الرئيسية »  الـنـثـــر»  كـتــابــات حـــرة»  اشراقات على حوار نعمة السوداني في متكأ البنفسج

اشراقات على حوار نعمة السوداني في متكأ البنفسج

عدد مرات المشاهدة :1812 - 04/ 9/ 2009

سعد عزيز دحام

اشراقات على حوار نعمة السوداني في متكأ البنفسج

  

كمن يسبر اعماق روحه ليبحث عن تلك الاسئلة المنتقاة ليدفعها تباعا الى فضاءات نعمة السوداني , الذي بدى بدوره يطلق بصمته ذلك عبر النداءات التي لا يمكن اسكاتها او عزلها, كأنها تعلن شكواها الخفية وقد اصبحت فاضحة لسرها ... ثم ما لبث ان حول اعماق صمته الى صرخات تلقائية , تحمل بين جنباتها معنى الاغتراب وويلات الحروب وسياط الجلاد والمقاومة واستنزاف الاحبة وهاجس البحث عن الراحلين في ذلك الفضاء الذي تحتويه روحه , وذلك الجسد الضعيف الذي انهكته بسالة الرفض واللاانحناء.. فقد كان يتكأ على قبضة صمته .. ذلك الصمت الذي اصبح شاهدا ومتوهجا بالعذابات الطويلة .

كانت بداية اللقاء لازالت خجلة حين سالته المحاورة امينه الحماقي.. ماذا منحتك نشوة البقاء طويلا في المنفى ؟؟؟ولكن المنفى لايمنح النشوة بقدر ما يمنح الم البعد عن ذكريات الطفولة ورائحة التراب الممزوج بالمطر...لكنه كعادته راح يراقص الكلمات بذلك التباهي الجميل بالارث الحضاري الرائع لأكد وسومر وبابل
كونه ابن هذا الارث حيث يقول :
انا ابن تلك الحضارة السومرية التي تتمتع بجماليات المكان والفكر والادب ...
لكنه يهجر كل هذا مجبولا بالبحث عن فضاءات سومر المفقودة في عوالم اوربية
مثل بلد هولندا حيث هناك يتعرف على الحنين , فيكتب بصحبته اجمل القصائد , لقد كان الحنين وفيا لنعمة السوداني , حيث سافر به في رحلات لا تنتهي اكثرها مصحوبة بذكريات تجسدت بسيل من الدماء الطاهرة للمناضلين الشيوعييين في سجون الطاغية والبعث المقبور وألم الانتظارات الطويله في زنزانات الاعدام و لقد كان الحنين وفيا للمواقف التاريخية البطولية والشجاعة للسجناء الشيوعيين لذا كان حديث ذلك الصمت عبارة عن نزيف للذكريات الحبيسة في فضاءات السوداني حتى الهزائم التي يتحدث عنها بتلك الكلمات المكلله بالجرح والمهجر ابت الا ان تتغنى بحب العراق امام سياط الجلاد وسعة الجرح وصرخات الالم.. وياتي الحنين لينتشله من عذاباته ويسافر به الى غابات القصب بحثا عن اكيدو وليسقيه صبرا ثم يسافر به الى امه لتسقيه ابجدية الاشياء كلها من حليبها الطاهر, هكذا حين عاد الى مقصلته اتسعت عيناه لتحتوي مجازر الجلاد وصخب الالم وشموخ الرجال فسالت حبرا وحكايات عن الزمن الذي توقف على دكة الحياة المعطلة هناك فكانت
ابجدية النهر.....

ابجدية النهر
البيت
صندوق خشبي
نخلته جمجمة
تصافح المرآة
تتزين بالبياض
وتنطق بالتناوب
غير ان شراعها الاخير
يكتفي بريشة اسنانه
ومصافحتي

خلف المرآة انا
راكبا بوصلتي
سالت يدي
عن اتجاه اصابعي
عن جدي وساعاته
تلك التي تكسرت في غابة الارز
قرب خمبابا
سالتها عن ثوبي
عن فزعي
عن طفلي الحالم
ذلك المسلوب عنوة
من خاصرتي

سالتها عن انفجار السواد
في عين عشتار
وهي تغادر الحانة
بكأس دسها ابو نواس
في جيبه المثقوب
وعن لغتي
كيف فقدت ابجدية النهر
وعن الموج
وهو ينزف القتلى
ينزفها
وكان النعش
يشرب الماء
من عروق الماء
وكانني
مؤمن بالخرافة
فالريح
صفراء باقدامها
صفراء بجمجمتها
التي تصافح تلك المرآة
بصندوقها الخشبي
وكانني انا
البيت .

ولكن تلك الروح حين فارقت دجلة والفرات طالما عاد بها الحنين لتتحنى بقصب العراق.. ونساء العراق .. وبخور العراق .. لابي نؤاس ونصب الحرية والسياب
ذلك الفضاء الرحب من الابداع الذي صنعته تلك الاسماء التي تلألأت في سماء العطاء الانساني الجميل بدءا بالمتنبي ومرورا بالشعر الكبير محمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري ومظفر النواب وسعدي يوسف ولميعة عباس عمارة والقائمة تطول لتحتوي على جنباتها من صقلته السجون والمنافي ....
حين التقيت المبدع نعمة السوداني اول مرة كان يسال مالذي يميز الفنان المبدع عن الفنان العادي ؟؟؟؟ فشاكسته قائلا : النقد يقوم بتحليل العمل الفني فيحكم على مواطن الجمال والقبح القوة والضعف الاكتمال والنقص فيه... فرد قائلا : اذا كان النقد فرع من فروع الفلسفة فان علم الجمال هو نقد النقد ..
هكذا هو نعمة السوداني يفرغ نزيف الالم من خلال علاقته بالفن , ذلك النشاط الانساني الذي تم الاستدلال عليه منذ عصور ماقبل التاريخ ليترك اثره في منتج نعمة السوداني الابداعي والذي ادى الى ان تتحفز استجابات جمالية لمتذوقين اخرين فخاض معهم الدرس في تاريخ علم الجمال والفن فدرسوا الفن محاكاة لافلاطون وارسطو و الفن تعبير لبندتوكروتشه وكذلك الفن ظاهرة اجتماعية لاميللا دور كايم وايضا الفن رمز لسوزان لانجر و الفن حدس لهنري برجسون وهكذا...

فلم يكن الفن مجرد نشاط خاص لنعمة السوداني بل تعداه ( ليكون )رؤية جديدة للحياة فقد استنتج تفاؤله من المه الممتد على مساحة نصف عمره ....
ايها العزيز المبدع نعمة السوداني اقول لك لقد عشت في الظلمة طويلا من اجل ان تعرف معنى الضوء والنافذة ...مثلما تقول في :

حكاية ظلي
بينما انا منشغلا
برسم ظلي
ثمة ضوء
تسرب
من نافذتي
وصياح ديك
سيذهب للجحيم
مساء اليوم
نذرا
كانت ريشتي
تشق طريقها
لجمع دواخلي المتناثرة
بين الالوان الداكنة
التي فقدتها
بعد رحيل الفجر
كصوت طائر

ظلي بارد كجسدي
معلق
كعنكبوت ينسج معاناتي
من هذيان الجدران
التي البستني ثيابها
ودفأتني
كصانعي التوابيت
وحفاري القبور
حين يلفون موتاهم
بجرحهم الكوني

اختبأت
خلف ظلي
شاردا يجر عربة الموتى
اتنفس ثقوب نافذتي
فيما
ضم الطير جناحيه.

سقطت وظلي
ببئر
تنفست فيه
ثوب يوسف
والذئب يحرسنا
بقينا معلقين
فانزلقت
وارتطمت بالهواء

تجمعت في حدقتي
صور كانت
قد تلاشت
في عالم ميؤوس
صار قديما

فللبوح جناح
يفترش الصمت
اراني متعددا
وانا معلق
ولأن ظلي منحني ولادة
اصبحت بلا راس
سقطت سرا
تكسرت حدقتاي
وريشتي
ومات الديك .

اخيرا وهكذا الان وقد اشرق الصباح الجميل في اي مكان منك تركت الظلمة .




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (5 تعليقات سابقة):

سعد عزيز دحام في 03/ 10/ 2011
سعد عزيز دحام العزيز احمد
محبتي
تكمن الروعة بجمال روحك وحضورك البهي ..دمت بخير.
احمد في 14/ 8/ 2011
احمد شيء رائع بالفعل
نعمه السوداني في 14/ 5/ 2010
نعمه السوداني الاستاذ العزيز خليل الغالبي
محبتي واحترامي
مشاعركم النبيله واحساسكم المرهف دفء لامثيل له لنا ..وانتم تنشدون الحب معنا نحن معا نعشق الحريه ونلملم الدواخل المتناثره بقلوب سليمه مخلصه...
شكرا لمروركم النبيل صوب مشاعرنا..
تحياتي لكم وللاخ العزيز الفنان المبدع سعد عزيز دحام .....
المخلص
نعمه السوداني
هولندا
سعد عزيز دحام في 06/ 1/ 2010
سعد عزيز دحام صديقي المبدع خليل مزهر الغالبي
لابد لرائع مثلك ان تخترق ريشته كل الألوان وصولا الى كل عوالم الجمال ..وان رحل الفجر ياصاحبي فأن شمس ابداعك باقية حاظرة تنير روحك من الداخل كما تحلق في سماء الأخرين.
لك حبي ..واسعدتني جدا بأطلالتك البهية .
خليل مزهر الغالبي في 05/ 1/ 2010
خليل مزهر الغالبي كانت ريشتي
تشق طريقها
لجمع دواخلي المتناثرة
بين الالوان الداكنة
التي فقدتها
بعد رحيل الفجر
كصوت طائر
.................
راح ابكي يا نعمة السوداني هكذا تريد ويريد الناقد -سعد عزيز
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: