أدب فن: أبو حنيفة الحزين وقصص أخرى أبو حنيفة الحزين وقصص أخرى ================================================================================ بلقيس الملحم on 27/ 3/ 2009 حمير! لم يمهلوه أن يفتح قميصه, فقد قاموا بتمزيقه حالا, بينما رفع يديه الملطختين بشعير أطفاله السبعة.. ومن أجلهم فقط, ابتسم الحمار الهزيل في وجوه الجنود المكفهرة, فأخلوا سبيله وسبيل قناني الغاز المتجهة لشارع الكفاح.. أمنية بيضاء! شيئان ينازعانه دون هوادة, الحيرة ذاتها نازعت الطبيب حتى رفع يده وسلم أمر مريضه للقدر.. نزل من سرير البنفسج, تشجع, وقرر أن يعترف لها بحبه, ففعل. خاضت حربا ضروسا مع نفسها.. حتى كسرت عنفوانها, فتحت قارورة العسل, منحته أقدس مكان ليقبلها فيه, وهناك شُفي تماما, ظل بعدها يمشي مطأطأ رأسه خجلا من معروف امرأة عفيفة! أبو حنيفة الحزين! الاحتفالات والتكيّات والمناقب والصواني والشموع والحناء والسكاكر والحلويات لم تنجح جميعا في إدخال السرور على أبي حنيفة! ففي هذه الليلة غاب عن مرقده امرأة من الكاظيمة, كانت تأتي إليه سنويا ليلة المولد النبوي.. اليوم, شيعها سرب من الطيور, والتي وقفت منذ الصباح الباكر في انتظارها.. محيطة بقبر صغير, زرع نفسه في زحام مقبرة الشيخ معروف! جاري في الجنة! لا تجد من يلقي له بالا, فلا أحد يعرفه منا, فهو ليس من الجيران ولا من أبناء الحي المجاور, بيد أني بدأت أكون علاقة خاصة به, علاقة لا تشبه الحب إلا في نهاياته السعيدة فقط. أقرأ في قسمات وجهه قلبا موشوما بالحروب والأحزان.. لم يعرني بالا هو الآخر, مشى إلى الله وهو يقطر ماءًا, دخل مع المصلين لكنه لم يخرج معهم, أسند عكازيه على إحدى اسطوانات المسجد.. سمعته في سجدة قادمة قبيل أن تطير الملائكة بروحه : ربي, ألا تكفي كل هذه الحروق والندوب! ثقوب رحيمة! من بعيد, من قريب, أسمع عن أمراض القلب الخطيرة: ثقوب, انتفاخ, انسداد شرايين.. ولأني لا أجيد السباحة في مياه النهر الثقيلة, انهمكت في قطعه بعد أن زججت بنفسي فيه, وحين وصلت إلى ضفته الأخرى, انكشفت المسافات الطويلة التي نجحت في قطعها بمفردي, لحظتها شعرت بوخز شديد في صدري, شققت جيبي, وانزلقت برأسي الذي طار قبلي, انزلقنا جنوبا باتجاه "هور" آخر ...