الرئيسية »  الـقـصة»  القلب ُ حين يجن ُ

القلب ُ حين يجن ُ

عدد مرات المشاهدة :770 - 08/ 6/ 2009

علوان حسين

القلب ُ حين يجن ُ

  

رأيت ُ صورتها منشورة ً في مجلة تـُعنى بالفن والأدب, رحت ُ أتمعن ُ في الصورة , شيء ٌ ما جذبني إليها وطفقت ُ كالمسحور لا أستطيع رفع َ بصري عنها. لم تكن فاتنة وأخاذة الجمال كنجمات السينما, ولا تشبه ُ هيفاء وهبي في سحرها وأنوثتها ودلالها, صحيح هي لبنانية ونساء بيروت حسب علمي هن الجميلات الأنيقات ولطالما سحرتني هند أبو اللمع في أدوارها الرومانتيكية خصوصا حين شكلت مع عبد المجيد مجذوب ثنائيا رائعا طالما عزفا على أوتار القلوب الحساسة بشاعرية حوارهما ورقته, ولكم فتنتني ألسي فرننتيني بشفافيتها وعذوبتها وجمالها النادر.. تلك كانت في ثمانينيات القرن الماضي حيث كنت ُ أعيش ُ في بيروت. تبدو في الصورة وكأنها تهم ُ بالأبتسام, في الحقيقة كانت نصف أبتسامة
تحوم ُ فوق شفتيها كما فراشة حالمة. هي نفسها بدت لي كما لو كانت حمامة بيضاء حاصرها الثلج فلاذت بنافذة غرفتي تبحث ُ عن دفء ٍ وملاذ. كنت ُ وحدي في الغرفة حين حاصرتني صورتها كما لو كانت حبيبة من أيام الصبا وقد إنبثقت ذكراها وملامحها من الذاكرة للتو. أكثر ُ ما أسرني فيها عينيها, لا ليس سوادهما الذي يُشبه ُ غابتا نخيل ٍ ساعة السحر كما يصف السياب عيني حبيبته, ولا هي العين ُ التي في طرفها حور ٌ, ليس عيني الظبي أو المها, ولا حتى عيني ميدوزا التي تـُحجر كل قلب ٍ بالضغينة, هاتان عينان وديعتان صافيتان كعيني قطة أو عصفور, لكن فيهما ساقية من دموع ٍ يسبح ُ فيها حزن ٌ عميق ٌ شفاف ٌ كماء النبع. هذا الحزن ُ الذي أرتدى حلة ً زاهية الألوان بهية المنظر أضفى على وجهها هالة ً من نور وملامح بديعة التكوين. كم وددت ُ لو أنني سمكة صغيرة تسبح ُ في بحيرة عينيها اليللكية. بي رغبة أن أشرب َ من تلك المياه راشفا ً العذوبة وكأنني أرضع من نهد. من ْ منا يحب الحزن أو يشتهيه؟ يقينا لا أحد يرحب بالألم والهم والغم, أما الحزن ُ فهو صديق الأنبياء, ولست ُ بنبي ٍ ولا من سلالة أنبياء, لكني أعشق ُ حد اللعنة هذا الحزن الأنيق في عينيها. أحلم ُ لو أشيل َ هذا الحزن النبيل, حزنها فوق رأسي وأدور ُ فيه في الشوارع كتاج ٍ مرصع ٍ بالنجوم. لو أحمله خاتما ً في أصبعي .. لو أنثره بذورا ً في حديقة القلب وأقطف ُ زهوره وحدي.. لا يُسحرني كل ُ جمال نساء الكون لكن ذلك الشعاع الذي يُشبه ُ مطرا ً خفيفا ً ينث ُ فوق الأشجار في الليل , تلك الزهور السرية التي تومض ُ قبل النوم والتي تمنحُك َ الأحساس بالراحة ونوع من النشوة , كل هذا رسائل ُ خفية تأتي من مملكة الحزن المدفونة في عينيها. هل أفرطت ُ في الوصف , لا أشعر ُ بأني لم أقل شيئا ً بعد .. رافقتني تلك الصورة أياما ً وأسابيع وأنا تارة ً أدسها بين طيات كتاب ٍ ولخشيتي من ضياعها أضعها في جيب قميصي أو بين أصابعي أحتضنها كما يُحتضن عصفور صغير ٌ لايُحسن ُ الطيران .. أجلس ُ في مقهى ستار بكس كعادتي ومعي كتبي وأوراقي وتلك الصورة الجليلة ترافقني وكأنها تنبض ُ كالدم في شراييني . تمتد ُ يدي لتفتح َ كتابا ً وأذا بها تفرش ُ تلك الورقة التي بها الصورة فوق صفحات الكتاب فاقرأ ُ الصورة َ بدلا من الكتاب .. كلما هممت ُ في التحديق بوجه ٍ حلو لغادة أو حسناء تـُرمقني صورتـُها ويطفو ذلك الحزن ُ النقي وكأنه طفر َ من عيني َ كالدمع وبلل وجهي فيرتد ُ بصري خائبا ً كسيرا .. الأكثر ُ حزنا ً أن الصورة وصاحبة الصورة إندست في أحلامي أثناء النوم كذلك في أحلام يقظتي التي أخذت تنشط ُ وتعيش ُ عالمها الوردي الخاص بها .. ولكم أنتظرتـُها في مواعيد من نسج خيالي ولم تأت ِ
ولكم كتبت ُ لها رسائل َ حب ٍ لم تصلها للأسف .. كم ْ ذرفت ُ دمعا ً فوق صورتها , وناغيتـُها ودللتـُها وغنيت ُ لها كي تنام َ وتحلم َ بي .. كم ْ حسدتـُها على حزنها الغامض وصمتها وعلى نصف أبتسامتها وسآءلتـُها متى تكتمل أبتسامة المونا ليزا وتنفرط ُ من الوردة أسرارها .. لماذا توحي لي صورتـُها بامرأة ٍ على هيئة ملاك ٍ مغزول ٍ من ضوء ؟ هذا الغموض ُ الذي يغلف ُ وجهها , الضباب ُ على وجنتيها , البياض ُ المعتم ُ قليلا ً , الصمت الرخامي المصقول , الحزن ُُ المحروق ُ والمطحون ُ كتراب ٍ ناعم ٍ مرشوش ٍ بدراية وإتقان ليضفي على وجهها مسحة ً من وداعة وجمال القديسات حتى أنني خلتـُها العذراء مريم وهي تحتضن حزنها المقدس .. ربما بدت بوادر الجنون والضياع في عقلي, وربما يقول ُ قائل ٌ هذه الحالة هي نتيجة من الحرمان والكبت, قد يكون هذا صحيحا ً على الذي يعيش في العراق مثلا ً وليس في مثل حالتي وأنا أعيش ُ في كاليفورنيا مدينة الرقص والحانات والملاهي, حيث النساء مثل ُ الأشجار تـُزهر ُ في كل الأمكنة.. هذا الجنون إذا صح َ حقا ً فلست ُ مستاءا ً ولا برما ً أو خجلا ً منه, على العكس تماما ً هذا جنون ٌ يليق بي كشاعر ٍ تـُثيره ُ الحدوس ُ والسير في شارع الأوهام ِ وعادة الإستغراق في حلم يقظة ٍ طويل ٍ مع فتاة الأحلام التي يبتـُكرها خيالي على وفق ما يشاء .. لا أخفي بأنني في الآونة الأخيرة صرت ُ أجلس ُ كثيرا ً في الحدائق العامة منزويا ً على مصطبة ٍ كمن ينتظر حبيبة تأخرت كثيرا ً عن موعدها حتى رحت ُ أحدق ُ في ساعتي كل بضع دقائق ضجرا ً من الجلوس الطويل ومن عادة الإنتظار, الغريب أن حزنها إنتقل َ بالعدوى وتسلل إلى قلبي ونثر َ مياهه في عيني َ حتى أكاد ُ أنا وصاحبة الصورة نصير ُ كائنا ً وحيدا ً هو أنا بعد أن نفخ َ الجنون ُ روحه في كياني وتلبستني صاحبة ُ الصورة التي تماهيت ُ معها وتقمصت ُ روحها كذلك أرتديت ُ حزنها الأبيض وذبول نظرتها وإغتسلت ُ بالدمع الشلال تـُهاجمني دبابير الرغبة والشهوات التي تعض ُ كالعقرب جسدي وما إنكسر في أعماقي من عواطف صافية ً وشعور بالذل والحسرة والإنكسار, ودون شعور ٍ مني صرت ُ أتأرجح ُ ما بين الحب والكره, ما بين السمو والسقوط نحو هاوية, كل هذا والصورة أمامي أحدق ُ فيها كما المرآة, أمرر ُ أصابعي بلطف ٍ ورقة ٍ على وجهها, أبتسم ُ لها أبتسامة ً كاملة ً عريضة ً تتحول ُ شيئا ً فشيئا ً إلى تكشيرة ٍ ومن ثم إلى ضحكة ٍ تبدأ ُ صغيرة ثم تكبر ُ وتكبر ُ تركض ُ في الشوارع واركض ُ خلفها كالمجنون, تتدحرج ُ الضحكة ُ ككرة الثلج تكبر ُ وتكبر ُ لتصير َ شهقة ً فصرخة ً حتى تنفجر ُ وتـُصبح ُ كالبركان .




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

علوان حسين في 12/ 6/ 2009
علوان حسين الصديقة جوزيه حلو التي هي مزيج من عذوبة وشعر صدقيني أني أحن لبيروت كما لو كانت بستان طفولتي الإولى , لي صداقات أعتز بها مع شعراء مثل عصام العبدالله , شوقي بزيع , بول شاؤول , عبده وازن , صفوان حيدر , عقل العويط , علوية صبح , شوقي أبي شقرا , الشاعر السوريالي الكبير الذي إحتضن تجاربي الإولى على صفحات جريدة النهار , لي هناك مكتبة وقصة حب ناعمة وذكريات لاتـُنسى .. مارأيك بفكرة كتابة قصيدة مشتركة معي .. أرسلي لي إيميلك لتنفيذها على الفور .
Josée Helou- France - في 09/ 6/ 2009
Josée Helou-  France - علوان حسين

هند أبي اللمع المُلقبة " بالأميرة " : توفيت عام 1987 بسبب مرضها و هي في قمة العطاء.
بدأت عملها الفني عام 1962 كمساعدة المخرج أنطوان ريمي. وفي عام 1971 طلب منها المخرج القيام بدور ممرضة في أحد أفلامه لبيداء مشوارها مع التمثيل التلفزيوني. وعرفت بأدوارها الرائعة مع عبد المجيد مجذوب والكوميدية مع إبراهيم مرعشلي. تزوجت من أنطوان ريمي وأنجبت منه ولدين ................
أحبها الجمهور اللبناني والعربي خاصة في المسلسل التلفزيوني :
"آلو ... حياتي " ومسلسل "عازف الليل"
هند الجميلة جداً ؛ وجهها يذكّرني بوجه ناديا التويني

شكراً لمشاركتنا صفحتك الرائعة الكلمات والذكريات ويسعدني معرفة
أنك سكنت بيروت ...
تحياتي ومحبتي لك دائماً شاعراً وكاتباً مبدعاً

جوزيه حلو ـ فرنسا
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: