعد أن تطور ارتباطه بالجماعة من مشاركة وحديث إلى خروج متكرر يضطرني في ليال عديدة للبقاء وحيدا .. ساهما .. شاردا تنتابني الظنون والهواجس من كل حدب ، فلا أغفو حتى يعود وأحيانا يغلبني النعاس فلا أدري في أي ساعة عاد ، إلى أن باغتني ذات ليلة صوت الرصاص المنبعث من مكان قريب ، ربما جاء من قبل الطريق المحاذي لطرف البيارة الجنوبي ، كان قويا غزيرا على نحو أعاد لي ذكرى الليلة الأخيرة في المبروكة ، شعور بالرهبة تملكني ، فحاولت أن أنادي على سالم ، لكن خوفي من وجود أحد ما بقربنا ، جعلني أتسحب بصمت وحذر نحو البيت القديم .
خشيت ألا أجده هناك ، فتذكرت رؤيتي له إثر خروجهم من المكان ، اختلى بأبي لبعض الوقت ، ثم ودعه وعاد للملمة ما بقي من أشياء خلفهم وإخفاءها ، استرجعت على نحو سريع ما مضى من ليال مشابهة ، فوجدته لم يغادر في أي منها وكأن مهمة ما أوكلت إليه ، أو أن دوره متأصلا في المكوث والمتابعة .
دفعت الباب فوجدته يجوب الغرفة بقلق وتوتر .. نظر إلي بذهول فاجأني ، لكنه استدرك الأمر على عجل وأقبل نحوي مستفسرا : عساك بخير ؟ .
- مش عارف أنام .. حاسس كأن الضرب علينا .
- لا .. الضرب بعيد بس صوته يجاوب مع الليل . قال محاولا رسم ابتسامة على شفتيه .
- أبوي .. خايف ليكون صار له حاجة .
- يا رجل ! .. أبوك يخاف الخوف منه . عقب الرجل قائلا ، ثم أتبعها بضحكة جاهد لكي تبدو حقيقية ، لكنه فشل في ذلك ، عندها آثر قطع الطريق علي بطريقة ذكية ، فدنا مني وهمس قائلا : تعال أسقيك شاي وبعدين يحلها ربك .
- لا تتعب حالك .
- لا تعب ولا حاجة .. النار مشعلة والإبريق جاهز .
كان يحاول الهروب مني وربما من لحظات خوف تغشاه مثلي ويعجز عن مداراتها عني ، بدا ذلك في نظرات عينيه التي تتحاشى النظر إلي وفي حركة يديه وصمته الذي يعانده بإلحاح ، فيأبى الرضوخ إليه حتى لا يجعل منه شاهدا على شرود ينتابه أو شيء يشغله .
ظل يولد الحكايا من بعضها والوقت يمضي ثقيلا .. منهكا .. تنتابه اللحظة بتداعياتها المربكة ، تارة يسألني عن المبروكة وأهلها وأخرى يحدثني عن سلما ورجالاتها ، يشده الحماس فيحلق خارج حدود اللحظة، يستذكر الجولات التي دارت بينهم وبين اليهود ..يستعيد تفاصيلها .. رجالاتها ، يذكرهم بالاسم ، كذكر أحدنا لعزيز غاب أو رحل ، خصوصا الشهداء منهم ، فينجح أحيانا في إخراجنا من دائرة الراهن الجاثم على أنفاسنا إلى فضاء الحكاية الممزوج بانفعالات الخيال المحلق وأحيانا يشدنا الواقع بمرارته وقسوته فيطبق الصمت ممزوجا بصوت ارتشافنا للشاي المطبوخ على وهج اللحظة .
حركة في الأغصان القريبة جعلتنا نرهف السمع وصوت تهشم بعض الأوراق والعيدان اليابسة ، دلنا على المكان الذي جاء من قبله .. شبح الآتي بزغ من بين الأشجار القريبة .. توقف لبرهة محدقا فينا ، ثم أقبل نحونا .
- الحمد لله ع السلامة يابا .
ضممته إلي بقوة لا أدري كيف حلت بي ولا من أين حطت ، شعور بالارتياح عمني ، لكنه سرعان ما تبدل وحلت مكانه لحظات كأنها دهر بأكمله ، هواجس وخواطر تتداعى في رأسي على نحو مفجع .. تتقاذفني بلا رحمة ، كأنها تقتص مني لذنب لم أقترفه أو كان وأجهله ، ظلت تغرس أنيابها في بلا شفقة حتى أجهشت بالبكاء ، فربت على كتفي حينها وقال معاتبا :البكاء للحريم .
_ له يا أبو حسين .. ابنك سيد الرجال .
أقبل الرجل على أبي ، عانقه بدوره ثم تناول منه البندقية وركنها في مكان قريب ، صب كوبا من الشاي وناوله لأبي ، فارتشف منه عدة رشفات ثم وضعه جانبا وراح يخلع قميصه بحذر شديد .. نظرت إلى يده اليمنى فرأيت بقعا من الدم تغطي مساحة من ذراعه ، أقبلت عليها بخوف شديد ، فابتسم في وجهي وقال مطمئنا : خدش بسيط .
أسرع سالم بإحضار حقيبة صغيرة ، فتحها على عجل ، ثم أخرج مقصا وبعض اللفائف القطنية ، مسح البقع المتخثرة فوق الجرح وتفحصه تفحص الملم العارف ثم قال : لازمه ثلاث غرز .
- لفه يا رجل كيف مكان وخلصنا .
- اللي لازم لابد من عمله . ، قال الرجل معقبا .
- اللي تشوفه يا سيدي . ، ثم نظر إلي وقال موضحا : أصله سالم خدم مع طبيب في الجيش التركي.،أدركت حينها سر بقائه في المكان كلما خرج الرجال لأداء مهمة من هذا النوع .
أنجز الرجل مهمته على نحو سريع وبدقة لم أكن لأتوقعها منه ، لكن كلام أبي الذي أشار فيه إلى خدمته في صفوف الجيش التركي جعلني أستوعب الأمر وإن كنت في لحظة ما ، لم أعد قادرا على التمييز بين سالم الذي أعرفه منذ شهر أو أكثر وهذا الذي أراه أمامي مداويا موصيا ، كحكيم المبروكة مع فارق الشكل .
- في حد غيرك صار له شي؟ . سأل الرجل مستوضحا .
- كلهم بخير .. أنا الوحيد من بينهم اللي مثل ما أنت شايف .
- هذا نصيبك .. على كل حال خذوا غفوة قبل ما تطلع الشمس . ، قال الرجل ، ثم لملم أشياءه وانصرف تاركا المكان لنا ، عندها نظر إلي أبي وأشار إلى البندقية قائلا : خذها ودسها في كوم التبن اللي في الحوش .
كانت المرة الأولى التي تلامس فيها يدي مثل هذا الشيء ، رعشة سرت في جسدي لحظة أن حملتها وخرجت إلى حيث أشار ، ثم تحولت فجأة إلى إحساس غريب بالقوة ، دفعني لأن أسدد في الهواء أكثر من مرة ، رغم جهلي التام بطريقة وآلية عملها وقبل أن أدسها في كوم التبن ، وقفت أتأمل تفاصيلها بعمق وروية ، وكأني أقرأ في دفتر أسرارها تلك الأسباب التي تمكنها من مصائر البشر .
لحظة عودتي كان أبي ما يزال يقظا ، سألني إن كنت قد أنجزت المهمة على النحو الذي أراد ، فأجبته على نحو أشعره بالارتياح ، وجعله يهمس بصوت مسموع : لازم أشوف إدريس الصافي حتى يشغلك معه .
تفاجأت بما قال ، لكني آثرت التريث والانتظار إلى حين اتضاح الصورة ، رغم إحساسي القاطع برغبته في إبعادي عن المكان بأي ثمن كان ، ربما كان خوفه علي هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك ، خصوصا بعد الذي حدث في هذه الليلة وربما كانت رغبته بعدم زجي في هذا الأتون المستعر حتى لا يبتلعنا معا هي الأصل في ذلك .
حين صحونا في صبيحة اليوم التالي كانت الشمس ضحى وبعضا من وهجها يتسلق خيوط أشعتها المنسابة عبر إحدى النوافذ المطلة على فراشنا ، لسع وهجها الملامس لصفحة خدي جعلني أتململ في الفراش محاولا الهروب منه، لكن وقع أقدام قريبة، طير ما علق في جفوني من نعاس ، نظرت حولي بشيء من الخوف والتوجس ، فطالعني وجه سالم بابتسامته المعهودة ، نظر إلي الرجل بشيء من الارتياح وقال : ما رضيت أنبهكم .. قلت خليهم يرتاحوا .
على وقع حديثنا الهامس أفاق أبي ، نظر إلينا بتفحص ، ثم ألقى بالتحية وراح يتحسس يده ، فسأله سالم إن كان يشعر بشيء ما، عندها ابتسم وقال معقبا : الله يرحمك يا مبروك .. لو شافها لتفل عليها ومشي .
- على هيك تعالوا نفطر .
خرج إلى حيث اعتدنا الجلوس تحت الدالية ، فتبعناه إلى هناك ، نظر أبي إلى طبق الطعام وقال معاتبا : متعب حالك يا سالم ؟ .
- ولا تعب ولا حاجة .. كله من ميسور البيت .
- ربنا يزيد ويبارك .
كان الطبق زاخرا بأصناف الطعام حتى حرت في أيها أبدأ ، في البيض أم في العسل .. في الزيت أم في اللبن ، لكني عزفت عن هذا وذاك وأقبلت على شطائر مغموسة بالزبد والعسل لم أر لمذاقها مثيلا من قبل ، تذكرت حينها خميس الشيخ إبراهيم يوم أن خبزت أمي كمية من الشطائر المحشوة بالقرفة والسكر من أجل توزيعها على المقرئين عند القبر ، كان مذاقها قريبا من هذه التي بين يدي رغم الفارق الكبير بينهما .
حين رفع أبي يده من الطعام شاكرا للرجل حسن صنيعه ، شعرت بالخذلان.. بالإحباط ولم يعد بمقدوري الاستمرار بعده ، رفعت يدي من الطعام والنفس تشتهيه ، مما أثار عجب الرجل واستهجانه : الأكل مش عاجبكم ؟ .
- استغفر ربك يا رجل !. هذه نعمة من الله ، لكن الواحد منا فطوره بالخاطر .
- يبقي نشوفكم ع الغداء .
- إذا كان في نصيب .
- النصيب حاضر . ، ابتسم الرجل وقال معقبا .
- أصلنا نازلين البلد .، رد أبي موضحا.
- خير إن شاء الله ؟ . سأل الرجل مستفسرا .
- واصلين صاحب من بلدنا في سوق الدير ويمكن نمد ع المبروكة من هناك .
- على بركة الله .
لحظة نزولنا من الشاحنة التي أقلتنا إلى السوق ، كان صوت المؤذن في المسجد القريب يصدح بآذان الظهر ، فأشار أبي بأن نتوجه إلى الصلاة أولا ومن ثم نتابع مشوارنا في البحث عن إدريس الصافي ، أومأت برأسي مؤمنا على كلامه وسرنا قاصدين متوضأ المسجد ، فشد انتباهي اتساع المكان ونظافته وحين دلفنا إلى بهو المسجد وقفت مبهورا أمام الزخارف والنقوش القرآنية المرسومة على جدرانه وأعمدته الرخامية الناصعة البياض ، تحسست البسط الناعمة تحت قدمي ، فباغتتني صورة الحصر المهترئة في مسجد المبروكة .. سحرني المنبر بزخارفه وألوانه الذهبية .. استعادني صوت أبي : سنن قبل ما يرفع الآذان.، لكن صوت المؤذن كان أسرع مني .
لحظة خروجنا من المسجد سألت أبي عن أسمه ، فقال : مسجد السكسك .
وقبل أن نهيم في السوق الكبير بحثا عن إدريس الصافي ، اقترح أبي أن نعرج على مقهى الانشراح ، نأخذ مشروبا ونستريح لبعض الوقت ، فتكون زحمة السوق قد خفت قليلا، الأمر الذي سييسر علينا معاناة البحث ويجنب أبي مشقة الاحتكاك بالناس في هذا الزحام ، خصوصا أن جرحه لم يلتئم بعد .
أقبل الشاب الذي خدمنا في المرة السابقة ، ألقي التحية بوجه بشوش وابتسامة عريضة ، ثم سأل عن طلباتنا ، فجاء رد أبي كالمعتاد : شاي . ، فاستدار الشاب لتلبية الطلب ، لكني سألته من جديد إن كان لديهم شيئا باردا ، فنظر إلي أبي نظرة تشي بما يعتريه من ضيق .
- أصل العطش ذبحني . ،قلت مبررا مطلبي .
- عنا عرق سوس يطفئ نار العطشان . ، تغنى بها الشاب بصوت جميل ، ثم تركنا وانصرف لجلب الطلبات .
- بسلامتك طحت في الأكل كأنك ما شفته من قبل . ، قال أبي بنبرة تشي باللوم والتقريع .
- له يابا .. لقمتين اللي أكلتهن ، لكن الدنيا حر اليوم .
- لقمتين عسل في الحر ، تخليك عطشان طول اليوم .
أقبل الشاب من جديد حاملا طلباتنا ، فبدا من شكل أبي بأنه سيسأله عن شيء ما ، لكنه أحجم في اللحظة الأخيرة
.. دخلنا إلى السوق الذي كان ينبض بالحركة والحياة ، أصوات الباعة تحاصرنا من كل جانب ، مشاهد الفاكهة المرصوصة بنسق هندسي بديع يبهج الناظر إليها .. أصنافها المتعددة وألوانها الزاهية تثير النفس وتفتح الشهية ..روائحها الفياحة تمتزج بروائح البخور والتمور في محلات البقالة على الجانب الآخر من الشارع ، فتعطي مزيجا زكيا لم أجد ريحه من قبل ، رطوبة المكان هونت من وهج الحر في الخارج ، صوت يباغتنا من مكان قريب، فيهمس أبي بارتياح : هذا إدريس الصافي . ، حتى قبل أن يرى وجه الرجل الذي اندفع خارجا من أحد المحال باتجاهنا ، صافحنا بحرارة بالغة، ثم اصطحبنا إلى داخل الدكان ، أشار إلى مقعدين في ركن منها ،فجلسنا حيث أشار وانشغل هو بغسل بعض الفاكهة ثم بوضعها أمامنا .
- والله زمان يا أبو حسين .. صار لي مدة ما شفتك .
- إن شاء الله ما تشوف ردي ، مثل ما أنت عارف مشاغل الدنيا كثير .
- يا سيدي .. ربنا يصلح الحال . ، ثم سأل إن كنا في السوق من أجل التسوق ، أم جئنا لغرض بعينه ، فأطرق أبي قليلا ثم قال : والله يا شيخ قاصدك تخدمني في شغل حسين اللي سبق وحكيت عنه .
- يا سلام .. والله يا بني حظك يفلق الحجر ، اليوم الصبح عاد علي الرجل الطلب كمان مرة .
- علي هيك خلينا نشوفه . قال أبي متعجلا .
- طول روحك لحين ما يصل المعلم .
لم يطل انتظارنا كثيرا ، فما هي سوى لحظات قليلة ، حتى دخل علينا رجل في الستين من عمره ، قصير القامة .. ممتلئ الجسد قليلا ، أقبل علينا وفي عينيه تساؤل وحيرة ، بدا أثره واضحا في محياه المعرق بخطوط حمراء وأنفاس تئن تحت وطأة الجسد المثقل بالسمنة وعبء السنين .
دنا منا فتلقاه إدريس الصافي مرحبا : أهلا وسهلا عمي أبو إسحاق ، ثم استدار نحونا وقال معرفا : عمي أبو إسحاق صاحب المحل . ، وأشار بيده إلى الرجل ، ثم قدمنا إليه باعتبارنا قرابته .
وقفنا لمصافحة الرجل الذي أبدى حفاوة وارتياحا أكبر من ذي قبل ، أخذ مقعدا وجلس إلى جوار أبي ، سأله عن حال البلد وأحوالها ، فظن أبي بأن الرجل يسأله عن يافا وما يحدث فيها بين الحين والآخر ، فابتسم الرجل وقال موضحا : سؤالي عن المبروكة وبلاد قبلي كلها .
- المبروكة !
- أنا متابع أخباركم أول بأول . ، وأشار إلى إدريس بيده .
- أنا من أسبوعين في يافا وما عندي أخبار جديدة .
تدخل إدريس الصافي شارحا الموضوع بإيجاز شديد ، إلى أن وصل حد الشق الذي يهمنا فيه ، استأذن من معلمه لكي يصطحبنا إلى دكان أبي درويش و ينهي معه الأمر .
خرجنا من المحل مصحوبين بتحيات الرجل وتمنياته ، اتجهنا إلى قلب السوق .. قطعنا مسافة قصيرة ، ثم عرجنا على محل في الطرف الأخر من الشارع ، حينها دخل إدريس ونحن من خلفه ، سلم على الرجل الجالس في صدر المحل ، وقال معرفا : أبو حسين قريبي وهذا أبنه اللي حكيت لك عنه.
مد الرجل يده مصافحا ، ثم أشار إلينا بالجلوس دون أن يلاحظ مظاهر الدهشة التي تعترينا بفعل الشبه الكبير بينه وبين الرجل الذي كنا قد تركناه قبل لحظات .
- أبو درويش المغربي أكبر تاجر جملة في سوق الدير . ، قال إدريس معرفا بالرجل ، فابتسم الأخير ونظر إلي نظرة متفحصة ، ثم سأل إن كنت قد عملت في هذا المضمار من قبل ، مستثنيا من ذلك عملي في الدكان الذي نمتلكه والذي حدثه عنه إدريس الصافي قبل مجيئنا إليه ، فأجبته بالنفي ، حينها أطرق قليلا، ثم قال : راح أعطيك ثلاث ليرات في الشهر وأكلك وشربك ع المحل .
- بركة يا عمي أبو درويش .. بركة .، قال إدريس معبرا عن شكره و امتنانه .
- يبقي تستلم من أول الشهر .. اليوم الخميس .. الجمعة عطلة والسبت أول الشهر . ، قال الرجل منبها على ضرورة التقيد بالمواعيد .
- على بركة الله .، قال أبي ووقف ليودع الرجل ، فحاول الأخير إبقائه قليلا ، ريثما يضيفنا بشيء ، لكن إصرار أبي المهذب ، جعله يأذن لنا بالمغادرة .
في طريقنا إلى خارج السوق عرج أبي إلى بعض المحال واشترى بعضا من الحاجيات التي اعتدنا شرائها من قبل ، وإن كانت في هذه المر أقل كثيرا من سابقاتها ، لم ينقصه المال ولكنه كان في عجلة من أمره، وحين أصر إدريس الصافي على استضافتنا في خصه القريب من السوق ، أصر أبي على رفض الدعوة متذرعا بضيق الوقت .
- طب علي الطلاق بالثلاثة إن ما رحتم معي اليوم ، عمري ما أكلمكم .
- يا رجل ما تكون حنبلي أكثر من اللازم .. خلينا نلحق الباص قبل ما يمشي .
- آخر باص نازل قريب المغرب وقدامنا للمغرب وقت كثير .
- لا حول ولا قوة إلا بالله . ، قال أبي وسار إلى جوار الرجل مستسلما .
حين أشرفنا على المكان شاهدنا مجموعة من الأكشاك المصنوعة من الصفيح والخيش المدعوم بعيدان البوص المجلوبة من الأودية القريبة ، كانت تنتشر على مساحة كبيرة من الأرض الممتدة بين حي العجمي وكوبانية بيت فيقان اليهودية ، ربما جاوزت في عددها الخمسين خصا ، بعضها متجاورا ربما بحكم القرابة التي تربط بين أهلها وأخرى تنافرت على مساحة أبعد حتى بدت كحي صغير ، لدرجة أن علق أبي بدهشة واستغراب : يا عفو الله . !.
- هذه حارة التخاشيب يا سيدي .، قال إدريس ضاحكا ، ثم راح يشرح التركيبة السكانية لها ، موضحا أن غالبية قاطنيها جاءوا من المناطق الجنوبية وأن بعضهم قد جلب أفراد أسرته للعيش معه من أجل إعانته في بعض الأعمال التي تحد من شظف العيش وقسوته ، كعمل بعضهم في بعض الحرف والأعمال البسيطة ، أو خدمة بعض النساء في البيوت والمحال الخاصة بالميسورين والخوجات القاطنين قريبا من المنطقة .
- يا بنت .
نادى إدريس الصافي من أمام سياج قماشي ، تتخلله بعض العيدان والصفائح الحديدية ، يحيط بخصين صغيرين بالكاد يصل الواحد منها في مساحته إلى نصف مساحة غرفة من تلك التي نمتلكها في المبروكة ، تنتصب أمامها سقيفة صغيرة لا تتسع لأكثر من شخصين أو ثلاث على أبعد حد ، فجاء الصوت من الداخل مستفسرا : من ؟ .
- خذي طريق معنا ضيوف .
أهلا وسهلا .. تفضلوا




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: