الرئيسية »  الـقـصة»  حب على الدروب والمفارق

حب على الدروب والمفارق

عدد مرات المشاهدة :493 - 18/ 11/ 2008

بسام الطعان

حب على الدروب والمفارق

 

 

إليك يا أعز الناس ..الجميلة الأجمل.. حين أراك.. أقصد حين أراك بقلبي، أتصفح الدروب والمفارق، وأهيئ  نفسي للمواعيد، وبعد تعب له بداية وليس له نهاية، أكتشف أن الدروب لن تؤدي إلى عطرك المميز الذي  شممته  ذات حلم، فأتكسر في واجهات الحيرة، وأرتجف ارتجاف أوتار العود حين تمر الريشة عليها.
تمر الأيام والليالي وأنا ضالع في حبك، أنحني  فوق طاولتي، أكتب اسمك الذي أحببت على أوراق الخلود، أرسم صوراً زاهية لوجهك، وأنتظر منك شمساً صغيرة تبدد عتمتي، وما بين الألم وبين السكون، أحملك   بين جوانحي بحب أولا، وبحنان ثانياً، وبشوق ثالثاً، وأظل ساهراً مع النجوم والكواكب، أحدثها عنك، وعن  يمامك الذي يطير إليّ في كل الأوقات.
وما زلت إلى اليوم أتذكر حين  جلسنا أنت وأنا فوق رابية من روابي الليل السعيد، وكان القمر ثالثنا، وأبداً لن أنسى حين قدمت لي الكرز بشفتيك، ثم قلت وأنت تنظرين إلى القمر الضاحك:
ـ أنت وطني الذي أتمنى.
أدخلتك تحت جفنيّ وهمست:
ـ أنا وطنك الحنون وأنت بلادي ولن يكون إلا ما نريد.
ـ لكني الآن هاربة منك فماذا أنت فاعل؟
ـ سأنتظرك ما  دمت  أحن  إليك.. مادمت أصدقك، وأنا على يقين من أنك آتية لا ريب، وعندها سنتعانق  طويلاً، نتضاحك كثيراً، نركض في الدروب كطفلين بريئين، ننام على الروابي، ونملأ الدنيا سعادة منقطعة النظير.
ويا الأجمل في العمر، وفي الزمن، اختفيت فجأة مثلما تختفي ومضة الفرح التي تأتي دون ميعاد، فدخل في رأسي ضجيج سبع مدن صناعية، واندلعت فيه عشرات الحروب، وانطفأت أفراحي كلها، لكن وجهك لم ينطفئ.
منذ سنة.. سنتين.. عشرين.. أو مئة سنة وأنت وأنا نعيش تحت سقف واحد في بيت جدرانه من قرميد،  وتحيط به الورود والرياحين، أجلس وتجلسين إلى جانبي، أنام وتنامين معي، أحلم وتحلمين بين ذراعي، وحين تندلع براكيني التي خمدت منذ انقطاع رسائلك، أتطاير حمماً بين يديك وعلى صدرك ولا أهمد إلا بعد أن يهزمني النوم، وحين أصحو، أجد أن العالم كله متآمر عليّ ولا هم له إلا أن يزعجني بكل الوسائل.
والآن أسألك: هل تقبلين بذلك؟
أنا الأرض العطشى وأنت المزن الجليل، أو أنت الأرض وأنا المزن، فلماذا كل هذا الفراق؟
أراك أمامي في كل وقت مثل مدينة مضيئة، مرات كثيرة في الجزائر الحبيبة، ومرة في مصر أم الدنيا، ومرة   في تونس الخضراء، ومرة في العراق بلد الأحبة والغوالي، ومرة في الأرض المقدسة، ومرة في اليمن  السعيد، وحين رأيتك في أغلى وأعز وطن على الأرض، وطني، على الضفة اليسرى لنهر الفرات في مدينة الرقة لا أدري ماذا أصابني، كل ما أعرفه أن جداول تموج بخضرة مياه رائقة ومليئة بجرار الهوى والعسل  والعمر المديد صبت في نفسي، عندئذ ضحكت كثيراً ولم انتظر طويلاً، صنعت أجنحة من حديد، وطرت إليك وأنا ألهث مبهور الأنفاس.
وآه منك.. هناك، بحثت عنك في كل مكان، على الضفاف وفي الشوارع والأسواق والمراكز الثقافية، فلم أر وجهك النبيل، وإنما رأيت الفرات حزينا، والرقة باردة، كئيبة، لا دفء فيها ولا حنان.
سألت النهر عنك، فلم يجب وظل يجري يجري يجري، مثلما تجري جداول حبي نحو سهوبك.
أين أنتِ؟.. هل ضعت أم ذبت؟.. هل قلت لي سأكون في مدينة الرقة في سبتمبر فانتظرني هناك؟.. ها سبتمبر قد  مضى ولم تأتي إليَّ، ولا أعرف إن كنت قد قلت لي ذلك في اليقظة أو في المنام، فما أكثر أحلامي وما أكثر معاناتي.
في شوارع الرقة، بقيت تائها، حزينا، جائعا، فلم تكن لي رغبة بدخول المطاعم، كيف أشتهي الطعام وأنت  غائبة  في المجهول، وفي أصيل شبه ميت، يرعاه قمر شاحب، كنت أسير في أحد الشوارع، وفجأة لعلع الفرح في داخلي، رأيت فتاة ترتدي الأبهة، وتقف أمام أحد المحلات، تتأمل ما يعرض من ثياب في الواجهة الزجاجية، فنظرت إليها بإعجاب شديد: "تبدو غريبة مثلي عن هذه المدينة.. لا بد أنها هي التي أبحث عنها".  ولا أدري كيف هرولت نحوها، وقفت إلى جانبها، تأملتها، فرأيت فيها كل صفاتك التي رسمتها في خيالي المجنح:
ـ مرحباً يا أعز الناس.. مرحباً يا غالية.. منذ الصباح وأنا أبحث عنك حتى أنني لم ذهب إلى مهرجان الرواية الثالث. قلت بفرح طفولي وأنا أمد لها يدي.
تطلعت إليّ  بدهشة  ولم  تجب، ثم ستدارت مبتعدة عني، حينئذ عرفت أنها ليست النائمة في جداني، وبعد  لحظة قهر ولحظة حزن، تابعت طريقي نحو محطة الحافلات.
ركبت الحافلة لأعود إلى مدينتي، وعلى الطريق كتبت عنك قصيدة رثاء، ثم قرأتها بصوت عال وسط  نظرات   الركاب وابتساماتهم، ولم أبال بهم، تابعت قراءة القصيدة لكن قلبي هزته ريح البكاء، ثم نهرني وما لبث أن سألني بشيء من الغضب:
ـ كيف تكتب عنها  قصيدة رثاء يا ظالم؟ ألا تعرف أنها موجودة في الحضور وفي الغياب، في الحقيقة وفي الأحلام ؟.. صحيح أنها هاربة الآن، ولكن يجب أن تنتظرها إلى آخر العمر وأن تكتب عنها قصائد الحب الخالد، إياك أن  تكتب عنها  قصيدة رثاء  بعد الآن.. ثم  أضاف وهو يبتسم: سأقول لك سراً.. إنها الآن غيمة  سارحة وستمطر عليك ذات يوم فافرح أيها العاشق الصغير..
مثل مدينة ضربها الزلزال دخلت إلى البيت ومع تعبي وانكساري جلست أمام  الكومبيوتر، فتحت بريدي الإلكتروني، فنزلت عليّ طلائع الفرح من كل الجهات، فاستعدت حيوتي ونشاطي في لحظة واحدة، غيّرت ثيابي على عجل، تناولت لقيمات قليلة، ثم خرجت وأنا أبدو مثل مدينة دمشق حين يُنظر إليها من فوق قاسيون في الليل.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
1.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: