أدب فن: أنا وليلى أنا وليلى ================================================================================ موفق الطاهر on 29/ 5/ 2009 سألتني عن شريط الأغاني الذي كان في يدي، فأجبتها بأنه شريط (أنا وليلى). سألتني سؤالاً أخر من أين لي هذا، وكيف حصلت عليه؟ فأجبتها بخباثة بأن مريم قد جلبته لي. كانت مريم الجميلة لا يعرف أحداً قلبه الشبع من التملي بمحاسنها.. لقد كان يحبها كل من نظر أليها من الطلاب ذلك الحب المخامر الذي يجعل صاحبه أنفاساً تحترق، ونظرات ساهمة في بحر من صفاء النفس تستشف من خلاله تلك الأضواء السرمدية التي خلق من ألقها جمال العذارى... كانت تتلألأ كنجمة الفجر في ساحة المدرسة بعينيها الخضراوين الواسعتين، وجسدها الناعم الطري الرشيق... - لكن هذا الشريط أسمه أنا وليلى، وليس أنا ومريم يا أستاذ! أما ليلى هذه فهي كشمس نيسان، أو كقبلة لذيذة في الأفق الشرقي، هي كوردة ربيع تبتسم الحياة كلها لها. لكن هذه وتلك لازالتا فتاتين صغيرتين لا يتجاوز عمرهما السبعة عشر ربيعاً. أما أنا فتجاوز عمري الثلاثين عاماً، ولم تستهويني قط فتاة تصغرني بالسن كثيراً حتى لو كانت ملكة للجمال. فكيف الآن وأنا مدرس والفتاة هي طالبة عندي. مريم لم أكن أراها كثيراً، فقد كانت في صف أخر لا أعطي درساً لهم. وبالرغم من أنها كانت تحاول دائماً أن تختلق أية حجة أو أية فرصة كي تكلمني بها، لكني كنت أحاول دائماً أن أبتعد عنها. ليس فقط لأني لا أعيرها أهمية، أو لا تهمني، ولكن لأني أعيش في مجتمع عشائري منطوي على نفسه كثيراً، أو على الأقل هذا ما كان يصور لنا. كنت أعطي دروساً في الكمبيوتر لأربعة مواد، أو خمسة لا أذكر! كان لديّ صف واحد فقط، وكان هذا الصف يدرس أختصاص في الكمبيوتر. فكنت أعطي دروساً لهذا الصف الذي يتكون من ستة عشرة فتاة بعمر 16 إلى 17 سنة، تتجاوز الثلاثين ساعة في الأسبوع. كنت أعامل طالباتي معاملة صديقات، وليس طالبات ومدرس. لم أكن أقسو عليهن أبداً، ومن النادر أن أصرخ بوجه إحداهن. كنت أعطيهن أيضاً درساً في ألعاب الكمبيوتر، وأهمية الألعاب في هذا العالم. لكن في قرية صغيرة في بلد تحكمه التقاليد والعادات العشائرية البالية لم يعتد أن تكون عقوبة الطالب هي ممكن أن تكون بحرمانه من دخول درس مثلاً، أو غير ذلك. هم يعرفون فقط الضرب، والضرب بشدة إلى حد أن المدرسين يدمون أيادي الطلبة بكثير من الأحيان. تقول زميلتي هناك بأن طالباتي يخافن مني كثيراً. أخبرتها لم أضربهن قط وأحبهن كلهن، أذن فهذا هو أحترام وليس خوف. في البداية كنت أواجه صعوبة بالتفاهم معهن بلهجتي العراقية. ولكني بطريقة سهلة وبسيطة وبعد شهر فقط جعلتهن يتكلمن بلهجتي أنا. هذا التعامل اللطيف صعب عليّ مهمتي بنفس الوقت. فقد أصبحن الفتيات يتركن لي رسائلاً في دفاترهن التي آخذها منهن كي أصلح لهن الواجبات التي أكلفهن بها. وتلك تكتب لي خاطرة، وهذه تحاول محاولة شعرية... أما أنا فلم أكن أظهر لهن أمتعاضي، أو أي شعور أخر. فقد كنت ببساطة أرمي بتلك الأوراق في الأزبال دون أن أشعرهن بأني أستلمت شيئاً من هذه أو تلك، لكني بالمقابل كنت أصور لهن بأني لا أتقبل أي شيء خارج نطاق دروسنا. لكن ما رأيته بعد هذا بأن هناك فتاة قد أزداد تعلقها بي أكثر، وأكثر. تلك هي ليلى. - تعالي يا ليلى، أقتربي مني. هكذا ناديتها عندما أنتهى درسنا. - نعم يا أستاذ! - كم أخت لديك أكبر منك؟ - أربعة يا أستاذ، ليه؟ - سؤال فقط. هل أهلك يزوجون الصغيرة قبل الكبيرة؟ - لا، يجب على الصغيرة أن تنتظر دورها لحين زواج الكبيرة. - يعني لو أفترضنا بأن الحظ قد حالفكم كثيراً وفي كل سنة تتزوج أخت لك، فهذا يعني الدور سيصل أليك بعد أربعة سنوات. أليس كذلك؟ - صحيح... قالتها بإمتعاض، وكأني قد صدمتها بحقيقة مرة كانت غائبة عنها. - وأنا يا عزيزتي إن كان الله يريد أن يغضب عليّ فسيبقيني في بلدكم سنة ثانية. وثانية فقط، فلن أبقى سنة ثالثة هنا في أسوأ الأحوال. فيا عزيزتي أنت صغيرة، كل المستقبل أمامك الآن، فأنتبهي إلى دروسك رجاءاً، فأنا بعيد، بعيد جداً عنك. خرجت من الصف، وقلت لها هيا أخرجي ودعيني أغلق الباب. أخرجت هي وردة بلون وردي جميلة كخدودها الشهية وأعطتني أياها راجية أياي أن أتقبلها منها: - كلا يا عزيزتي ليلى، رجاءاً أبتعدي عني، وحاولي أن تبعدي هذه الأفكار عنك. رمت ليلى بتلك الوردة على الطاولة وأبتعدت عني، فأغلقت الباب. وذهبت إلى البيت... على فراشي الغير مريح بدأت أتقلب وأفكر بحبيبتي الصغيرة ليلى، ربما تصغرني بإثنتي، أو حتى ثلاثة عشرة سنة صحيح، ولكن هل يمنع من بعمري أن يحب من بعمر ليلى؟ وأين أهرب من هذه التقاليد البالية، الأعراف التي أكل الدهر عليها وشرب، أو تلك العيون النجسة التي تحاول أن تفترسني كلما شاهدتني مع أي فتاة تكلمني خارج الصف؟؟؟ وأين أنا والحب؟ أنا قادم هنا كي أستراح بهذه المحطة التدريسية قبل أن أسافر برحلتي المجهولة القادمة... ولكن أه عليك يا ليلى، كم أشتهي أن أقبل شفاهك وأظمك إلى صدري وأبكي قليلاً، أو كثيراً. كم أشتهيك يا لعينة! "- أتشتهي صغيرة بعمر أبنتك؟"، "- أبتعد أنت أيضاً، وكأني قد تخطيت الخمسين من عمري!؟". كم أمقت ضميري أحياناً وهو يحاسبني على كل صغيرة وكبيرة! في غرفتها التي لم تكن كبيرة الحجم، وأحتوت على بعض الأثاث وعلى سرير وفير لشخص واحد، أستلقت ليلى تفكر بأستاذها الذي صدمها بحقيقة مرة علقم: لماذا عليّ أن أنتظر أخواتي الكبريات أن يتزوجن حتى يجوز لي أن أفكر بالزواج؟ أليس هذا إجحافاً بحق شرعي لكل فتاة؟ كل فتاة تريد أن تحب وتتزوج متى ما أرادت، فلماذا نحن هنا لا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا مهورنا عالية؟ لماذا علينا أن ندفع الثمن لأهالينا؟ ألسنا نكلفهم أكثر ونحن نظل نعيش معهم دون زواج؟ ما ذنب أختي الكبيرة وهي تنتظر للآن زوجاً وقد تعدى عمرها ال35 سنة؟ من سيفكر بالزواج منها بعد الآن؟ بل ما ذنب رجالنا أيضاً وهم لا يستطيعون أن يحصلوا على عملاً مجزي يساعدهم بالزواج؟ ما ذنب هذا وما ذنب ذاك، الكل مذنب، والكل يعاني، والكل ضحية... من هو المذنب، ومن هو الضحية؟ ومن أنا كي أجيب على هكذا سؤال؟ لماذا أكلم نفسي؟ لماذا لا أستطيع أن أتي أليك يا أستاذ وأكلمك بما أعاني، بكل ما أقاسي وأكابده من ألم، ألم حبك؟ أكلمك بكل ما في قلبي؟ بكل الحب الذي يحمله قلبي الكبير والضعيف لك يا سيد قلبي؟ تعال ألي، تعال عانقني أرجوك...! في اليوم الثاني رأيت ليلى قد حضرت الدرس ووجهها شاحب مصفر وتضع في يديها أنبوبة قسطرة. يبدو أنها قد زارت المستشفى في الأمس! حاولت أن أستفسر منها عما أصابها. لكنها كانت غاضبة عليّ، ولا تريد أن تكلمني! فسألت صديقتها المقربة منها، فأخبرتني بأن قلبها كان يوجعها وقد أغمي عليها وتم نقلها إلى المستشفى في ليلة أمس. فتمنيت لها السلامة والشفاء العاجل. لم أتت أذن هذه الصغيرة إلى المدرسة اليوم؟ كي تراني؟ اللعنة! أحسست بذنب كبير، وبأنني فعلاً قد أرتكبت خطأ كبيراً. فما ذنب هذه المسكينة؟ فلم تكد الدنيا تبتسم لها حتى عبست وتولت بكل بهارجها عندما صدمتها أنا بتلك الحقيقة العجيبة. لأدعها بحق الألهة تعيش هذا الشعور الجميل، فعلى الأقل بأن هذا يعطيها دافعاً قوياً كي تواصل تفوقها بالدراسة. ألتفت إلى الطاولة حيث تقبع تلك الزهرة الوردية منذ يوم أمس دون من يسقيها ماءاً. مسكت بتلك الوردة وقربتها من فمي منتظراً أن توجه ليلى وجهها ناحيتي. وما أن صوبت ببصرها نحوي حتى قبلت الوردة تلك قبلة شهية. يا الله! أمتلأ وجهها بأبتسامة تلك التي تشيع في الوجه كله فتنة وجاذبية. وكأن غيوماً كثيرة كانت تغطي ذلك الوجه المشمس، فما أن رأت تلك القبلة البعيدة عن خديها الأسيلين حتى توردت تلك الخدود وكأن تلك الغيوم قد أزيحت عنها. فرجع الفم الأنيق الرقيق الأرجواني وسط جنة الوجه المترعة بالفتنة.