الرئيسية »  الـقـصة»  يوم خاص

يوم خاص

عدد مرات المشاهدة :251 - 05/ 6/ 2009

محمد علوان

يوم خاص

  

(ان الحديد
وان اصبح احمر اللون، فليست الحمرة لونه ،
وماشعاعه الا من نار تصليه)
- نص قديم -

سألتها وانا احاول ان ادعي اللامبالاة متفحصا الفضاء حولنا ، متجنبا النظر الى عينيها مباشرة .....
- مالذي تتذكرينه من تلك الليلة ...؟
ازاء نظراتها الحادةالمصوبة نحوي لم استطع ان اكمل السؤال ...... لكنها اجابت بسرعة
- كل شيء ...
وصمتت لبرهة حينما دهمتها غصة ، وتغير وقع جرس صوتها ..لكنها واصلت بعناد رغم الغصة
- كل التفاصيل ، صدقني حتى الروائح....!
لم اقاطعها لكن صمتها امتزج مع همسات كنت بالكاد اسمعها عبر ارتجاف شفتيها وبقيت صامتا على الاقل لكي اترك فسحة ممكنة للصور ان تتدفق بسرعة ، لكنها بقيت تدور حول المكان ذاته ..
- كيف يمكن ان انسى ...
وصمتت ، كانت الغصة خشنة في صوتها ، ولكنها لم تفقد رتابة النبرة اكتفيت بهز رأسي لتشجيعها على الكلام ...
- الغصة ذاتها ، لم تزل في فمي مذ حملوه من الحديقة ، حيث رسمت بركة الدم هالة داكنة حول رأسه
- وماذا بعد........
قاطعتني دون ان تسمع سؤالي.....
- لم يكن وحده الذي كانت حياته تنكمش وتتضائل بسرعة على ارض الحديقة، بل كان جسد ابنتي ممددا قربه....وصمتت
ايقنت اني يجب ان استمع فقط اذ تدفقت كلماتها مشحونة وقوية...
- كان الدم يشخب من ثقوب كثيرة في جسديهما لكن جسده كان مليء بالثقوب اكثر من جسد ابنتي ، وسمعت اصواتا لم اسمع مثلها من قبل ، اصواتا ضاجة تنطلق من الثقوب القرمزية في جسديهما ، لاتشبه ايما صوت سمعته او ( رأيته) .....
حاولت ان اقاطعها ولم افلح في قول شيء ، فرفعت يدي ، لكنها صرخت بقوة وبشكل لفت انتباه بضعة رجال ونساء تجمعوا قرب غرفة القاضي في الطابق الثاني من بناية المحكمة ، فانتبهت الى نفسها وخفضت صوتها ....
- لااريد ان ادع لك فرصة مقاطعتي ، كما ارى ذلك في وجهك
، وفي فترة الصمت التي التزمت بها كانت تقول لي بما يشبه الهمس حينا وبين قهقهة هستيرية حينا اخر، بدا واضحا اني وضعت نفسي في مأزق
- هأ .... هأ كانت ضحكتها غريبة واضافت
- - تريد ان تسألني عن رائحة الصوت او شكله وستتهمني بالجنون....
- ..................
- لست مجنونة ايها المحامي الانيق ، اتريد ان تعرف هكذا معجزة ؟
- اجبت بسرعة ، دون ان اترك لها ايما فرصة للهرب من الموضوع او تغييره
- نعم ........
- كان الدم القرمزي يرسم على الارض المعشوشبة افواها تصرخ ، افواها مفتوحة على سعتها ، اما الرائحة ، فكانت روحيهما وهي تغادر جسديهما بصمت ، لكني احسست بل سمعت رفيفا قريبا من وجهي ، اقترب كثيرا مني ولاصق وجهي حتى انبعثت منه رائحة غريبة بقيت تلازمني الى يومي هذا ، اشمها في كل مكان تحت الشمس ... صمتت قليلا وهي تمسح دموعا انحدرت وهي ترسم دوائرا وخطوطا هلامية على خديها ، ولم تترك لي فرصة مقاطعتها....
- ماذا تريد ان تعرف عن ذلك الفجر....
قالتها بحدة وتسائلت مع نفسي كيف يمكن ايقاف شلالات الكلمات التي كانت تتحول الى مايشبه الصراخ الذي لفت انتباه الزحام في الصالة الصغيرة ، حينها قررت ان اسحبها قليلا نحو الممر حيث لااحد سوى الحارس الذي يقف امام غرفة القاضي ، استجابت الى ملامستي لها وحالما وصلنا الممر كنت ارزح تحت تأنيب مذهل لم يمكنني من استيعاب تقابلنا معا صامتين امام غرفة القاضي ، وفي فترة صمتها وازاء تواصل حدة الصوت والغصة التي كانت واضحة فيه , ادركت فداحة خطأي في سؤالها ، نعم كان سؤالا خاطئا اثار الكثير في اعماق هذه المرأة التي فوجئت بجمالها ، لانها حينما اتصلت بي ليلة امس لم يخطر في بالي اطلاقا ان تكون بهذا العنفوان والجمال والحزن ، رغم اني مررت بتجارب كثيرة من هذا النوع بحكم عملي كمحام موكل بدعاوى تتعلق بتحرير وثائق القسامات الشرعية وحسابات المسائل الارثية ، كان الصوت الانثوي الذي اتصل بي ليلة امس يوحي بشيء اخر غير الذي اراه امامي ، ولم اصدق ان المرأة التي كلمتني ليلة امس هي التي تقف قبالتي الان قرب باب غرفة القاضي وهي تكلمني عن هفوة الاسئلة وقسوتها ، ثم مالذي يجب ان افعله الان وانا الغارق في رهافة وغموض وحساسية ازاء الالم الانساني ايا كان حجمه تصل بي احيانا الى حد السجود له ، فواصلت وهي تحول الكلمات الى كلابات تطبق على رأسي ....
- صدقني اني لم اصل يوما الى تصور ماحدث كما وصلت اليه الان ، لقد قلت لك كلاما كان كامنا في اعماقي لم اقله الى احد من قبل ولااعلم لماذا ، هل تعرف انت لماذا زالت تلك الغشاوة التي كانت تحجب وصولي الى هذه النقطة او الحد ، ارجوك اجبني ، حدثني ،
كانت تبكي وربما حاولت ان تسند راسها على كتفي لكنها عدلت عن ذلك في اللحظة الاخيرة ، فبقيت فاغرة فمها وعيناها مغمضتان ،اقتربت منها وربت على كتفها وقلت لها علني استطيع ان اشرح شيئا يشكل امتدادا لما كانت تحاول قوله
- انها النقطة التي تديم اتصالك مع المساحات القصية او مع الفخ او الباب المشرع كدلالة لاتعني الا انها باب مشرع ومبهم ، لكن صدقيني اني لاادعي اني وصلت الى تلك اللحظة.
مسحت دموعها واكملت عبارتي ....
- اذا كنت تقصد تلك اللحظة التي ايقضتني فيها الضجة الهائلة في ذلك الفجر الغريب - الذي لايمت الى انسانيتي او انسانيتك بصلة - فانت محق تماما، وكل مااود قوله لك الان لايخرج عن مايندرج في الثانية او البرهة التي شكلت الحد الفاصل بين احلامي والكابوس المريع ، كنت نائمة وايقضتني اطلاقات الموت ، ربما سمعت ابنتي الصوت قبلي فهرعت الى الحديقة حيث كان زوجي نائما، وحينما اقتربت منه اسقطوها معه
صمتنا معا ، كان كل منا ينظر في عيني الاخر ، ولم اجد كلمة اقولها ، لكنها واصلت ....
- اجل .... انا مملة ....
اختنقت بعبارتها وهي تطيل النظر في مكان ما اسفل قدميها ، ولم تحرك عينيها عن المكان، وواصلت صمتها وعيناها مركزتان على الارض بقوة ، شجعني ذلك الصمت والسكون لاقول لها ...
- صدقيني ياامرأة اني لااجد مللا في حديثك، ولكني ازاء الالم البشري اجد نفسي غائصا في دهاليز لامتناهية واحس ان جسدي وروحي يتوقان الى فعل شيء ما لااعرف ماهو ، ربما انا مضطرب مما سمعت ، فالمخيلة مهما اتسعت لااعتقد انها يمكن ان تصل الى مجاهل تلك الثانية التي تحدثت عنها ، ثانية الحد الفاصل بين الحياة والموت الاخرق . او تلك اللحظة بين نومك واستيقاظك وانت تسمعين اللغط ، لغط الموت واشياء اخرى اكبر من فهمك او فهمي
- اذن مالذي تريد ان تصل اليه بسؤالك عما بقي عالقا في ذاكرتي ....؟
لم اتكلم ، وحينما طال صمتي وصمتها ، مددت يدي نحو الحقيبة السوداء التي ركنتها قرب الدكة القريبة من غرفة القاضي ، ودونما ان اشرح لها شيء ، طرقت باب غرفة القاضي - ولااتذكر هل سلمت عليه ام لا - لكني تناولت الاوراق الممهورة بختمه وخرجت ، كانت الاوراق في يد وفي يدي الاخرى كنت امسك حقيبتي السوداء، اتجهت مباشرة نحو السلم المؤدي الى خارج المحكمة ولم اجرؤعلى النظر خلفي ، لكني كنت متأكدا انها خلفي تماما اذ اكاد ان اسمع لهاثها ، وقبل ان نصل الى الساحة الواسعة حيث توزعت بضعة مقاعد اسمنتية ، اتجهت بلا قصد نحو واحدا منها وجلست عليه ، شغلت نفسي في تدقيق الاوراق التي تسلمتها توا من القاضي والخاصة بوفاة زوجها ، وارقام توزيع التركة بينها وبين اولادها، توقفت قبالتي كتلميذ يحاول ان يفهم مالذي يجب عليه ان يفعله ، واخيرا قررت ان تجلس قربي ،وسألت نفسي عن معنى الحد الفاصل الذي حدثتني عنه وهل فهمته - لااعتقد ان في رأسي فكرة واضحة عنه - رددتها مع نفسي ولااعلم هل كانت هي تفهم الحد الفاصل ، رفعت يدي التي كانت تمسك الاوراق الخاصة بها وقبل ان اسلمها اليها قلت لها.....
- هذه الاوراق , انها منجزة
نهضت من مكاني ونهضت معي ، سرنا معا متجهين خارج المحكمة ،وحينما وصلنا الشارع الرئيسي وجدنا انفسنا وسط زحام مارة ولغط باعة ، كان يصدم اسماعنا وتهنا في مديات اخرى من الحد الفاصل




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: