| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 |
تلك الستينات الصاخبة 2 - 2
برهان الخطيب
الروائي برهان الخطيب
تانغو عربي
ذلك الشاعر المسمى بالكبير ليس وحده يرقص التانغو بمفرده في الساحة، ثمة آخر وآخر، احتضن الواحد منهم نفسه وراح يدور في كبرياء تفرضه النمرة، يشمخ ينحني على ظله يغازل أنفه كأنه استحوذ إلى الأبد على جميلة جميلات، منتقلا من لهو إلى لغو، بصخب ما عاد يطاق، ما سلم من ايماءاتهم التمثيلية حتى البعيد عن المسرح، تجمع أكثر من راقص منهم في صالة وسعها بلاد، بل بلدان، يعربدون في شبكات وحفلات متمطقين ناطقين شعرهم الميكانيكي مرة، وأخرى نثرهم التكتيكي، مضوا يطرطشون في مياه المثقفين والأدباء الأقليمية مهددين بإغراق زوارق آخر الحالمين، ولا ناقد يسمع، ولا رقيب يردع، بحار السياسة العليا تركها المسالمون لفرسان الطوائف وسيوفهم المسلولة، لقراصنة نفط عور ونواب زور، أخيرا هذي الخلجان الخاصة، يقتحمها بأوهام ملونة ذلك الشاعر وأشباهه، ممتطين مراكب أدب خالص، وهم في مغاطس صدئة، عورات مهترئة في أعينهم مدافع، يشخبطون خزعبلات تقدم للعالم روائع، ولهم حق، البعض لذاك وهذا رحمه، ترجمه وما رجمه، مؤخرا طلع علينا أحدهم بمقال، في مجلة ذات شأن وحال، يروي عن جيل الستينات، شرّق وغرّب، كأنه قائد الجيل، وما كان له ذكر تلك الأيام على صهوة سوى في صبوة. (الآداب) اللبنانية، مجلة جبرا (العاملون في النفط) الشهرية، فصلية المطبعي (الكلمة) الرائدة، راية جيل الستينات حينه، (عبقر) صدرت أيضا آنذاك، (الأقلام) ، كلها ما ضمته ولا عطفت عليه إلاّ عند انعطافة العقد، حين ضُم لصحيفة ثم استلهم ما سماه (البيان الشعري) مما نشر قبله. ذاكرتي و(الكلمة) وغيرها من أواخر الستينات أمامي، فيها عشرات الأسماء المعروفة الآن جيدا، اسمه ليس بينها، قال ما استوعبَتْ الكتابة الحرة، شاء ليُعرف أن يكون من متفنطزين، بغير ضوابط فنية، كآخرين كتبوا تلك الأيام، ظنهم أبدعوا أدبا وهم في الحقيقة صنعوا صخبا، ويعود يدوخنا بمقاله عن بيان شعري له منشور بمجلة عام 1969، يتكلم عنه كأنه الصوت والصدى لذلك الجيل، حتى التشكيليين العراقيين انطلقوا منه برأيه، وقت استلهمه هو في الحقيقة من سطور على غلاف رواية (ضباب في الظهيرة) الصادرة قبل بيانه بعام كامل، أي عام 1968، أردتها قالبا لمعتقد الستينيين الأدبي، يؤطر الإجتماعي داخل الفني الجديد، لا العكس كما أراد هو وغيره، ثورة بغير حدود وتبددت طاقتهم بهلاوس حرية مطلقة. هكذا ظهر ذلك التقديم على الغلاف قبل أربعين عاما:
هذه الرواية ليست مثل كل الروايات، إنها نزيف فكري مؤلم عنيف وعملية كتابتها كانت استشهادا حقيقيا بالنسبة لي، ولقد رأيت آنذاك إن كل العوالم المنظمة التي يخلقها المؤلفون الآخرون في كتاباتهم ما هي إلاّ محض كذب وافتراء.. وكانت المباشرة فيها تعبيرا عن إفلاس الفن في مخاطبة الإنسان في عصر القنبلة والحروب الدموية. والرواية أخيرا محاولة لتبديد الجو الضبابي المعتم الذي يعيشه أبطال هذه التراجيديا الإنسانية وسط ظهيرة الصراع الاجتماعي المحتدمة في الخارج بكل وضوح.. (انتهت السطور) الأديب الراحل غسان كنفاني كتب عن الرواية هذه في (الأنوار) اللبنانية بعد حين ممتدحا.
البيان الشعري جاء بهذا بعد عام: كان الشعراء في الماضي يسيرون على ركاب الملوك ويمجدون حروبهم التافهة.. أما الشاعر الجديد الذي يواجه كل بؤس العالم فلا يمكن له إلاّ أن يكتب من داخل الجحيم، حيث يخوض حرب الحرية حتى النهاية. (انتهى الاقتباس) مناقشته ما كانت ولا الآن في بالي، إنما وأنا استذكر الستينات الخالدة بصخبها حتى الآن وما صرنا إليه أرى منعطفاتها أمامي حاضرة.
نعم، الأديب لا يسيئ حتى بأدب
تم التعتيم لاحقا وفي أكثر من استعراض لأدب جيل الستينات على أسماء لها حضور بيّن فيه، من كتاب قصة وشعراء خلاف نقاد، لاحظ ذلك أكثر من متتبع واستفسروا عن سبب يمسني، قلت ولقلة الوقت ابتعدت عن مجالس الستينيين بعد تعرفي عليهم، ابتليت بالهندسة والأدب وكان عليّ إيفاؤهما حقهما، عملت بالوزارة وتبوأت وقتذاك صفحات مجلة جبرا غالبا والمطبعي وجرائد قبل مغادرتي العراق نهاية الستينات. مع عبد الرحمن الربيعي كنت أول من نشر مجموعة قصص، ثم أول من نشر رواية من جيل الستينات. هذه أمور تناولها نقد وثبتها، حاول البعض لمصلحة شخصية صياغتها بطريقته لحياتنا الثقافية، مثلما خلطوا الحابل بالنابل في حياتنا السياسية وأضاعوا الوطن أو كادوا. غياب نقادنا الكبار مثل عبد الجبار عباس، علي جواد الطاهر، عبد الجبار البصري، عبد الإله أحمد، وسيطرة أحزاب على النشر والعملية الأدبية، وتقاعس أدباء في الدفاع عن استقلاليتهم، ولقسوة الظرف، ترك أثرا سلبيا على الحياة الأدبية العراقية، كعدم تبلور مرجعية أدبية محايدة معترف بها رسميا أو عموما، كغياب منظومة قيم، كانهيار ثقافة، أحدى أهم دعامات مجتمع، حال رفع غطاء السلطة واندحارها، لإرسائها على أسس حزبية أو عشائرية أكثر منها وطنية. عن أي اتحاد أدبي أو نقابي تكلموا ويتكلمون وهو يخضع لهؤلاء تارة ولأولئك تارة. منتصف الثمانينات فاتحت صديقين أحدهما يعمل في الإمارات الآن بضرورة تأسيس تجمع ثقافي مستقل، رافد لوجود وطني لاحزبي، وصلت الفكرة لحزبيين حالا وقفزوا من موسكو إلى بيروت وأسسوه دون إعلام. رددت برسالة في سبع صفحات أثارت عميدتهم، نسخة منها معي رغم الحدثان، مر عليها ربع قرن ومازالت حية كأنها كتبت لديمقراطية هذا الزمان، وعروضه وإبداعاته بما فيها من أحزان..
في غياب النقد ورقابة رسمية ثمة ضرورة لضوابط ذاتية، تدوزن علاقاتنا وحياتنا الثقافية، مستمدة لا من أهواء ورغبات فردية بل من مجمل القيم النبيلة المحركة للعملية الأدبية والثقافية الطامحة لترشيد ورفع حياة خاصة وعامة إلى مستوى عال، لمحاربة استغلال الأدب من البعض لمنفعة ضيقة، ومن إيديولوجيات، لمكاسب اقتصادية على حساب الإنسانية، تعني بالكم قبل النوع. لكن، هل من جدوى لضوابط ذاتية وهي خاضعة غالبا لأهواء؟ يبدو لي لا خيار غيرها. وفي ارتباكها وارتكابها خطأ يكون لذوق خبراء وذوق عام دور فيصل رائد. لقد ماتت الستالينية.
سوء التصرف والتقدير الذي ذكرته ليس أتعس أمثلة عندي على فوضى ثقافية وسياسية يحسن درؤها لمصلحة عامة، ثمة أمثلة أخرى أربأ عن الخوض فيها، السكوت عنها قد يضاعفها، لرئيس مستشار نام حول موائد وأسوأ، والآن لثقافة هو قائد، تصفق له أو تسكت؟ أديب مشهور عرفه قال فيه كفرمان في حضرة إماراتي عارف أصيل: من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج. حقا، أقام مهرجانات فروسية على المَدى، وفي عبه للفرسان مُدى. و سيده يقلب الصورة، عنه قيل تقودنا بحلف إلى كارثة، رد وبكلمات غيره: هو القمر وناقدوه كلاب. عزّت الكلمات عليه رغم نزيفها، ما وجد غير استعارة، وهو رئيس وله مستثار يدعي استنارة. الصدى لعبة لاهين. يضمحل أخيرا.. كلمات.. كلمات.. كلمات..
وثمة أفاضل لهم قدرة للتقدير والتصدي أوفر. نعم، لو طال السكوت في صخب ما طال مرامه. الثقافة تشبه السماء في ما تنتظر. جو حسن يعتمد على ماذا تريد. الأجواء حسنة وسيئة في آن. السيئ لحارث الحقل غير السيئ لحارث العقل، هذا لو بقى عقل في (عالم مجنون مجنون مجنون) فيلم الستينات الرائع هذا مَن يستطيع نسيانه؟ إساءة الأدب يرد عليها حصيف بالصمت عادة، إلاّ إذا أوغل المسيء، الإستثناء ليس خطأ دائما.
شائع القول عن بعض أهل الثقافة قد تراه بعيدا عن الثقافة عند اقتراب إليه. قد يُفسر ذلك بأن عالم الثقافة والقيم، المشبع بنبل عادة، باعتباره حلما بحياة أفضل، عالم أو حلم يكاد يكون نقيضا لجاره، عالم الواقع الناقص المحدود. يتماسان، يصطدمان، وعن عقد واخفاقات قديمة يندفع ذلك البعض، عن إحساس بمظلومية صادر من ثقافة، وعدوانية يغذيها واقع محبط، إلى تصرف بعدوانية، خاصة عند احتكاك ساخن، في وسط لا يحاسب بحزم عليها، قد ينظر إليها شجاعة، لكني أراها جريمة غير منفذة، ينبغي الرد عليها، وإلاّ أصبحنا أسوأ.
الأدب والأديب هما المثال إذا خربا خربت الحياة. الفصل بين الأدب والأديب لحظة متدنية في تكونهما.
تصور متشائم يؤكد أن العالم أصبح أسوأ فعلا، الأفاضل يقل عددهم، الحروب تأخذ الشجعان، يكثر الجبناء، يصعد ماكرون ومتزلفون إلى واجهة، يتراجع نزيهون وصادقون، هكذا يصبح لباقين يوم القيامة يوم قمامة. برهانه صغار بمكر يتدنصرون، جهلة بكذب يتدكترون، زوالهم آن بمذنب احتلال ضال يبقي على السطح فئران. تفقد فكرة الخلود بريقها. الواحد يسمع ويقرأ العجب. أو أنه اختفى ولا أدري؟ أما إذا كان العالم يمضي بتغيير إلى ازدهار، فهذا يعني بفضل معارضة، داينمو التغيير، إذن يجب دعمها، على الطريق يحول العراك إلى حوار، فوفاق، بمثقفين نزيهين وربما ساسة. أملي للثقافة والأدب قدرة على علاج جروح الروح وأكثر.
النفط وغلاؤه ومركزه في الاقتصاد، ثكالى الرافدين ونوحهم، سكوت المثقفين وبوحهم، محاصرو غزة، سحب إيران، ذلك محبط لحيران، لكن أضاءت قطر والجيران، ليت إضاءات أخرى تنير الطريق، يتم تفعيل الثقافة والاقتصاد قبل اتساع حريق، بتعاون أكثر من مصدر، لمصلحة أهل يستعيدون قوة حلم الستينات، بمضامين وأشكال جديدة، تجسدها مشاريع ومؤسسات إبداع عتيدة، دعونا نتوقف ولا نتساءل ما الإبداع، كل كلمة بغياب نظام عام غائب تصبح كلمات، كلمات، كلمات، حتى كلمة النظام نفسها. لابد من توازن العام والخاص لبلوغ استقرار، بتنشيط الإمكانيات والفعاليات.
مصر القلب صدرت زمن الفراعنة الحبوب وتستوردها اليوم لكن ها هي تعمر شاطئ البحر الأحمر، تستصلح أراضيها البور، تصدر الغاز. وإلى المغرب تتعزز آمال بتكامل مع مشرق وإلى موريتانيا والصومال. والعراق الدرع المثقوب صدر زمن السومريين والبابليين الثقافة، استوردها ردحا، لكن برفض وصاية يعيد المهابة للبدلة والصاية. وسوريا ولبنان لو فصم بينهما جسر امتدت جسور. لكل بلوى سلوى، لنحفظ إذن للقلم المداد، وللأعصاب حالة السداد.







del.icio.us
Digg
عرشه ماء


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك