أدب فن: في شِعب أبي طالب- فرع العراق- وقصص أخرى في شِعب أبي طالب- فرع العراق- وقصص أخرى ================================================================================ بلقيس الملحم on 30/ 12/ 2008 بالونات خارجٌ من نقاهة القدر, كان هو الأوفر حظًا بين ضحايا الانفجار, فصبياته الثلاث, صرن في حضانة خالتهن, وذلك بعد استشهاد زوجته في الحادث. مرت ثلاثة أعوام على الحرب, تنفس شيئًا من رائحة الذكرى.. فمشى بساق واحدة على ضفاف دجلة, نزلت ثلاث بالونات بالقرب منه, لعب دور المنقذ لهن, فعاد ممسكًا بهن, لوّح للصبيات الثلاث, الغارقات في الدموع, أسرعن إليه, فدخلوا جميعًا في نقاهة القدر, حين دوى انفجار آخر! العجوزان في منفاه, تعود على صديقته -شجرة اللوز الكبيرة- والتي كانت تظلل نافذته الشتوية, حتى أصبح يتشابهان في الطقوس.. شبر روحه, فانطوى على نفسه, انحنى بظهره على وطنه, فانكب باكيًا, متأملا في مرآة كفه, وبينما كان يعد تجاعيده, أحس بقشعريرة غريبة, وحده من اشتم احتضارها, فبلّغ عنها مركز الشرطة والقريب من جلالتها العظيمة, حين وصلت الشرطة إليها, كانت الريح قد نحتتها له تابوتا, مسافرة به إلى مسقط رأسه! متسولون.. كعصفور يرتعش قبل ذبحه, عاشت بوحشة الذنب, فدلتها صديقتها- العميلة- إليه, تلفعت بعباءتها, ومشت إلى قرية قريبة, طالبة سبيلا للغفران, لم يتردد في هز رأسه, في حسبلته وفي حوقلته, لكنه ما لبث أن اعتدل في جلسته, وهو يلعب بمسبحته, فضمن لها صك الجنة, فقط, بعد أن تنفجر وسط سوق شعبي, مكتظ بالحسنات! دِلِلُّول وهي تختصمه إلى الله , وبثقل شهورها السبعة, قبّلت قدميه ألاّ يمسها , طلبت شفاعته بلغة لا يفهمها ضميره, صفعها, أمسك بشعرها, ألصقها بجدار عفتها, ومن قفاها, فعلها الجندي الأمريكي.. ضغطت على بطنها الشهيد, وقرأت فاتحته.. بينما كان هو مستبسلا, سقطت هي ونواحها الأخير من كبرياء المآذن, ونطقت بكلمتها الأخيرة: أيها اللعين, بيني وبينك المسيح! إيمان علا تصفيق الجمهور, رفع قدميه ليصفق معهم! فارتفعت حرارة التصفيق .. أعاد قدميه مرة أخرى على البيانو ليعزف بحيرة للبجع.. مدفع وقطع تذكرته للخليج.. آه .. يا جبروت الجنوب, أنت من عودني على الهزيمة والاستسلام معًا, أنت دائما من ينتصر علينا لذا, أحببتُ كل مافيه, أحببت صمته, كما كنت أشتهي حديثه, ولأن غيابه صار حضورًا وردي اللون, صمت عن الكلام والأقلام والأحلام, أما أنا فقد أدمنت على تدخين آخر شراع تلاشى بيننا.. شرعت في حربي الأخيرة, مع انكسار الشمس, ومن على ضفته اَنتظِروني.. أُعدُّ إفطارًا لا يبدو شهيًا أكثر منه, وحدي مع جفن ذابل, التَهَمَنِي إصبعين من كأسين فارغين, وضعا على سفرة من قصب... في شِعب أبي طالب, فرع العراق! على بطنه انقلب, فقلب معه وطنه المريض.. طاردٌ منه شبح الانفراج, يلسعه الجوع.. فيعود إلى يقظته, حمل سراجه ونزل به إلى المطبخ, في طريقه أبصر فأرًا, عجوزًا, أعمى, يمشي إلى خزانة الطعام المعشوشب , في استقامة بصيرته, واستنادا على بحبوحة ذاكرته, ولأن السراج خانه , أشعل كفاحه, مستبسلا في تنصصه, ليتبعه في هدوء, ويقتسم معه خبز الحروب.. و وفاءًا لذلك العجوز, والذي أخذ يُضيِّع خطواته, كمن ذهلت عنه مرضعته في ساعة القيامة, شق من ثوبه قطعة, ولف بها جثته, حمله إلى حديقة خربه, ود فنه هناك, في أول يوم من تواصل الفوضى!