الرئيسية »  الـقـصة»  السيرة البنطالية

السيرة البنطالية

عدد مرات المشاهدة :613 - 30/ 4/ 2009

وسيم بنيان

السيرة البنطالية

  

توقف القلم على بعد ضئيل من حيث المساحة المادية إذ لا يفصله عن المسير فوق السطور المستقيمة سوى أن يلامس عقبه الحبري صحراء الورقة . لكنه من حيث المساحة الإبداعية, والفنية بعيد جدا عن البدء في المسير, ولا مجال لقياس بعده الزمكاني . فهو في جزيرة معقدة التفاصيل بين غابات المخيلة الشائكة والنكوص في بؤرة حبره. ولحظة الانطلاق مجهولة وغامضة بشكل بشع. قرر أخيرا خلال الملل واليأس أن يتقيأ بأشياء ابتلعها منذ سنين وأصبحت جزأ لا يتجزأ من قطرات حبره ومجمل تكوينه , فتناثرت بقعه السوداء متسارعة لملئ الفراغات. وهكذا ابتدأت شوارع السطور تنسحب تحت خطواته المتسارعة بسرعة قصوى...
المسافة الأولى التي اجتازها تكونت من كلمات مبعثرة ومشتتة جاءت كمقدمة غير متقنة, إذ ذكر انه كان يعمل في أحد أيام حياته في طوره الصبياني بائع للملابس المستعملة . واشار لكونه لم يهوى تلك المهنة وليس بارعا فيها إطلاقا , ولم يمارسها أيضا من اجل أن يحيا حياة متواضعة نسبيا . فهو كما يذكر في تلك المقدمة لا يملك أي مزية من مزايا بائع الملابس الصغير فضلا عن التاجر . ولذلك وضع تحت كلمة بائع ملابس السابقة خطوطا ثلاث وطرزها بنجمة للإشارة إلى هامش في نهاية المقدمة جاء فيه ما يلي: * لا يتصور أحدا ما أني اعني بهذه الكلمة حرفيتها ومدلولاتها اللغوية والاصطلاحية, لأن الأمر على هذا النحو سيكون خيانة وجريمة بشكل فاضح. انتهى الهامش وذكر في المتن ما الذي يعنيه بذلك, إذ اكمل مقدمته بأنه لم يكن يملك رأس المال ولا شعره , وليس لديه محل أو (دكان) بل ولا رصيف محترم ضمن أرصفة الباعة المتجولين وقوفا والمشتهرين في أسواق الهرج والملابس الرخيصة المستعملة. واجمل ذلك بشكل سريع واصفا البداية البائسة والغريبة. وقبل أن نستعرضها ونلاحق القلم في جريانه المتسارع لابد لنا من الإشارة بأنه كتب ما يلي بلسان الأنا. متخيلا نفسه كشخص فاعل ومتحرك ومستوعب لكل ما يضج في ثنايا الحياة. ولعله يكتب بصيغة الأنا ليداري على بعض الأخطاء الفنية والأدبية من الاسقاطات الذاتية والهفوات الوصفية, إذا تحدث بصيغة الآخر. كما يصف بعض النقاد تلك الاسقاطات بالعيب الأدبي الفاضح . أو انه يحاول أن يضخم ويضاعف من ذاتيته وأنانيته بشكل مكثف وعلني. أو ربما لا هذه ولا تلك بل مجرد استغلال رخيص لفكرة خالف تعرف الشائعة. فهو يحاول لفت الأنظار إليه وإكثار الأسئلة حوله , إذ سيتم التساؤل قطعا عن كيف يجرأ على التحدث وهو مجرد قلم جامد وبليد وليس من نوع الأقلام الشهيرة التي لامستها أنامل أعاظم الكتاب. وفوق ذلك انه يقول أنا وأنا وهو مجرد شيء نكرة وغير هذه الأسئلة التي تشحن في خضم ادعاءاته . وسنتجاوز هنا الغاية المستبطنة في اعمق أغوار النية القلمية ونبدأ بذكر ما سجله مباشرة, بعد أن أشرنا انه فضل استخدام صيغة الأنا وعلى هذا سنتابع بهذه الصيغة ما كتبه القلم بعد المقدمة:

حصلت على بنطال جديد بصفة هدية من أحد المعارف , وعلى هذا صار بحوزتي بالإضافة للهدية بنطال آخر في الطور الأخير من أطوار شيخوخته . استخدمه لإزجاء اكثر ساعات النهار في اللعب والتسكع وسيبقى البنطال الهدية للمواعيد والمناسبات الخاصة. ولا يحرجني أحد في الاستعلام عن خصوصيتها إذ أني لو أفضت في الكلام لأصبحت تلك المناسبات عامة بل اكثر الأشياء عمومية. وعلى أي حال ما أسعدني بالأمر ليس الهدية على التحديد بل ما فاض من نبعها أي بنطال جميل لا يزال في مستهل العمر بلون فاتح فرح وصارخ مثل الطفل. كنت قد حصلت عليه بثمن بخس وأدخلته إلى خزانة ملابسي الفارغة بشكل احتفالي مبالغ فيه, حيث شعرت بسعادة لا توصف وأنا احصل عليه بثمن زهيد جدا شبه المجاني. كما وانه بنطال جميل وجيد واهم شيء ضاعف سعادتي الصبيانية كون البنطال صناعة (إيطالية) بكل فخر واعتزاز, وهو أول قطعة عالمية تدخل ملكيتي الفقيرة. وبما أني حصلت على البنطال الجديد وهو الآخر أجنبي وفوق ذلك يبدوا اكثر حداثة واقرب لمذاق الموضة الشبابية, انقدحت في رأسي تلك الفكرة اللعينة التي راودتني خلال الليلة الأولى من عمر هديتي. ومن عمق غرفتي المظلمة بعد انطفاء ضوء الفانوس الداخن قررت أن استغل البنطال الإيطالي شر استغلال وحددت له سعر لا يقبل النقاش. لأنه يساوي سعر الروايتين اللتين رايتهن في إحدى المكتبات التي يملكها أحد أصدقائي الطيبين , وقد عرض علي سعرا منخفضا نسبيا كونهما مستعملتين و تهرأت أغلفتهما. كان ذلك قبل أسبوعين تقريبا مما يسبق الهدية الكريمة , قضيت خلالهما الليالي حالما بحصولي على مبلغ من المال . من السماء أو من الأرض, من غراب تائه بإحدى مسروقاته فيقرر أن يرميها علي ويتخلص من عذاب ضميره, أو من سمكة تجلبها أمي من (السماكات) الطيبات. وعندما تشق بطنها اعثر على قطعة معدنية ما اشتري بثمنها الروايتين وان فاض منها فسوف اشتري بالتالي سمك للفقراء. وسوف لن أطالب أي أحد أن عثر في أحشاء أي سمكة كنزا أو درة ثمينة بان يرد ما عثر عليه, وأقسمت في سري على ذلك. لكن ذلك لم يحدث وللأسف, فكما يبدوا أن الخبر الذي سمعته مؤخرا بأن الغربان أعلنت التوبة الجماعية عن السرقة وفرضت عقوبات مشددة على أفراد أسرابها , بعد أن رددت كل غربان الدنيا القسم الشرعي أمام الغراب الأعظم (أبا ناعق) المحترم. فيه شيء من الصحة والتوثيق خصوصا وان الخبر ذيل بتفاصيل عن عالم الأسماك, مفادها أنها قررت قطع علاقتها بابتلاع الأشياء الثمينة لكي لا يستفيد بني الإنسان منها. وجاء ذلك كما يذكر الخبر ردا من الأسماك المتحدة على جشع الصيادون الذين اصبحوا يستخدمون سموم نادرة وغير مسبوقة للإطاحة بالأسماك لاهثة في كفتي ميزان البيع...
ذهبت في اليوم التالي حاملا حقيبة بلاستيكية من أذنيها العريضتين, وستقر بنطالي سمائي اللون في بطنها الفاغرة. قاصدا سوق الملابس الذي تعرفت عليه من خلال المنطقة الشعبية التي يقع فوق أرضها في وسط المدينة , وصلت أليه باكرا لأني اعرف ومن خلال تسكعي الدائم بأنه سيكون مزدحما وغاصا بالباعة والزبائن ما بعد فترة الظهيرة. فتمتلئ حيينها ارصفه السوق وتغطى كل مساحاتها الإسفلتية, والكونكريتية, بالباعة وأكوام ملابسهم. ودفعا لاحتمال عدم تمكني من العثور على رصيف جميل ومتواضع يصلح لعرض تحفتي الأجنبية رحت أعب غمار الظهيرة سابحا بعرقي المتحادر كما الشلال. لم اكن أتصور أن الأمر يحتاج إلى معرفة ودراية واسعة وخلال أول لحظات وقوفي استشعرت إحراجا شديد القرف خصوصا وان أحد الباعة بدأ يتفحصني بعينيه النسرية التجارية ليحدد فصيلتي الفريسية. وما الذي قذف بي في تلك الساعة الساخنة تجاه مصائد سوقه؟ , أمن اجل بيع فيشتري بسعر بخس ؟ أم شراء؟ ليعرض علي أسوء بضاعته واثقلها وطئا على مائدة معروضاته الحديدية, التي غطى صدئها بشرشف اسود وعرض بضاعته فوقها حسب الألوان. تسارعت دقات قلبي و(انجلطت) عضلته الصنوبرية المفحمة التي تحفزت من كثافة دخان السيجار الذي كان ينفخه ذلك البائع بعصبية وبشكل مرعب. هربت من عينيه الحمراوين من حمم الظهيرة بتظاهري بالتطلع في بضاعته من بعيد, والتي حوت على قطع كثيرة من البناطيل و(التيشرتات) والقمصان وقد صفت بشكل منسق. وجميعها مستعمل فلا يوجد جديد في هذا السوق الذي اقف فوق رصيفه ولازالت مظاهر البلادة والغباء مستحكمة بشكلي الخارجي بالكامل , وكأني تسمرت في مكاني ولا أستطيع أن ابرح نقطة وقوفي. إذ غدا عندي العالم كله عبارة عن الرقعة الصغيرة التي اقف مرعوبا فوقها كالوتد الثابت بقوة. وبما أن شمس الظهيرة كانت بقمة تألقها فقد ضاعفت أشعتها المركزة من انحدار سيول خجلي الجارفة. وفجأة اقترب أحد الأشخاص من البائع ذا الوجه المتيبس المكفهر, والذي اخذ يستعرض علي نوادر بضاعته التي اخذ يقلبها أمامي وهو يظن أني مشتري من الطراز الأول, بعد أن نجحت في إيهامه باني أتفحص بضاعته الجميلة كما المشتري الحاذق. ويبدوا أن خدعتي انطلت عليه ولم ينتبه إلى كوني أكاد أتبول من خجلي وإحراجي. اخذ الزبون لحسن الحظ يقلب في البضاعة وتشاغل البائع معه, سنحت لي الفرصة الماسية عندها , لكي استعيد بعض خيوط شجاعتي وهربت على أطراف خوفي مبتعدا عن مدى العيون النسرية الحديدة. وعلى بعد بضعة خطوات توقفت لاستنشق بعض الأنفاس الجامدة من الطقس البخيل, ولما دخلت بعض تيارات السموم إلى منخري حرقت أعصابي اكثر من السابق. ولكني شعرت بالراحة على أي حال أدرت رأسي يمينا وشمالا لاستطلع ما حولي. فوجئت بشاب تقدم ليقف على بضعة خطوات مني , وشح كتفه ببنطال اندلق لسان ردنيه الطويلين على صدره, بينما غارت خلفيته وراء قمة ظهر الشاب الطويل ببنية نحيفة. ممسكا بيده الأخرى بنطال آخر انسدل بكامل طوله وهو يمسكه من حافتيه بإبهامه وسبابته من كل جهة. شعرت بالفرح البليد فهذا بائع متواضع أيضا ولعله يكون مبتدأ مثلي . حدثت نفسي بوجوب التوجه نحوه للاستفادة من خبرته الضئيلة من جهة, ومن جهة أخرى استعرض خبرتي الصفرية عليه. فأنا لا احب أن أكون مبتدءا, ولا أريده أن يعرف بأني أمارس هذه المهنة الخطيرة لأول مرة. مع اقترابي منه وضعت الحقيبة البلاستيكية على رأسي لأحجب صفعة الشمس ذات الراحة المفتوحة فوق فروة رأسي بالضبط , وحينما دخلت معه تحت المظلة التي استظل بها ,وهي عبارة عن واجهة كبيرة لأحد المحال التجارية , أنزلت مظلتي البلاستيكية وقلت له بعد التحية: ياله من جو حار. شقت وجهه الأسمر الداخن ابتسامة صفراء لا ادري هل اكتسبها من الشمس الحارقة أم أنها نتيجة القطوف السامة التي رمى واحدة منها قبل قليل وقال لي بازدراء واضح: وما الغريب في ذلك أيها الذكي انه شهر تموز كما أظن بأنك تعرف هذا. فوجئت بهذه المباغتة السريعة وشعرت بالضيق حيث لم أوفق في الافتتاح ونطت من شفتي الساذجتين عبارة سخيفة دللت ولابد على جهلي, فحاولت تقليص الفضيحة ولملمة بعض نثارها . أهديته بدوري ابتسامة مماثلة لكنها اكثر بياضا ومن بين بياض الفكين اندفعت كلماتي: نعم اعرف ذلك , لكني اعني بأن هذا اليوم اشد حرا من البارحة والأيام التي سبقتها., هز كتفيه ولم يرفرف البنطال راقصا معها لان الطقس كان اشد من الحديد صلابة , ومع ثبات كتفه أضاف: غريب جدا ما تقوله , أن صيفنا يا صاحبي ليس فيه اختلاف مع الأيام عندنا نحن الباعة الشارعيون فالدرجات المتفاوتة الضئيلة لا يشعر بها سوى أصحاب الأماكن المكيفة, أو الأماكن التي لا ترى الشمس. أما نحن الذين نلامسها بهاماتنا يوميا وخصوصا في ساعات الظهيرة لا فرق عندنا أن تفاوتت بدرجات قليلة ,وعلى هذا لا أتصور شخصا من باعة الشارع يشعر بأي فرق في الحرارة بين اليوم والبارحة خلال فصل الصيف بكامله. اعني انه ليس الفرق مهما كما تحاول أن تقول فمهما كانت الحرارة منخفضة نسبيا إلا أن الشمس السليطة لا ترحم من نازلها. وكل من يعمل في الشارع ويضطر لان يمكث في الظهيرة في مكانه يعرف ذلك, ولا يغفل عن هذا إلا من كان جديد على الشارع كما يبدوا عليك ذلك. شعرت بالغضب في داخلي وبدا واضحا بان هذا الشخص يحاول تعريتي بالكامل, ولابد بأنه حدس بكوني لست من أهل هذه الحرفة اللعينة. حاولت التركيز مستعينا بمجمل أشعة طاقتي المعلوماتية التي لم تكن مشحونة بغير أشعة شمس الظهيرة وقبل أن استحضر أي عبارة استأنف فيها محاورتي الخاسرة باغتني متسائلا : صحيح لم تقل لي هل تنوي أن تبيع القطعة التي تحملها ام انك اشتريتها وهل هي بنطال ام كنزة. وقبل أن أجيب بشيء ما توقف أحد المارة وبعد أن حيانا لامس قماش البنطال المعلق على كتف صاحبي الذي حمل البنطال الآخر المسدل على طوله وألقى به في الهواء بشكل استعراضي جميل ليثنيه بعد أن عاد أليه على يده اليسرى, موزعا المسافة بالتساوي. بينما امسك البنطال المعلق على كتفه ونكته بشكل سريع وبحركة سريعة أخرى اطاح به بيد الزبون قائلا له على الفور: كتان اصلي ليس فيه أي عيب , وسعره مناسب أيضا. أبتدأ الزبون يقلب البنطال ويدور به كالناعور . وتابع صاحبي حديثه :يا صديقي انه قطعة ممتازة قلبه على مهلك ,شخصيا كنت اشتريته لي لكني حصلت على بنطال يشبهه تقريبا وبنفس لونه فقررت أن أبيعه وإلا لم اكن لأتنازل وأبيعه. سأله الزبون :بكم تنوي بيعه؟ وقبل أن يجيب فوجئت به يسحب شريط القياس من جيبه وبعد أن تدلى كلسان الأفعى من يده قال : ليس مهما الآن سنتفق , لكن قلي ما هو قياسك. عرض الزبون رقما معينا لكن صاحبي شكك فيه قائلا :اعتقد أن الرقم ليس صحيح خصوصا وان الأحجام تختلف باختلاف قوالب الملابس نفسها, أدنو مني لأقيس خصرك. لف لسان الأفعى على نصف جسد الزبون من منطقة الحزام. ذهلت بشدة وأنا أراقب كل حركات وكلمات صاحبي , وبدا لي وكأنه امهر شخص في هذه الحرفة على الإطلاق, وجزمت في سري كونه متخرج من أرقى كلياتها. ولذلك امتصصت كل حركاته وكلماته السابقة بدقة متناهية لأستعرض ببعضها وأبدو وكأني ملما بها كما صاحبي الماهر. بعد أن أنهى قياس الخصر تبين انه اكبر بدرجتين من حجم الشخص لكنه قال للزبون : لا عليك فدرجتين فقط ليس فرقا كبير , كما وان الشتاء على الأبواب وهذا يعني انك سترتدي ملابس إضافية تحت البنطال وبالتالي سيناسب قياسك تماما . ضحك الزبون ومن وراء أسنانه اللامعة أجابه: يا عزيزي نحن في عز الصيف أم تريدني أن اخزن البنطال حتى الشتاء ولعلي أكون ميتا حيينها؟ . رد صاحبي بابتسامة عذبة مصفرة : عمرك طويل لا تقل ذلك فأنا امزح معك, وما أود أن أخبرك به حقيقة هو انك تستطيع إن تذهب به إلى الخياط فيأخذ قليلا من عرضه . رد الزبون فرحا: هذا ما انوي فعله بالضبط, لذلك أود أن تخبرني بالسعر الأخير بعد أن تخصم أجرة الخياط؟. عرض صاحبي بعد أن نكت البنطال مجددا وطواه في قبضته بمهارة, سبعة عشر دينار. اعترض الزبون بشدة وابتدأت المحاورة التسعيرية تتصاعد بشكل ساخن ضاعف تصبب العرق من وجوهنا نحن الثلاثة. قررت أن استغل هذه المجادلة بخبث, مزقت الحقيبة البلاستيكية بسرعة قصوى أطارت من شدتها كمية عرقية غزيرة , واخرجت بنطالي عارضا إياه بنفس طريقة صاحبي, وقد تساقط خجلي وارتباكي مع قطرات الجبين ومجمل حلبة الجسد. شعرت وأنا امسكه بإتقان وكأني بائع للملابس منذ زمن طويل, قبل أن آتي إلى الدنيا أصلا. وبدا لامعا تحت أشعة الشمس بينما حرصت على أن اظهر قطعة القماش السوداء الصغيرة من داخله فهي تبرز بكل فخر جودة بنطالي إذ كتب عليها بخيط ذهبي (ميدي أن إيطاليا). انتهى صاحبي والزبون من المحاورة التسعيرية. وهم يلفظون أنفاس الاستراحة, بعد ذلك الشوط الاهب. وبدأت كلماتهم تأخذ طابعا من الهدوء والبطء. قال الزبون أخيرا: يجب علي الانصراف, واريد أن اعرف الآن سعرك الأخير ولا تماطل حتى آخذه وامضي. كان صاحبي قد نفض البنطال واعاده ليتدلى فوق كتفه . بينما أعاد البنطال الآخر إلى نفس الوضعية السابقة.شعرت بالسرور لكوني أمسكت بنطالي بنفس طريقة صاحبي بالضبط. استأنف صاحبي حديثه مع الزبون: هذه نهاية السعر. فرد الزبون:كلمة أخيرة يا صاحبي عشرة دنانير. تبسم صاحبي واضاف: أنا افضل أن أمنحك إياه مجانا, على أن أبيعه بهذا السعر البخس, هذا بعيد يا صاحبي . تركنا الغريب مودعا. كان صاحبي قد توقف على ثمان عشر دينار كحد أدنى , بعد المجادلة من قبل الزبون على السعر الأول. التفت صاحبي نحوي أخيرا , وفوجئ باني امسك بنطالي على هيأة البائع وقد استعددت للإجابة عن أسئلته بشكل معقول. قال لي مباشرة: أذن أنت تبيع ملابس أيضا؟. قلت متصنعا عدم المبالاة: نعم فأنا "شراي بياع". وكانت هذه كلمة شعبية شائعة تتردد كثيرا في السوق, واسمعها كل ما أمر فيه. ضحك صاحبي حتى احمرت وجنتيه. قطبت حاجبي بقوة مستنكرا ضحكه السخيف الذي اجهل سببه وسألته بحدة: هلا تفضلت واخبرتني عن السبب الذي دفع بك لكل هذا الضحك؟. ازددت حنقا إذ انه تجاهل تساؤلي واستمر ضاحكا . قطع الضحك أخيرا قائلا ولازال صوته مشوبا بأنغام الضحك:
- تقصد يا صاحبي "بياع شراي".
- ماذا؟ أكل هذا الضحك من اجل ذلك فقط؟ هلا أخبرتني أيها الذكي بربك ما الفرق بين العبارتين؟ بل على العكس يبدو لي بان عبارتي افضل,فأنا لابد أن اشتري لكي أبيع ,أليس كذلك يا حاذق؟.
عاد للضحك من جديد. كنت قد أخليت إحدى يدي , بعد أن تعبت من الوضعية الغريبة التي تحتم علي عرض البنطال بها . ألقى بنطاله على كتفه الآخر وقال:تستطيع أن تضعه على كتفك وتستريح بعض الوقت, خصوصا الآن كما تلاحظ . إذ انقطع الزبائن الذين يمرون أوقات الظهيرة من السوق ليتوجهوا إلى (الكراج العام) ويقلوا السيارات إلى بيوتهم بعد أن ينتهي عملهم. ألقيت بنطالي ورددت كاذبا : اعلم هذا وهل تظنني مغفل . اخرج علبة تبغ من النوع الرخيص وقدم لي سيجار. كنت في حاجة ماسة أليها, فألقمتها فمي فورا واستعرت جمرتها تنخر حرارة الظهيرة بدخانها المسود. عند احتراقها شعرت ببعض الاسترخاء, كان صاحبي قد أنهى نصف لفافته واخذ ينظر ألي بطرف عينيه , حيث السيجار كان حاد الطعم ومن النوع الثقيل الحار , استقتلت لكبت سعالي ,فان أكون بائعا جاهلا شيء, وان أكون غير بارع في التدخين شيء آخر. توجه صاحبي نحو بعض العربات الخشبية المربوطة مع بعض الأرائك الحديدية التي يستخدمها الباعة في عرض بضائعهم , وقد ربطت العربات والأرائك بسلاسل حديدية كبيرة وقفلت بأقفال صلبة خشية من غارات اللصوص والمخربين من القراصنة المتسكعون الذين يقطنون شوارع السوق عند الليل ويتركون آثارهم الشهيرة من الشخات البولية الكبيرة التي تتجمع من قناني الكحول المختلفة, وعند الصباح يعط السوق بالروائح البولية والبرازية مع روائح الكحول وبعض الأسمال الخلقة التي يستغني عنها أحد القراصنة بعد أن يحظى بملابس من متبرع شهم أو يجدها القرصان في القمامة التي يرمي الناس بعض حاجاتهم المستهلكة فيها. عاد صاحبي محملا بفراش من الخوص مع كيس قماشي يشبه الحقيبة. أطاح بالبساط أرضا ودعاني للانضمام أليه, شعرت بالامتنان حيث أن اقدامي كانت تضج بالصراخ من طول الوقوف جلسنا سوية تحت مظلة المحل التجاري الكبيرة . عبث صاحبي بأحشاء حقيبته واخرج منها بعض الأطعمة القليلة والمتواضعة ودعاني بأريحية وطيبة أن أشاركه الطعام وقد بدأت معدتي تتلوى من الجوع, ورغم كوني املك مالا لا باس به إلا أنى لم استطع شراء وجبة غذائية ما حيث كل المطاعم والمحال مغلقة كما هو الحال في فترة الظهيرة , والمحال القليلة التي تبقى مفتحة الأبواب بعيدة نسبيا. انهينا طعامنا وقد شعرت بالشبع خصوصا أن صاحبي في غاية الطيبة وكان طعامه على رغم قلته لذيذا جدا. جلسنا على البساط وقد شرعنا ننفخ الدخان بعد أن اخرج صاحبي لفافاته الحارقة. قذفت آخر نفس دخاني من أحشائي , وبدا لي أن اقذف لمسامع صاحبي ما تجمع في ذهني العابث من أسئلة حول السوق والباعة. قلت له بعد أن عدلنا جلستنا وتململت أجسادنا من خدر حرارة الطقس :
- لماذا تبقى في السوق مع بعض الباعة عند الظهيرة؟. على الرغم من كونك بائع قديم ومكانك محفوظ, وتستطيع أن تذهب للبيت تستريح مع زوجتك وأطفالك ثم تأتى إلى السوق عصرا؟.
- لا أستطيع ذلك يا صاحبي. فان بيتي كما هو الحال مع اكثر الباعة, بعيد عن هذا السوق , ولا أستطيع تحمل نفقة المواصلات أربع مرات في اليوم. لذلك يبقى اكثر الباعة أمثالي في الشارع خلال فترة الظهيرة. وعندما يحل الليل نعود إلى منازلنا . ولا يستثنى من ذلك سوى بعض الباعة الذين تكون بيوتهم قريبة. أو بعض أصحاب المحلات الذين يمتلكون في غالبيتهم سيارات خاصة.
- فهمت أذن . لكن حدثني عن هذه الطاولات الحديدية التي يثبتها أصحابها في الأرض . ألا يعترض أصحاب المحلات عليها؟ ثم لماذا بعضها مثبت وبعضها الآخر مقفل في الزوايا ؟ لما لا يثبتها أصحابها أيضا ويستريحوا من نقلها واعادتها عند ما يفتحون وحينما يذهبوا إلى بيوتهم؟.
- الذين يقفلون أغراضهم لا يملكون مكان ثابت كما مع الذين ثبتوا أغراضهم. لان بعض أصحاب المحال التجارية لا يخولون البائع أن يثبت مائدة العرض أمام محالهم.
- لكنهم يقفون أمام المحال كما تعرف ألا يعترض أصحاب المحال على ذلك أيضا؟.
- طبعا لا لأنهم متفقون مع الباعة على مبالغ مالية تدفع لأصحاب المحال ليسمحوا للبائع بان يستغل المكان أمام المحل, ويعرض فيه بضاعته مقابل أن يدفع بدل أيجار.
- وماذا بشان الذين لا يملكون أي مكان ثابت للعرض مثلنا؟.
- نحن يا صاحبي نستغل الأماكن الفارغة كما في الأفرع الصغيرة التي لا يوجد محل ما خلفها . والبعض منا كما أنا وأنت لسنا بحاجة إلى مكان للعرض إذ بضاعتنا قليلة ونستطيع أن نحملها باكتافنا ولذلك نستطيع أن نقف في أي فراغ يسع جسدنا فقط.
- وهل تحدث مشاكل بسبب ذلك؟. اعني ما الذي سيحدث لو صادف أن ازدحم السوق كثيرا ألا يتضايق الباعة الثابتون أو أصحاب المحال من الزحام ويطردون الباعة المتجولون أمثالنا؟.
- المشاكل تحدث دوما يا صاحبي ما دمنا في الحياة. وهي تحدث مع الجميع وليس مع الباعة المتجولون وحدهم. وبالنسبة لمشاكل السوق فهي أرضا للمشاكل الدائمة بسبب الزحام أحيانا وبسبب الأشياء الطبيعية البشرية من تنافس وتحاسد إلى غيره من الأمور الكثيرة. ولا تهتم أنت بشان المكان , فأنت تستطيع الوقوف بحجمك الصغير أينما أردت ,وان حدثت مشكلة ما فسأتكفل بها لا تقلق أنت , فأنا قديم هنا واعرف هذه الأمور اطمئن يا صاحبي. كما أني أظن انك لن تظل هنا كثيرا.
- ولما تظن ذلك ؟.
- لأني اعرف أن هذه العمل لا يناسبك. كما واني اعرف انك بعد أن تبيع بنطالك لم تعود إلى هنا أبدا.
قال هذا وحمل كيسه وهب واقفا. توقفت بدوري وابتعدت من البساط الذي طواه صاحبي وعاد به مع الكيس إلى صندوق حديدي في الزاوية, يبدو انه مخزن صغير للباعة. كانت الشمس قد ملت من إبراز عضلاتها فاستراحت خلف الكواليس. وظهر على المسرح ظل المساء الجميل . ابتدأت الناس تتوافد بكثرة . وارتفعت أصوات الباعة الذين ملئوا جانبي الرصيف صادحة :آخر قطعة , آخر قطعة ,القطعة بخمس دنانير فقط, ثلاث قطع بعشرة, إلى غيرها من العبارات. بدأت التحديق بقطع الأموال الورقية التي تتراقص عدا بين يدي بعض الباعة . ولم يقترب من بنطالي أحد وكأنه قطعة جرباء عفنة. إذ أن اكثر المارة من الشباب والكبار . أما الأعمار القليلة التي تشابه عمري ,تجاهلت بنطالي بشكل واضح. لعنت الحظ العاثر ,وشتمت كل وسائل الإعلام وكل الصحف الكاذبة,التي تتحدث عن البطالة, والفقر, وبان اكثر الناس لا تجد ما تأكل, أو تلبس. فهذا واقع السوق يفند كل إشاعتهم , ويعطي دليلا قاطعا عكس ذلك تماما. وإلا أين هؤلاء عن بنطالي الأجنبي المستورد, والذي أود بيعه بستة دنانير لا غير؟. تملكني الملل وأنا أرى كل الباعة يقلبون بضاعتهم ويبيعون بعض القطع منها . حفظت بعض العبارات التي يتفوه الباعة واستحسنتها وقررت أن أبدا بها قاموسي التجاري وأفض بكارة فراغه. استغنيت تماما عن مسك البنطال بشكل العرض التجاري المتعب , وأرحته على كتفي و بقيت أتنقل موشحا به . وقد أصبحت خلال الساعات القليلة من عمري المهني , وكأني ابن السوق واحد افضل باعته . لم اعد اشعر بأي إحراج وأنا ضمن أجواء عالم السوق المزدحم. ابتعت لنفسي علبة سجائر من النوع الرخيص, وكنت قد بدأت التدخين منذ مدة, مبتدءا بهذا النوع الذي ناسبني كونه متوسط الحرارة . أخذت التهم السجائر بكثرة, لأخفف من غيظي حيث شعرت بان أحلامي الوردية تتهاوى منتحرة على قماش بنطالي زاهد التثمين. وقف على يساري بعض الباعة الذين تصافوا متحدثون فيما بينهم , وهم يلعنون الحظ وسوء السوق على زعمهم. عرفت بأنهم اشد باسا مني . تزينت اكتافهم بأنواع بنطالية مختلفة الألوان والأنواع. قررت أن انظم إليهم واشاركهم أحاديث الخيبة تلك. تركت صاحبي منشغلا بمحاورة بيع جديدة وتوجهت نحوهم. فتحت علبة السجائر نحوهم وقلت مبتدءا: ما هذا السوق النائم . ابتسم جميعهم وامتدت يدان نحو العلبة التبغية ,واعتذر الثالث بكونه ليس مدخنا. وردوا بعد أن زفروا أنفاسهم الداخنة الأولى: وأنت أيضا حظك سيئ اليوم , انظم ألينا في اجتماع الخيبة. ضحكت بدوري وعلقت: أتصدقون باني لم أبع ولا قطعة اليوم , وكانت هذه اصدق عبارة تفوهت بها خلال اليوم. علقوا بدورهم انهم لم يبيعوا أيما قطعة هذا اليوم. دخلنا أحاديث الحظ والفرص, التي تأتى فتجلب السعادة معها وتولي فيسوء الحال . واخذ كل واحد منهم يقص بعض فرصه الذهبية الفريدة في البيع. قال كبيرهم: بعت في أحد الأيام ثلاث بناطيل وكنزتيين دفعة واحدة ربحت فيهما عشرون دينار , في اقل من نصف ساعة. وايد الثاني فرادة تلك الفرص الذهبية واكد بدوره, بأنه حظي ببضاعة ساقها الحظ أليه , إذ اشترى مجموعة ملابس مستعملة من أحد الأغنياء بسعر زهيد , وباعها إلى تاجر آخر , رابحا فيها مائة دينار, جلس من العمل بعدها لمدة أسبوعا كاملا مستمتعا بخيرات أرباحه. واضاف الثالث بأنه اشترى بنطال (جينز) ماركة من شخص"غشيم" حسب تعبيره , بثمانية دنانير فقط, وباعه في نفس اليوم بأربعين دينار. بعت بدوري على مسامعهم بنطالان واربعة قمصان , ادعيت أني ربحت فيهما ثلاثون دينار على الطاير. انسحبت أخيرا مع زوبعة كذبتي المغبرة ,عائدا نحو صاحبي , الذي لازال بنفس نشاطه الأول وكأنه لم يتوقف سوى من ربع ساعة. كان ينكت أحد بنطاليه ويعلق الآخر على كتفه ثم يبدله بالذي يعرضه بكامل حجمه . حاولت أن اكسر اندفاعه بحديث الخيبة السابق قلت له بمكر:
- حتى أنت يا صاحبي لم تبع شيء اليوم, أي سوقا تعس هذا؟.
- لا أظن أن السوق رديء على الإطلاق, وها أنت ترى الناس تشتري وتقلب في البضاعة , كما أننا في بداية الشهر يا صاحبي ولازال عند الناس بعض الفتات من مرتباتهم . وأنا شخصيا بعت بنطالا من هذين وبعت قبله ثلاث قطع .
استغربت كلامه وشعرت بإزعاج حاد بحت به فورا:
- ولكنك لازلت تحمل بنطالين ,فكيف تدعي بأنك بعت واحد منهما ؟.
شقت محياه الأسمر ابتسامة صفراء عذبة واعاد نكت بنطاله وطوحه فوق كتفه بينما امسك الثاني بطريقة العرض:
- هل تذكر الرجل الذي دفع عشرة دنانير؟.
- نعم اذكره ما به؟.
- سيعود ويشتري هذا البنطال الذي قلبه كثيرا .
- ومن أدراك بذلك؟.
- أنا اعرف ذلك بخبرتي.
- لكن أنت عرضت عليه عشرون دينار كحد أدنى,بينما هو يريده بنصف القيمة؟.
- وأنا لم اعرض عليه ذلك كسعر نهائي ايها المغفل, وهو يعرف ذلك. وحينما يعود سأماطله على اثنا عشر دينار ونصف, حتى احسم الأمر باثنا عشر فقط, وبذلك أكون قد ربحت ثلاث دنانير , وهو مبلغ جيد , كما أن البنطال الآخر سيباع قريبا ولا بد.
- وكيف تنبأت بذلك أيضا؟.
- ليس تنبؤ كل ما في الأمر, أني أستطيع بيعه بأي ثمن لاني حصلت عليه بدينار واحد فقط. وهو يساوي ثلاث دنانير على اقل تقدير ولا ضير من بيعه حتى بدينارين , وحينما اشعر بأنه لن يباع بالسعر الأول , أبيعه بالسعر الثاني واذهب للبيت. خصوصا واني ربحت اليوم ربحا لاباس به.
- تذكرت الآن, كيف تقول بأنك بعت قطع ملابس قبل البنطال الذي تزعم انك ستبيعه , وأنا أتيت إلى هنا باكرا ولم تكن أنت موجود , وحينما رايتك لم تكن تحمل سوى البنطالين؟.
- في الصباح أتواجد في سوق آخر , وهناك بعت اليوم بعض القطع, ثم أتيت لاحقا إلى هنا, فلكل سوق اختصاصه يا عزيزي.
- ماذا اختصاصه؟ هل هو مستشفى أم سوق؟.
- ولما تظن أن المستشفى وحده فيه اختصاص؟. أنت مخطأ يا صاحبي , فلكل سوق بضاعته وعلى البائع أن يعرف رقعت سوقه الذي يقف فيه , ليعرض بضاعته المناسبة , ولذلك سوف لن تبيع بنطالك هنا.
انزعجت اكثر من ملاحظته الأخيرة , وامتلأت حنقا وغيظا . كان هو يمسك سيجار لازال داخنا بين إصبعيه فأخرجت سيجار من علبتي واشعلتها من جمرته المستعرة. ومع نفخ دخاني بوجهه حاولت إغاظته:
- لكني غير مستعجل في بيعه , كما واني اشتريته بسعر زهيد جدا وسوف أبيعه في النهاية واربح فيه , كما أن اليوم لم ينتهي بعد وان لم يباع فسأبيعه غدا أو بعد غد.
- اقترح عليك أن تذهب إلى ذلك الشارع , واشار بيده إلى الاتجاه الذي يقابل الرصيف الذي نشغله. وتسال عن (فلان) وسيدلوك فورا عليه , لتعرض عليه بنطالك الذي سيشتريه فورا بالسعر الذي يناسبه واخلص من معاناتك .
- لما تعتقد أني أعاني انه عملي أليس صحيح.
في هذه الأثناء توقف رجل كبير السن أمامنا, واخذ يقلب قي بنطال صاحبي الرخيص ويقربه من عينيه . كان المساء ينشر أطياف ظلامه ,وبعض المحال التجارية التي نقف وراء ظهورها ساندين ظهورنا عليها, أقفلت فحرمنا من الضوء المنبعث من نوافذها الخلفية. واصبحت بعض المناطق مظلمة تقريبا بينما ظل أكثرها مضيئا. لاحظت عندها أن أصحاب البضائع الكثيرة,والمعروضة على موائد , استغلوا الأرضية التي تقع تحت المحال التي لا تقفل باكرا. وتظل حتى وقتا متأخر من الليل. من اجل أن يضمنوا عرض بضاعتهم بوضوح, وعرفت من صاحبي انهم يحجزون أماكنهم المخصصة , بتثبيت موائد العرض الحديدية في عمق الإسفلت. قال الرجل الكبير لصاحبي:
- بكم تريد هذا البنطال؟.
- بدينارين ونصف.
- هذا كثير يا ولدي,هلا خفضت بعد؟.
- ليس كثيرا يا عم, البنطال مناسب جدا بهذا السعر.
- لكني لا املك سوى دينار ونصف يا بني.
نفض صاحبي البنطال حيينها وطواه بشكل أنيق وقدمه للزبون قائلا:
- خذه على حسابي يا عم ولا يهمك.
- شكرا كثيرا يا عزيزي, ساكون ممتنا أن قبلت بالسعر الذي عرضته عليك. واطاح المبلغ في يد صاحبي وودعنا شاكرا.
أعجبت كثيرا بموقف صاحبي الذي ينم عن الشهامة ,قلت له بحنان:
- حسنا فعلت , فالرجل يبدو معسرا جدا.
- لا عليك يا صاحبي , فنحن اكثر الناس الذين يعرفون سوء الأوضاع المادية. وقد مرت علي أيام عصيبة لم أجد فيها ما يسد رمق عائلتي. تنهد بحسرة واردف: لابد وانك عطش ,تعال معي نكرع مشروبا باردا.
توجهنا نحو عربة بائع المشروبات الغازية, الذي شغل ركن الرصيف بعربته الخشبية القديمة. وقد لف رأسه بغطاء ابيض , تجمعت أغطية العلب الزجاجية للكولا وباقي المشروبات ,بألوانها المختلفة,تحت يدي البائع حيث كان يفتحها بسرعة بفكي مفتاحه الحديدي المسنن. شربنا قنينتين أطفأت بعض بركان الظهيرة في صدورنا , أصر صاحبي أن يدفع ثمنهما. أخرجت بدوري سيجارتين رحنا نعب أنفاسها في بطن السوق المزدحم..
عاد صاحبي إلى حديثه السابق:
- اسمع يا صاحبي أنا لم اقل لك ما قلت إلى لاني اعلم انك لم تستطيع الاستمرار في بيع الملابس.كما وان العمل فيها لا يناسبك , فخيرا لك أن تسمع كلامي وتذهب إلى الشخص الذي أسميته لك في ذلك السوق. لتبيعه بنطالك وتريح نفسك من العناء.
لم اشعر بالغضب من كلامه هذه المرة. ففعلته النبيلة مع الزبون المعسر , لا تزال ماثلة أمامي. كما أن برد المشروب الغازي لم يتبخر من صدري بعد. أجبته بهدوء:
- لا عليك سأبيعه وسترى بعينك.
أنزلت بنطالي من كتفي مجددا, كمحاولة أخيرة مني للفت الأنظار أليه. ضجرت في نفسي من الثقة العالية التي يتحدث بها صاحبي , باني لم أبيع بنطالي ولو وقفت لعدة أيام. من أدراه بذلك , كما انه أكد على كونه سيبيع بنطاله إلى ذلك الرجل بعد أن يعود حسب زعمه. بينما انقضت ساعات كثيرة ولم يأتي بعد, فكيف ضمن عودته؟. بدا الظلام يشتد اكثر بعد أن أغلقت اكثر المحال التجارية واطفأت أضوائها . وشرع اكثر الباعة بجمع بضائعهم وبتنا على وشك المغادرة. عاد الرجل الذي قلب بنطال صاحبي أخيرا, وقال له على الفور:
- هيا يا صاحبي خذ عشرة دنانير وبعني إياه قبل أن تعود إلى بيتك مثقلا به.
- خمسة عشر دينار سعرا معقول , ولا تطمع بالتخفيض اكثر من ذلك.
اخرج الرجل محفظته الجلدية الصغيرة قائلا: هيا هل اخرج المبلغ أم لا؟.
- ثلاث عشر ,قال صاحبي , ولف البنطال بطريقته المعهودة. توقف الاثنان أخيرا على اثنا عشر دينار , تراقصت وريقاتها بين أصابع صاحبي عدا.
انسحبت هاربا قبل أن يعلق صاحبي أيما تعليق...

..وصل يأسى إلى ذروته , وأنا احمل البنطال لليوم الثالث دون جدوى. واسوا ما في الموضوع أنني أصبحت تحت رحمة سهام المتندرين , الذين ألفوا في بنطالي العبارات الساخرة , والقصائد المقفاة , وبعضها بعبارات بذيئة. لم اعد احتمل اكثر . ولأن صاحبي يأس من نصحي وتوقف عن إبداء رأيه. بعد أن رأى يبوسة رأسي, علق باني مثيرا للسخرية. شمخت بأنفي الطفولي الذي كسر أخيرا بقبضة الواقع القاضية. نفضت بنطالي فجأة وسالت صاحبي :
- هلا وصفت لي مكان واسم ذلك الشخص مجددا؟.
..بعد عدة خطوات كنت أسير بين موائد حديدية تبدوا مختلفة عن الرصيف السابق. حيث الألوان الزاهية الصارخة, والموديلات الشبابية الحديثة والجذابة, الطاغية على اكثر أنواع البضاعة في هذا السوق. ويبدوا أن أصحابها من الطبقة الرأسمالية , فكلهم متجهمون الوجوه ومظهرهم في غاية الإثارة وكأنهم يعملون في النوادي الليلية لا في بيع الملابس. صفوا بضائعهم بشكل متقن , ينم عن الذوق والخبرة التجارية. شعرت مع أول خطواتي في هذا السوق العجيب, باني افقد جرأتي مع كل خطوة أتقدم فيها نحو مجاهله. وارتفعت في ذهني تلك البلادة والدهشة, التي ألمت بي وأنا ادخل السوق الشعبي لأول مرة. ونماثت خبرتي التي ظننت من أنها جعلتني بائعا من الطراز الأول,مع تحادرعرقي الغزير الذي بدا يتقاطر من الخجل. وتهاوت قلعة الكلمات الكثيرة التي حفظتها من الباعة ,على مذبح صرامة وجدية الوجوه الصلبة عند باعة هذا السوق. وفي خضم خيبتي وفراغ يدي ,إلا من البنطال الذي زججت به إلى عمق حقيبة بلاستيكية سوداء وكأنه تحفة نادرة. أخذت أقارن الوضع الحالي بالوضع السابق بتلك العجالة التي خلخلت مجمل أفكاري وقلبت كل أوراقها. استرجعت هيبتي في ذلك السوق, حينما اندفعت بكل سهولة وبلا تكلف أو رهبة. أساعد بعض الباعة حينما يكون الازدحام في ذروته, بإعادة ترتيب القطع التي يناثرها الزبائن بعد كل جولة من جولات فحوصهم. يفرغون في تلك الجولات الاهبة, كل غرائزهم النهمة للاجتياح والعبث, بدعك الملابس وتقليبها بإفراط واضح . بينما أقوم في أحيانا أخرى وبطلب من صاحب البضاعة , بمراقبة الزبائن بعينين متلصصتين حتى لا تتعرض بعض القطع إلى ألاعيب اللصوص الماكرة. كنت أقوم بذلك باندفاع وحرص مشدد , حتى يجزم كل من ينظر ألي , وأنا في تلك الحالة الغريبة من الحذر, دائرا بعيني بسرعة من زبون للآخر ومن قطعة لأختها, وعلائم الترقب بادية على مجمل لكنات وطيات وجهي . باني صاحب البضاعة المباشر , ومالك أسمالها....
..أما هنا في هذا السوق الجديد, اشعر بنفس علائم الغباء والذهول الذي دخلت فيه إلى ذلك السوق في أول الأمر. الباعة هنا يبدون وكأنهم من رجالات الأمن والسلطة الصارمين. ويدل مظهرهم الحازم بأنهم لا يحبون المزاح , ولا يضيعون أي وقت في الثرثرة خارج البضاعة والتجارة. كما أني وعلى مدى نصف ساعة من مسيري في أروقة حصونهم الفولاذية, لم اسمع أي أصوات مرتفعة أو منخفضة, فالكل واثق من جودة بضاعته ولا يود لفت الأنظار أليه بالدعاية الصراخية. إذ يبدوا أن شعارهم دع بضاعتك تعلن عن نفسها بنفسها. كما لاحظت انهم وخلال بيعهم لبعض قطع الملابس , لا تختلف سحنات وجوههم ولا يبدوا عليهم انطباعات الفرح الغامرة ,التي كانت تظهر على وجوه باعة الرصيف الشعبي. إذ فوجئت بأحدهم يبيع بنطال وكنزة بمائة وعشرون دينار, صعقني المبلغ إلا أن الشخص الذي باع القطعتين لم يكلف نفسه أن يقوم للمشتري على الأقل, واكتفى بعد النقود بلا مبالاة وهو جالس , ثم زجها في جيبه دون أدنى حركة في ساحة وجهه العابس. شعرت أخيرا باني صرت قريبا من المكان المطلوب. تقدمت نحو شاب ضخم الجثة طويل القامة ذا بشرة داكنة السمار بشارب كث وراس حليق بالنمرة الثانية. يرتدي في عنقه سلسال فضة , برز فوق رقبته من فتحة (التيشرت) , بربع ردان مطرز بكتابة أجنبية كثيرة, خيطت بلون ذهبي لامع في منتصف قماشه الأسود. وتحت الكتابة استقرت صورة غريبة في دائرة مطوقة بجلد حيواني بلون البيج, احتوت الصورة رمزا مزدوجا لثعبان ونسر وهما في حالة صراع , يتحدد خلاله أن البقاء للأشرس. باعد بين فخذيه على الكرسي الذي شغله , واخذ يضرب مساحة الكرسي الفارغة بيديه على هيئة الطبال. سألته بعد التحية:
- عفوا هل تعرف أين (فلان) . لم يتوقف من نقر طبلته الكرسوية , وقال مع أنغام الطبول :
- تفضل ماذا لديك؟.
وقعت عيني فورا على طاولته الحديدية , ولم أجد صعوبة في العثور على سؤالي الذي ألح علي منذ اليوم الأول الذي قابلت فيه صاحبي البائع في السوق الشعبي, لماذا يا ترى أصر صاحبي ذاك أن آتى إلى هذا الشخص واعرض عليه بنطالي؟. رأيت بعيني هذه البضاعة فعرفت الجواب. كلها بضاعة شبابية وولادية ورجالية بألوان زاهية صارخة وبموديلات غريبة ومتنوعة من الجينز والكتان والقديفة , وهو القماش الذي صنع منه بنطالي الإيطالي , ولعله في نابولي تحديدا . فرحت حينما عثرت على بنطال يشبهه تماما, تحسست قماشه البنطال سريعا إذ فركته مرارا بين السبابة والإبهام , وأنا لا ادري لماذا افعل ذلك , كل ما في الأمر أني أردت أن اظهر لهذا البائع المكفهر مهارتي. وإلا شخصيا لا أستطيع أن أميز بين مارد القديفة الجيد والرديء ,حتى وان فركت بمصباح قماشة حتى الصباح. أرحت البنطال من الفرك البليد وسالت البائع مجددا:
- كم ثمنه؟.
- خمسة واربعين دينار. قال ذلك وقد أوقف قرع الطبل, واشعل لفافة تبغ ولم يسألني حتى أن كنت أدخن بل كأنه لا يراني أصلا. أحببت أن أشاكسه واكسر يبوسة انفه:
- لماذا هل هو مرسيدس؟.
- يبدوا انك تغرد جيدا آيها العصفور. لم افهم مراده على التحديد , وهل اطراني أم شتمني. وحينما راني باهتا كالمخبول أضاف:
- ليس (مرسيدس) على التحديد , لكنه ربما (جامبو). بهت اكثر وقطبت حاجبي اللعينين واجبته بشكل هازئ:
- ماذا يعنيني من كل هذا الهراء, اخبرني بسعر معقول , هل تظنني مغفل , انه مجرد خرقة مستعملة حاله حال أي بنطال آخر.
أنهى السيجار , وسحقه بعقب حذائه الطويل مدبب الرأس , ومطوق بسير حديدي من الجانب , وقال بجد

- اسمع ليس لدي وقت للمزاح , اخبرني ماذا تريد الآن ومن حذفك علي , أو غادر فورا قبل أن أنقلك بنفخة واحدة إلى آخر جهة من النفق الممتد أمام ناظرك.
شعرت بالإهانة وحاولت لملمة كلماتي السوقية التي كسبتها من الباعة فقلت له مستغربا :
- أعصابك عمي البيع والشراء يحتاج إلى سعة صدر وتحمل, الكلام اخذ وعطا, فلما أنت ضجر.
ابتسم قليلا واشعل لفافة أخرى . كنت قد تراجعت قليلا عن عارضة الملابس المستطيلة وفجأة أهوى بيده تجاه وجهي , بوغت بتلك الحركة السريعة وشعرت أن قبضته لو استقرت على وجهي ستشطره نصفين, وفي اللحظة الأخيرة فتح قبضته ومسك بياقتي وسحبني نحو حافة العارضة قائلا:
- احضر البنطال بيدك. , انهارت كل قواي الطبيعية والمكتسبة, وأدركت أن لامفر لي بالعصيان ويتحتم علي الطاعة. ناولته البنطال وقد ارتفعت دقات قلبي إلى غايتها الخوفية القصوى. فتح البنطال من طويته وابرز لي الجلدة الصغيرة التي يمر الحزام من تحتها كما النفق, ووضعها أمامي وهو لا يزال يمسك بياقتي التي شعرت بأنها التصقت في يده
- انظر جيدا في الماركة واعرف حدودك. لم أرى سوى حروف أجنبية لا اعرف شيئا عن شفرتها , وقلت مندهشا
- ماذا يعني ذلك لست افهم؟.
- يعني (ديزل أيها المتغافل) . , اللعنة علي قلت لنفسي , انه يظن باني اكذب عليه بعد أن تشاطرت عليه واظهرت نفسي كالعارف حينما دعكت القماش وأخذت أشاكسه وورطت نفسي , فكيف يصدق الآن باني لا اعرف شيء عن هذا الديزل اللعين. ثم انزعجت اكثر إذ شعرت بأنه يكذب علي أيضا , إذ ذكر لي في البداية أن البنطال (جامبو) وسوأ حظه أنساه ذلك التصريح وقال لي الآن انه (ديزل) . والحقيقة أن خبرتي القليلة عن السيارات أفادتني بكون (الجامبو) تسير (بالبنزين) وليس (الديزل) كما سمعت من قبل. وعلى أي حال أنا لا ادري ما علاقة (الجامبو والديزل) بالملابس أصلا. ابتسمت أخيرا وقلت له :
- على أي حال أنا لدي خير من بنطا لك واود بيعه إليك. استغرب وبدا مشككا وسألني ماهي ماركته ؟. وقبل أن أجيبه مزقت الكيس بغرور واضح وامسكت القطعة السوداء الصغيرة والقيت بها تحت ناظره قائلا بكل ثقة:
- (ميدي أن إيطاليا). قطب حاجبيه ولم يكلف نفسه أن يمسك بنطالي بل رد ضاحكا:
- هنيئا لامك. تضايقت كثيرا ورددت عليه بعصبية:
- ما هي مشكلتك يا عم ,لماذا تصر على أن تبخس أشياء غيرك؟ بينما تبالغ في تقيم أشيائك , انه بنطال إيطالي وتستطيع أن تتأكد من ذلك بنفسك . كان قد عاد إلى جلوسه وقد تقدم نحونا رجل متوسط العمر , نقد البائع مبلغا من المال , ذا قطع نقدية كبيرة القيمة , أخذت سوائل طمعي تنثال على إثرها من كل مسامات جسدي , وضعها في جيبه بعد أن عدها . واخرج كيسا بلاستيكي من تحت طاولته الحديدية , بدت قطع من الملابس لامعة من وراء شفيفه الأبيض . قدمه للرجل قائلا تفضل وافحص بضاعتك . شكره الرجل بعد أن رد عليه :لا داعي لذلك فأنا متأكد من انك جهزتها بالكامل.
عاد ينظر ألي وقد بدا مسترخيا اكثر , رد علي أخيرا:

- اسمع آيها الحمل الصغير لا حاجة لي ببنطالك الإيطالي , وهو ليس حذاء يا نادر لتخبرني بكونه إيطاليا , وكأن البنطال الإيطالي له خصوصية معينة عندك. شعرت بأن الأرض انشقت من تحتي , وكآخر محاولة للفت نظره قلت أخيرا :
- أن صديقك الذي يعمل في السوق الشعبي - وسميته له- هو من أرسلني إليك , بعد أن اخبرني بأنك الوحيد من سيشتريه . كما واني لا اطلب فيه سوى خمس دنانير ليس إلا. قلت ذلك بسرعة إذ خشيت انه لن يوافق على الست دنانير فقررت أن أتنازل عن الدينار مكرها. رحب بي حينما سمع باسم صديقه وسألني عن أحواله , شعرت بالزهو الخائب قليلا واخبرته بكل ثقة بأنه صديقي العزيز وهو بأفضل أحواله . اخذ البنطال مني وبدأ يقلب فيه . قال أخيرا:
- لن آخذه سوى بدينارين. امتلأت غضبا وصحت على الفور بعد أن حملت بنطالي وكأني أخشى عليه من الضياع:
- اسمع يا عم أنا مستعد لرميه في الشارع على أن أبيعك إياه بهذا السعر.
- لست بحاجة إلى ذلك ,تستطيع أن تحتفظ به أن لم تشأ بيعه. قدم لي سيجارة بعد أن لاحظ انفعالي . زفرت أنفاس غضبي مع الدخان وبدا انه غير مهتما بالأمر. شعرت بالضياع وأنا بين أن أبيع البنطال بذلك الثمن البخس , أو لا أبيعه فلا ادري كيف أتصرف حيينها ؟. بدوت كالغبي وأنا اقف حائرا هكذا. قررت الانصراف وقبل أن أطلق قدماي للريح بخطوات الفشل , قلت له بحدة:
- ديناران ونصف وهذا سعري الأخير . ولما همت بالانصراف امسكني من معصمي قائلا:
- سأزيدك نصف دينار إكراما لصديقي.
..عدت إلى البيت عند المساء , يتملكني الأسف إذ لا أستطيع أن احصل بهذا المبلغ على كلا الروايتين . وها أنا لا املك سوى نصف قيمتهما , ولم تثمر جهودي في الاحتيال على والدتي التي يأست من خبلي , ومن إسرافي النقود في شراء الكتب والمجلات . وبعد إلحاح مرير انتزعت منها نصف دينار
أخذت المبلغ وقررت شراء الرواية التي كنت متحرقا لقراءتها كثيرا واجلت الرواية الثانية حتى إشعار أو بنطال آخر من يدري. كان صاحب المكتبة على وشك أن يغلق حينما وصلت أليه . لم أجد الروايتين في مكانهما , تصورت انه صفهما في الداخل سألته:
- ماهي أخبار لشبونة؟.
- وأنت أيضا سمعت بعودة أخي. لم افهم ما الذي يعنيه فاستفهمت: عودته من أين ؟.
- هذا ما اود أن أصلحه لك , لقد عاد من برشلونة بعد أن ذهب إلى أسبانيا في مهمة عمل, ولم يكن في البرتغال كما يظن البعض.
- أنا لا اعلم بهذا إطلاقا, وأنا أسألك عن (ليلة لشبونة) الرواية التي عرضتها علي قبل أسبوعين تقريبا , بثلاث دنانير ومعها رواية أخرى بنفس السعر وقد جئت اليوم لابتاع واحدة فقط وهذه هي دنانيري خذها واعطني الرواية تلك. ضحك ملء فيه على ذلك الالتباس واعتذر لي بأن كلا الروايتين قد بيعتا . أسفت كثيرا لذلك. لكنه اسقط أمام نظري رواية أخرى كبيرة نسبيا وأعطاني معها رواية صغيرة قال إنها هدية واستطيع أن أخذها مع الرواية دون مقابل . أخذت الروايتين وانصرفت فرحا وأنا احتضنهما , وشكرت البنطال في سري كثيرا فهو من ساعدني على الحصول عليهما . أسرعت بخطاي حتى أفض بكارتهن, بينما اضطجع على السرير...




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
1.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: