أدب فن: تحية حب ووفاء.. لست مليكة وست سهيلة تحية حب ووفاء.. لست مليكة وست سهيلة ================================================================================ سميرة عباس التميمي on 28/ 2/ 2010 يحتفل طلبة المدارس العراقية اليوم, الأول من آذار بعيد المعلم , حيث يعبر الطالب فيه عن إمتنانه لعطاء معلمه أو مدرسه المهني في إغناء معارف الطلبة العلمية والتربوية عن طريق الأناشيد والخطب والغناء والهدايا . بهذه المناسبة أهنأ جميع المعلمين والمدرسين في بلدي العراق متمنية لهم مزيدا من العطاء العلمي والتربوي اللازمين في بناء شخصية المواطن العراقي لعراق ديمقراطي حر. أخص بالذكر هنا مدرستين, كانتا قد درستاني في ثانوية الأسكندرية للبنات في محافظة بابل وهما ست مليكة وست سهيلة. كنت مع أهلي نسكن منطقة الإسكان الصناعي التي تبعد حوالي الكيلومتر عن مدينة الأسكندرية من محافظة بابل فكنت أركب مع صديقاتي الباصات الصغيرة للوصول إلى المدرسة حيث إنها تتوسط بستان رائع من النخيل، وعند الرجوع نفضل السير على أقدامنا حتى نستمتع بالطبيعة الرائعة وغناء الطيور والشمس العراقية. سأكتب أولا عن ست مليكة وكانت مدرستي باللغة العربية. كنت قد سمعت بمقدرة هذه المدرسة في اللغة وبتشجيعها المستمر لطالباتها بالمشاركة في المسابقات الأدبية لتنمية مواهبهن في هذا المجال. عند لقائي الأول بها وجدتها سيدة سمراء ذات عينين ثاقبتين ذكيتين, وعندما أصبحت إحدى طالباتها لفت إنتباهي إسلوبها الشيق بالتدريس والذي كان يجمع بين الجد والمرح في آن واحد, فضلا عن ذلك إجادتها الكاملة للغة العربية, كنا نندمج مع الدرس وست مليكة بحيث لم نسمع جرس نهاية الحصة وسرعان ما أصبحت طالبتها المفضلة. بفضلها إزداد حبي لدرس اللغة العربية , خصوصا ساعة إلقاء القصائد وشرحها, حيث برعت في إلقائها وحفظها السريع منذ الإبتدائية والفضل يعود لها في إحرازي درجة 92 بالمئة في مادة اللغة العربية من الإمتحانات الوزارية للسادس الإعدادي. المدرسة الثانية هي ست سهيلة, وكانت مديرة المدرسة فقد كنت معجبة جدا بشخصية هذه المرأة الضئيلة الجسم والقوية الشخصية التي أحسنت إدارة المدرسة وتوجيه طالباتها ونشر النظام في صفوفهن. كانت بحق تستحق أن تكون مديرة لأحدى المدارس العراقية الموجودة خارج الوطن أو أن تعمل في منظمة دولية ما لرعاية الأطفال .وأذكر إنها في احدى المرات استدعتني من الصف حتى تقدمني للمشرف التربوي الذي كان في زيارة رسمية للمدرسة بصفتي خطاطة المدرسة, حيث كانت تكلفني بكتابة سجلات درجات الطالبات في إدارة المدرسة وذلك لجمال خطي. كل هذه الإلتفاتات اللطيفة تؤثر في نفس الطالب وشخصيته مستقبلا وبالمقابل سأذكر حادثة مدرسة الفيزياء التي كسرت قلمي لأنني سألتها سؤالا في مادة الفيزياء لم تستطيع الأجابة عنه وكان أول يوم لي مع هذه المادة وكنت متحمسة جدا لها. هذا الشيء يدعوني بالمطالبة بادراج مادة علم النفس كمادة إضافية تدرس في المدارس العراقية لأهميتها ولتثقيف الطلبة في هذه الناحية, فالطالب والطالبة يجب أن يتعرفا على هذا العلم الحيوي الذي بمعرفتنا له ينكشف النقاب عن الكثير من الأمور التي كانت خافية عنا. لأنه علم يدرس الجوانب السلوكية للإنسان ويدرس المؤثرات الداخلية والخارجية عليه, فالطالبة تمر بمرحلة المراهقة وهذه المرحلة تجلب لها الكثير من التغيرات الجسدية والنفسية فيجب عليها أن تكون على إتصال دائم مع نفسها, أن تعرف ما يحدث لها من تغيرات بصورة علمية وأن تتقبلها بصورة واعية, وهذا الكلام ينطبق على الطالب أيضا. كما إنني أؤيد تدريس مادة التربية الجنسية أو إضافتها ضمن مادة علم النفس لأن التوعية الجنسية تجنب المراهقين العادات السيئة والمعتقدات الخاطئة وتهيأ الطالبة المراهقة بأن تصبح أم واعية ناضجة في المستقبل القريب. أنا مع إزدياد المدارس المختلطة حتى يعتاد كلا الجنسين على بعضهما البعض وكيفية التعامل مع بعضهما لأنه عادة ما تنفر الطالبة من زميلها الطالب, وتنظر إليه نظرة شك ناتجة عن العادات البالية والمعتقدات الخاطئة والغير متحضرة التي تسود في الكثير من المجتمعات العربية, فعندما يحاول الطالب التقرب من زميلته الطالبة فأنها تتصور أنه يريد التحرش بها أو لربما إغتصابها وبالتالي تتجنب مخالطته أو بعضهن يخالطن الشباب بالسر فعليه يجب أن تسعى المدرسة بمد الجسور بين الجنسين ولبناء علاقات إجتماعية طبيعية بينهما وأن تهيئهما بأن يصبحا أم وأب واعيين في المستقبل, وأيضا حتى تعرف الفتاة كيفية التعامل مع الرجل كزميل لها في المدرسة أو الجامعة أو العمل , لأن إبتعادها عنه يزرع في نفسها عقد كثيرة وبالتالي يصعب عليها الأختلاط السوي بالرجل مستقبلا , الطالب أيضا سيتعلم معنى كلمة المرأة وماذا تعني عبارة النصف الآخر وأن للمرأة حقوق مساوية لحقوقه في العمل وإبداء الرأي وفي أي شيء آخر في الحياة والمجتمع. وعلم النفس ضروري ليس فقط للطلبة، وإنما للمعلمين والمدرسين ايضا, فهم يجب أن يكونوا على إطلاع واسع بهذا العلم حتى يبنوا علاقة إحترام وصداقة متبادلة مع طلابهم وأن يعرفوا الأسلوب الصحيح بالتعامل معهم بشخصياتهم المختلفة. وسأعود إلى ست مليكة وست سهيلة وأقول إنهما لم تكونا بارعتين في مادتهما فقط وإنما كانتا عالمتا علم النفس من الطراز الأول. طالما إنني أكتب عن المعلم, أريد أن أضيف أن المعلم هو رمز العلم والوعي والثقافة، وبالثقافة والعلم تتقدم الأمم وكل بذرة واعية في نفس الإنسان,هو نصر لبلده ولكل ما هو بعيد عن عجلة التخلف. وللعالم المتحضر متطلباته فالإنسان الناضج في حياته يجب أن يتقن على الأقل ثلاث لغات بالإضافة إلى إيجادته للكومبيوتر. ففي أوروبا وكل بلدان العالم المتقدم توجد مدارس لغوية, مثلا مدرسة باللغة الأنكليزية وتدرس معظم موادها بهذه اللغة وكذلك مدرسة باللغة الفرنسية والأسبانية والألمانية والروسية وهكذا. يتم قبول الطلبة في هذه المدارس بعد الصف الأول متوسط بامتحان وزاري في مادتي الرياضيات ولغة الأم ويقبل الطلبة المتميزين والحاصلين على معدلات عالية في الأمتحان أي أن القبول يتم على أساس عنصر المنافسة. كم أتمنى إفتتاح مثل هذه المدارس في العراق حيث سيقرأ الطالب آداب الأمم بلغة الأم, كما سيكون على دراية بكل جديد يحدث في العالم في حقول العلم والآداب المختلفة, سيبني علاقات جديدة مع اقرانه في دول العالم المختلفة وسيكون التفاهم أسهل لأنه سيجيد لغاتها, فاللغات تفتح آفاق واسعة غير محدودة أمام المرء وتجنبه الكثير من الإحراجات والصعوبات الناتجة عن عدم إتقانه للغات أخرى. في الختام أود ان أقول أن رب العالمين عندما اختار بلاد وادي الرافدين ليبذر فيها بذور الإنسانية والحياة والعلم الأولى لم يكن إختياره هباءا لأنه في روح كل عراقي تكمن إمكانية وموهبة في مجال ما, في الكتابة, في الفن, في العلم في الرياضة وغيرها,هذه الأمكانيات يجب إحتضانها وتطويرها وهذا الشيء لا يتم الإ في المدرسة الصالحة وبوجود الأساتذة الواعين والمتمكنين. على أرض الرافدين وجدت القوانين الأولى وأول مكتبة في العالم في زمن آشور بانيبال وفي زمن الخليفة المأمون ترجمت العديد من الكتب من اللغة الاغريقية إلى العربية كما وظهر الكثير من العلماء والشعراء في زمن الخلافة العباسية وأستحقت بغداد بجدارة لقب ارجوحة الثقافة والعلم . وأذكر يوما إنني قرأت في جريدة الراصد البغدادية أن شاب من روسيا جاء طالبا العلم إلى بغداد في زمن العباسيين وقد أشاد بمستوى التدريس وأعرب عن سعادته بالعلم الذي يتلقاه في بغداد. جاء ذلك في رسالة كتبها لوالدته. العراقيون هم أصحاب اولى الحضارات والرسالات ومن هذا الينبوع يجب أن يستمدوا قوتهم وعزمهم لإجتياز الصعوبات وبدفع عجلة الحياة إلى الأمام. أدعوا الله أن تعود بغداد يوما منارة الدنيا وبهجتها في عصرها الذهبي.