أدب فن: المداورة المداورة ================================================================================ حسين عجة on 08/ 3/ 2008        "إذا ما أُختزل النور إلى ظهوره العادي، أو حضوره المحض، سوف لن يكون سوى ذلك الوهم الذي يفتح العينين". قال لها الساذج. لتلك التي لم يعرف في البداية ما الاسم الذي يمكنه منحه لها، والتي انتهى، لعجزه، بتسميتها "المُتذبذبة" دائماً. قد تكون شجرة. ظل امرأة، أو بكل بساطة فسفور خاطف عبرَ فجأة مخيلته.وضع يده اليمنى فوق الأخرى، ثم نهض ليقلب مطفئة السجائر في علبة القمامة. ومن جديد، "ليس للضوء من حضور آخر سوى غيابه". حين ينقطع. أو يُغمى عليه دون علة واضحة. فالسماء مُخيبة، كالعادة. رمادية وعاصفة. ولا صوت يأتي من الخارج. "ما يمر أو لا يمر ينتمي بطبيعته لشيء آخر غير الزمن". أو لا ينتمي سوى لسرعته في هذه اللحظة أو تلك، ثم يخمد، يختفي، يتلاشى، أو يعاود الحضور، بصورته الأولى أو برفقة ظل يماثله. لا أحد يمكنه توقع حالة المعاودة تلك. كانت هي الأخرى صامتة، بدمها الذي يغلي. يفور. أو هكذا كان يراها في كل مرة يَرفعُ فيها عينه نحوها دون إرادته. ربما جاءت من بعيد. أو كانت معه دائماً. لكنه لم يكن وصل إلى نقطة التأكد. وقد لا يصل لها أبداً. ما يدهشه فيها تموج وهشاشة حركاتها، وميضها البراق بضعفه تارة، أو هجومه الكاسح كأمواج في لحظات أخرى، ترفض فيها أية إشارة لقدومها. نهض، ثانية. توجه، وكأنه مرغماً، نحو سقيفة الحمام. لينظر في المرآة الصغيرة التي علقها له أحد الأصدقاء على الجدار الأملس. لضراوة الموقف الذي يعيش فيه. بؤسه المادي والروحي، كما قال له ذلك الصديق. لم يكن الشك ما يمزقه. بالأحرى تلك المسافة التي لا يرى حالياً أبعادها، أتساعها. ربما كان ذلك هو الوهم الذي تحدث عنه مرة بمثابة "ما يفتح العينين المغلقتين". كسواد الموت. أو بياض الحلم. "يمكن للضوء أن يتدلى ويهبط بلا أعمدة"، مرئية أو غير مرئية. حبال أو أوتار غليظة. عديمة النفع. حتى لا تشكل موضوعاً لأحد."سأعمل ليل نهار. بلا كلل. سأقتل نفسي. سأجعله ينبثق. ولن يهدأ لي بالاً قبل عودته ثانية، من جديد". ذلك ما قالته، قبل أن تتهيأ للرحيل. أو تتظاهر به. أو ربما كان كل ذلك من صنع مخيلته.  لا أرغب بالتوقف حالياً حيال ترددات كهذه. (همهم مع نفسه). لا تقطع هكذا. سمعها تردد الكلمات كصدى.أو تخيلها. لقد كففت عن طرح الأسئلة.هل كان يحبها حقاً، أم يكرهها بعنف، ما دامت تضايقه بوصولها ورحيلها معاً؟ لا تنفع المداورة، في حالات كهذه. بيد أنه لا يعرف شيئاً آخر سواها. فهي مع المداورة تأتي تغادر ثانية. دون حاجة للضوء. في أعماق الظلمة. ببطء تارة، بدفعة واحدة، تارة أخرى.لكن عليها أن تدوم وتظل مداورة حتى انقطاع الأنفاس. ذلك ما قالته هي ثانية. وثالثة. ضمن هذا السكون والإلحاح المتواصلين."مدينتي تحترق في الظلام، وأنا ما زلت أقطن معك". كان يرغب التفرس في وجهها. أمر يقاوم التحقق. يجعله مستحيلاً. إذ لا شيء يغطي ذلك الوجه، ومع ذلك، لا سبيل لرؤيته. وحتى إذا ما رآه، افتراضاً، ما الذي سيكون بمقدوره قوله له؟ لوجهها. لا شيء. إن كان ذلك في النور أو تحت برقع العتمة. لخمسة أيام والسماء تمطر دون انقطاع. بلا توقف. فيما بدا النور كسيحاً وخائفاً. ومع ذلك لم تحدث أية فيضانات، في المدينة التي يسكن فيها. معها أحياناً، ولوحده، أحياناً أخرى. الطويلة منها، على وجه التحدّيد. الأزمنة المتعاقبة والبلدان التي تُفرغ من سكانها.كانت سيجارته قد سقطت على الأرض دون علمه. أصابه الرعب، وكأن الغرفة الصغيرة ستحترق. كاحتراق الأبدان، هناك. في مدينتها هي. فتش مذعوراً عنها. عن السيجارة. ثم عثر عليها، بعد تخبط، تحت قدميه بالدقة. "قد تشبهني بعض الشيء". أو "قد أشبهها قليلاً".غير أنها هي من قال تلك الكلمة : "تُفرغ البلدان من سكانها".ثم استأذنته للمغادرة، وكأن هناك ما ينتظرها. شيء أو مخلوق آخر. كلا. لا شيء ولا مخلوق آخر ينتظرها، وهي لا تنتظر أحداً. لكنها لا ترغب في المكوث طويلاً عند منْ تصادفه في طريقها. لا ترغب في البقاء قرب أحد سوى لحظات، تبدو وكأنها دهور طويلة، شاقة ومنهكة حد البكاء. ومع ذلك، عليك مواصلة الحك. لمحت له من بعيد. أو ربما تخيل لوحده ما نطقت به. هي. الشبيهة والمشغولة مثله بواقعة الضوء. بانعدامه، لقول الحقيقة. "لتنتهز الفرصة السانحة، عزلتك، والمرآة التي علقها من أجلك ذلك الصديق على الجدار الأملس؛ فغداً يبدأ العمل المضني". هذا ما رآه، أو سمعه في حلمه البارحة.ثم واصلت السماء رعدها وبريقها، في مواجهة نفس الغرفة، مع حالة الترقب ذاتها. "هل أخذتني الغفوة غفلةً، حين لملمت أسمالها دون ضجة تذكر؛ فَتَحتْ الباب أو النافذة وبجسدها النحيل انزلقت حيث لا أدري إلى أين"؟ كان الساذج تعباً. كانت عينيه مشتعلتين كالجمر. أو كسيجارته الآخذة بالانطفاء. "يمكن للضوء فلق الغرفة، شقها إلى نصفين، وسأختفي أنا مع النصف المحترق". لوقت طويل ظل راكعاً تارة أمام النافذة، وأخرى أمام عتبة الباب. قد تعاود المجيء ثانية. (تحدث مع نفسه، لكي ينسى. ماذا؟).لوقت طويل ظل فاغر الفم، وكأنه يتهكم على نفسه. وقد يكون الأمر كذلك. غير أنه يعرف جيداً صعوبة أن يتهكم المرء، حتى وإن كان ذلك على نفسه، أو معها. "طريقة كهذه ستكون اكتشافاً بحد ذاته". أدهشته العبارة، وكأنه يتلقاها، أو يسمعها مباشرة من فمها، هي. في غيابها. "ذلك ما كنت تبحث عنه منذ زمن طويل دون جدوى، بتخبط وعبثية، وما كان بمقدورك معرفته دوني. أنا من أوحى إليك بخواطر كهذه". ثانية، ساد الصمت. نهض، هذه المرة تحت ذريعة الذهاب إلى المطبخ، أما لأنه أحس بحاجة للامتلاء،أو ليفلت من قبضة ما ظن سماعه. "أنا منحتك شكلاً مطاطياً، مرهفاً، فنياً، يمكنك أن تضع ضمنه كل ما ترغب فيه وتختاره. يمكنك الآن تثبيت ما تشاء، حتى مزاجك الشخصي، مثلما يأتي ويعطي نفسه، يمكنك قول ما في رأسك". حين تشرع الأمطار بالهطول بمثل هذه الكثافة وتتواصل، يغدو حتى التجول في الغرفة عبثياً. أو أنه يولد لا نعرف كيف شعوراً يقارب شعوره هو بأنه بات على بعد خطوتين من الجنون وحسب. "هل أنا رعديد إلى هذا الحد؟". أغلق النافذة، كذلك ظل الباب مغلقاً، كالعادة. ربما كان يظن، بقيامه بغلق النافذة، بأنها تقبع في زاوية من زوايا النفق حيث يقطن. فمنذ أزمنه وحقب ما عاد بمقدوره معرفة متى تأتي، ولا يعرف كذلك متى تغادر."لتأخذ الأمور على علاتها، مثلما هي، دون زيادة ولا نقصان". لم يكن في حالة تسمح له باستقبال همساً كهذا. وقد يكون من المفيد له الخروج قليلاً، لشراء بعض الحاجات، مثلاً. "لا شيء يحتم عليك أن تكون شاعرياً، وبهذا ستفلت من وهمك الشرير، أو من حالة النزق الرومانسي التي أنت فيها. المزيفة. فعندما تكون جدياً، تصبح فرداً مخلصاً".لفك حصاره، ولإيقاف تيار الهمس ذاك، قرر في النهاية الخروج. في البدء، كان يعتقد بأنه يرى بوضوح إلى أين سيذهب : سأذهب إلى الحلاق، فشعر رأسي صار يشبه حقول ذرة بيضاء منتصبة من فوق رابية. كلا. قبل ذلك، عليَّ المرور إلى "السوبر ماركت"، قبل أن يغلق. فما بعد الساعة السابعة والنصف، تغلق جميع المخازن والأفران، وحتى الدكاكين الصغيرة لتي تظل مفتوحة، في العادة، حتى الحادية عشر أو أحياناً إلى منتصف الليل. كلا، ليس لدي أية رغبة في الأكل. شهيتي مغلقة على نفسها كعذراء حيال الأغذية، كانغلاق الزنزانات على من يقطنون فيها. هناك. "وقد أكون أنا في زنزانة أخرى، تشبه زنزانتهم، مع فارق بسيط، لكن ليس بمقدوري نكران أهميته :غياب الحارس أو الحراس لمراقبتي. أو هذا ما أظنه. إذ قد أكون أنا نفسي مراقباً، دون علمي. ففارق الحارس ليس بالجدي. غير أني لا أستطيع نكران أهمية الضوء في حياتي، وغيابه عنهم...". ربما كان علي (قال في نفسه) الاتصال هاتفياً بصديقي جواد شريف؛ لقد مرت أسابيع عديدة وأنا لا أعرف عنه أي شيء. لكن ما جدوى ذلك؟ فأنا أعرف سلفاً ما الذي سنقوله، واحدنا للأخر: أنا – كيف الصحة؟ هو : - وأنت؟ شكراً، غير أني لا أعرف ماذا أقول. هو : وأنا كذلك. أنا : - إلى متى ستدوم الحالة هذه؟ هو : - لا أعرف، لكن ما الذي جنيناه، لكي نكون ملفوظين، هنا، كالنفاية، وهناك، يستمر سيناريو الذبح. كلا، لن أهتف لجواد شريف.أثناء ذلك، ظن أنه يلمحها. ذات القامة الناحلة، نفس الوجه الشاحب، الابتسامة الباهتة ذاتها، ونفس الشكوك التي تُخلفها عند منْ ينظر نحوها. "لا تفكر بأني هربت بجلدي، فأنا ما زلت تحت ضغط اللحظة. الآن لا يمكنني أن أوضح لك الجحيم الذي عانيته بغية العودة ثانية إلى الدار. كانت جميع الطرق مغلقة والمصفحات في كل مكان. بعيني رأيت سيارة تنفجر في السوق، قرب الطريق الذي أسلكه يومياً للذهاب إلى عملي؛ كانت الجثث تتناثر كقطع أوراق ممزقةً. أحدهم دفعني بقوة وهو يهرع باتجاه السوق. كانت هناك امرأة ممددة والدم يغطي وجهها وهي تصرخ، لكن أحداً لم يقترب منها لإسعافها، ولم أجرأ أنا على القيام بذلك. سأبقى معك بعض الوقت، لكن لا عليك أن تحدثني. لا ترهقني بهمهمتك مع نفسك حيال الضوء، متى يأتي ومتى يغيب. سأطلب منك نسياني ونسيان كل شيء".