الرئيسية »  الـقـصة»  الحب الأول

الحب الأول

عدد مرات المشاهدة :2106 - 14/ 1/ 2007

حسين عجة

الحب الأول

صموئيل بيكيت

ترجمة: حسين عجة
أربط، عن صواب أو خطأ، زواجي مع وفاة والدي، في الزمن. أن تكون هناك روابط غيرها، على أصعدة أخرى، بين هذين الحدثين، هذا ممكن. بدءً يصعب عليَ القول بما أعتقد أني أعرفه.
ذهبت، لم يمض وقتاً طويلاً، إلى قبر أبي، هذا ما أعرفه، وسجلت تاريخ وفاته، وفاته وحسب، لأن تاريخ ولادته لم تكن لتعنيني، في ذلك اليوم. أنطلقت صباحاً وعدت مساءً، بعد أن تناولت غدائي في المقبرة. لكن بعد بضعة أيام، ولرغبتي بمعرفة كم كان عمره حين توفى، كان عليَ العودة إلى قبره، حتى أسجل تاريخ ولادته. هذان التاريخان المتباعدان، سجلتهما على قطعة ورق، أحملها معي. وهكذا بمقدوري التأكد على أني كنت في عمر الخامسة والعشرين تقريباً عند زواجي. فتاريخ ولادتي، إعيد ثانية تاريخ ولادتي أنا، لم أنسه يوماً، لم أكن مرغماً أبداً على معرفته بالكتابة، فهو يظل راسخاً في ذاكرتي، العام الألفي منه على الأقل، بإرقام سيصعب على الحياة محوها. اليوم أيضاً، عندما إبذل جهداً سإعثر عليه، وإحتفل به غالباً، على طريقتي، لا أقول في كل مرة أتذكره بها، كلا، لأنه دائماً ما يقدم في الذاكرة، لكن غالباً.
شخصياً، لا شيء عندي ضد المقابر، فأنا أتنزه  هناك طواعيةً، أكثر طواعيةً عنها في أي مكان آخر، كما أعتقد، عندما أكون مرغماً على الخروج. رائحة الجثث، التي أراها بالدقة تحت رائحة الإعشاب والرطوبة، لا تزعجني. قد تكون أكثر حلاوة ربما، أكثر نفاذاً، لكن كم هي أفضل من رائحة الإحياء، رائحة الإباط، الأقدام، المؤخرات، القلف الشمعية والبيويضات المُخيبةِ. وإذا كانت بقايا والدي تساهم في ذلك، مهما كان تواضع تلك المساهمة، فهذا ما لا يجعل عيني تدمع. إذ يمكنهم أن يغتسلوا، الإحياء، ويعطروا أنفسهم، سيبقون متعفنيين. نعم، كمكان للنزهة، عندما يكون المرء مرغماً على الخروج، لتتركوا لي المقابر وأذهبوا للتنزه في الحدائق العامة، أو في الريف. سندويجتي، موزتي، أأكهلهما بمزيد من الشهية من فوق قبر، وإذا ما حصرتني الحاجة على التبول، وهي غالباً ما تحصرني، يكون لدي إختيار. أو أهيم، ذراعي معكوفين على ظهري، ما بين الأحجار، المستقيمة ، المسطحة، والمائلة منها، وهناك أحصل على غنيمتي من قراءة النقوش، ثمة ثلاثة أو أربعة منها مُضحكة تماماً بحيث أجدني مرغماً على التعلق بالصليب، أو النصب التذكاري، أو الملاك، حتى لا أسقط. نقش قبري، ركبته منذ وقت بعيد، وأنا راضي عنه دائماً، ما يكفي. كتاباتي الأخرى، لم ينشف حبرها بعد وإذ بي منزعجاً منها، لكن شهادة قبري تعجبني دائماً. فهي توضح نقطة نحوية. هناك لسوء الحظ أمل ضعيف دائماً في أن ترتفع ما فوق رأس منْ تصورها، اللهم إلاّ إذا أخذت الدولة ذلك على عاتقها. لكن حتى يكون بالإمكان دفني سيتحتم عليهم أولاً العثور عليَ، وكم أخشى أن تتجشم الدولة عناء العثور عليَ ميتاً بالأحرى كحيٌ. لهذا تعجلت بتركها  هنا، قبل فوات الأوان :
هنا يرقد ذلك الذي طالما فلت
بحيث أنه لا يفلت إلاّ الآن.
ثمة مقطع زائد في البيت الثاني، بيد أن هذا لا أهمية له، من وجهة نظري. إذ سيغفرون لي ما هو أكثر من ذلك، عندما لا أصبح هنا. ومن ثم مع قليل من الحظ قد يقع المرء على دفن حقيقي، بصحبة أحياء في حداد وأحياناً أرملة تبغي قذف نفسها في الحفرة، ودائماً تقريباً تلك القصة الجميلة عن الغبار، بالرغم من ملاحظتي بأنه ليس هناك من مكان أقل غباراً من ذلك الثقب، فهو على وجه التقريب دائماً من الطين السميك، والميت نفسه ليس فيه أية ذرة، إلاّ إذا كان قد مات متفحماً. أنها شيء جميل، كوميديا الغبار الصغيرة تلك. لكن مقبرة أبي، أن لا أتعلق بها بصورة خاصة. فهي بعيدة جداً، في قلب الريف، على حافة رابية، وصغيرة جداً كذلك، غاية في الصغر. من ناحية ثانية، مزدحمة جداً، إذ يكفي إضافة بضعة أرامل وتكون قد إمتلأت. كنت أفضل مقبرة "هولسدروف"، سيما جانبها "لينه"، على الأرض البروسية، بهكتاراتها الأربعة المكتظة بالجثث المتراكمة، مع أنني لا أعرف أحداً هناك، ما عدى المروض "هاجنباك"، بالسمعة. ثمة أسد محفور على نصبه، مثلما أظن. سيارات باص تذهب وتعود، مزدحمة بالإرامل، بالإرامل والإيتام. مشجرات صغيرة، مغارات، إحواض ماء فيها وزات، توزع ما بينها تعزية المنكوبين. كان ذلك في شهر ديسمبر، لم أشعر من قبل بمثل تلك البرودة، لم إستمرأ حساء سمك الجري، كنت أخشى أن أموت، توقفت كي أتقيأ، حسدتهم.
لكن، للعبور الآن إلى موضوع أقل كآبةً، كان لا بد وأني قد تركت البيت عند موت أبي. كان هو من يرغب أن يكون لي البيت. كان رجلاً غريباً. يوم ما قال، لتتركوه،  أنه لا يضياق أحداً. لم يكن يعرف بأنني كنت أتنصت. لا بد وأنه قد عبر عن تلك الفكرة غالباً، لكني في المرات الأخرى لم أكن هناك. لم يرغبوا أبداً بإطلاعي على وصيته، كل ما قالوه لي هو أنني قد ترك لي كثيراً من المال. حينذاك كنت أظن، وما زلت، بـأنه كان قد طلب، في وصيته، أن يتركوا لي الغرفة التي كنت إشغلها عندما كان حياً، وأن يحملوا لي وجبات طعامي فيها، مثلما كان يحدث في الماضي. وقد يكون هذا هو الشرط الذي يستند عليه كل الباقي. إذ كان يحب أن يشعر بأني في البيت، وإلاّ لما أعترض على طردي في الخارج. ربما كان يشعر بالشفقة نحوي وحسب. لكني لا أعتقد ذلك. كان عليه أن يخلف لي كل البيت، وبهذا يكون بمقدوري أن أبقى هادئاً، وحتى الأخرين أيضاً، إذ كان بمقدوري أن أقول لهم، لكن لتظلوا حيثما أنتم، فأنتم في داركم!
كان بيتاً كبيراً. نعم، كان قد خُدعَ، أبي المسكين، إذا كان فعلاً من ضمن نواياه مواصلة حمايتي من وراء قبره. أما فيما يتعلّق بالمال، فلنكن عادلين، أنهم أعطوني أياها حالاً، في اليوم الثاني من عملية الدفن حتى. ربما لم يكن بمقدورهم مادياً عمل شيئاً آخر غير ذاك. قلت لهم، لتحتفظوا بالفلوس، ولتتركوني أستمر في العيش هنا، في غرفتي، مثلما كان بابا حياً.  وأضفت، الله يرحم روحه، على أمل إرضائهم. لكنهم لم يقبلوا. إقترحت عليهم أن أكون في خدمتهم، عدة ساعات في اليوم، في أعمال الصيانة الصغيرة اليومية التي يحتاجها كل بيت، إذا لم يشيء المرء أن يغرق الغبار بيته. القيام بلصق الأعمال ببعضها، كان ما يزال ممكناً، لا أدري لماذا. أقترحت عليهم بالدقة القيام بإشغال تدفئتهم. فهناك كنت سأقضي ثلاث أو أربع ساعات عن طيب خاطر، في الدفء للإعتناء بالطماطا، بالقرنفل، زهور الياقوتية، نشر البذار. فما عداى أنا وأبي لم يكن هناك من يفهم بأمور الطماطا، في ذلك البيت. لكنهم لم يوافقوا على هذا. في يوم، وبعد خروجي من المراحيض، وجدت باب غرفتي مقفلاً بالمفتاح وملابسي مكومة أمام الباب. هذا لكي أقول لكم كم كنت بطني مقبوضةً، في ذلك اليوم. القلق هو منْ أصابني بالقبض، مثلما أعتقد. لكن هل كنت حقاً في حالة إنقباض؟ لا أعتقد. ومع ذلك لا بد وأني كنت مصاباً بها، وإلاّ كيف يمكن تفسير تلك الجلسات الطويلة، المرعبة في المراحيض، . ؟ لم أكن أقرأ أبداً هناك أكثر مما أقوم به في مكان آخر، ولم أكن أحلم أو أتأمل، كنت أنظر بغموض فيwater في الـ
المتدلي من مسمار أمام عيني، حيث كان المرء يرى صورة ملونة لشاب ملتحي تحيط به خرفان، لا بد وأنه كان المسيح، بعادت ما بين فخذي بيدي الأثنين وشرعت بالدفع، واحد! ها! أثنين! ها! بحركة المجدف، ولم يكن عندي من رغبة أخرى سوى التعجيل بالدخول إلى غرفتي، وأن أضطجع. كانت هذه حالة إنقباض، أليس كذلك؟ أو أني أخلطها مع الإسهال؟ كله مختلط في رأسي، المقابر والأعراس وغيرها من أنواع البراز. كانت أغراضي قليلة، كانوا قد كوموها على الأرض، مسنودة على الباب، فما زلت أرى تلك الكومة الصغيرة، في التجويف الممتلىء بالظل الذي كان يفصل الرواق عن غرفتي. في ذلك الحيز المقفل من جوانبه الثلاثة كان عليَ تغيير ملابسي، أعني أبدال ثوب البيت وقميص النوم بملابس السفر، أعني الجواريب، الأحذية، السروال، القميص، السترة، المعطف والشفقة، أتمنى أنني لم أنس شيئاً. جربت أبواب آخرى، بإدارة قبضة الباب ومن ثم الدفع، قبل مغادرتي البيت، لكن لم يتحرك أي منها. لو كنت قد عثرت على غرفة، أظن أنني كنت سأتمترس هناك، فقط الغازات كان بمقدورها أخراجي من هناك. شعرت بالبيت ممتلأً بالناس كالعادة، لكني لم أر أي أحد. أعتقد أن كل واحد قد حبس نفسه في بيته، وأذناه تتنصت.
ثم بسرعة الجميع في النوافذ، متراجعين إلى الوراء قليلاً، متخفياً جيداً من وراء الستائر، عند ضجة باب الخارج وهو يغلق من خلفي، ربما كان عليَ تركه مفتوحاً. ومن ثم الأبواب هي التي تفتح ويخرج الجميع، الرجال، النساء، الأطفال، كل واحد من غرفته، والأصوات، التأوهات، الإبتسامات، الأيادي، المفاتيح في الأيدي، بيضة ضخمة، ثم التذكير بكلمات النظام، إذا كان هذا إذن ذاك، لكن إذا كان ذاك فهذا، طقس عيد حقيقي، الجميع فهم ذلك، إلى المائد، إلى المائدة، يمكن للغرفة الإنتظار. كل ذلك من المخيلة بالطبع، مادمت لم أعد هناك. إذ قد تجري الأمور بطريقة مغايرة تماماً، لكن ما أهمية ذلك، الطريقة التي تمر بها الأشياء، مادامت أنها تمر؟ وكل تلك الإفواه التي حاصرتني، والقلوب التي أحبتني (من المؤكد أن يحب المرء بالقلب، أليس كذلك، أو أنني أخلطه مع شيء آخر؟)، وتلك الأيادي التي لعبت مع يدي والعقول التي كانت على وشك إمتلاكي. الناس فعلاً عجيبين. أبي المسكين، لا بد وأنه كان سينزعج لو كان بمقدوره رؤويتي، رؤويتنا، ينزعج من أجلي أردت القول. اللهم إلاّ إذا كان يعيش، ضمن حكمته المنفصلة عن الجسد، بعيداً عن ولده، الذي لم تشرع بعد جثته بالتعفن.
لكن بغية أن نمر الآن على موضوع أكثر بهجةً، إسم المرأة التي أتحدت بها، بعد ذلك الزمن بقليل، إسمها الصفير ذاك كان ليللي. على الأقل، ذلك ما أكدثه لي، ولا يمكنني أن أرى مصلحتها بالكذب عليّ، فيما يتعلق بهذا. بطبيعة الحال، لا يمكن لأحد أن يعرف. ولأنها لم تكن فرنسية فقد كانت تقول لولو. وأنا أيضاً، لأني لم أكن فرنسياً، كنت أقول لولو مثلها. نحن الأثنين كنا نقول لولو. قالت لي إسم عائلتها كذلك، لكني نسيته. ربما عليَ تسجيله، على قطعة ورق، فأنا لا أحب نسيان إسماء العلم. تعرفت عليها فوق مصطبة، على حافة قناة، واحدة من القنواة،لأن في بلدتنا قناتين، لكني لم أتمكن يوماً من التمييز بينهما. كانت قناة ذات موقع جيد، مسنودةً بقطعة من الأرض والقشور المتصلبةِ، بشكل كانت فيه مؤخرتي مغطاة. وخاصرتي أيضاً، بذات الطريقة، بفضل شجرتين هشتين، وحتى ميتتين، تحيطان بالمصطبة من الجهتين. لا شك أن هاتين الشجرتين، المتموجتان في يوم ما بكل أغصانهما،منْ أوحى لأحدهم بوضع المصطبة. في الأمام، على بضعة أمتار، كانت القناة تجري، إذا ما كانت القنواة تجري، أنا لا معرفة عندي بذلك، ما يمكن أن يحدث من هذه الناحية أيضاً لن يُفاجئني. ومع ذلك، فهو يباغتني. لقد إبتعدت، كان الجو رائقاً، كانت أنظر من خلال الأغصان العارية، القائمة شجرتيهما من فوق رأسي، وعبر السحب، التي لم تكن متواصلةً، لكن ذاهبة عائدة في زواية من سماء مُنجمةً. أعطيني مكان، قالت. كانت حركتي الأولي هي أن أغادر، لكن التعب، وواقع أن لم أكن أعرف إلى أين سأذهب، منعاني من القيام بها. سحبتُ إذن قدمي قليلاً تحتي وجلست. لم يحدث شيئاً بننا، في ذلك المساء، ومن ثم غادرت بعد قليل، من دون أن توجه لي كلمة. كانت قد غنت فقط وكأنها تغني لنفسها، ومن دون كلمات لحسن الحظ، بعض أغنيات البلاد القديمة، بطريقة متقطعة بصورة غريبة، بقفزها من الواحدة إلى الأخرى، وعودتها إلى تلك التي قطعتها قبل أن تنهي هذه التي فضلتها عليها. كان لها صوتاً زائفاً، لكنه مريح. شعرت بإنزعاج الروح السريع والتي لا تنهي أبداً شيئاً ما، والذي قد يكون أقل الأشياء إزعاجاً. حتى المصطبة، سرعان ما أصابها الملل، أما فيما يتعلّق بي، فكانت نظرة مني تكفي. كانت في الواقع أمرأة لزجة. جاءت غداً وفي اليوم الذي تلاه وكانت الأشياء قد مرت تقريباً على ذات المنوال. بضعة كلمات ربما قد تم تبادلها. في اليوم الثاني، كانت السماء قد مطرت، وظننت بأني سأظل هادئاً، لكني أخطأت. سألتها إذا كان ضمن مشاريعها المجيء في كل مساء لمضايقتي. أضايقك؟ قالت. كانت قد حدقت بي دون شك. لا بد وأنها لم تكن ترى الشيء الكثير. بؤبؤين ربما، وطرف أنف وجبهة، بغموض، بسبب الظلام. كنت أعتقد بأننا في وضع لا بأس به، قالت. أنتِ تضايقني، قلت، فأنا لا أستطيع التمدد عندما تكونين هنا. قلت ذلك وفمي في ياقة معطفي وقد سمعتني بالرغم من ذلك. هل أنت مهتم إلى هذا الحد بالتمدد؟ قالت. خطأنا هو أننا نتوجه بالكلام للناس. ما عليك إلاّ أن تضع قدميك على ركبتي، قالت. ولم أتوانى عن القيام بذلك. شعرت تحت إربتي الضعفيتين ساقيها السمنتين. شرعت بملامست عرقوبي. وإذا ناولتها رفسة على كسها، قلت في نفسي. ما أن يتحدث المرء عن التمدد إلاّ ويرى الناس في ذلك جسماً متمدداً. الشيء الذي كان يهمني أنا، ملك بلا رعية، والذي يشكل فيه موقع قحفي الإنعكاس البعيد والأكثر تفاهة، كان الإستلقاء الذهني، نوم فكرة الأنا وفكرة المتبقي الضئيل للترهات المترعة المُسماة اللا-أنا، أو العالم، بسبب الكسل. لكن في عمر الخامسة والعشرين ما زال يتوتر، الإنسان الحديث، فيزيائياً أيضاً، من حين لآخر، هذا نصيب كل واحد، أنا شخصياً لا إعتراض عندي، إذا بمقدور المرء تسمية ذلك توتر. فطنت هي لذلك بطبيعة الحال، فالنساء يشمن رائحة الفالس* في الهواء، على بعد عشر كيلومترات ويتساءلن : كيف كان بمقدوره رؤويتي، هذا؟ لا يبقي المرء نفسه، في ظروف كتلك، وهذا مؤلم في أن لا يكون المرء نفسه، أكثر ألماً من أن يكونها، مهما قيل. لأنه عندما يكون المرء نفسه يعرف ما الذي عليه عمله، لكي يكون نفسه أقل، فيما لو لم يعد يعرف سيكون أي واحد، ولن تظل أية وسيلة لأيقاف المجرى. ما نسميه الحب، هو المنفى، مع بطاقة بريدية من حين لآخر من البلد، ذلك هو إحساسي في هذا المساء. وحينما إنتهت، وكانت أناي أنا قد هجنتها، كانت إعادة تشييدها من جديد بفضل لاوعي سريع، وجدت نفسي وحيداً. أتساءل أن لم يكن كل ذلك مُبتدعاً، وإذا ما كانت الأشياء في الواقع تحدث بطريقة مغايرة تماماً، وفقاً لمخطط كان ينبغي عليَ نسيانه. وبالرغم من ذلك، تظل صورتها مرتبطة بصورة المصطبة، بالنسبة لي، ليس مصطبة الليل، بل مصطبة المساء، إلى حد إذا ما تحدث أحدهم عن المصطبة، بالطريقة التي ظهرت لي بها في ذلك المساء، أنما يعني الحديث عنها، بالنسبة لي. هذا لا يدلل على شيء، لكني لا أريد التدليل على شيء ما. أما فيما يتعلّق بمصطبة النهار، فلا دعي لتجشم العناء في الحديث عن ذلك، فأنا لم أكن هناك، وقد تركتها مبكراً ولم أعد إليها ألاّ عند نهاية ما بعد الظهر. نعم، في النهار كنت أسعى للحصول على أكل، ووضعت معالم الملاجىء. وإذا ما سألتموني، ولا شك أن لديكم فضول في خصوص هذا، ما الذي كنت أعمله بالمال الذي تركه لي والدي، سأقول لكم أنني لم أعمل معها أي شيء، إحتفطت بها في جيبي. لأني كنت أعرف بأني لن أظل دائماً شاباً، وبأن الصيف لا يدوم إلى الأبد، ولا حتى الخريف، روحي البرجوازية كانت تقول لي ذلك.
في النهاية قلت لها يكفيني كل ذلك. كانت تضايقني، حتى عندما تكون غائبة. بالمناسبة، هي تضايقني دائماً، لكن البقية وحسب. من ناحية أخرى، ما عاد يعنيني، في الوقت الحالي، أمر مضايقتي، أو قليلاً جداً، فما معني أن يكون المرء متضايقاً، بل ينبغي أن إتضايق حتى، لقد غيرت النظام، وها أنا أمسك على الطريقة البارعة، التاسعة أو العاشرة، ومن ثم سننتهي قريباً من ذلك، المضايقات، والمصالحات، سننتهي قريباً من الحديث عنها، ولن نتحدث لا عنها ولا عن الأخرين، لا عن الخراء ولا عن السماء. إذن ما عدت ترغب أن أأتي؟ قالت. شيء غريب أن يكرر الناس ما كان قد قيلَ لهم، وكأنهم يغامرون بالمحرقة عندما يصدقون عيونهم. قلت لها أن تأتي من وقت لآخر. لم أكن أعرف النساء جيداً، في تلك المرحلة. بالمناسبة، ما زلت أعرفهن بشكل سيء دائماً. الرجال كذلك. الحيوانات أيضاً. ما أعرفة بصورة أقل ردائةً، هي أوجاعي. أنا أفكر بها جميعاً، في كل يوم، فذلك لا يحتاج إلى وقت طويل، الفكر يذهب سريعاً، لكن جميعها لا تأتي من الفكر. نعم، هناك ساعات، بعد الظهر خاصة، أشعر بأني ملفق، على طريقة راينهولد. أي توازن. من ناحية ثانية، أنا أعرفها بشكل سيء أيضاً، أوجاعي. لا بد أن ذلك ناتج عن أني أنا نفسي لست وجعاً وحسب. تلك هي الخدعة.  حينئذ أبتعد عنه، حتى الدهشة، حد الإعجاب، من كوكب آخر. نادراً، لكن ذلك كافياً. ليست بالحماقة، الحياة.
فأن لا يكون المرء إلاّ وجعاً، ذلك ما قد يبسط الأشياء! أن يكون متشكياً وحسبً! لكن ذلك سيكون مزايدة، وغير مخلصةً. سأحدثكم عنها بالرغم من ذلك، في يوم ما، إذا ما فكرت بذلك، عن أوجاعي، بالتفصيل، وبتمييزها جيداً بعض عن البعض، بغية المزيد من الوضوح. سأسرد عليكم ما هي أوجاع الذهن، أوجاع القلب أو العواطف، تلك المتعلقة بالروح (أوجاع جميلة جداً، أوجاع الروح)، ومن ثم تلك التي لها صلة بالجسم، الداخيلة أو المخفية أولاً، ومن ثم تلك الموضوعة على السطح، بدء من الشعر وبالنزول المنهجي وبلا تسرع نحو القدمين، موقع البشرات اليابسة، التشجنات، البُصيلات، الإظفار المتجسدة، التشققات الحادثة عن البرد، الأقدام الخندقية وغيرها من الغرائب. ولولئك الذي ستتوفر عندهم طيبة كافية لكي يصغوا لي، سأتحث بذات المناسبة، وفقاً لنظام نسيت إسم مؤلفه، عن تلك الدرجات التي لا نحس عندها، دون أن نكون مخدرين، ولا سكارى، ولا في حالة إنخطاف، بأي شيء. حينئذ، كانت ترغب معرفة ما الذي أعنيه بتعبير من حين إلى آخر، ذلك ما يُعرض لمرء نفسه له، ما أن يفتح فمه. كل ثمانية أيام؟ كل عشرة أيام؟ كل خمسة عشر يوم؟ قلت لها أن تأتي أقل مما هو في الغالب، أقل كثير عن الغالب، إن لا تأتي بالمرة إذا ذلك ممكناً، وإذا كان ذلك غير ممكناً في أن تأتي أقل ما يمكن في الغالب. من ناحية ثانية، تركت من اليوم الثاني، المصطبة، ليس بسببها، ولكن بالأحرى بسبب المصطبة، التي لم يعد موقفها يستجيب لحاجاتي، بالرغم من تواضعها، ذلك لأن أول البرد شرع بجعل المرء يشعر بحضوره، وكذلك لأسباب أخرى سيكون من التبجح من الحديث عنها، لبلهاء مثلكم، وسأختفي في أصطبل بقر كنت قد تعرفت عليه أثناء جولاتي. كان يقع في زواية من حقل ينتشر على سطحه نبات القُراص أكثر من العشب وطين أكثر من القُراص، والذي تحتوي إرضيته السفلية على خصائص ممتازة. في ذلك الإصطبل المليء بالإرتفاعات القاحلة والمجوفة والتي قد تلاشت بحسرة حينما نغزت إصبعي وشرعت للمرة الأولى، وقد أقول طواعية الأخيرة لو كان عندي ما يكفي من المورفين، للدفاع عن نفسي ضد عاطفة لم تكف عن أنتحال، داخل عقلي المتجمد، الإسم المُفزع للحب. ذلك ما يشكل سحربلادنا، بطبيعة الحال ما عدى حقيقة أنه مزدحم جداً، بالرغم من إستحالة عثور المرء فيه على أفق مهما كان ضيقاً، بسبب توفر كل شيء إلاّ سروج التاريخ. يلتقط الناس هذه الأخيرة بشراسة، تملأ بالقش ويتم التطواف بها على صورة مظاهرات. فحيثما تجد الزمن قد نصب عش طيور مقزز سترى مواطنينا منحنين، ينفخون، ووجوهم مُلتهبة. تلك هي جنة الذين لا مأوى لهم. وذلك ما يُفسر في النهاية سعادتي. كل شيء يحثك على الركوع. لا أرى علاقة ما بين هذه الملاحطات. لكن أن تكون هناك واحدة، أو حتى أكثر، فهذا ما لا شك به، بالنسبة لي. لكن ما هي؟ نعم، لقد أحببتها، كان ذلك هو الأسم الذي أعطته، والذي ما زلت للاسف أعطيه، لما كنت أقوم به، في تلك المرحلة. ليس عندي من معطيات في خصوص هذا، لأني لم أحب أبداً من قبل، لكني كنت أسمعهم يتحدثون عن ذلك الشيء، بطبيعة الحال، في البيت، في المدرسة، في الماخور، في الكنيسة، وكنت قد قرأت روايات، شعراً ونثراً، تحت سقف من كان يرعاني، بالأنكليزية، بالفرنسية، الإيطالية، الإلمانية، حيث كان الحب بالضرورة موضوعها. كنت إذن على مستوى إعطاء إسماً لما كنت أقوم به، حينما وجدتني على وشك كتابة إسم "ليللي" فوق جلة عجل، أو عندما كنت منطرحاً تحت القمر في الطين محاولاً قلعَ نبتات القُراص من دون نزع تويجاتها. كانت قًُراصات فخمة، فمن بينها كان يصل إلى المتر من حيث الإرتفاع، خلعتها، وذلك ما إراحني، بالرغم من أن قلع الإعشاب الضارة ليس من طبيعتي، على العكس من ذلك تماماً، وإلاّ لجعلتها تمتلأ بزبالة المصباح لو كان لدي واحداً. الورود، هذا موضوع آخر. الحب يجعل المرء سيئاً، تلك حقيقة واقعة. لكن أي حب هو المقصود؟ بالدقة. العشق؟ لا أعتقد ذلك. فالهزلي هو العشق أليس كذلك؟ أو أخلطه مع تنوع آخر؟ فهناك العديد منه، أليس كذلك؟ الواحد أجمل من الآخر، أليس كذلك؟ الحب الفلاطوني، على سبيل المثال، وها أن واحداً آخر يخطر في بالي. حب مجرد. ربما أحببتها حب افلاطوني؟ يصعب علي تصديق ذلك. فلو كنت أحبها حباً خالصاً ومجرداً، لماذا خططت إسمها على خراء بقرة؟ وبأصبعي قبل كل الشيء والذي مصصته فيما بعد مباشرة. أسمع، أسمع. لقد فكرت بـ "ليللي"، وإذا لم أكن قد قلت كل شيء قلت ما يكفي، في إعتقادي. بالمناسبة، لقد ضجرت من إسم "ليللي" ذاك وسأعطيها إسماً آخر غيره، من مقطع واحد هذه المرة، "آن" مثلاً، هذا ليس مقطعاً، لكن لا ضير. إذن فكرت بـ آن، أنا الذي تعلم أن لا يفكر بأي شيء، وإلاّ بأوجاعي، بسرعة كبيرة، ومن بعد بالإحتياطيات التي ينبغي إتخاذها لكي لا أموت من الجوع، أو البرد، أو الخجل، لكن ليس بالمخلوقات الحيّة وتحت أية ذريعة، بحد ذاتها (أتساءل ما الذي يعنيه ذلك)، مهما تمكنت من القول، أو يحدث لي قوله، فيما يتعلق بهذا الموضوع. لأنني كنت أتكلم دائماً، وسأتكلم دائماً عن أشياء لم توجد أبداً، أو قد وجدت إذا شئتم، والتي قد ستوجد إحتمالاً، ولكن ليس عن الوجود الذي أهبها أياه. الكبيات*، مثلاً، كانت موجودة بالطبع، وثمة أمل ضعيف في إختفائها مستقبلاً، لكني أنا لم أحمل يوماً كيبيةً، كلا، كذب. فأنا قد كتبت،


شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل