الرئيسية »  الـقـصة»  على مسافةِ رغبات

على مسافةِ رغبات

عدد مرات المشاهدة :756 - 29/ 6/ 2008

لمياء الآلوسي

على مسافةِ رغبات

  

قبل أن ينسج  الفجر الشتوي خيوطه، أطل من نافذة الغرفة الوحيدة، التي تلم أجساد إخوته الصغار، في بيتهم  الذي يتسامق مع البيوت الأخرى،  فتُلغى  المسافات، وتغدو متداخلة، فسطح الجيران هو فناء بيتهم الصغير، إذ ينتصب تنور أمه الطيني وهي تتأهب لتسعيره  في ذلك الغبش  المطير .

خجلٌ بحجم الأرض يكتنفه، ويمنعه  من اختصار المسافات، إلى المسجد، واختراق السلم الحجري القصير، الذي ينزل  به إلى بيت العم  بمدخله الطويل، والذي صُبَّت أرضيته على الجانبين بمصاطب حجرية مفروشة طوال الوقت، تفضي إلى حجرة غطّتْ جدرانُها برفوف  تضم  عشرات الكتب والمصاحف، وفي الزاوية،  قبر دارس ، أهيل التراب على  جوانبه بأيدي نساء المدينة اللواتي يظنن بأنَّ حفنة رمل من قبر هذا السيد  ستعتقهن  من هموم الدنيا ومشاكلها، يمتلئ المكان بطيب أعواد البخور المتقدة  طوال الوقت، تطلق رائحتها في أرجاء المكان.
 
ولكن كيف ؟ غالباً ما تكون  تلك الأوقات موعداً لحركة العم الدائبة، وهو يلف أذيال ملابسه البيضاء على ذراعيه، يحمل إبريقه النحاسي  الكبير، فيصبح جسده الذي طوت ظهره السنون، هالة كبيرة تذرع الفناء جيئة وذهاباً، متأهباً لصلاة الفجر .
 
تلفّّع بمعطفه القديم،  تتلقفه دروب زلقة  لا يتبين فيها خطواته، تعرج به عبر أرض جبلية إلى سوق المدينة الخالي في مثل تلك الساعة من الليل، تؤنسه أصوات مزاريب منازل غارقة في غموضها، يغطيه نثيث المطر، وذلك الصمت الموشى بالخوف، لتنحرف به إلى زقاقٍ أكثر رهبة من كل أزقة المدينة، ومجاهلها الكثيرة  .
 
رغم أنه يجوب المدينة طوال النهار، ينوء بعشرات الأعمال الصغيرة، إضافة إلى الأذان في الأوقات الخمسة، التي أوكلها إليه عمه إمام المسجد، لتلبية احتياجات عائلته الكبيرة التي تأود بها رغم سنوات عمره الطرية،  فعليه بعد أن يؤذن لصلاة الفجر،  إيصال أرغفة  الخبز الساخنة التي تخبزها أمه، إلى المدرسة الابتدائية في الطرف البعيد من المدينة، ليعود محملاً  بما يجود به مدير المدرسة من فائض التغذية المدرسية، إلاّ أنه يأبى أن  يمد إليها يده، مكتفياً بالوجبات التي يتمتع بها لقاءَ أعمال البناء في بيوت الميسورين.
 
كثيراً ما تمنى لو أنه خُلق في  مكان آخر من الارض، فلا تكبله أفواه إخوته المفتوحة، كثيراً ما يتساءل،  لما فرض الله الكد عليّ وعلى الفقراء؟  والفقراء ...
 لمَ لا يُبقي الفقراء معه هناك ما داموا أحبابه ؟

لم يكن  الظلام يخيفه كثيراً، إذ عرف معجم متاهاتهِ، لكن ذلك الزقاق الضيق، المنحدر باتجاه النهر،  قريباً من المسجد، كان  يصيبه  بالهلع، يملأه بعشرات الحكايات، كلما دنا منه. فعلى الجانب الأكثر ظلاماً، تقبع  بقايا بيت متهدم غائر إلى  الداخل،  وسط جدران البيوت العالية التي تحيط به من كل جانب، تنتشر في وسطه أجمةً تقصَّفتْ جذوع الشجر فيها، مهملة يثيرها هفيف الريح فتطلق أصواتاً تقتلعه من كل محاولاته، وتراتيله التي يدخرها لحين مروره من هناك، تتسارع خطواته العجلى، يتلو أدعية كانت تودعه بها أمه  كل يوم؛ جفلَ لمواء قطة مرقت من أمامه ، وكان الظلام المحدق في كل ركن ،  قد أفقدها لونها .
 
راعه في تلك اللحظة ضوء، أنار الطريق كله، يشع من ذلك البناء القديم المتهدم بل أن أجمة الأشجار المهملة، تحولت إلى حديقة غناء غاية في الجمال، أراد أن  يهرول مبتعداً، لكنه هذه المرة توقف مبهوراً تتقاذفه رغبة في الهروب، وأخرى في اكتشاف المجهول وخباياه اللعينة !
أطرقَ تسوره اللهفات لاقتحامها، فعلى خطوات قليلة، رتفع بابٌ  حديدي مزركش بزخارف متضاربة الألوان، بديعة الجمال، وممرٌّ رَحِبٌ تنيره مصابيح باهرة الضوء،  لو وزعت على أزقة المدينة  لحالت لياليها  إلى ظهيرةٍ ، أرضيتها المرمرية، تعكس ضوءاً إضافياً، تنير ما في داخله من صبوات ، تربعت امرأة  رائعة الجمال  على أريكة، مزينة بالورد،  والحلي التي زادتها فتنة وجمالاً، امرأة لم يرَ في مدينته كلها بجمالها، وغنجها، نهضت لمقدمه، وتحركت نحوه حافية القدمين وكأنها تمشي على أرض ليس لها قرار، وشَعرٌ بلون الفجر يتطاير خلفها، أزاحت بذراعيها البضتين مأزرها عن جسد مرمري، أحس أنَّ  بريقاً تساقط باتجاه الأشجار المشرئبة أعناقها حول البيت وحول تلك المرأة، فأظهرت نورها الأخاذ  
-أدخل أبا جعفر ولا تخشَ شيئًا،  فالحياة هنا...
أشارت إلى مجلسها  الوثير،  بملابسها الفضفاضة كاشفة عن مفاتنها، أراد أن يبتعد لكنَّ يديها الممتدتين  إليه، أغرتاه بالدخول، أحس أنَّ  قدميه  ستفضيان به إلى شطآن ، خشي أن تتشابك ظلالها، وإذ تُسقطه فيها، لن  يتمكن من الفكاك منها، أنها تدعوه لدنيا لم يكن يعرفها من قبل،  
دون أن يعي شيئاً كان بين أحضانها، مشفقاً عليها من ملابسه المبتلة القديمة، ومن  أصابعه المغروسة بالطين،  ومواد البناء،  كأنها حشف عافته الحياة  .
 
سحبته إلى داخل غرفة جانبية باذخة الترف، أرتَقتْ فراشاً وثيراً، بلون زهري زاهٍ ،  فظهرت ربلتا ساقيها الممتلئتين،  فتعالى وجيب قلبه، سقته  شراباً لم يذقه من قبل، وضجيج ضحكاتها الرخصة يغمره  بالدفء والحياة، احتوته بين ذراعيها ، فضاعَ في أفراح تشابكت فما عاد الليل ليلاً .
 
من بعيد ... تعالى صوت الآذان ، فتعرف إليه، أنه صوت عمه الذي بقي قوياً رغم تعب السنين، فدفع المرأة عنه، وبدون أن يدري لاح وجه أمه المتعب خلف تنورها الطيني، تردد حوله أدعيتها الحانية .

ركض خارج خدرها ، لكنها أزلجت الباب الحديدي دونه، تحولّ فرحه المباغت إلى سُخط  يعتصره،  فدفع المرأة عنه،  تشبثت به، فأزاح يديها عن عنقه، صرخ بها : إبعدي ناركِ عني.
 
 في لحظات كأنها الدهر كله، رَمَقَها،  كان قد جللها ضوءٌ بامتداد الريح،  تمتطي صهوة جواد أشهب، يرتقي بها فوق ذلك البيت، آخذةً معها كل بهائهِ ونورهِ ، فعاد نثيث المطر يزغرد على وجهه المحموم ، تلفت  بوجل ، كان وحيداً مبتلاً حد العظم، مهجوراً في ذلك  الزقاق،  وكان البيت كما هو غائراً في أعماق الجدران العالية، لهذه  المدينة التي تسرق الحياة عنوة، عاد الصمت  يخيم على ذلك المكان، عندها عرف أنه فقد كل أشيائهِ هناك .
سطوح البيوت المتداخلة، وتلك الفتحات الصغيرة التي يسميها الأهالي نوافذ، مطلة على الأزقة،  تتلصص خلفها عشرات العيون،  كل شيء يرقبه، ويشي بما أقدم عليه.
 
   جاءته رائحة خبز أمه، والسماء تمنحه ذلك الشعور بانجلاء الوقت، كان مسمراً في مكانه، وحمى الخوف تبث فيه رغبة حارقة بالهرب، وحزن يشعره بأنه سجين في تلك الزاوية  من الزقاق، كان مبتلاً، مسكوناً بصوتها، لكن هل تغسل قطرات المطر دنسه ؟ هل تمحو وجهها وعطرها  المغروز فيه  ؟

في لحظات كان يرتقي سلماً خشبياً امتد  من أحد الجدران، ليوصله إلى  فناءات متداخلة وأصوات تدعوه للدخول، لكنه كان يغادرها، باحثاً عن بيته المفقود،  وخبز أمه الذي أصبح بارداً، منقوعاً بالمطر .
 
رأى في الظلام، خلف شعاع الفجر المنثال كشلال من الحنين،  قامةَ عمه وهو يمتشق سيفاً صدئا، يقف أمامه غاضباً، يسد عليه منافذ الحياة،عندها غاصت قدماه في أرض طينية لزجة، وما عاد يرى شيئاً.                          
                                       
                                 
                                ****              ****
 
 تنبه إلى همسٍ متداخلٍ يحوم حوله، ونساء يحكمن قبضتهن على جسده، وخدرٍ لذيذٍ  يتملكه، كان ممدداً  في تلك الحجرة إلى جوار القبر،  إخوته الصغار يتلصصون النظر إليه  من وراء أمه الواجفة، مدير المدرس،  عمه الذي يكبِّر في أُذنيه، الكل  يحدّق به، كيف للأرواح الشريرة أن تُحكم قبضتها عليه ، وسط  كل هذا الفيض من الاحتشام والتردد ؟!
 لكنه كان مأخوذاً  بتلك المرأة،  التي  كانت تغمزه ضاحكةً، يطالعه وجهها بين الكتب  المرصوفة على الجدران، تبعد عنه  ثم تدنو ، تبسّم  لها، فمدت له ذراعيها، ضحك مقهقها،
-عدتِ..؟ عادت بك خيولك الجامحة، سباتُ الكون حولي دعاكِ إلي  .
لطمت أمه خديها صارخة  :
-  وتقولون : أنه لم يُجَنَّ ؟!




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: