كفن للأرواح الميتة
عدد مرات المشاهدة :1625 - 06/ 8/ 2006
ابراهيم درغوثي
ابراهيم درغوثي
1- الكف والطبلة
ضربت بكفك الطبلة حتى احمرت الكف . وضربت بعنف وشراسة حتى أصاب الخدر الخدر . خدر لذيذ سرى في كامل بدنك كأشعة كهرباء خفيفة . بعدها ، والعرق يبلل جبينك ويسيل على عنقك عدت تدريجيا إلى رقتك وأنت تعالج جلد الطبلة بحذق الفنان ، فيخرج اللحن الطروب من بين أصابعك كالحلم الدافئ في ليلة شتاء .
وتتصايح النسوة فرحات ، ويهللن ، ويدخلن حلبة الرقص مثنى وثلاث ورباع ، يحركن أردافهن في كل الاتجاهات ، ويلعبن بالصدور بمهارة ، ويستعرضن زينتهن : كناء منقوشة ملء الكفوف ، وأحمر على الشفاه ، والعيون غطاها الكحل، والأفواه مدبوغة بالسواك . وهن يتدافعن ويتضاحكن ويتلامسن ويتهامزن ويتغامزن ويتساقطن مرة على الطبل ومرات في حجرك . يبطئن لحظات ، ثم يهربن خفيفات كرف الحمام .
وأنت ترى بعقلك كل شيء . تسجل في دماغك الأصوات والحركات ، وتحلم بامتلاكهن . تقول لنفسك :
- هذه سمينة رجراجة تحذق الرقص ، وتحذق أشياء أخرى لا محالة .
- وهذه الطفلة مازالت في بداية الرحلة إلا أنها نجيبة . أسمع دق قدميها على الأرض منغما ، وتحريك يديها متزنا ، وعطرها لذيذ .
- وهذه رقيقة كظل شجرة ياسمين ...
وتفوح روائح الند والبخور وعود القماري والجاوي والكمون ، وتعلو الزغاريد .... فيلكزك صديقك صاحب المزمار ، فتفهم أن اللحن قد اختل ، وأنك قد سرحت بعيدا بخيالك المجنون ، فتعود للطبلة تضربها بالكف... تضربها حتى يصيب يديك الخدر .
ويعم الهياج من جديد حلبة الرقص ، فتستغل فرصة عدم انتباه النسوة ، وترفع يدك إلى وجهك تغطي بالنظارة السوداء روحك الميتة .
وتتصايح النسوة فرحات ، ويهللن ، ويدخلن حلبة الرقص مثنى وثلاث ورباع ، يحركن أردافهن في كل الاتجاهات ، ويلعبن بالصدور بمهارة ، ويستعرضن زينتهن : كناء منقوشة ملء الكفوف ، وأحمر على الشفاه ، والعيون غطاها الكحل، والأفواه مدبوغة بالسواك . وهن يتدافعن ويتضاحكن ويتلامسن ويتهامزن ويتغامزن ويتساقطن مرة على الطبل ومرات في حجرك . يبطئن لحظات ، ثم يهربن خفيفات كرف الحمام .
وأنت ترى بعقلك كل شيء . تسجل في دماغك الأصوات والحركات ، وتحلم بامتلاكهن . تقول لنفسك :
- هذه سمينة رجراجة تحذق الرقص ، وتحذق أشياء أخرى لا محالة .
- وهذه الطفلة مازالت في بداية الرحلة إلا أنها نجيبة . أسمع دق قدميها على الأرض منغما ، وتحريك يديها متزنا ، وعطرها لذيذ .
- وهذه رقيقة كظل شجرة ياسمين ...
وتفوح روائح الند والبخور وعود القماري والجاوي والكمون ، وتعلو الزغاريد .... فيلكزك صديقك صاحب المزمار ، فتفهم أن اللحن قد اختل ، وأنك قد سرحت بعيدا بخيالك المجنون ، فتعود للطبلة تضربها بالكف... تضربها حتى يصيب يديك الخدر .
ويعم الهياج من جديد حلبة الرقص ، فتستغل فرصة عدم انتباه النسوة ، وترفع يدك إلى وجهك تغطي بالنظارة السوداء روحك الميتة .
2 - تحت الشمس
البنت الصغيرة التي خرجت لتوها من البحر نثرت عليه قطرات ماء حين نفضت شعرها الطويل ، فمد يديه يبحث عنها لكنها ضاعت في كل الاتجاهات ، واختبأت وراء ضحكتها المشاغبة .
*****
الرجل الذي جاء الى الشاطئ مسحوبا من أنفه كما تسحب الثيران ، اقتلع شمسيته، وطلب من زوجته أن تلحق به تحت جدار الكورنيش .
قال لها : ذاك الرجل الجالس وراءنا ، رأيته يلحس صدرك بنهم ، ولم يخجل حين وقعت عيني في عينيه مباشرة .
قال لها : ذاك الرجل الجالس وراءنا ، رأيته يلحس صدرك بنهم ، ولم يخجل حين وقعت عيني في عينيه مباشرة .
*****
لم ير العلم الأسود الذي كان يرفرف عاليا على السارية الطويلة ، فهمس لنفسه : ما أجمل هدوء البحر هذا اليوم .
*****
الشبان الذين كانوا يلعبون الكرة على الرمل ، أصابتهم الحيرة حين جلس وسط ملعبهم . ولم يقل شيئاً عندما تناوشته الأرجل من كل مكان ، فغادروا إلى جهة أخرى ضاجين بالضحك .
الشبان الذين كانوا يلعبون الكرة على الرمل ، أصابتهم الحيرة حين جلس وسط ملعبهم . ولم يقل شيئاً عندما تناوشته الأرجل من كل مكان ، فغادروا إلى جهة أخرى ضاجين بالضحك .
*****
صفير الشرطي المكلف بحراسة الشاطئ جعله يفقد أعصابه ، ويصيح في وجه السماء : لماذا لا يكف هؤلاء الأطفال عن الصفير ؟ هل تحول الشاطئ الى ملعب كرة قدم ؟
*****
وطرب لخشخشة الرمل تحت زفير الأمواج المرتدة إلى الأعماق، فأغفى تحت الشمسية المزركشة بأريج الربيع، ونام ...
عندما أفاق، قام خفيفا. خفت أن يدوس ظل شمسية في اندفاعه المجنون نحو الأمواج ، فأعطيته يدي ، ومشيت أمامه وسط غابة الأرجل الكثيفة وصياح لاعبي الكرة وصفير أعوان الحماية المدنية وهمس العشاق والضحكات المرشوشة بماء البحر ...
وطرب لخشخشة الرمل تحت زفير الأمواج المرتدة إلى الأعماق، فأغفى تحت الشمسية المزركشة بأريج الربيع، ونام ...
عندما أفاق، قام خفيفا. خفت أن يدوس ظل شمسية في اندفاعه المجنون نحو الأمواج ، فأعطيته يدي ، ومشيت أمامه وسط غابة الأرجل الكثيفة وصياح لاعبي الكرة وصفير أعوان الحماية المدنية وهمس العشاق والضحكات المرشوشة بماء البحر ...
3- العصا البيضاء
تمر بك السيارات مسرعة وكأنها تهرب من عصاك التي كنت تلوحين بها .
كنت تستمعين لطشيش الماء تحت العجلات فتقولين لنفسك : ما أوسع رحمتك يا الله .
وتعود السيارات إلى عدوها المجنون لا تحفل بطول وقفتك على الطوار .
ويمر الزمن . يلاطفك تارة، فيمسح عن وجهك الأسى، وطورا يهطل على رأسك مدرارا .
هاهي سيارة تقف بالقرب منك . يأتيك صوت لطيف : ها، أنت يا امرأة، إلى أين تريدين الذهاب، فالليل على الأبواب ؟
تقولين للصوت انك ذاهبة لمبيت الطالبات، وانك هنا واقفة وقد تعاقبت عليك فصول السنة. وان أمطار الخريف بللت ثيابك، وأن هجير الصيف مر من أمام وجهك وان السيارات التي مرت من هنا كانت كلها عمياء .
وتضعين في يده العنوان .
فيرد عليك : محضوضة أنت، فطريقنا من هناك .
وتنزوين في المقعد الخلفي، والسيارة تهدر، وصوت مطربة الشباب يصدح بأغاني عبد الحليم حافظ، وأنت تحبين كثيرا هذه الأغاني ( جانا الهوى جانا، ورمانا الهوى رمانا ) . وتقولين لنفسك : لماذا يصمت هذا السائق، وأمثاله في العادة كثيرو الكلام ؟ ويتغير صوت الطريق تحت العجلات . يصير الضجيج أكبر، والسيارة تخرج من حفرة لتدخل في أخرى .
وتقولين حين تمتد يد تريد قطف التفاح النافر فوق صدرك :
- اللي شبكها يخلصها .
وتزجرين اليد السارقة :
- يا آدم ، هذا التفاح أخرجك من الجنة ، فلا يغوينك الشيطان .
ويسكت المحرك ، فيضج قلبك في الصدر . وتبحثين عن النجدة. لكن صوتك تكتمه يد غليظة. وتحسين كأن بشيء يلامس جنبك. شيء كنصل السكين. وتحاولين العودة إلى الصراخ فيضيع صوتك في الحلق الذي أصبح يابسا كسبخة ملح.
ولم يكتف الغزاة بالتفاح. استباحوا القلعة بعدما دكوا أسوارها المنيعة...
وكانت يداك تتحسسان الوجوه. تبحثان عن قرون الشيطان. وكنت تتقين عزلاء الرماح الهائجة .
حين همدوا سمعتهم يتهامسون :
لا تخافوا، فلن تعرف هذه المرأة الطريق إلى مفاتيح وجوهنا.
وتفر الطريق تحت عجلات السيارة الهادرة، فتعودين من جديد الى الوقوف على الطوار تلوحين بعصاك البيضاء في وجه الظلام ...
كنت تستمعين لطشيش الماء تحت العجلات فتقولين لنفسك : ما أوسع رحمتك يا الله .
وتعود السيارات إلى عدوها المجنون لا تحفل بطول وقفتك على الطوار .
ويمر الزمن . يلاطفك تارة، فيمسح عن وجهك الأسى، وطورا يهطل على رأسك مدرارا .
هاهي سيارة تقف بالقرب منك . يأتيك صوت لطيف : ها، أنت يا امرأة، إلى أين تريدين الذهاب، فالليل على الأبواب ؟
تقولين للصوت انك ذاهبة لمبيت الطالبات، وانك هنا واقفة وقد تعاقبت عليك فصول السنة. وان أمطار الخريف بللت ثيابك، وأن هجير الصيف مر من أمام وجهك وان السيارات التي مرت من هنا كانت كلها عمياء .
وتضعين في يده العنوان .
فيرد عليك : محضوضة أنت، فطريقنا من هناك .
وتنزوين في المقعد الخلفي، والسيارة تهدر، وصوت مطربة الشباب يصدح بأغاني عبد الحليم حافظ، وأنت تحبين كثيرا هذه الأغاني ( جانا الهوى جانا، ورمانا الهوى رمانا ) . وتقولين لنفسك : لماذا يصمت هذا السائق، وأمثاله في العادة كثيرو الكلام ؟ ويتغير صوت الطريق تحت العجلات . يصير الضجيج أكبر، والسيارة تخرج من حفرة لتدخل في أخرى .
وتقولين حين تمتد يد تريد قطف التفاح النافر فوق صدرك :
- اللي شبكها يخلصها .
وتزجرين اليد السارقة :
- يا آدم ، هذا التفاح أخرجك من الجنة ، فلا يغوينك الشيطان .
ويسكت المحرك ، فيضج قلبك في الصدر . وتبحثين عن النجدة. لكن صوتك تكتمه يد غليظة. وتحسين كأن بشيء يلامس جنبك. شيء كنصل السكين. وتحاولين العودة إلى الصراخ فيضيع صوتك في الحلق الذي أصبح يابسا كسبخة ملح.
ولم يكتف الغزاة بالتفاح. استباحوا القلعة بعدما دكوا أسوارها المنيعة...
وكانت يداك تتحسسان الوجوه. تبحثان عن قرون الشيطان. وكنت تتقين عزلاء الرماح الهائجة .
حين همدوا سمعتهم يتهامسون :
لا تخافوا، فلن تعرف هذه المرأة الطريق إلى مفاتيح وجوهنا.
وتفر الطريق تحت عجلات السيارة الهادرة، فتعودين من جديد الى الوقوف على الطوار تلوحين بعصاك البيضاء في وجه الظلام ...
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لابراهيم درغوثي
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك