الرئيسية »  الـقـصة»  خـــط الهـــاتـف

خـــط الهـــاتـف

عدد مرات المشاهدة :2284 - 04/ 2/ 2009

موفق الطاهر

خـــط الهـــاتـف

  

 

خرجت في الظهيرة إلى جرف النهر القريب جداً من بيتنا، ومعي بعض الخبز أطعم به البط الذي تعوّد على رؤيتي، فعلاقتي به تمتد إلى أكثر من خمسة أعوام. أحياناً أشتري له خبزاً كي أكون قريباً منه... بالرغم من لقائي شبه اليومي معه تقريباً، ولكني حقاً كثيراً ما أشتاقه، فهو الوحيد الذي على علم بكل أسراري... ولكن... من جديد تتفرق صويحباتي مبتعدة عني بعد أن نفذ ما عندي من الخبز لتتركني لوحدتي مرة أخرى.

جلست على المصطبة القريبة مني، ووضعت رأسي بين ركبتيّ بمرونة لم أعهدها بجسمي من قبل، خارج أرادتي بدأت بالنحيب، وأجهشت ببكاء ليس بصامت...
 
كيف جرت بي الأمور إلى هذا المكان الحقير منتظراً مصيراً قاسياً، وما هي إلا ساعات معدودة، وليلة ستكون بألف ليلة بلا شك هي الفاصل بيني وبين حياة جديدة.. لابد من ذلك، طبيعي أن تكون هناك حياة جديدة...
ربّت على كتفي أحد الذين قادهم حظهم التعيس معي، وحجزوا بهذه الغرفة اللعينة لا حول لنا ولا قوة:
- وحّد الله يا أخي! كلنا على هذا الدرب، كلنا معك، نفس حالتك، وكلنا ننتظر نفس المصير الذي ينتظرك. ليس بيدنا شيء إلا الدعاء لله أن يتلطف بقضاءه، ويعطينا الصبر على بلوانا.

مرة أخرى الصبر.. كثيراً ما يأتيني هذا المصطلح بوقت أكره كثيراً فيه أن أسمعه. بل أكره هذه المفردة.. التي تقودنا دون أن ندري إلى الرضوخ والإنصياع، والأستسلام خانعين حتى لمصير مشوه...

تذكرت أمي.. كيف أعترضتني هذا الصباح بأن لا أخرج من البيت، ولكني وكما تعودت أضحك خوفها عليّ وكأني طفل صغير تخاف عليه من عبور الشارع... طمأنتها، وخرجت لموعدي مع حبيبتي، بعد أن لبست أحلى ما لدي من ملابس، ولمّعت حذائي وشعري...

منذ أسبوع وأنا أذهب إلى حبيبتي بشكل منتظم، أبقى معها منذ الصباح وحتى العصر حين يتصل والدها سائلاً إياها عما تحتاجه من السوق قبل أن يقفل محله في الجهة الأخرى من مدينتنا. والدها كان رائعاً، ولطالما أنتابتني حالة هستيرية من تأنيب الضمير عندما أرى صورته معلقة فوق سريرها الدافئ.. وأطمأن نفسي بأن هذه الحبيبة ستصبح يوما، آمل أن يكون قريباً، زوجتي... أودعها على أمل أن ألتقي بها في الصباح من اليوم التالي... الذي لن يأتي أبداً...

لم يكن لديّ عمل أرتزق منه.. وكانت الشوارع ملغومة بسيطرات الأجهزة الأمنية والحزبية بحثاً عن الهاربين من الجيش، الذين لم يعد يهمهم أو يخيفهم تهديد النظام بإعدامهم... فتخترع زمرة الجنرال مجدداً نظاماً لم يعرف التاريخ عقاباً أكثر تشويهاً منه، للضغط على العسكريين كي ينتظموا بدوامهم...

ولكن هل ظنّ هؤلاء أنهم سيحدون من تكاثر الهاربين المتزايد؟ ربما! ولكن لفترة قصيرة على الأغلب... فالهوّة تكبر يومياً بين النظام والشعب، ولم يعد الأعدام ينفع، أو يخيف أحد. فقد أصبح هذا العقاب سمجاً بعدما صار لكل مخالفة، حتى لو كانت تلك تتمثل في شتم مجنون لشخص الجنرال... لذا فقد أبتدع هذا نظاماً أكثر تشويها منه ببتر الأذن ووصم الجبين بعلامة ناقص أو علامة الضرب...

أي تشويه هذا الذي يتحكم بمصائرنا؟ مصائر هؤلاء الشباب؟ وأي مستقبل ينتظرني..؟ كنت أحلم دائماً بالسفر ورؤية العالم المتحضر، ثم العمل بشركة معروفة كشركة فيليبس مثلاً... فهذه الشركة لطالما أثارت فضولنا عندما كنا طلاباً في كلية الهندسة...

لم أرجع لوالدتي وأهلي، ولم أر حبيبتي في ذلك اليوم ولم ألتق بها منذ ذلك اليوم الأخير من شهر تموز وللآن... ياااااه.. أي قدر قاس، وأي زمن أغبر هذا الذي نعيشه؟

أنزلتني من السيارة التي كانت تقّلني إلى من فتنتني في يوم ما، ولا زالت ذكراها تعصر قلبي كليمونة حامضة، مفرزة حزبية مسلحة، لعدم أقتناعها بالأوراق التي كنت أحملها. ونقلتني مع ثلاثة عشر آخرين إلى مبنى لإحدى الفرق الحزبية، ووضعتنا بغرفة صغيرة مقيدي الأيدي، وتركوا باب الغرفة مفتوحاً. وظلّ الحزبيين المارقين مقابل ذلك الباب ينظرون إلينا على أننا خائنون، جبناء، يبصقون في الهواء، ونحن المعنيين طبعاً، فنحن لا نستحق الحياة..!

أحس أن رأسي يربطه حزام جلدي بصخور ثقيلة، محملاً بهموم أثقل من تلك الأحجار.. كانت إضاءة الغرفة رديئة بكل تأكيد، وقد غمر الظلام سماء وأنهر بلادي الجميلة. تذكرت شط العرب القريب من حيّنا، أي منظر رائع لشمسنا الجميلة وهي تختبئ خلفك يا بحر... وحل الظلام الذي هو الأجمل لأنه يحتضنك ياوطني... عذراً لك يا شاعري الرقيق وأنا أستعير بعضاً من كلماتك...

وأنا أرفع رأسي رأيت ما كنت لم أحلم به، شبح مرق مسرعاً من أمام الباب، ملتفت نحونا طبعاً، رجع ذلك الشبح الذي تغطي عيناه الصغيرتين عدستان كبيرتان، نظر إتجاهي مندهشاً:
- ولكْ إنت عليْوي.!؟
إنسابت الأحرف متخثرة، وبدت وكأنها تنصب من فمي كقطرات زيت متقطع:
- أي نعم يا أبو حسن.. هل رأيت أية كارثة تلك التي تنتظرني؟ وستحل بعائلتي؟
- قم يا رجل قم.. تباً لهذه الشغلة اللعينة...

أبو حسن رجل في الخمسين من عمره، صديق حميم لوالدي، لم يكن مقتنعاً البتة بعمله في الحزب، ولكنه كان مجبراً كالمئات غيره ممن أجبروا أو تورطوا بإنتمائهم إلى ذلك الحزب التعيس.. كان رجلاً مرحاً، شفافاً، رومانسياً، قارئاً نهماً، وذلك مما لا يتناسب تماماً مع عينيه الضعيفتين... لم أعرف كيف رآني ذلك الرجل بعينيه الهزيلتين، ففي الظلام تصبح عنده الرؤية أشبه بالعمى.. فكيف رآني!؟ هل أعزي ذلك إلى أنها ضربة حظ؟ أم ماذا أسمي ذلك غير أنه فعلاً الحظ.. ولكن الحمد لله بكل تأكيد.

رجعت لبكائي الذي أصبح ملازماً لي كلما تذكرت الأيام الخوالي حلوة كانت أم مرّة:
- wat is er meneer? gaat het goed?
رفعت رأسي الثقيل من بين ركبتيّ، رأيتها عجوز مع كلبها.. طمأنت تلك المرأة الكبيرة الطيبة بأني لا زلت بخير.. تنفست الصعداء، فلا زلت ببلد شركة فيليبس، بلد رامبرانت، والحرية و... الغربة اللعينة.

فكرت بأن أنهي تلك الكآبة التي تخيم علي منذ أيام، لابد لي من زيارة أحد الأصدقاء، يجب علي أن لا أستسلم لهذا الضعف... ولكن ما أنا فعلاً بحاجته هو والدتي وحبيبتي...
رجعت إلى بيتي الذي أصبح خالياً من كل دفئ كان يغمرني في السابق. مسكت سماعة الهاتف، محاولاً من جديد الإتصال بأمي، عساني أسمع صوتها، فيدخل شيئاً من الدفئ إلى روحي.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (10 تعليقات سابقة):

سعاد عبداللطيف في 19/ 8/ 2009
سعاد عبداللطيف رغم الحزن الكبير في هذه القصة، ولكنها تخبي بين أسطرها معان كبيرة وجليلة.
لا تبخل علينا برفدنا بكل جديدك رجاءاً.
نهار طه الطاهر في 07/ 6/ 2009
نهار طه الطاهر سمحت لدموعي بالانسياب وانا اقراْ لكنها لم تسلبني متعة القراءة حتى تخيلت نفسي جالسة امامك لكني انظر اليك من مكان بعيد قرب هذه البحيرة وانا اصرخ على جمع البط ان لا يتركك لوحدك هذه المرة ......
محمد الراوي في 16/ 2/ 2009
محمد الراوي قصة جميلة فعلاً، ولكن أيضاً بالفعل تخلو من بعض الأمل. أم هناك أملاً لم أستطع أنا أن أجده؟
تحياتي
egyptionboy في 11/ 2/ 2009
egyptionboy قصة جميلة
موفق الطاهر في 11/ 2/ 2009
موفق الطاهر شكراً لكم جزيلاً على كلماتكم الرقيقة.
الحقيقة كتبت هذه القصة قبل ما يقارب السبع سنوات، حينها كانت الغربة فعلاً قد تقمصتني، ولم يكن هناك فسحة ولو ضئيلة لأشعة الشمس.
سلام الحلفي في 10/ 2/ 2009
سلام الحلفي كنت اتمنى ان اكون امامك لكي انحني لك ملوحا بقبعتي تحية واجلالا لهذه القصة المختصرة المعبرة عن الكثير من الكلام , و ايضا هناك رسالة الى من يقولون ان العراقفي النظام السابق كان اشبهة باحد دول اوربا . احييك بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ضياء الساجي في 10/ 2/ 2009
ضياء الساجي تحية طيبة للاخ الكاتب موفق الطاهر :
خطوة قصصية -فنية رائعة ؛ من حيث اشتغالها بكل جراة وملازمتها كما توحي اصرارا على الخلق الفني في هذا الميدان الابداعي الجميل ..
يبدو ذلك جليا عبر استهدافها اكثر من موضوعة مهمة وواجبة التناول في العمل الفني الابداعي كموضوعة الحب والغربة والسياسة الخ ..
اامل ان اقف معك بنصوص مقبلة اكثر دهشة وبراعة فنية ..
امنياتي بالتوفيق والسعادة والخير لك ..
عصام حاكم في 10/ 2/ 2009
عصام حاكم بصراحة وعفوية شدني اسلوبكم واختلاقك للاجواء والمشاعر وحالة التماثل في تصوير الاحداث والامكنة والازمنه ولكن وما اصعب كلمة لكن كان بؤدي ان ترتشف لي ولغيري مسحة ضيئلة من اشعة الشمس الزرقاء لنرى نور الصبح منبعث من بعيد مع فائق الشكر والتقدير
حذام يوسف طاهر في 10/ 2/ 2009
حذام يوسف طاهر جميلة قصتك ايها الموفق (هذا ما اتمناه دائما مع جميع محبيك)لكنها حزينة واعتقد انك كتبتها في اول ايام سفرك .. شكرا لك على كل شيء ويارب نقرا لك شيئا جديدا قريبا ان شاء الله دمت لاهلك ولحبيبتك وكل من تحب
وئام صابر في 09/ 2/ 2009
وئام صابر احيي الكاتب الرائع ذو الأحساس المرهف موفق الذي دائماً ما تشدني كتاباته من اول حرف ,فعلاً قصة جميلة ومؤثرة احييك مجدداً و keep up the good work.
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: